«خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٥٩

الحديث رقم ١٠٥٩ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الذكر في الكسوف رواه ابن عباس ﵄.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعا، يخشى أن تكون…

«خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ».

سند حديث: ١٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ…

١٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعا، يخشى أن تكون…

لما ذهب ضوء الشمس أو شيء منه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قام فزعًا، لأن معرفته الكاملة بربه تعالى أوجبت له أن يصير كثير الخوف وشديد المراقبة؛ لضلال أكثر أهل الأرض وطغيانهم أو أن ساعة النفخ في الصور حضرت فدخل المسجد، فصلى بالناس صلاة الكسوف، فأطال إطالة لم تعهد من قبلُ إظهارا للتوبة والإنابة، فلما فرغ المصطفى من مناشدته ربه ومناجاته، توجه إلى الناس يعظهم، ويبين لهم أن هذه الآيات يرسلها الله عبرة لعباده، وتذكيرا وتخويفا، ليبادروا إلى الدعاء والاستغفار والذكر والصلاة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • شدة خوف النبي -صلى الله عليه وسلم- من الله تعالى لكمال علمه بالله وبعظمته.
  • مشروعية صلاة الكسوف في المسجد والإطالة فيها.
  • جواز الإخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبين سبب خوفه.
  • دوام المراقبة لفعل الله تعالى.
  • مشروعية الخطبة بعدها وبيان الحكمة من الكسوف.
  • أن الحكمة من الآيات تخويف الناس لا موت أحد أو حياته.
  • مشروعية الفزع إلى ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره عند رؤية الكسوف وآيات التخويف.
  • الذنوب سبب للعقوبات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعا، يخشى أن تكون…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور من الركوعين وطوّلهما وطوَّل القراءة في القيامين، ثمَّ انصرف من صلاته (ثُمَّ قَامَ) خطيبًا (فَقَالَ) بعد الحمد والثَّناء: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ) بفتح أوَّله وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) فيجب تكذيب من زعم أنَّ الكسوف (١) علامة على موت أحدٍ أو حياته (وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ) ليتفرَّغوا لعبادته ويتقرَّبوا إليه بأنواع قرباته؛ ولذا قال: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: فالجؤوا (إِلَى الصَّلَاةِ) وغيرها من الخيرات كالصَّدقة وفكِّ الرِّقاب لأنَّها تقي أليم العذاب.

(١٤) (بابُ الذِّكْرِ فِي الكُسُوفِ. رَوَاهُ) أي: الذِّكر عند كسوف الشَّمس (ابْنُ عَبَّاسٍ ) عن النَّبيِّ كما سبق في «صلاة كسوف الشَّمس جماعةً» [خ¦١٠٥٢] ولفظُه: «فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله».

١٠٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدِ) (٢) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بردةَ بن أبي موسى الأشعريِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث بن أبي موسى (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فَقَامَ النَّبِيُّ فَزِعًا) بكسر الزَّاي صفةٌ مشبَّهةٌ، أو

بفتحها مصدرٌ بمعنى الصِّفة، أو مفعولٌ لمقدَّرٍ (يَخْشَى) أي: يخاف (أَنْ تَكُونَ) في موضع نصبٍ مفعول «يخشى» (السَّاعَةُ) رفعٌ على أنَّ «تكون» تامَّةٌ، أو على أنَّها ناقصةٌ والخبر محذوفٌ، أي: أن تكون السَّاعة قد حضرت، أو نصبٌ على أنَّها ناقصةٌ واسمها محذوفٌ، أي: تكون هذه الآيةُ السَّاعة، أي: علامة حضورها، واستُشكِلَ هذا لكون (١) السَّاعة لها مقدِّماتٌ كثيرةٌ لم تكن وقعت كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثمَّ الأشراط كطلوع الشَّمس من مغربها، والدَّابة، والدَّجال، والدُّخان، وغير ذلك، وأُجيبَ باحتمال أن يكون هذا قبل أن يُعْلِمَه الله تعالى بهذه العلامات (٢)، فهو يَتوقَّع السَّاعة في (٣) كلِّ لحظةٍ. وعُورِضَ بأنَّ قصَّة الكسوف متأخِّرةٌ جدًّا، فقد تقدَّم أنَّ موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتَّفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النَّبيُّ بكثير من الأشراط (٤) والحوادث قبل ذلك، وقيل: هو من باب التَّمثيل من الرَّاوي كأنَّه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فهو عالمٌ بأنَّ السَّاعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، أو أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الخشية لذلك لقرينةٍ قامت عنده، لكن لا يلزم من ظنِّه أنَّ النَّبيَّ خشي ذلك حقيقةً، قال في «المظهر»: لم يعلم أبو موسى ما في قلبه . انتهى. وأُجِيبَ بأنَّ تحسين الظَّنِّ بالصَّحابيِّ يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلَّا بتوقيفٍ، وقيل: إنَّه جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمَّته أنَّه إذا وقع لهم ذلك كيف يخشون (٥) ويفزعون إلى ذكر الله والصَّلاة والصَّدقة ليدفع عنهم البلايا (فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ) بدون كلمة «ما»، و «قَطُّ» بفتح القاف وضمِّ الطَّاء، لكن لا يقع «قَطُّ» إلَّا بعد الماضي المنفيِّ، فحرف النَّفي هنا مقدَّر كقوله تعالى: ﴿(٦) تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجُّعًا، فحذف «لا»، أو أنَّ لفظ «أطول» فيه معنى عدم المساواة، أي: بما لم يساوِ قَطُّ قيامًا رأيته يفعله، أو «قَطُّ» بمعنى حَسْبُ، أي: صلَّى في ذلك اليوم فحسب بأطول

قيامٍ رأيته يفعله، أو تكون بمعنى «أبدًا» لكن إذا كانت بمعنى «حسب» تكون القاف مفتوحةً والطَّاء ساكنةً، قال في «المصابيح»: وموضع «رأيته» جرٌّ على الصَّفة؛ إمَّا للمعطوف الأخير وهو «سجود»، وإمَّا للمعطوف عليه أولًا وهو «قيامٍ»، وحَذَف «رأيته» من الأوَّل الَّذي هو القيام؛ لدلالة الثَّاني، أو بالعكس، قال: وإنَّما قلنا ذلك لأنَّه ليس في هذه الجملة ضميرُ غَيبةٍ إلَّا ما هو للواحد المذكَّر (١)، وقد تقدَّمت ثلاثة أشياء، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون معادًا له، وضمير الغَيبة في «رأيته» يحتمل عوده على النَّبيِّ ، كما أنَّ فاعل «يفعله» يعود الضَّمير عليه، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب مِن (٢) «يفعله»، فإن قلت: لِمَ لم تُجعل الجملة صفةً لأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، و «أطول» مفردٌ مذكَّرٌ يصحُّ عود الضَّمير المذكَّر عليه، ولا حاجة إلى الحذف إذن؟ قلت: لأنَّه يلزم أن يكون المعنى: أنَّه فعل في قيام الصَّلاة لكسوف الشَّمس وركوعها وسجودها مثلَ أطول شيءٍ كان يفعله في ذلك في غيرها من الصَّلوات، ولم يفعل طولًا زائدًا على ما عهد منه في سواها، وليس كذلك، اللَّهم إلَّا أن يكون صلَّى قبل هذه المرَّة (٣) لكسوفٍ آخر، فيصدق حينئذٍ أنَّه فعل مثلَ أطول شيءٍ (٤) كان يفعله، لكنَّه يحتاج إلى ثبتٍ فحرَّره. انتهى. قلت: في «أوائل الثِّقات» لابن حبَّان: إنَّ الشَّمس كسفت في السَّنة السَّادسة، فصلَّى صلاة الكسوف، وقال: «إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله (٥) … » الحديثَ، ثمَّ كسفت في السَّنة العاشرة يوم مات (٦) ابنه إبراهيم (وَقَالَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قامَ فصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ قامَ فقالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدَ ولَا لِحَيَاتِهِ ولاكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله يُرِيهِمَا عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ ذالِكَ فافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ معمر بن رَاشد. قَوْله: (وَهِشَام ابْن عُرْوَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الزُّهْرِيّ.

٤١ - (بابُ الذِّكْرِ فِي الكسوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الذّكر عِنْد كسوف الشَّمْس.

رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

أَي: روى الذّكر فِي الْكُسُوف عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد تقدم فِي حَدِيثه فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة، وَفِيه: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاذكروا الله) .

٩٥٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسى ا. قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَزَعا يَخْشَى أنْ تكُونَ السَّاعَةُ فَأتى المَسْجِدَ فَصَلَّى بِأطْوَلِ قِيَامٍ ورُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأيْتُهُ قَط يَفْعَلُهُ وَقَالَ هاذِهِ الآياتُ الَّتِي يُرْسِلُ الله عَزَّ وَجَلَّ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلاكِنْ يُخَوِّفُ الله بهِ عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ شَيْئا مِنْ ذالِكَ فافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ الله وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكر الله) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن زيد الْقرشِي الكوفى. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: ابْن عبد الله ابْن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي. الرَّابِع: جده أَبُو بردة اسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: اسْمه كنيته. الْخَامِس: عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رجال إِسْنَاده كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة مكيون، وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن جده وجده عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد الله بن براد وَأبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَزعًا) بِكَسْر الزَّاي صفة مشبهة، وَيجوز أَن يكون بِفَتْح الزَّاي وَيكون مصدرا بِمَعْنى الصّفة. قَوْله: (يخْشَى) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (أَن يكون) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يخْشَى. قَوْله: (السَّاعَة) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى أَن يكون خبر: يكون نَاقِصَة، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْخَسْف الَّذِي يدل عَلَيْهِ: (خسفت) ، وَأما الرّفْع فعلى أَن يكون تكون تَامَّة، قَالَ الْكرْمَانِي، وَهَذَا تَمْثِيل من الرَّاوِي كَأَنَّهُ قَالَ: فَزعًا كالخاشي، أَن تكون الْقِيَامَة، وإلاّ فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَالما بِأَن السَّاعَة لَا تقوم، وَهُوَ بَين أظهرهم، وَقد وعده الله إعلاء دينه على الْأَدْيَان كلهَا، وَلم يبلغ الْكتاب أَجله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد يسْتَشْكل هَذَا من حَدِيث أَن السَّاعَة لَهَا مُقَدمَات كَثِيرَة لَا بُد من وُقُوعهَا: كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وَخُرُوج الدَّابَّة والدجال وَغَيرهَا، وَكَيف الخشية من قِيَامهَا حِينَئِذٍ، وَيُجَاب بِأَنَّهُ: لَعَلَّ هَذَا الْكُسُوف كَانَ قبل إِعْلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذِهِ العلامات، أَو لَعَلَّه خشِي أَن تكون بعض مقدماتها أَو أَن الرَّاوِي ظن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي أَن تكون السَّاعَة، وَلَيْسَ يلْزم من ظَنّه أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي حَقِيقَة، بل رُبمَا خَافَ وُقُوع عَذَاب الْأمة، فَظن الرَّاوِي ذَلِك. قلت: كل وَاحِد من هَذِه الْأَجْوِبَة لَا يَخْلُو عَن نظر، إِذا تَأمله النَّاظر، وَالْأَوْجه فِي ذَلِك مَا قَالَه الْكرْمَانِي، أَو أَنه

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل مَا سيقع كالواقع إِظْهَارًا لتعظيم شَأْن الْكُسُوف وتنبيها لأمته أَنه إِذا وَقع بعده يَخْشونَ أَمر ذَلِك ويفزعون إِلَى ذكر الله وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة، لِأَن ذَلِك مِمَّا يدْفع الله بِهِ الْبلَاء. قَوْله: (رَأَيْته قطّ يَفْعَله) كلمة: قطّ، لَا تقع إلاّ بعد الْمَاضِي الْمَنْفِيّ، وَهنا وَقعت بِدُونِ كلمة: مَا، مَعَ أَن فِي كثير من النّسخ وَقعت على الأَصْل، وَهُوَ: (مَا رَأَيْته قطّ يَفْعَله) ، وَوجه ذَلِك: إِمَّا أَن يقدر حرف النَّفْي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تالله تفتؤ تذكر يُوسُف} (يُوسُف: ٥٨) . وَإِمَّا أَن لفظ: أطول، فِيهِ معنى عدم الْمُسَاوَاة أَي: بِمَا لم يساو قطّ قيَاما رَأَيْته يَفْعَله، وَإِمَّا أَن يكون قطّ بِمَعْنى: حسب، أَي: صلى فِي ذَلِك الْيَوْم فَحسب بأطول قيام رَأَيْته يَفْعَله، أَو يكون بِمَعْنى: أبدا، وَيَنْبَغِي أَن تكون لَفْظَة: قطّ، فِي النُّسْخَة الَّتِي مَا تقدمها حرف النَّفْي بِفَتْح الْقَاف، وَسُكُون الطَّاء، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَعْنى: حسب، فَلَا يَقْتَضِي حرف النَّفْي. وَأما إِذا كَانَ على بَابه فَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَتَشْديد الطَّاء وتخفيفها، وَبِفَتْحِهَا وَكسر الطَّاء المخففة. قَوْله: (هَذِه الْآيَات) أَشَارَ بهَا إِلَى الْآيَات الَّتِي تقع مثل: الْكُسُوف والخسوف والزلزلة وهبوب الرّيح الشَّدِيدَة وَنَحْوهَا، فَفِي كل وَاحِدَة مِنْهَا تخويف الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا} (الْإِسْرَاء: ٩٥) . وَيفهم من هَذَا أَن الْمُبَادرَة وَالذكر وَالدُّعَاء لَا يخْتَص بالكسوفين، وَبِه قَالَ أَصْحَابنَا، وَحكى ذَلِك عَن أبي مُوسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة ذكر الصَّلَاة فَلَا حجَّة فِيهِ لمن استحبها عِنْد كل آيَة. قلت: لم تَنْحَصِر الْحجَّة بِهَذِهِ الرِّوَايَة بل فِي قَوْله: (افزعوا إِلَى ذكر الله) حجَّة لمن قَالَ ذَلِك، لِأَن الصَّلَاة يُطلق عَلَيْهَا: ذكر الله، لِأَن فِيهَا أنواعا من ذكر الله تَعَالَى، وَقد ورد ذَلِك فِي (صَحِيح مُسلم) : (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) .

٥١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الْكُسُوف، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت: بَاب الدُّعَاء فِي الخسوف.

قالَهُ أبُو مُوسى وَعَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: قَالَ مَا ذكر من الدُّعَاء فِي الْكُسُوف أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ فِي حَدِيثه الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكره ودعائه واستغفاره) ، وَأما حَدِيث عَائِشَة فقد تقدم فِي الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، ولفظها: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فادعو الله) .

٠٦٠١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ قَالَ حدَّثنا زيادُ بن عِلَاقَة قَالَ سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَقُولِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمِا فادْعُوا الله وَصَلّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ.

(أنظر الحَدِيث ٣٤٠١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم فِي الْبَاب الأول، أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شَيبَان بن مُعَاوِيَة عَن زِيَاد بن علاقَة عَن الْمُغيرَة، وَهَذَا من الخماسيات، وَالَّذِي فِي هَذَا الْبَاب من الرباعيات، وَهُنَاكَ: عَن زِيَاد عَن الْمُغيرَة، وَهنا: التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ من الْمُغيرَة، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.

قَوْله: (رأيتموها) أَي: الْآيَة ويروى (رأيتموهما) بتثنية الضَّمِير، يرجع إِلَى الشَّمْس وَالْقَمَر بِاعْتِبَار كسوفهما. قَوْله: (حَتَّى تنجلي) ويروى بالتذكير، والتأنيث، ووجههما ظَاهر.

٦١ - (بابُ قَوْلِ الإِمَام فِي خُطْبَةِ الكُسوفِ أمَّا بَعْدُ)

١٦٠١ - وقالَ أبُو أسامَةَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخْبَرَتْنِي فاطِمَة بنْتُ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ قالَتْ فانْصَرَفَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ..

مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكره فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء أما بعد، فِي كتاب الْجُمُعَة. وَقَالَ مَحْمُود: حَدثنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور من الركوعين وطوّلهما وطوَّل القراءة في القيامين، ثمَّ انصرف من صلاته (ثُمَّ قَامَ) خطيبًا (فَقَالَ) بعد الحمد والثَّناء: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ) بفتح أوَّله وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) فيجب تكذيب من زعم أنَّ الكسوف (١) علامة على موت أحدٍ أو حياته (وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ) ليتفرَّغوا لعبادته ويتقرَّبوا إليه بأنواع قرباته؛ ولذا قال: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: فالجؤوا (إِلَى الصَّلَاةِ) وغيرها من الخيرات كالصَّدقة وفكِّ الرِّقاب لأنَّها تقي أليم العذاب.

(١٤) (بابُ الذِّكْرِ فِي الكُسُوفِ. رَوَاهُ) أي: الذِّكر عند كسوف الشَّمس (ابْنُ عَبَّاسٍ ) عن النَّبيِّ كما سبق في «صلاة كسوف الشَّمس جماعةً» [خ¦١٠٥٢] ولفظُه: «فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله».

١٠٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدِ) (٢) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بردةَ بن أبي موسى الأشعريِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث بن أبي موسى (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فَقَامَ النَّبِيُّ فَزِعًا) بكسر الزَّاي صفةٌ مشبَّهةٌ، أو

بفتحها مصدرٌ بمعنى الصِّفة، أو مفعولٌ لمقدَّرٍ (يَخْشَى) أي: يخاف (أَنْ تَكُونَ) في موضع نصبٍ مفعول «يخشى» (السَّاعَةُ) رفعٌ على أنَّ «تكون» تامَّةٌ، أو على أنَّها ناقصةٌ والخبر محذوفٌ، أي: أن تكون السَّاعة قد حضرت، أو نصبٌ على أنَّها ناقصةٌ واسمها محذوفٌ، أي: تكون هذه الآيةُ السَّاعة، أي: علامة حضورها، واستُشكِلَ هذا لكون (١) السَّاعة لها مقدِّماتٌ كثيرةٌ لم تكن وقعت كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثمَّ الأشراط كطلوع الشَّمس من مغربها، والدَّابة، والدَّجال، والدُّخان، وغير ذلك، وأُجيبَ باحتمال أن يكون هذا قبل أن يُعْلِمَه الله تعالى بهذه العلامات (٢)، فهو يَتوقَّع السَّاعة في (٣) كلِّ لحظةٍ. وعُورِضَ بأنَّ قصَّة الكسوف متأخِّرةٌ جدًّا، فقد تقدَّم أنَّ موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتَّفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النَّبيُّ بكثير من الأشراط (٤) والحوادث قبل ذلك، وقيل: هو من باب التَّمثيل من الرَّاوي كأنَّه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فهو عالمٌ بأنَّ السَّاعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، أو أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الخشية لذلك لقرينةٍ قامت عنده، لكن لا يلزم من ظنِّه أنَّ النَّبيَّ خشي ذلك حقيقةً، قال في «المظهر»: لم يعلم أبو موسى ما في قلبه . انتهى. وأُجِيبَ بأنَّ تحسين الظَّنِّ بالصَّحابيِّ يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلَّا بتوقيفٍ، وقيل: إنَّه جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمَّته أنَّه إذا وقع لهم ذلك كيف يخشون (٥) ويفزعون إلى ذكر الله والصَّلاة والصَّدقة ليدفع عنهم البلايا (فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ) بدون كلمة «ما»، و «قَطُّ» بفتح القاف وضمِّ الطَّاء، لكن لا يقع «قَطُّ» إلَّا بعد الماضي المنفيِّ، فحرف النَّفي هنا مقدَّر كقوله تعالى: ﴿(٦) تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجُّعًا، فحذف «لا»، أو أنَّ لفظ «أطول» فيه معنى عدم المساواة، أي: بما لم يساوِ قَطُّ قيامًا رأيته يفعله، أو «قَطُّ» بمعنى حَسْبُ، أي: صلَّى في ذلك اليوم فحسب بأطول

قيامٍ رأيته يفعله، أو تكون بمعنى «أبدًا» لكن إذا كانت بمعنى «حسب» تكون القاف مفتوحةً والطَّاء ساكنةً، قال في «المصابيح»: وموضع «رأيته» جرٌّ على الصَّفة؛ إمَّا للمعطوف الأخير وهو «سجود»، وإمَّا للمعطوف عليه أولًا وهو «قيامٍ»، وحَذَف «رأيته» من الأوَّل الَّذي هو القيام؛ لدلالة الثَّاني، أو بالعكس، قال: وإنَّما قلنا ذلك لأنَّه ليس في هذه الجملة ضميرُ غَيبةٍ إلَّا ما هو للواحد المذكَّر (١)، وقد تقدَّمت ثلاثة أشياء، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون معادًا له، وضمير الغَيبة في «رأيته» يحتمل عوده على النَّبيِّ ، كما أنَّ فاعل «يفعله» يعود الضَّمير عليه، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب مِن (٢) «يفعله»، فإن قلت: لِمَ لم تُجعل الجملة صفةً لأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، و «أطول» مفردٌ مذكَّرٌ يصحُّ عود الضَّمير المذكَّر عليه، ولا حاجة إلى الحذف إذن؟ قلت: لأنَّه يلزم أن يكون المعنى: أنَّه فعل في قيام الصَّلاة لكسوف الشَّمس وركوعها وسجودها مثلَ أطول شيءٍ كان يفعله في ذلك في غيرها من الصَّلوات، ولم يفعل طولًا زائدًا على ما عهد منه في سواها، وليس كذلك، اللَّهم إلَّا أن يكون صلَّى قبل هذه المرَّة (٣) لكسوفٍ آخر، فيصدق حينئذٍ أنَّه فعل مثلَ أطول شيءٍ (٤) كان يفعله، لكنَّه يحتاج إلى ثبتٍ فحرَّره. انتهى. قلت: في «أوائل الثِّقات» لابن حبَّان: إنَّ الشَّمس كسفت في السَّنة السَّادسة، فصلَّى صلاة الكسوف، وقال: «إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله (٥) … » الحديثَ، ثمَّ كسفت في السَّنة العاشرة يوم مات (٦) ابنه إبراهيم (وَقَالَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قامَ فصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ قامَ فقالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدَ ولَا لِحَيَاتِهِ ولاكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله يُرِيهِمَا عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ ذالِكَ فافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ معمر بن رَاشد. قَوْله: (وَهِشَام ابْن عُرْوَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الزُّهْرِيّ.

٤١ - (بابُ الذِّكْرِ فِي الكسوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الذّكر عِنْد كسوف الشَّمْس.

رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

أَي: روى الذّكر فِي الْكُسُوف عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد تقدم فِي حَدِيثه فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة، وَفِيه: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاذكروا الله) .

٩٥٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسى ا. قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَزَعا يَخْشَى أنْ تكُونَ السَّاعَةُ فَأتى المَسْجِدَ فَصَلَّى بِأطْوَلِ قِيَامٍ ورُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأيْتُهُ قَط يَفْعَلُهُ وَقَالَ هاذِهِ الآياتُ الَّتِي يُرْسِلُ الله عَزَّ وَجَلَّ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلاكِنْ يُخَوِّفُ الله بهِ عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ شَيْئا مِنْ ذالِكَ فافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ الله وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكر الله) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن زيد الْقرشِي الكوفى. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: ابْن عبد الله ابْن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي. الرَّابِع: جده أَبُو بردة اسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: اسْمه كنيته. الْخَامِس: عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رجال إِسْنَاده كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة مكيون، وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن جده وجده عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد الله بن براد وَأبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَزعًا) بِكَسْر الزَّاي صفة مشبهة، وَيجوز أَن يكون بِفَتْح الزَّاي وَيكون مصدرا بِمَعْنى الصّفة. قَوْله: (يخْشَى) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (أَن يكون) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يخْشَى. قَوْله: (السَّاعَة) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى أَن يكون خبر: يكون نَاقِصَة، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْخَسْف الَّذِي يدل عَلَيْهِ: (خسفت) ، وَأما الرّفْع فعلى أَن يكون تكون تَامَّة، قَالَ الْكرْمَانِي، وَهَذَا تَمْثِيل من الرَّاوِي كَأَنَّهُ قَالَ: فَزعًا كالخاشي، أَن تكون الْقِيَامَة، وإلاّ فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَالما بِأَن السَّاعَة لَا تقوم، وَهُوَ بَين أظهرهم، وَقد وعده الله إعلاء دينه على الْأَدْيَان كلهَا، وَلم يبلغ الْكتاب أَجله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد يسْتَشْكل هَذَا من حَدِيث أَن السَّاعَة لَهَا مُقَدمَات كَثِيرَة لَا بُد من وُقُوعهَا: كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وَخُرُوج الدَّابَّة والدجال وَغَيرهَا، وَكَيف الخشية من قِيَامهَا حِينَئِذٍ، وَيُجَاب بِأَنَّهُ: لَعَلَّ هَذَا الْكُسُوف كَانَ قبل إِعْلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذِهِ العلامات، أَو لَعَلَّه خشِي أَن تكون بعض مقدماتها أَو أَن الرَّاوِي ظن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي أَن تكون السَّاعَة، وَلَيْسَ يلْزم من ظَنّه أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي حَقِيقَة، بل رُبمَا خَافَ وُقُوع عَذَاب الْأمة، فَظن الرَّاوِي ذَلِك. قلت: كل وَاحِد من هَذِه الْأَجْوِبَة لَا يَخْلُو عَن نظر، إِذا تَأمله النَّاظر، وَالْأَوْجه فِي ذَلِك مَا قَالَه الْكرْمَانِي، أَو أَنه

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل مَا سيقع كالواقع إِظْهَارًا لتعظيم شَأْن الْكُسُوف وتنبيها لأمته أَنه إِذا وَقع بعده يَخْشونَ أَمر ذَلِك ويفزعون إِلَى ذكر الله وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة، لِأَن ذَلِك مِمَّا يدْفع الله بِهِ الْبلَاء. قَوْله: (رَأَيْته قطّ يَفْعَله) كلمة: قطّ، لَا تقع إلاّ بعد الْمَاضِي الْمَنْفِيّ، وَهنا وَقعت بِدُونِ كلمة: مَا، مَعَ أَن فِي كثير من النّسخ وَقعت على الأَصْل، وَهُوَ: (مَا رَأَيْته قطّ يَفْعَله) ، وَوجه ذَلِك: إِمَّا أَن يقدر حرف النَّفْي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تالله تفتؤ تذكر يُوسُف} (يُوسُف: ٥٨) . وَإِمَّا أَن لفظ: أطول، فِيهِ معنى عدم الْمُسَاوَاة أَي: بِمَا لم يساو قطّ قيَاما رَأَيْته يَفْعَله، وَإِمَّا أَن يكون قطّ بِمَعْنى: حسب، أَي: صلى فِي ذَلِك الْيَوْم فَحسب بأطول قيام رَأَيْته يَفْعَله، أَو يكون بِمَعْنى: أبدا، وَيَنْبَغِي أَن تكون لَفْظَة: قطّ، فِي النُّسْخَة الَّتِي مَا تقدمها حرف النَّفْي بِفَتْح الْقَاف، وَسُكُون الطَّاء، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَعْنى: حسب، فَلَا يَقْتَضِي حرف النَّفْي. وَأما إِذا كَانَ على بَابه فَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَتَشْديد الطَّاء وتخفيفها، وَبِفَتْحِهَا وَكسر الطَّاء المخففة. قَوْله: (هَذِه الْآيَات) أَشَارَ بهَا إِلَى الْآيَات الَّتِي تقع مثل: الْكُسُوف والخسوف والزلزلة وهبوب الرّيح الشَّدِيدَة وَنَحْوهَا، فَفِي كل وَاحِدَة مِنْهَا تخويف الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا} (الْإِسْرَاء: ٩٥) . وَيفهم من هَذَا أَن الْمُبَادرَة وَالذكر وَالدُّعَاء لَا يخْتَص بالكسوفين، وَبِه قَالَ أَصْحَابنَا، وَحكى ذَلِك عَن أبي مُوسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة ذكر الصَّلَاة فَلَا حجَّة فِيهِ لمن استحبها عِنْد كل آيَة. قلت: لم تَنْحَصِر الْحجَّة بِهَذِهِ الرِّوَايَة بل فِي قَوْله: (افزعوا إِلَى ذكر الله) حجَّة لمن قَالَ ذَلِك، لِأَن الصَّلَاة يُطلق عَلَيْهَا: ذكر الله، لِأَن فِيهَا أنواعا من ذكر الله تَعَالَى، وَقد ورد ذَلِك فِي (صَحِيح مُسلم) : (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) .

٥١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الْكُسُوف، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت: بَاب الدُّعَاء فِي الخسوف.

قالَهُ أبُو مُوسى وَعَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: قَالَ مَا ذكر من الدُّعَاء فِي الْكُسُوف أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ فِي حَدِيثه الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكره ودعائه واستغفاره) ، وَأما حَدِيث عَائِشَة فقد تقدم فِي الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، ولفظها: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فادعو الله) .

٠٦٠١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ قَالَ حدَّثنا زيادُ بن عِلَاقَة قَالَ سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَقُولِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمِا فادْعُوا الله وَصَلّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ.

(أنظر الحَدِيث ٣٤٠١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم فِي الْبَاب الأول، أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شَيبَان بن مُعَاوِيَة عَن زِيَاد بن علاقَة عَن الْمُغيرَة، وَهَذَا من الخماسيات، وَالَّذِي فِي هَذَا الْبَاب من الرباعيات، وَهُنَاكَ: عَن زِيَاد عَن الْمُغيرَة، وَهنا: التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ من الْمُغيرَة، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.

قَوْله: (رأيتموها) أَي: الْآيَة ويروى (رأيتموهما) بتثنية الضَّمِير، يرجع إِلَى الشَّمْس وَالْقَمَر بِاعْتِبَار كسوفهما. قَوْله: (حَتَّى تنجلي) ويروى بالتذكير، والتأنيث، ووجههما ظَاهر.

٦١ - (بابُ قَوْلِ الإِمَام فِي خُطْبَةِ الكُسوفِ أمَّا بَعْدُ)

١٦٠١ - وقالَ أبُو أسامَةَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخْبَرَتْنِي فاطِمَة بنْتُ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ قالَتْ فانْصَرَفَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ..

مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكره فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء أما بعد، فِي كتاب الْجُمُعَة. وَقَالَ مَحْمُود: حَدثنَا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله