زيد بن حارثة

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 20 دقيقة قراءة

سيرة زيد بن حارثة

٢٨٩٧- زيد بن حارثة «٤»

: بن شراحيل الكعبي.

تقدم نسبه في ترجمة ولده أسامة بن زيد قال ابن سعد: أمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر، من بني معن من طيِّئ [وقال ابن عمر ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب: ٥] الحديث أخرجه البخاريّ] «٥» .


(١) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه ١٠/ ٤٤٥ (٦٠١٨) ومسلم ١/ ٦٨ (٧٥- ٤٧) .
(٢) أسد الغابة ت [١٨٢٧] ، الاستيعاب ت [٨٤٧] .
(٣) الثقات ٣/ ١٤١، تجريد أسماء الصحابة ١/ ١٩٧، الاستبصار ١٢٤، طبقات الحفاظ ٩٣، شذرات الذهب ١/ ٩، التاريخ الصغير ١/ ٣١٥، الوافي بالوفيات ١٥/ ٢٥، أسد الغابة ت [١٨٢٨] .
(٤) أسد الغابة ت [١٨٢٩] ، الاستيعاب [٨٤٨] ، المسند لأحمد ٤/ ١٦١، طبقات ابن سعد ٣/ ١/ ٢٧، طبقات خليفة ٦، تاريخ خليفة ٨٦، ٨٧، التاريخ الكبير ٣/ ٣٩٠، التاريخ الصغير ١/ ٢٣، الجرح والتعديل ٣/ ٥٥٩، ابن عساكر ٦/ ٢٩١، ١، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٠٢، ٢٠٣، تهذيب الكمال ٤٥٣، العبر ١/ ٩، مجمع الزوائد ٩/ ٢٧٤، العقد الثمين ٤/ ٤٥٩، ٤٧٣، تهذيب التهذيب ٣/ ٤٠١، خلاصة تذهيب الكمال ١٢٧، تهذيب تاريخ ابن عساكر ٥/ ٤٥٤.
(٥) ليس في أ.

وحدثنا هشام بن محمد بن السّائب الكلبيّ، عن أبيه، وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما، قالوا: زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهليّة على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدا وهو غلام يفعة، فأتوا به في سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وهبته له، وكان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال:

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل [الطويل] في أبيات يقول فيها:

أوصي به عمرا وقيسا كلاهما ... وأوصي يزيدا ثمّ بعدهم جبل «١» «٢» [الطويل] يعني بعمرو وقيس أخويه، وبيزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، وبجبل ولده الأكبر، قال: فحجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات:

أحنّ إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأنّي قطين البيت عند المشاعر [الطويل] في أبيات.

فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعا،

فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النّبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا بن عبد المطّلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم اللَّه تفكّون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، فإنا سنرفع لك. قال وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال: أو غير ذلك؟ أدعوه فخيّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء. وإن اختارني فو اللَّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء قالوا: زدتنا على النّصف، فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمّي، قال: فأنا من قد


(١) في ت بجل.
(٢) ينظر البيت الأول والثاني في أسد الغابة ترجمة رقم (١٨٢٩) والاستيعاب ترجمة رقم (٨٤٨) الأول والأخير منهما وفي الطبقات ٣/ ٢٨. وسيرة ابن هشام ١/ ٢٤٨.

علمت، وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما.

فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعمّ.

فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبوديّة على الحرية، وعلى أبيك وعمّك وأهل بيتك؟

قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا.

فلما رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: «اشهدوا أنّ زيدا ابني، يرثني وأرثه» ، فلما رأى ذلك أبوه وعمّه طابت أنفسهما، وانصرفا، فدعي زيد بن محمد حتى جاء اللَّه بالإسلام.

وقد ذكر ابن إسحاق قصّة مجيء حارثة والد زيد في طلبه بنحوه.

وقال ابن الكلبيّ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس: لما تبنّى النّبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم زيدا زوّجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطّلب، وزوّجه النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم قبل ذلك مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم لما طلق زينب زوّجه أم كلثوم بنت عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطّلب، فولدت له زيد بن زيد، ورقية، ثم طلق أم كلثوم، وتزوّج درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوّج هند بنت العوام أخت الزبير.

وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمّد حتى نزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب: ٥] .. الحديث. أخرجه البخاريّ.

ويقال: إن النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم سمّاه زيدا لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم قصي وقد تقدم ذكر مجيء أبيه إلى مكّة في طلب فدائه في ترجمته.

وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: ما نعلم أن أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبد الرزّاق: لم يذكره غير الزهريّ.

قلت: قد ذكر الواقديّ بإسناد له عن سليمان بن يسار جازما بذلك. وقاله زائدة أيضا.

وشهد زيد بن حارثة بدرا وما بعدها، وقتل في غزوة مؤتة، وهو أمير، واستخلفه النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في بعض أسفاره إلى المدينة.

وعن البراء بن عازب أنّ زيد بن حارثة قال: يا رسول اللَّه، آخيت بيني وبين حمزة.

أخرجه أبو يعلى.

وعن عائشة: ما بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد قويّ عنها.

وعن سلمة بن الأكوع، قال: غزوت مع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمّره علينا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم. أخرجه البخاريّ.

قال الواقديّ: أول سرايا زيد إلى القردة «١» ثم إلى الجموم «٢» ثم إلى العيص «٣» ثم إلى الطّرف «٤» ، ثم إلى حسمى ثم إلى أم قرفة، ثم تأميره على غزوة مؤتة، واستشهد فيها وهو ابن خمس وخمسين سنة، ولم يقع في القرآن تسمية أحد باسمه إلا هو باتفاق ثم السّجلّ إن ثبت.

وعن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لزيد بن حارثة: «يا زيد، أنت مولاي، ومنّي وإليّ وأحبّ النّاس إليّ»

أخرجه ابن سعد بإسناد حسن، وهو عند أحمد مطول.

وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: «وايم اللَّه إن كان لخليقا للإمارة- يعني زيد بن حارثة- وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ.»

أخرجه البخاري.

وروى التّرمذيّ وغيره من حديث عائشة، قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه حتى اعتنقه وقبّله.

وعن ابن عمر: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته، فقال: إنه كان أحبّ إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم منك، وإن أباه كان أحبّ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم من أبيك. صحيح.


(١) قردة: بالتحريك: ماء أسفل مياه الثلبوت بنجد في الرمة لبني نعامة وقيل بالفاء وقد مرّ. انظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٧٧.
(٢) الجموم: هو أرض لبني سليم وبها كانت إحدى غزوات النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، أرسل إليها زيد بن حارثة غازيا. انظر: معجم البلدان ٢/ ١٩٠.
(٣) العيص: بالكسر واحد الّذي قبله: موضع في بلاد بين سليم به ماء يقال له ذنبان العيص وهو فوق السّوراقيّة والعيص: حصن بين ينبع والمروة وقيل: هو عرض من أعراض المدينة على ساحل البحر. انظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٥.
(٤) طرف: بالتحريك وآخره فاء. قال الواقدي: الطرف ماء قريب من المرمى دون النخيل وهو على ستة وثلاثين ميلا من المدينة وقال ابن إسحاق: الطرف من ناحية العراق وطرف القدّوم بتشديد الدال وضمّ القاف ثنيّة بالسراة مخفف والمحدّثون يشددونه م/ ٢/ ٨٨٥.

وعن زيد بن حارثة رواية في الصحيح عن أنس عنه في قصة زينب بنت جحش. روى عنه أنس، والبراء بن عازب، وابن عبّاس، وابنه أسامة بن زيد، وأرسل عنه جماعة من التّابعين.

زيد بن حارثة حسب الاستيعاب في معرفة الأصحاب

وهذا عندنا محمولٌ علَى حضرَتِهم، لا على ما نأَى عنهم، وأمَّرُوا عليه مِن أعمالِهم غيرَهم؛ لأنَّ استقضاءَ عمرَ لشُريحٍ عَلَى الكوفة أشهَرُ عندَ علمائِها من كلِّ شُهرةٍ وصحَّةٍ.

ولمَّا قُتِلَ زيدُ بنُ الخطَّابِ ونُعِيَ إلى أخيه عُمرَ، قالَ: رحِمَ اللهُ أخي، سبَقَني إلى الحُسنَيَيْنِ، أَسلَمَ قبلِي، واستُشهِدَ قبلِي (١).

وقالَ عُمرُ لِمُتمِّمِ بنِ نُويرَةَ حينَ أَنشَدَه مَراثيه في أخيه: لو كنتُ أُحسِنُ الشِّعرَ لقَلْتُ في أخِي زيدٍ مثلَ ما قلْتَ في أخيكَ، فقالَ مُتمِّمٌ: لو أنَّ أخي ذهَبَ على ما ذهَبَ عليه (٢) أخوكَ ما حزنْتُ عليه، فقالَ عُمرُ: ما عزَّاني أحَدٌ بأحسَنَ ممَّا عزَّيتَني به (٣).

[٨٠١] زيدُ بنُ حارثةَ (٤) بنِ شَراحِيلَ الكَلبيُّ أبو أُسامةَ، مَولَى رسولِ الله (٥)، هو زيدُ بنُ حارثةَ بن شَراحيلَ بنِ كعبِ بنِ عبدِ العُزَّى [بنِ يزيدَ] (١) بنِ امرئِ القَيسِ بنِ عامرِ بنِ النُّعمانِ بن عامرِ ابن عبدِ وُدِّ [بنِ امرئ القيس بن نُعمانَ بنِ عمرانَ بنِ عبدِ عوف] (٢) بنِ عوفِ بنِ كِنانةَ بنِ بكرِ بنِ عوفِ بنِ عُذْرَةَ بنِ زِيدِ اللَّاتِ بنِ رُفيدَةَ بنِ ثَورِ بنِ كَلبِ بنِ وَبَرَةَ بنِ تَغلِبَ (٣) بنِ حُلوانَ بنِ عِمرانَ بنِ الحافِ بنِ قُضاعةَ [بن مالك بنِ عمرو بنِ مُرةَ بنِ زِيدِ بن مالكِ بن حميرَ بنِ سبأ ابن يَشْجُبَ بن يَعرُبَ بن قحطان] (٤)، هكذا نسَبَه ابنُ الكَلبيِّ وغيرُه (٥)، ورُبَّما اختلفُوا في الأسماء وتقديم بعضِها علَى بعضٍ، وزيادة شيءٍ فيها.

قالَ ابنُ الكَلبي: وأمُّ زيدٍ سُعدَى بنتُ ثعلَبَةَ بنِ عبدِ عامرِ بنِ أَفَلَتَ من بني مَعنٍ (٦) مِن طَيِّيءٍ (٧).

وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ (٨): زيدُ بنُ حارثةَ بنُ شُرَحبيلٍ.

[ولم يُتابَعْ على قولِه: شُرحبيلٌ] (٩)، وإنَّما هو شَراحيلُ.

كان زيدٌ هذا قد أصابَه سباءٌ في الجاهليةِ، فاشتراه حكيمُ بنُ حزامٍ في سوقِ حُبَاشَةَ، [وهي سوقٌ بناحيةٍ مكَّةَ كانَت مَجمعًا للعربِ يتسوَّقونَ بها في كلِّ سنةٍ، اشتراه حكيمٌ] (١) لخديجةَ بنتِ خُويلدٍ، فوهَبتَه خديجةُ لرسول الله ، فتبنَّاه رسولُ الله بمكَّة قبلَ النُّبوَّة، وهو ابنُ ثمان سنين، وكان رسولُ اللهِ أكبَرَ مِنه بعشرِ سِنينَ، [وقَد قيل: بعشرين سنةً] (٢)، وطافَ به رسولُ اللهِ حينَ تبنَّاه على حَلَقِ قُريشٍ، يقولُ: "هذا ابني وارثًا وموروثًا" يُشْهِدُهم على ذلك، هذا كلُّه معنَى قولِ مُصعبٍ والزُّبيرِ بنِ بكَّارٍ وابنِ الكلبيِّ وغيرِهم (٣).

قال عبدُ الله بنُ عمر رضي الله عنهما: ما كنَّا ندعو زيدَ بنَ حارثةَ إِلَّا زيدَ بنَ محمدٍ، حتَّى نَزَلَت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (٤).

ذكَرَ الزُّبيرُ، عنِ المَدائنيِّ، عن ابنِ الكَلبيِّ، عن أبيه، عَن جَميل ابن يزيد الكَلبيِّ، وعَن أبي صالِحٍ، عَنِ ابنِ عباسٍ - وقولُ جَميلٍ أتمُّ - قالَ: خَرَجَت سُعدَى بنتُ ثعلبةً أُمُّ زيدِ بنِ حارثةَ، وهي امرأةٌ مِن طيِّيءٍ، تزورُ قَومَها، وزَيدٌ معَها، فأغارَت خَيلٌ لبنى القَينِ بنِ جَسرٍ في الجاهليَّةِ، فَمَرُّوا على أبياتِ بَني مَعنٍ - رَهْطٍ أُمِّ زيدٍ - فاحتَمَلوا زيدًا وهو يومَئذٍ غلامٌ يفَعَةٌ، فوافَوْا به سُوقَ عُكاظٍ، فعَرَضوه للبَيعِ، فاشتراه منهم حَكيمُ بنُ حِزامِ بن خُوَيلِدٍ لَعَمَّتِه خَديجَةَ بنتِ خُوَيلِدٍ بأربعِمائةِ درهمٍ، فلمَّا تزوَّجَها رسولُ اللهِ وهَبَته له، فقبَضَه، وقالَ أبوه حارثةُ بنُ شَراحيلَ حينَ فَقَدَه:

بكَيْتُ على زيدٍ ولَم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحَيٌّ يُرجَّى أم أتى دُونَه الأجَلْ فواللهِ مَا أَدْرِي وإن كنتُ سائلاً … أغالَك سَهْل الأرض أم غالَكَ الجَبَلْ فيا لَيتَ شِعري هل لك الدَّهر رجعَةٌ … فحَسْبِي مِنَ الدُّنيا رُجوعُك لي بَجَلْ (١)

تُذَكِّرُنِيه الشَّمسُ عندَ طُلوعِها … وتعرِضُ ذِكْرَاه إذا قارَبَ الطَّفَلْ (٢)

وإن هَبَّتِ الأرواحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَه … فيا طُولَ ما حُزنِي (٣) عليه ويا وجَلْ سأُعْمِلُ نَصَّ العِيسِ (٤) في الأرضِ جاهِدًا … ولا أسأمُ التَّطوافَ أو تسأمُ الابلْ حيَاتِي أو تأتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … وكُلُّ امرِيُّ فانٍ وإِن غَرَّه الأَمَلْ (٥)

سأوصِي به قيسًا وعَمرًا كليهما … وأُوصِي يزيدًا (٦) ثمَّ مِن بَعدِه جَبَلْ يعني جبلَةَ بنَ حارثةَ أخا زيدٍ، وكانَ أكَبَرَ مِن زيدٍ، ويعني يزيدَ (٧)

أخا زيدٍ لأمِّهِ، وهو يزيدُ بنُ كعبِ بنِ شَراحيلَ.

فحَجَّ ناسٌ مِن كَلبٍ فرَأوا زيدًا فعرَفَهم وعرَفَوه، فقالَ لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإنِّي أعلَمُ أنَّهم قد جزِعُوا عَلَيَّ، فقالَ:

أحِنُّ (١) إلى قَومِي وإن كنتُ نائيًا … فإنِّي قَعِيدُ (٢) البيتِ عندَ المَشاعرِ فكُفُّوا مِنَ الوَجدِ الذي قد شجَاكُمُ … ولا تُعْمِلُوا في الأرضِ نصَّ الأَباعِرِ فإِنِّي بحمدِ اللهِ في خيرِ أُسْرَةٍ … كرامِ معدٍّ كابِرًا بعدَ كابِرِ فانطلَقَ الكَلبيُّون، فأعلَمُوا أباه، فقالَ: ابني ورَبِّ الكَعبةِ، ووصَفُوا له مَوضِعَه، وعندَ مَن هو، فخرَجَ حارثهُ وكعبٌ ابنا شَراحيلَ لفدائِه، وقدِما مكَّةَ فسألا عن النَّبيِّ ، فقيلَ: هو في المَسجدِ، فدخَلا عليه، فقالا: يا ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ، يا ابنَ هاشمٍ، يا ابنَ سَيِّدِ قومِه، أنتم أهلُ حرَمِ اللهِ وجيرانُه، تفكُّونَ العانِيَ، وتُطعِمُون الأسيرَ (٣)، جئناك في ابنِنا عبدِك (٤)، فامنُنْ علينا، وأحسِنْ إلينا في فدائِه، قال: "مَن هو؟ " قالوا: زيدُ بنُ حارثةَ، فقالَ رسولُ اللهِ : "فهلَّا غيرَ ذلك؟ " قالوا: ما هو؟ قال: "أدعُوه فأُخَيِّرُه (٥)، فإن اختارَكم فهو لكم، وإن اختارَني فوالله ما أنا بالذي أختارُ علَى مَن اختارَني أحَدًا قالا: قد زدْتَنا علَى النَّصَفِ (١)، وأحْسَنْتَ، فدعاه، فقال: "هل تعرفُ هؤلاءِ؟ " قال: نعَم، قالَ: "من هذا؟ " قال: أبي، وهذا عمِّي، قال: "فأنا مَن قد علِمْتَ، ورأيْتَ صُحبَتي لك، فاختَرْني أو اختَرْهما قال زيدٌ: ما أنا بالذي أختارُ عليك أحَدًا، أنتَ منِّي مكانَ الأبِ والعَمِّ، فقالا: ويحَك يا زيدُ! أتختارُ العُبوديةَ على الحُريَّةِ وعلى أبيكَ وعمِّك، وأهلِ بيتِك؟! قالَ: نعَم، قد رأيْتُ مِن هذا الرجُلِ شيئًا، ما أنا بالذي أختارُ عليه أحَدًا أبَدًا، فلمَّا رأى رسولُ اللهِ ذلك أخرَجَه إلى الحِجر، فقالَ: "يا مَن حضَرَ، اشْهَدُوا (٢) أَنَّ زيدًا ابني يرثُني وأرِثُه"، فلمَّا رأى ذلك أبوه وعمُّه طابَت نفوسُهما فانصَرَفا، ودُعِيَ زيدَ ابنَ محمدٍ، حتَّى جاءَ اللهُ بالإسلامِ فَنَزَلَت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فدُعِيَ يومَئِذٍ زيدَ بنَ حارثة، ودُعِيَ الأدعياءُ إلى آبائِهم، فدُعِي المِقدادُ بن عمرٍو، وكانَ يُقالُ له قبل ذلك: المِقدادُ بنُ الأسودِ؛ لأنَّ الأسودَ بنَ عبدِ يغوثَ كانَ قد تبَنَّاه (٣).

وذكَرَ مَعْمَرٌ في "جامعِه" (٤)، عنِ الزُّهريِّ، قال: ما علِمْنا أحَدًا أسلَمَ قبل زيدِ بنِ حارثةَ، قالَ عبدُ الرَّزَّاقِ: وما أعلَمُ أَحَدًا ذكَرَه غيرَ الزُّهريِّ.

قالَ أبو عمرَ رضي الله عنه: وقد رُوي عن الزُّهريِّ مِن وجوهٍ أنَّ أَوَّلَ مَن أسلَمَ خَديجةُ.

وشهِدَ زَيدُ بنُ حارثةَ بدرًا، وزَوَّجه رسولُ اللهِ مَولاتَه أمَّ أيمنَ، فولَدَت له أُسامةَ بنَ زيدٍ، وبه كانَ يُكنَى، وكان يُقالُ لزيد بن حارثةَ: حِبُّ رسولِ اللهِ .

رُويَ عنه أنَّه قالَ: "أحَبُّ الناسِ إِليَّ مَن أَنْعَمَ اللهُ عليه وأَنْعَمْتُ عليه" (١)، يعني زيدَ بنَ حارثةَ، أنْعَمَ اللهُ عليه بالإسلام، وأنعَمَ عليه رسولُ الله بالعِتقِ.

وقُتِلَ زيدُ بنُ حارثةَ بمُؤتةً مِن أرض الشَّام سنَةَ ثمانٍ مِن الهِجرةِ، وهو كانَ الأميرَ على تلك الغَزوةِ، وقالَ رسولُ الله : "فإن قُتِلَ زيدٌ فجعفَرٌ، فإن قُتِلَ جعفَرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ" (٢)، فقُتِلُوا (٣) ثلاثَتُهم في تلك الغزوةِ، ولمَّا أتَى رسولَ الله نعيُ جعفَرِ بن أبي طالبٍ وزيدِ بنِ حارثة بكَى، وقالَ: "أخوايَ ومُؤنِسايَ ومُحدِّثايَ" (٤).

حدَّثَني أبو القاسِمِ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ [بنِ جَبْرونَ] (١)، قال: حدَّثَنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي خَيْثَمَةَ، قال: حدَّثنا ابنُ مَعينٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيْرٍ المصريُّ، قال: حدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قالَ: بلغَني أَنَّ زِيدَ بنَ حارِثَةَ اكتَرَى مِن رجُلٍ بَغلًا مِنَ الطَّائف واشترَطَ عليه الكَرِيُّ أَن يُنزِلَه حيثُ شاءَ، قال: فمالَ به إلَى خَرِبَةٍ، فقال له: انزِلْ، فنزَلَ، فإذا في الخَرِبَةِ قتلَى كثيرَةٌ (٢)، قال: فلمَّا أرادَ أن يقتُلَه، قالَ له: دَعْني أُصلِّي ركعتينِ، قالَ: صَلِّ؛ فقَد صلَّى قَبلَك هؤلاء فلَم تنفَعْهم صلاتُهم شيئًا، قالَ: فلمَّا صلَّيتُ أتاني ليقتُلَنِي، قال: فَقُلْتُ: يا أرحمَ الرَّاحِمينَ، قالَ: فسمِعَ صوتًا: لا تَقتلْه، قال: فهابَ ذلك، فخرَج يطلُبُ فلم يَرَ شيئًا، فرجَعَ إلىَّ، فنادَيتُ: يا أرحَمَ الرَّاحمينَ، ففعَلَ ذلك ثلاثًا، فإذا أنا بفارس علَى فَرَسٍ في يدِه حَربَةُ حديدٍ، في رأسِها شُعلَةٌ من نارٍ، فطعَنَه بها فأنفَذَه من ظَهرِه، فوقَعَ ميِّتًا، ثُمَّ قَالَ لِي: لَمَّا دعوتَ المَرَّةَ الأولى: يا أرحمَ الرَّاحِمينَ، كنْتُ في السَّماءِ السَّابعةِ، فلمَّا دعوتَ في المرَّةِ الثَّانيةِ: يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ، كُنْتُ في السَّماءِ الدُّنيا، فلمَّا [دعَوتَ في المرَّةِ] (٣) الثَّالثةِ: يا أرحَمَ الرَّاحمينَ، أتيتُك (٤).

زيد بن حارثة حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شُرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ زَيْدِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وَدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَيُقَالُ: إِنَّ أُمَّهُ سَعَادَةُ بِنْتُ زَيْدٍ، مِنْ طَيِّئٍ، يُكَنَّى: أَبَا أُسَامَةَ، رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِالْبَطْحَاءِ يُنَادَى عَلَيْهِ لِلْبَيْعِ، فَأَتَى خَدِيجَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَالِهَا، فَوَهَبَتْهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَعْتَقَهُ. وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ بِهِ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِنَ الشَّامِ وَصِيفًا، فَاسْتَوْهَبَتْهُ مِنْهُ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبَهُ لَهَا، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ، وَنَزَلَ فِيهِ {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] ، {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: ٣٧] ، أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِتْقِ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ عَلِيٍّ. خَيَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ مَعَ أَبِيهِ إِلَى أَهْلِهِ أَوْ يُقِيمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاخْتَارَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى هَاجَرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَالْمَشَاهِدَ، حَتَّى اسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ، سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّاهُ فَسُمِّيَ: زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] ، كَانَ يُسَمَّى: زَيْدًا الْحِبَّ، كَانَ حِبَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِهِ فِي سَرِيَّةِ مُؤْتَةَ، وَشَيَّعَهُ. رَوَى عَنْهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا بِنَسَبِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، ثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَذَكَرَهَا ٢٨٤٦ - حَدَّثَنَا فَارُوقٌ الْخَطَّابِيُّ، ثنا زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، ثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: " وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

زيد بن حارثة حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) زَيْد بن حَارِثَة بن شَرَاحِيل بن كعب بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وُدَّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذْرة بن زَيد اللات بن رُفَيدة بن ثَور بن كَلْب بن وَبْره بن تغْلِب (٣) بن حُلوان بن عمران بن لحاف بن قضاعة.

هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره، وربما اختلفوا في الأسماء وتقديم بعضها على بعض، وزيادة شيء ونقص شيء، قال الكلبي: وأمه سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفْلت من بني مَعْن من طيِّئ.

وقال ابن إسحاق: حارثة بن شرحبيل (٤). ولم يتابع عليه، وإنما هو شراحيل، ويكنى أبا أسامة.

وهو مولى رسول اللَّه ، أشهر مواليه، وهو حِبَ رسول اللَّه ، أصابه سباء في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها بني مَعْن، فأغارت عليهم خيل بني القَيْن بن جسْر، فأخذوا زيداً، فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حِزَام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل: اشتراه من سوق حباشة (٥) فوهبته خديجة للنبي بمكة قبل النبوة وهو ابن ثماني سنين، وقيل: بل رآه رسول اللَّه بالبطحاء بمكة ينادي عليه ليباع، فأتى خديجة فذكره لها، فاشتراه من مالها، فوهبته لرسول اللَّه فأعتقه وتبناه.

وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى أنزل اللَّه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ (٦)﴾ وآخى رسول اللَّه بينه وبين حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، وكان أبوه شراحيل قد وَجِد لفقده وَجْداً شديداً، فقال فيه (٧):

بكيْتُ على زيدٍ ولم أدْرِ ما فعل … أحيٌّ يُرَجَّى أم أتى دُونه الأجلْ فو اللَّه ما أدري وإن كنت سائلاً … أغالك سهلُ الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهرَ رجعة … فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل (١)

تُذَكِّرنيه الشمسَ عند طُلوعها … وتَعرِضُ ذكراه إذا قارب الطَّفَلْ (٢)

وإن هبَّت الأرواح هيَّجْن ذكره … فيا طول ما حُزْني عليه ويا وَجل (٣)

سَأعْمِل نَصَّ العِيس (٤) في الأرض جاهداً … ولا أسأم التَّطواف أو تسأمَ الإبل حياتي أو تأتي عليّ مَنِيَّتي … وكل امرئ فان وإن غرّه الأمل سأوصي به قيساً وعمراً كليهما … وأوصى يزيدا ثم من بعده بل يعني جبلة بن حارثة، أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني بقوله: يزيد: أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، ثم إن ناساً من كلب حجُّوا فرأوا زيداً، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم:

أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم جزعوا عليّ، فقال:

أحسن إلى قومي وإن كنت نائياً … فإني قعيدُ البيت عند المشاعر فكفُّوا من الوجد الذي قد شجاكُمُ … ولا تُعْملوا في الأرض نصَّ الأباعر فإني بحمد اللَّه في خير أسرة … كِرام معد كابراً بعد كابر فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وأخوه كعب ابنا شراحيل لفدائه، فقدما مكة،

فدخلا على النبي ، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيِّد قومه، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه: فقال: من هو؟ قالوا:

زيد بن حارثة. فقال رسول اللَّه فهلا غير ذلك. قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه وخيِّروه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فو اللَّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً. قالا: قد زدتنا على النَّصَف وأحسنت. فدعاه رسول اللَّه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: فأنا من قد عرفت ورأيت صُحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. قال: ما أريدهما، وما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت (٥) من هذا الرجل شيئاً، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً، فلما رأى رسولُ اللَّه ذلك أخرجه إلى الحِجْر، فقال: يا من حضر، اشهدوا أن زيداً ابني، يرثُني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا.

وروى معمر، عن الزهري قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، قال عبد الرزاق: لم يذكره غيرُ الزهري.

قال أبو عمر: وقد رُوِي عن الزهري من وجوه أن أوّل من أسلم خديجة.

وقال ابن إسحاق: إن علياً بعد خديجة، ثم أسلم بعده زيد، ثم أبو بكر.

وقال غيره: أبو بكر، ثم علي، ثم زيد رضي الله عنهم.

وشهد زيد بن حارثة بدراً، وهو الذي كان البشير إلى المدينة بالظفر والنصر، وزوجة رسول اللَّه مولاته أم أيمن فولدت له: أسامة بن زيد، وكان زوج زينب بنت جحش، وهي ابنة عمة رسول اللَّه ، وهي التي تزوّجها رسول اللَّه بعد زيد.

أخبرنا إبراهيم بن محمد بن مهران، وغير واحد، بإسنادهم إلى محمد بن عيسى السّلمى قال: حدثنا على ابن حجر، أخبرنا داود بن الزِّبْرقان، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة قالت، لو كان رسول اللَّه كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (١)﴾ فإن رسول اللَّه لما تزوجها، يعني زينب، قالوا: إنه تزوج حليلة ابنه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ (٢)﴾.

وكان زيد يقال له: زيد بن محمد، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (٣)﴾ الآية. وقد روى هذا الحديث عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة.

أخبرنا أَبو الفضل بن أَبي الحسن بن أَبي عبد اللَّه المخزومي بإِسناده إِلى أَبي يَعْلَى أَحمد بن علي قال:

حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، أخبرنا يونس بن بكير، حدثنا يونس بن أَبي إِسحاق، عن أَبيه، عن البراء بن عازب أنَّ زيد بن حارثة قال: يا رسول اللَّه، آخيت بيني وبين حمزة.

وأخبرنا عبد الوهاب بن هبة اللَّه بن أبي حبة بإسناده عن عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا الحسن، أخبرنا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُروةَ، عن أسامة بن زيد بن حارثة، عن أبيه، عن النبي أنَّ جبريل عليه السلام أتاه فعلمه، الوضوء والصلاة، فلما فرغ الوضوء أخذ غرفة فنضح بها فرجه.

وأخبرنا يحيى بن محمود بن سعد بإسناده إلى أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود قال: سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول:

ما بعث رسول اللَّه زيد بن حارثة في سَرِيَّة إلا أمَّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه بعده.

ولما سيَّر رسولُ اللَّه الجيش إلى الشام جعل أميراً عليهم زيد بن حارثة، وقال: فإن قتل فجعفر ابن أبي طالب، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة، فقتل زيد في مؤتة من أرض الشام في جمادى من سنة ثمان من الهجرة، وقد استقصينا الحادثة في عبد اللَّه بن رواحة، وجعفر، فلا نطول يذكرها هاهنا.

ولما أتى رسول اللَّه خبرُ قتل جعفر، وزيد بكى، وقال: أخواي ومُؤْنِساي ومُحدِّثاي، وشهد له رسول اللَّه بالشهادة، ولم يسم اللَّه، ، أَحداً من أَصحابِ النبي وأصحاب غيره من الأنبياء إلا زيد بن حارثة.

وكان زيد أبيض أحمر، وكان ابنه أسامة آدم شديد الأدْمَة.

أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).

حارثة: بالحاء المهملة، والتاء المثلثة، وعُقيل بضم العين، وفتح القاف.

أسئلة شائعة - زيد بن حارثة

من هما حارثة وحصن ابنا قطن؟

هما حارثة وحصن ابنا قطن بن زاير الكلبي القُضاعي، ذكرهما ابن الكلبي فيمن وفد على النبي ﷺ من قضاعة، وكتب لهما النبي ﷺ كتابًا في صدقات أهل العراق من بني جناب.

بمَ كتب لهما النبي ﷺ؟

كتب لهما النبي ﷺ كتابًا فيه أن لأهل العراق من بني جناب من الماء الجاري العُشر، ومن العَثَري نصف العُشر في السنة، في عمائر كلب، وذلك تنظيمًا للزكاة في أرضهم.

هل ثمة حارثة آخر شهد بدرًا؟

نعم، ذُكر حارثة بن مالك بن غضب الأنصاري الزرقي، ذكره الواقدي فيمن شهد بدرًا، وكذلك حارثة بن حُمَيِّر الأشجعي حليف بني سَلِمة، ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا مع أخيه عبد الله.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 24 محرّم
هلال متناقص اليوم 25.2 / 29.5
الإضاءة 19%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
سبحان الله وبحمده