«صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٣٨

الحديث رقم ١٠٣٨ من كتاب «كتاب الاستسقاء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية…

«صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟. قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».

سند حديث: ١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي…

١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية…

صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية -وهي قرية قريبة من مكةـ بعد مطر نزل في تلك الليلة،
فلما سلم وانتهى من صلاته أقبل على الناس بوجهه، فسألهم: هل تدرون ماذا قال ربكم عز وجل؟
فأجابوه: الله ورسوله أعلم،
فقال: إن الله تعالى بَيًّن أن الناس ينقسمون عند نزول المطر إلى قسمين: قسم مؤمن بالله تعالى، وقسم كافر بالله تعالى؛
فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، ونَسَب إنزال المطر إلى الله تعالى؛ فذلك مؤمن بالله الخالق المتصرف في الكون، وكافر بالكوكب.
وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا؛ فذلك كافر بالله، مؤمن بالكوكب، وهو كفر أصغر حيث نسب إنزال المطر إلى الكوكب؛ والله لم يجعله سببًا شرعيًا ولا قدريًّا،
وأما من نسب نزول المطر وغيره من الحوادث الأرضية إلى تحرُّكات الكواكب في طلوعها وسقوطها معتقدًا أنها الفاعل الحقيقي، فهو كافر كفرًا أكبر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب القول بعد نزول المطر: مُطرنا بفضل الله ورحمته.
  • من نسب نعمة إنزال المطر وغيرها إلى الكوكب خَلْقًا وإيجادًا فهو كافرٌ كفرًا أكبر، وإن نسبه على أنه سببٌ فهو كافرٌ كفرًا أصغر لأنه ليس بسبب شرعي ولا حسي.
  • أن النعمة تكون سببًا للكفر إذا كُفِرت، وتكون سببًا للإيمان إذا شُكرت.
  • النهي عن قول: "مطرنا بنوء كذا"، ولو قُصِد بها الوقت؛ سدًّا لذريعة الشرك.
  • وجوب تعلُّق القلب بالله تعالى في جَلْب النعم ودفع النقم.
  • هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه ، من التعبد بتلاوته والطهارة له والتحدي والإعجاز وغير ذلك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَاكَ مُطَوَّلًا، وَذَكَرَ مِنْهُ قِطَعًا هُنَا وَفِي الزَّكَاةِ وَفِي الرِّقَاقِ.

وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ فَقِيلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْقِصَرِ وَالطُّولِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ قُرْبُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ تَذْهَبُ الْبَرَكَةُ فَيَذْهَبُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ بِسُرْعَةٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ يَتَقَارَبُ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي الشَّرِّ وَعَدَمِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ تَتَقَارَبُ صُدُورُ الدُّوَلِ وتَطُولُ (١) مُدَّةُ أَحَدٍ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: حَتَّى يَقْتَرِبَ الزَّمَانُ مَعْنَاهُ: حَتَّى تَقْرُبَ الْقِيَامَةُ، وَوَهَّاهُ الْكِرْمَانِيُّ وَقَالَ: هُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَعْنَاهُ قُرْبُ الزَّمَانِ الْعَامِّ مِنَ الزَّمَانِ الْخَاصِّ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَعِنْدَ قُرْبِهِ يَقَعُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ (٢).

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ . وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: سَقَطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ مِنَ النُّسْخَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، انْتَهَى.

وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ آلِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَاهُ أَزْهَرُ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مُصَرِّحًا فِيهِ بِذِكْرِ النَّبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ، وَنَذْكُرُ فِيهِ مَنْ وَافَقَ أَزْهَرَ عَلَى التَّصْرِيحِ بِرَفْعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِيهِ: قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ.

٢٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.

١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.)

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمُ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي الْبَابِ وَفِي آخِرِهِ: فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

تُكَذِّبُونَ وَعُرِفَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُعَلَّقِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ لَكِنْ سِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قَالَ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ، تَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: حُذِفَ تَقْدِيرُهُ وَتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى وَتَجْعَلُونَ الرِّزْقَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكُمْ بِهِ الشُّكْرُ تَكْذِيبَكُمْ بِهِ، وَقِيلَ بَلِ الرِّزْقُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ فِي لُغَةِ أَزْدِ شَنُوءَةَ نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) هَكَذَا يَقُولُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِمَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَ رِوَايَةِ صَالِحٍ فَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ سَمِعَ مِنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الْعَسِيفِ وَحَدِيثُ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَ هَذَا مِنْهُمَا فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ صَرَّحَ صَالِحٌ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَرَوَى صَالِحٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ الزُّهْرِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى لَنَا) أَيْ لِأَجْلِنَا، أَوِ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ صَلَّى بِنَا، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ مَجَازًا، وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بِالْحُدَيْبِيَةِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِيرِ وَتُخَفَّفُ يَاؤُهَا وَتُثَقَّلُ، يُقَالُ: سُمِّيَتْ بِشَجَرَةِ حَدْبَاءَ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى إِثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَا يَعْقُبُ الشَّيْءَ.

قَوْلُهُ: (سَمَاءٍ) أَيْ مَطَرٍ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سَمَاءٌ لِكَوْنِهِ يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ وَكُلُّ جِهَةِ عُلُوٍّ تُسَمَّى سَمَاءً.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ مِنَ اللَّيْلَةِ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تَدْرُونَ) لَفْظُ اسْتِفْهَامٍ مَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ صَالِحٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أَخَذَهَا عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هَذِهِ إِضَافَةُ عُمُومٍ بِدَلِيلِ التَّقْسِيمِ إِلَى مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ بِخِلَافِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فَإِنَّهَا إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ.

قَوْلُهُ: (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا كُفْرَ الشِّرْكِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِالْإِيمَانِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ مَرْفُوعًا يَكُونُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقِهِ فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ سُفْيَانَ فَأَمَّا مَنْ حَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ وَأَثْنَى علي فَذَلِكَ آمَنَ بِي وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَفَرَ بِي أَوْ قَالَ كَفَرَ نِعْمَتِيَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ كَافِرِينَ بِهَا وَلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَعْلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي الْأُمِّ: مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوْءٍ كَذَا فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ وَالْوَقْتَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي

ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَه الشَّافِعِيُّ، قَالَ: وَمَعْنَى النَّوْءِ سُقُوطُ نَجْمٍ فِي الْمَغْرِبِ مِنَ النُّجُومِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أو تجعلون حظَّكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (شُكْرَكُمْ) روى سعيد ابن منصورٍ (١) بإسنادٍ صحيحٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنَّكم تكذبون)، ولا يُقرَأ به لمخالفته السَّواد. نعم رُويَ نحو أثر ابن عبَّاسٍ مرفوعًا من حديث عليٍّ عند عبد بن حُميدٍ، لكنَّه يدلُّ على التَّفسير لا على القراءة، ولفظه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطرنا بنَوْء كذا.

١٠٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا، وهو من باب المجاز، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لغيره، أو اللَّام بمعنى: الباء، أي: صلَّى بنا (رَسُولُ اللهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ) مخفَّفةَ الياء كما في الفرع وأصله (٢) وعليه المحقِّقون، مشدَّدةٌ عند الأكثر (٣) من المحدِّثين، سُمِّيت بشجرةٍ حَدباء كانت بيعةُ الرِّضوان تحتها، حال كون صلاته (٤)

(عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة على المشهور، أي: عقب مطرٍ، وأُطلِقَ عليه «سماء» لكونه ينزل من جهتها، وكلُّ جهةِ عُلُوٍّ تُسمَّى: «سماء» (كَانَتْ) أي: السَّماء (مِنَ اللَّيْلَةِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من اللَّيل» (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ) من صلاته أو مكانه (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَقَالَ) لهم: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التَّنبيه، وللنَّسائيِّ: من رواية سفيان عن صالحٍ: «ألم تسمعوا ما قال ربُّكم اللَّيلة؟» (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال (١): (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) كفر إشراكٍ لمقابلته للإيمان، أو كفَر نعمةٍ بدلالة ما في «مسلمٍ»: «قال الله: ما أنعمتُ على عبادي من نعمةٍ إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين» والإضافة في «عبادي» للملك لا للتَّشريف (فَأَمَّا مَنْ

قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ) وللحَمُّويي وابن عساكر وأبي الوقت (١): «مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب» (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) بفتح النُّون وسكون الواو والهمزة، بكوكب كذا معتقدًا ما كان عليه بعض أهل الشِّرك مِن إضافة المطر إلى النَّوء، وأنَّ المطر كان من أجل أنَّ الكوكب ناء، أي: سقط وغاب، أو نهض وطلع، وأنَّه الَّذي هاجه (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي) لأنَّ النَّوء وقتٌ، والوقت مخلوقٌ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا (مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) ومن قال: مُطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، قال الإمام الشَّافعيُّ: وغيره من الكلام (٢) أحبُّ إليَّ، يعني: حسمًا للمادَّة، فمن زعم أنَّ المطر يحصل عند سقوط الثُّريَّا مثلًا فإنَّما هو إعلامٌ للوقت والفصول، فلا محذورَ فيه، وليس من وقت ولا زمنٍ إلَّا وهو معروفٌ بنوعٍ من (٣) مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وحُكِي عن أبي هريرة أنَّه كان يقول: مُطِرنا بنَوْء الله تعالى، وفي روايةٍ: مُطِرنا بنَوْء الفتح، ثمَّ يتلو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] وقال ابن العربيِّ: أدخل الإمام مالكٌ هذا الحديث في أبواب «الاستسقاء» لوجهين: أحدهما: أنَّ العرب كانت تنتظر السُّقيا في الأنواء، فقطع النَّبيُّ هذه العلاقة بين القلوب والكواكب. الوجه الثَّاني: أنَّ النَّاس أصابهم القحط في زمن عمر بن الخطَّاب ، فقال للعبَّاس : كم

بقي من أنواء الثُّريَّا؟ فقال له العبَّاس: زعموا يا أمير المؤمنين أنَّها تعترض في (١) الأفق سبعًا (٢)، فما مرَّت حتَّى نزل المطر، فانظروا إلى عمر والعبَّاس، وقد ذكر الثُّريَّا ونوأَها، وتوكَّفا ذلك في وقتها، ثمَّ قال: إنَّ من انتظر المطر من الأنواء على أنَّها فاعلةٌ له من دون الله فهو كافرٌ، ومَن اعتقد أنَّها فاعلةٌ بما جعل الله فيها فهو كافرٌ لأنَّه لا يصحُّ الخلق والأمر إلَّا لله كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَن انتظرها وتوكَّف المطر منها على أنَّها عادةٌ أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأنَّ الله تعالى قد أجرى العوائد في السَّحاب والرِّياح والأمطار لمعانٍ ترتَّبت في الخلقة (٣)، وجاءت على نسقٍ في العادة. انتهى (٤). وقوله: كذا وكذا هنا، كلمةٌ مركَّبةٌ مِن كافِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَاكَ مُطَوَّلًا، وَذَكَرَ مِنْهُ قِطَعًا هُنَا وَفِي الزَّكَاةِ وَفِي الرِّقَاقِ.

وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ فَقِيلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْقِصَرِ وَالطُّولِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ قُرْبُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ تَذْهَبُ الْبَرَكَةُ فَيَذْهَبُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ بِسُرْعَةٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ يَتَقَارَبُ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي الشَّرِّ وَعَدَمِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ تَتَقَارَبُ صُدُورُ الدُّوَلِ وتَطُولُ (١) مُدَّةُ أَحَدٍ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: حَتَّى يَقْتَرِبَ الزَّمَانُ مَعْنَاهُ: حَتَّى تَقْرُبَ الْقِيَامَةُ، وَوَهَّاهُ الْكِرْمَانِيُّ وَقَالَ: هُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَعْنَاهُ قُرْبُ الزَّمَانِ الْعَامِّ مِنَ الزَّمَانِ الْخَاصِّ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَعِنْدَ قُرْبِهِ يَقَعُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ (٢).

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ . وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: سَقَطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ مِنَ النُّسْخَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، انْتَهَى.

وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ آلِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَاهُ أَزْهَرُ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مُصَرِّحًا فِيهِ بِذِكْرِ النَّبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ، وَنَذْكُرُ فِيهِ مَنْ وَافَقَ أَزْهَرَ عَلَى التَّصْرِيحِ بِرَفْعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِيهِ: قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ.

٢٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.

١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.)

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمُ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي الْبَابِ وَفِي آخِرِهِ: فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

تُكَذِّبُونَ وَعُرِفَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُعَلَّقِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ لَكِنْ سِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قَالَ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ، تَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: حُذِفَ تَقْدِيرُهُ وَتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى وَتَجْعَلُونَ الرِّزْقَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكُمْ بِهِ الشُّكْرُ تَكْذِيبَكُمْ بِهِ، وَقِيلَ بَلِ الرِّزْقُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ فِي لُغَةِ أَزْدِ شَنُوءَةَ نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) هَكَذَا يَقُولُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِمَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَ رِوَايَةِ صَالِحٍ فَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ سَمِعَ مِنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الْعَسِيفِ وَحَدِيثُ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَ هَذَا مِنْهُمَا فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ صَرَّحَ صَالِحٌ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَرَوَى صَالِحٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ الزُّهْرِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى لَنَا) أَيْ لِأَجْلِنَا، أَوِ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ صَلَّى بِنَا، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ مَجَازًا، وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بِالْحُدَيْبِيَةِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِيرِ وَتُخَفَّفُ يَاؤُهَا وَتُثَقَّلُ، يُقَالُ: سُمِّيَتْ بِشَجَرَةِ حَدْبَاءَ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى إِثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَا يَعْقُبُ الشَّيْءَ.

قَوْلُهُ: (سَمَاءٍ) أَيْ مَطَرٍ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سَمَاءٌ لِكَوْنِهِ يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ وَكُلُّ جِهَةِ عُلُوٍّ تُسَمَّى سَمَاءً.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ مِنَ اللَّيْلَةِ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تَدْرُونَ) لَفْظُ اسْتِفْهَامٍ مَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ صَالِحٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أَخَذَهَا عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هَذِهِ إِضَافَةُ عُمُومٍ بِدَلِيلِ التَّقْسِيمِ إِلَى مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ بِخِلَافِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فَإِنَّهَا إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ.

قَوْلُهُ: (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا كُفْرَ الشِّرْكِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِالْإِيمَانِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ مَرْفُوعًا يَكُونُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقِهِ فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ سُفْيَانَ فَأَمَّا مَنْ حَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ وَأَثْنَى علي فَذَلِكَ آمَنَ بِي وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَفَرَ بِي أَوْ قَالَ كَفَرَ نِعْمَتِيَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ كَافِرِينَ بِهَا وَلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَعْلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي الْأُمِّ: مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوْءٍ كَذَا فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ وَالْوَقْتَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي

ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَه الشَّافِعِيُّ، قَالَ: وَمَعْنَى النَّوْءِ سُقُوطُ نَجْمٍ فِي الْمَغْرِبِ مِنَ النُّجُومِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أو تجعلون حظَّكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (شُكْرَكُمْ) روى سعيد ابن منصورٍ (١) بإسنادٍ صحيحٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنَّكم تكذبون)، ولا يُقرَأ به لمخالفته السَّواد. نعم رُويَ نحو أثر ابن عبَّاسٍ مرفوعًا من حديث عليٍّ عند عبد بن حُميدٍ، لكنَّه يدلُّ على التَّفسير لا على القراءة، ولفظه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطرنا بنَوْء كذا.

١٠٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا، وهو من باب المجاز، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لغيره، أو اللَّام بمعنى: الباء، أي: صلَّى بنا (رَسُولُ اللهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ) مخفَّفةَ الياء كما في الفرع وأصله (٢) وعليه المحقِّقون، مشدَّدةٌ عند الأكثر (٣) من المحدِّثين، سُمِّيت بشجرةٍ حَدباء كانت بيعةُ الرِّضوان تحتها، حال كون صلاته (٤)

(عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة على المشهور، أي: عقب مطرٍ، وأُطلِقَ عليه «سماء» لكونه ينزل من جهتها، وكلُّ جهةِ عُلُوٍّ تُسمَّى: «سماء» (كَانَتْ) أي: السَّماء (مِنَ اللَّيْلَةِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من اللَّيل» (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ) من صلاته أو مكانه (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَقَالَ) لهم: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التَّنبيه، وللنَّسائيِّ: من رواية سفيان عن صالحٍ: «ألم تسمعوا ما قال ربُّكم اللَّيلة؟» (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال (١): (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) كفر إشراكٍ لمقابلته للإيمان، أو كفَر نعمةٍ بدلالة ما في «مسلمٍ»: «قال الله: ما أنعمتُ على عبادي من نعمةٍ إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين» والإضافة في «عبادي» للملك لا للتَّشريف (فَأَمَّا مَنْ

قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ) وللحَمُّويي وابن عساكر وأبي الوقت (١): «مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب» (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) بفتح النُّون وسكون الواو والهمزة، بكوكب كذا معتقدًا ما كان عليه بعض أهل الشِّرك مِن إضافة المطر إلى النَّوء، وأنَّ المطر كان من أجل أنَّ الكوكب ناء، أي: سقط وغاب، أو نهض وطلع، وأنَّه الَّذي هاجه (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي) لأنَّ النَّوء وقتٌ، والوقت مخلوقٌ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا (مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) ومن قال: مُطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، قال الإمام الشَّافعيُّ: وغيره من الكلام (٢) أحبُّ إليَّ، يعني: حسمًا للمادَّة، فمن زعم أنَّ المطر يحصل عند سقوط الثُّريَّا مثلًا فإنَّما هو إعلامٌ للوقت والفصول، فلا محذورَ فيه، وليس من وقت ولا زمنٍ إلَّا وهو معروفٌ بنوعٍ من (٣) مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وحُكِي عن أبي هريرة أنَّه كان يقول: مُطِرنا بنَوْء الله تعالى، وفي روايةٍ: مُطِرنا بنَوْء الفتح، ثمَّ يتلو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] وقال ابن العربيِّ: أدخل الإمام مالكٌ هذا الحديث في أبواب «الاستسقاء» لوجهين: أحدهما: أنَّ العرب كانت تنتظر السُّقيا في الأنواء، فقطع النَّبيُّ هذه العلاقة بين القلوب والكواكب. الوجه الثَّاني: أنَّ النَّاس أصابهم القحط في زمن عمر بن الخطَّاب ، فقال للعبَّاس : كم

بقي من أنواء الثُّريَّا؟ فقال له العبَّاس: زعموا يا أمير المؤمنين أنَّها تعترض في (١) الأفق سبعًا (٢)، فما مرَّت حتَّى نزل المطر، فانظروا إلى عمر والعبَّاس، وقد ذكر الثُّريَّا ونوأَها، وتوكَّفا ذلك في وقتها، ثمَّ قال: إنَّ من انتظر المطر من الأنواء على أنَّها فاعلةٌ له من دون الله فهو كافرٌ، ومَن اعتقد أنَّها فاعلةٌ بما جعل الله فيها فهو كافرٌ لأنَّه لا يصحُّ الخلق والأمر إلَّا لله كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَن انتظرها وتوكَّف المطر منها على أنَّها عادةٌ أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأنَّ الله تعالى قد أجرى العوائد في السَّحاب والرِّياح والأمطار لمعانٍ ترتَّبت في الخلقة (٣)، وجاءت على نسقٍ في العادة. انتهى (٤). وقوله: كذا وكذا هنا، كلمةٌ مركَّبةٌ مِن كافِ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله