«سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:وَأَبْيَضَُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٠٨

الحديث رقم ١٠٠٨ من كتاب «كتاب الاستسقاء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٠٨ في صحيح البخاري

«سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:

وَأَبْيَضَُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَُِ الْيَتَامَى عِصْمَةًٌٍ لِلْأَرَامِلِ»

١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَُِ الْيَتَامَى عِصْمَةًٍُ لِلْأَرَامِلِ

وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ.

إسناد حديث رقم ١٠٠٨ من صحيح البخاري

١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ سَبَبُ تَحْدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا) أَيْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَنِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ خَفِيفَةٌ أَيْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، وَقَوْلُهُ: حَصَتْ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ اسْتَأْصَلَتِ النَّبَاتَ حَتَّى خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَكَلْنَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ: حَتَّى أَكَلُوا، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ: يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ.

٣ - بَاب سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا

١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

١٠١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ "

[الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١]

وهو قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَوْ أُدْخِلَ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ مِمَّا ذُكِرَ. انْتَهَى.

وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْ سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَقَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الطَّلَبُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ عَامًّا لِقَوْلِهِ: سُؤَالِ النَّاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ تَمَثُّلَ ابْنِ عُمَرَ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَقَوْلِ أَنَسٍ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ خَارِجٌ عَنِ التَّرْجَمَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُ وَلَا فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ الَّتِي أَوْرَدَهَا أَيْضًا. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مَحْذُوفٌ وَهُمُ النَّاسُ، وَعَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّ فِي قَوْلِ عُمَرَ: كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ فَاعِلِ يُسْتَسْقَى هُوَ النَّاسُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا الْإِمَامَ

أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا لَيْسَ فِي قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَالَيْنِ طَلَبُوا السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ مُسْتَشْفِعِينَ بِهِ .

وَقَالَ ابْنُ رشيد: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ الِاسْتِدْلَالَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ بِهِ فَيَسْقِيهِمْ فَأَحْرَى أَنْ يُقَدِّمُوهُ لِلسُّؤَالِ. انْتَهَى.

وَهُوَ حَسَنٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سِيَاقَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ، وَأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأُولَى مُخْتَصَرَةٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الثَّانِيَةِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ يَسْتَسْقِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الطَّلَبَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى قِصَّةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ حَضَرَهَا هُوَ لَا مُجَرَّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَسْقَى إِجَابَةً لِسُؤَالِ مَنْ سَأَلَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يَغِطُّ. ثُمَّ أَنْشَدَهُ شِعْرًا يَقُولُ فِيهِ:

وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا … وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسُلِ،

فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا. الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ. مَنْ يَنْشُدُنَا قَوْلَهُ؟ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ

الْأَبْيَاتَ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِهِ فِي السِّيرَةِ تَعْلِيقًا عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: يَئِطُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَكَذَا يَغِطُّ بِالْمُعْجَمَةِ، وَالْأَطِيطُ صَوْتُ الْبَعِيرِ الْمُثْقَلِ، وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّائِمِ كَذَلِكَ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْجُوعِ؛ لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يَقَعَانِ غَالِبًا عِنْدَ الشِّبَعِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ فَأَشَارَ بِهِ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ اسْتَسْقَوْا بِهِ، فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي رَوَيْتُهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى الَّذِي تَرْجَمَهُ، بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ: قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُبْتَدَعٍ، لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ إِذَا أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ مَالِكٍ الدَّارِيِّ - وَكَانَ خَازِنُ عُمَرَ - قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (١) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ

لَهُ: ائْتِ عُمَرَ الْحَدِيثَ. وَقَدْ رَوَى سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى الْمَنَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ، وَظَهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِأَصْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (يَتَمَثَّلُ) أَيْ يَنْشُدُ شِعْرَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبْيَضَ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَهُوَ مَجْرُورٌ بِرُبَّ مُقَدَّرَةٍ أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ أَخُصُّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: سَيِّدًا فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (ثِمَالُ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ هُوَ الْعِمَادُ وَالْمَلْجَأُ وَالْمُطْعِمُ وَالْمُغِيثُ وَالْمُعِينُ وَالْكَافِي، قَدْ أُطْلِقَ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ، وَالْأَرَامِلُ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ وَهِيَ الْفَقِيرَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجُلِ أَيْضًا مَجَازًا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْصَى لِلْأَرَامِلِ خُصَّ النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ أَبْيَاتٍ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي طَالِبٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِطُولِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ بَيْتًا، قَالَهَا لَمَّا تَمَالَأَتْ قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ وَنَفَّرُوا عَنْهُ مَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، أَوَّلُهَا:

وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِمُ … وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ

وَقَدْ جَاهَرُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى … وَقَدْ طَاو عُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ

يقول فِيهَا:

أَعَبْدَ مَنَافٍ أَنْتُمُ خَيْرُ قَوْمِكُمُ … فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلَّ وَاغِلِ

فَقَدْ خِفْتُ إِنْ لَمْ يُصْلِحِ اللَّهُ أَمْرَكُمْ … تَكُونُوا كَمَا كَانَتْ أَحَادِيثُ وَائِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ … عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ

وَثَوْرٌ وَمَنْ أَرْسَى ثُبَيْرًا مَكَانَهُ … وَرَاقٍ لِبِرٍّ فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ

وَبِالْبَيْتِ حَقُّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ … وَبِاللَّهِ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللَّهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُطَاعِنْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلِ

وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ … وَنُذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَكَ سَيِّدًا … يَحُوطُ الذِّمَارَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ وَلَمْ يَرَهُ قَطُّ اسْتَسْقَى، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ! وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَيْثُ اسْتَسْقَى لِقُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ غُلَامٌ. انْتَهَى.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو طَالِبٍ مَدَحَهُ بِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ مَخَايِلِ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ وُقُوعَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَقَعَ بِمَكَّةَ. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ هَذَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ بَحِيرًا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ شَأْنِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ إِنْشَاءَ أَبِي طَالِبٍ لِهَذَا الشِّعْرِ كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَمَعْرِفَةُ أَبِي طَالِبٍ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ جَاءَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَتَمَسَّكَ بِهَا الشِّيعَةُ فِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا. وَرَأَيْتُ لِعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْبَصْرِيِّ جُزْءًا جَمَعَ فِيهِ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ وَزَعَمَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْحَشَوِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَأَنَّهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَجِيزُونَ لَعْنَهُ، ثُمَّ بَالَغَ فِي سَبِّهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَدَلَّ لِدَعْوَاهُ بِمَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأخرجه المؤلِّف في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] أيضًا وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٣]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) (بابُ سُؤَالِ النَّاسِ) المسلمين وغيرهم (الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) بفتح القاف والحاء مبنيًّا للفاعل، يقال: قحوطًا، إذا احتُبِسَ، فيكون من باب القَلب لأنَّ المحتبَسَ المطرُ لا النَّاس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه أيضًا (١)، وحكى الفرَّاء: قَحِطَ، بالكسرِ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «قُحِطوا» بضمِّ القاف وكسر الحاء مبنيًّا للمفعول، وقد سُمِعَ قُحِطَ القوم، و «سؤال»: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «الإمامَ»: مفعوله، وتاليه: نصبٌ على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشَّيءَ، وعن الشيءِ.

١٠٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بإسكان الميم، ابن بحر الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف وفتح التَّاء (٢) الفوقيَّة، سَلْم، بفتح السِّين وسكون اللَّام،

الخراسانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ) أي: ينشده، زاد ابن عساكر: «فقال» (وَأَبْيَضَ) أعربه ابن هشامٍ في «مغنيه»: مجرورًا بالفتحة بـ «رُبَّ» مضمرةً، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ في «حاشيته» عليه، و «مصابيحه» فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوَّلهما: والظَّاهر أنَّه منصوبٌ عطفًا على «سيِّدًا» المنصوب في البيت قبله، وهو قوله:

وما ترك قومٌ لا أبا لك سيِّدًا … يحوطُ الذِّمار غير ذَرْبٍ مُواكِلِ (١)

قال: وهو من عطف الصِّفات الَّتي موصوفها واحدٌ، ويجوز الرَّفع، وهو في «اليونينيَّة» أيضًا، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أبيض (يُسْتَسْقَى الغَمَامُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيِّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، أي: يستسقي النَّاس الغمام (بِوَجْهِهِ) الكريم (ثِمَالَُِ اليَتَامَى) أي: يكفيهم بإفضاله، أو يطعمهم عند الشِّدَّة، أو عمادُهم، أو ملجؤُهم، أو مغيثُهم، وهو بكسر المثلَّثة والنَّصب أو الرَّفع، صفةٌ لـ «أبيض» كقوله: (عِصْمَةًٌٍ) أي: مانعٌ (لِلأَرَامِلِ) يمنعهم ممَّا يضرُّهم، وفي (٢) «اليونينيَّة»: «ثمالِ» و «عصمةِ» بالجرِّ فيهما مع الوجهين الآخرين صفةٌ لـ «أبيضَ» على تقدير جرِّه بـ «رُبَّ»، وفيه ما مرَّ. و «الأرامل»: جمع أرملة، وهي الفقيرة الَّتي لا زوج لها، والأرمل (٣): الرَّجل الَّذي لا زوج له، قال:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ سَبَبُ تَحْدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا) أَيْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَنِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ خَفِيفَةٌ أَيْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، وَقَوْلُهُ: حَصَتْ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ اسْتَأْصَلَتِ النَّبَاتَ حَتَّى خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَكَلْنَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ: حَتَّى أَكَلُوا، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ: يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ.

٣ - بَاب سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا

١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

١٠١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ "

[الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١]

وهو قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَوْ أُدْخِلَ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ مِمَّا ذُكِرَ. انْتَهَى.

وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْ سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَقَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الطَّلَبُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ عَامًّا لِقَوْلِهِ: سُؤَالِ النَّاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ تَمَثُّلَ ابْنِ عُمَرَ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَقَوْلِ أَنَسٍ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ خَارِجٌ عَنِ التَّرْجَمَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُ وَلَا فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ الَّتِي أَوْرَدَهَا أَيْضًا. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مَحْذُوفٌ وَهُمُ النَّاسُ، وَعَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّ فِي قَوْلِ عُمَرَ: كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ فَاعِلِ يُسْتَسْقَى هُوَ النَّاسُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا الْإِمَامَ

أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا لَيْسَ فِي قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَالَيْنِ طَلَبُوا السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ مُسْتَشْفِعِينَ بِهِ .

وَقَالَ ابْنُ رشيد: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ الِاسْتِدْلَالَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ بِهِ فَيَسْقِيهِمْ فَأَحْرَى أَنْ يُقَدِّمُوهُ لِلسُّؤَالِ. انْتَهَى.

وَهُوَ حَسَنٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سِيَاقَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ، وَأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأُولَى مُخْتَصَرَةٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الثَّانِيَةِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ يَسْتَسْقِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الطَّلَبَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى قِصَّةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ حَضَرَهَا هُوَ لَا مُجَرَّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَسْقَى إِجَابَةً لِسُؤَالِ مَنْ سَأَلَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يَغِطُّ. ثُمَّ أَنْشَدَهُ شِعْرًا يَقُولُ فِيهِ:

وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا … وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسُلِ،

فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا. الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ. مَنْ يَنْشُدُنَا قَوْلَهُ؟ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ

الْأَبْيَاتَ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِهِ فِي السِّيرَةِ تَعْلِيقًا عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: يَئِطُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَكَذَا يَغِطُّ بِالْمُعْجَمَةِ، وَالْأَطِيطُ صَوْتُ الْبَعِيرِ الْمُثْقَلِ، وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّائِمِ كَذَلِكَ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْجُوعِ؛ لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يَقَعَانِ غَالِبًا عِنْدَ الشِّبَعِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ فَأَشَارَ بِهِ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ اسْتَسْقَوْا بِهِ، فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي رَوَيْتُهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى الَّذِي تَرْجَمَهُ، بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ: قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُبْتَدَعٍ، لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ إِذَا أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ مَالِكٍ الدَّارِيِّ - وَكَانَ خَازِنُ عُمَرَ - قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (١) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ

لَهُ: ائْتِ عُمَرَ الْحَدِيثَ. وَقَدْ رَوَى سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى الْمَنَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ، وَظَهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِأَصْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (يَتَمَثَّلُ) أَيْ يَنْشُدُ شِعْرَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبْيَضَ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَهُوَ مَجْرُورٌ بِرُبَّ مُقَدَّرَةٍ أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ أَخُصُّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: سَيِّدًا فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (ثِمَالُ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ هُوَ الْعِمَادُ وَالْمَلْجَأُ وَالْمُطْعِمُ وَالْمُغِيثُ وَالْمُعِينُ وَالْكَافِي، قَدْ أُطْلِقَ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ، وَالْأَرَامِلُ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ وَهِيَ الْفَقِيرَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجُلِ أَيْضًا مَجَازًا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْصَى لِلْأَرَامِلِ خُصَّ النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ أَبْيَاتٍ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي طَالِبٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِطُولِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ بَيْتًا، قَالَهَا لَمَّا تَمَالَأَتْ قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ وَنَفَّرُوا عَنْهُ مَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، أَوَّلُهَا:

وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِمُ … وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ

وَقَدْ جَاهَرُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى … وَقَدْ طَاو عُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ

يقول فِيهَا:

أَعَبْدَ مَنَافٍ أَنْتُمُ خَيْرُ قَوْمِكُمُ … فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلَّ وَاغِلِ

فَقَدْ خِفْتُ إِنْ لَمْ يُصْلِحِ اللَّهُ أَمْرَكُمْ … تَكُونُوا كَمَا كَانَتْ أَحَادِيثُ وَائِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ … عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ

وَثَوْرٌ وَمَنْ أَرْسَى ثُبَيْرًا مَكَانَهُ … وَرَاقٍ لِبِرٍّ فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ

وَبِالْبَيْتِ حَقُّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ … وَبِاللَّهِ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللَّهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُطَاعِنْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلِ

وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ … وَنُذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ

يَقُولُ فِيهَا:

وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَكَ سَيِّدًا … يَحُوطُ الذِّمَارَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ وَلَمْ يَرَهُ قَطُّ اسْتَسْقَى، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ! وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَيْثُ اسْتَسْقَى لِقُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ غُلَامٌ. انْتَهَى.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو طَالِبٍ مَدَحَهُ بِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ مَخَايِلِ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ وُقُوعَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَقَعَ بِمَكَّةَ. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ هَذَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ بَحِيرًا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ شَأْنِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ إِنْشَاءَ أَبِي طَالِبٍ لِهَذَا الشِّعْرِ كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَمَعْرِفَةُ أَبِي طَالِبٍ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ جَاءَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَتَمَسَّكَ بِهَا الشِّيعَةُ فِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا. وَرَأَيْتُ لِعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْبَصْرِيِّ جُزْءًا جَمَعَ فِيهِ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ وَزَعَمَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْحَشَوِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَأَنَّهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَجِيزُونَ لَعْنَهُ، ثُمَّ بَالَغَ فِي سَبِّهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَدَلَّ لِدَعْوَاهُ بِمَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأخرجه المؤلِّف في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] أيضًا وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٣]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) (بابُ سُؤَالِ النَّاسِ) المسلمين وغيرهم (الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) بفتح القاف والحاء مبنيًّا للفاعل، يقال: قحوطًا، إذا احتُبِسَ، فيكون من باب القَلب لأنَّ المحتبَسَ المطرُ لا النَّاس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه أيضًا (١)، وحكى الفرَّاء: قَحِطَ، بالكسرِ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «قُحِطوا» بضمِّ القاف وكسر الحاء مبنيًّا للمفعول، وقد سُمِعَ قُحِطَ القوم، و «سؤال»: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «الإمامَ»: مفعوله، وتاليه: نصبٌ على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشَّيءَ، وعن الشيءِ.

١٠٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بإسكان الميم، ابن بحر الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف وفتح التَّاء (٢) الفوقيَّة، سَلْم، بفتح السِّين وسكون اللَّام،

الخراسانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ) أي: ينشده، زاد ابن عساكر: «فقال» (وَأَبْيَضَ) أعربه ابن هشامٍ في «مغنيه»: مجرورًا بالفتحة بـ «رُبَّ» مضمرةً، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ في «حاشيته» عليه، و «مصابيحه» فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوَّلهما: والظَّاهر أنَّه منصوبٌ عطفًا على «سيِّدًا» المنصوب في البيت قبله، وهو قوله:

وما ترك قومٌ لا أبا لك سيِّدًا … يحوطُ الذِّمار غير ذَرْبٍ مُواكِلِ (١)

قال: وهو من عطف الصِّفات الَّتي موصوفها واحدٌ، ويجوز الرَّفع، وهو في «اليونينيَّة» أيضًا، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أبيض (يُسْتَسْقَى الغَمَامُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيِّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، أي: يستسقي النَّاس الغمام (بِوَجْهِهِ) الكريم (ثِمَالَُِ اليَتَامَى) أي: يكفيهم بإفضاله، أو يطعمهم عند الشِّدَّة، أو عمادُهم، أو ملجؤُهم، أو مغيثُهم، وهو بكسر المثلَّثة والنَّصب أو الرَّفع، صفةٌ لـ «أبيض» كقوله: (عِصْمَةًٌٍ) أي: مانعٌ (لِلأَرَامِلِ) يمنعهم ممَّا يضرُّهم، وفي (٢) «اليونينيَّة»: «ثمالِ» و «عصمةِ» بالجرِّ فيهما مع الوجهين الآخرين صفةٌ لـ «أبيضَ» على تقدير جرِّه بـ «رُبَّ»، وفيه ما مرَّ. و «الأرامل»: جمع أرملة، وهي الفقيرة الَّتي لا زوج لها، والأرمل (٣): الرَّجل الَّذي لا زوج له، قال:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله