الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٨٥
الحديث رقم ١٠٨٥ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كم أقام النبي ﷺ في حجته.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا.
١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي ذَرٍّ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالْقَصْرُ عِنْدَهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ صَلَّى أَرْبَعًا بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْقَصْرَ لَمْ يَأْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا كَانَ الْفَرْضُ لَا بُدَّ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي الْإِتْيَانِ بِبَعْضِهِ، وَكَانَ التَّخْيِيرُ مُخْتَصًّا بِالتَّطَوُّعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَتَخَيَّرُ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّا وَجَدْنَا وَاجِبًا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ بِمِنًى اهـ.
وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْرَ فَرْضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَعَمَّدَ تَرْكَ الْفَرْضِ حَيْثُ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَالَ إِنَّ الْخِلَافَ شَرٌّ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَحِيحَةٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَاسِدَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِتْمَامِ عُثْمَانَ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ
١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ.
[الحديث ١٠٨٥ - أطرافه في: ٣٨٣٢. ٢٥٠٥. ١٥٦٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ) أَيْ مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَيَانُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُحَقَّقَ فِيهِ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ هِيَ مُدَّةُ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى، ثُمَّ إِلَى عَرَفَةَ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مُلَفَّقَةً؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي الرَّابِعِ، وَخَرَجَ فِي الثَّامِنِ فَصَلَّى بِهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً مِنْ أَوَّلِ ظُهْرِ الرَّابِعِ إِلَى آخِرِ ظُهْرِ الثَّامِنِ (١). وَقِيلَ: أَرَادَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ عَشَرَةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّحْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَايَتِهَا فَإِنَّهَا تُعْرَفُ مِنَ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ بَيْنَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي مِنْ مِنًى إِلَى الْأَبْطَحِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، كَانَ يَبْرِي النَّبْلَ، وَاسْمُهُ زِيَادٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلَى مُتَابَعَةِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟
وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا
١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وصاحباه وهو إظهارٌ لكراهة مخالفتهم، لا يقال: إن ابن مسعودٍ كان يرى القصر واجبًا (١) كما قال الحنفيَّة، وإلَّا لَمَا استرجع، ولا أنكر بقوله: «صلَّيت مع رسول الله ﷺ … » إلى آخره، لأنَّا نقول: قوله: «ليت حظِّي من أربع ركعاتٍ» يردُّ ذلك لأنَّ ما لا يجزئ لا حظَّ له (٢) فيه لأنَّه فاسدٌ، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من الصَّحابة عثمان عليه، ويؤيِّده ما روى أبو داود: «أنَّ ابن مسعودٍ صلَّى أربعًا، فقيل له: عِبْت على عثمان، ثمَّ صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرٌّ»؛ إذ لو كان بدعةً لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا.
ورواة هذا الحديث ما بين بلخيٍّ و (٣) بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ؟).
١٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ) بتشديد الرَّاء، وكان يَبري النَّبل أو القَصَب، واسمه: زيادُ بن فيروزٍ على المشهور، وليس هو أبا العالية الرّياحيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) مكَّة يوم
الأحد (لِصُبْحِ رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة، وخرج إلى مِنًى في الثَّامن، فصلَّى بمكَّة إحدى وعشرين صلاةً، من أوَّل ظهر الرَّابع إلى آخر ظهر الثَّامن، فهي أربعة أيَّامٍ ملفَّقةٍ، وهذا موضع التَّرجمة، وإن لم يصرِّح في الحديث بغايةٍ فإنَّها معروفةٌ في (١) الواقع، أو المرادُ إقامتُه إلى أن توجَّه إلى المدينة، وهي عشرة أيَّامٍ سواء -كما مرَّ- في حديث أنسٍ، وكنَّى بقوله: (يُلَبُّونَ بِالحَجِّ) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم ﵇ وأصحابه، حال كونهم محرمين بالحجِّ (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: حجَّتهم (عُمْرَةً) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذِّكر لأنَّ قوله: «بالحجِّ» يدلُّ على الحجَّة (إِلَّا مَنْ مَعَهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا مَن كان معه» (الهَدْيُ) بفتح الهاء وسكون الدَّال: ما يُهدى من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ووجه استثناء المُهدِي (٢) أنَّه لا يجوز له التَّحلُّلُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفسخ الحجِّ خاصٌّ بالصَّحابة الَّذين حجُّوا معه ﵊ كما رواه أبو داود وابن ماجه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «هَدْيٌ» بالتَّنكير.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا العاليةَ (عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ في روايته (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله، وهي موصولةٌ عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والقران والإفراد» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٦٨].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي كَمْ يَقْصُرُ) المصلِّي (الصَّلَاةَ؟) بفتحِ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون
القاف وضمِّ الصَّاد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُقصَرُ الصَّلاة» بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وسكون (١) القاف والصَّاد المفتوحة المخفَّفة، وللأَصيليِّ: «تُقَصَّر الصَّلاة» بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف والصَّاد المشدَّدة مبنيًّا للمفعول فيهما، و «الصَّلاة» رفع نائبٍ عنه فيهما أيضًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ) في حديث هذا الباب (يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا) وللأربعة (٢) وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ فقط: «السَّفر يومًا وليلة» أي: وسَمَّى مدَّة اليوم واللَّيلة سفرًا (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃) ممَّا وصله البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ (يَقْصُرَانِ) بضمِّ الصَّاد (وَيُفْطِرَانِ) بضمِّ أوله وكسر الطَّاء (فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) بضمِّ الموحَّدة والرَّاء وقد (٣) تُسَكَّن (٤)، ذهابًا غير الإياب، ومثله إنَّما يُفعلُ عن توقيفٍ، فلو قصد مكانًا على مَرحلةٍ بنيَّة ألَّا يُقِيْمَ فيه فلا قَصْرَ له ذهابًا ولا إيابًا وإن نالته مشقَّة مرحلتين متواليتين لِمَا روى الشافعيُّ بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس أنَّه سُئِلَ: «أتُقْصَرُ الصَّلاةُ إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عُسْفان وإلى جدَّة وإلى الطائف»، فقدَّرها بالذهاب وحده، وقد روي عنه (٥) مرفوعًا بلفظ: «يا أهلَ مكَّة لا تقصروا الصَّلاة في أدنى من أربعة بُرُدٍ، من مكَّة إلى عُسْفَان» رواه الدَّارقُطني وابن أبي شيبة، لكنْ في إسناده ضعفٌ من أجل عبد الوهَّاب بن مجاهد.
قال البخاريُّ: (وَهْيَ) أي: الأربعةُ بُرُدٍ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) يقينًا أو ظنًّا ولو باجتهادٍ؛ إذ كلُّ بريدٍ أربعة فَراسخ، وكلُّ فرسخٍ ثلاثة أميالٍ، فهي ثمانيةٌ وأربعون مِيْلًا هاشميَّة، نسبةً لبني هاشمٍ لتقديرهم لها وقت خِلافتهم بعد تقدير بني أُمَيَّة، لا هاشمَ نفسه كما وقع للرَّافعي،
والميل من الأرض: مُنْتَهَى مَدِّ البصر لأنَّ البصر يميلُ عنه إلى (١) وجه الأرض حتَّى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريُّ، وقيل: أن ينظر إلى الشَّخص في أرضٍ مُسَطَّحةٍ فلا يدري أهو رجلٌ أو امرأةٌ؟ أو هو ذاهبٌ أو آتٍ؟ وهو أربعة آلاف خطوةٍ، والخطوة: ثلاثة أقدامٍ، فهو اثنا عشر ألف قدمٍ، وبالذِّراع ستَّة آلاف، والذِّراع: أربعة وعشرون إصبعًا معترضاتٍ، والإصبع: ستُّ شَعَراتٍ معتدلات معترضات، والشُّعيرة: ستُّ شُعيراتٍ من شَعرِ البِرْذَونِ، وقد حَرَّرَ بعضهم الذِّراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور: خمسة آلاف ذراع ومئتان وخمسون ذراعًا. انتهى. فمسافة القصر بالبرد: أربعةٌ، وبالفراسخ: ستَّة عشر، وبالأميال: ثمانية وأربعون، وبالأقدام: خمس مئة ألفٍ وستَّة وسبعون ألفًا، وبالأذرع: مئتا ألفٍ وثمانية وثمانون ألفًا، وبالأصابع: ستَّة آلاف ألفٍ وتسع مئة ألفٍ واثنا عشر ألفًا، وبالشُّعيرات: أحد وأربعون ألف ألف حبَّة (٢)، وأربع مئة ألف واثنان وسبعون ألفًا، وبالشَّعرات: مئتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمان مئة ألفٍ واثنان وثلاثون ألفًا، وبالزَّمن: يومٌ وليلةٌ، مع المعتاد من النُّزول والاستراحة والأكل والصَّلاة ونحوها، وعن ابن عبَّاس قال: «تُقْصَرُ الصَّلاة في مسيرة يومٍ وليلةٍ» رواه ابن أبي شَيبة بإسنادٍ صحيح، وذلك مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وضبطُها بذلك تحديدٌ لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة كما مرَّ، ولأنَّ القصر والجمع على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة، بخلاف تقدير القُلَّتَيْنِ ونحوهما، والبَرُّ كالبَحر (٣)، فلو قطع المسافة فيه في ساعةٍ قَصَرَ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وهو ستَّة عشر» بالتَّذكير، بدل: «وهي»، وسقط ذلك كلّه إلى آخر قوله: «فرسخًا» لابن عساكر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي ذَرٍّ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالْقَصْرُ عِنْدَهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ صَلَّى أَرْبَعًا بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْقَصْرَ لَمْ يَأْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمَّا كَانَ الْفَرْضُ لَا بُدَّ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي الْإِتْيَانِ بِبَعْضِهِ، وَكَانَ التَّخْيِيرُ مُخْتَصًّا بِالتَّطَوُّعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَتَخَيَّرُ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّا وَجَدْنَا وَاجِبًا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ بِمِنًى اهـ.
وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْرَ فَرْضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَعَمَّدَ تَرْكَ الْفَرْضِ حَيْثُ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَالَ إِنَّ الْخِلَافَ شَرٌّ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَحِيحَةٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَاسِدَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِتْمَامِ عُثْمَانَ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ
١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ.
[الحديث ١٠٨٥ - أطرافه في: ٣٨٣٢. ٢٥٠٥. ١٥٦٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ) أَيْ مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَيَانُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُحَقَّقَ فِيهِ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ هِيَ مُدَّةُ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى، ثُمَّ إِلَى عَرَفَةَ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مُلَفَّقَةً؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي الرَّابِعِ، وَخَرَجَ فِي الثَّامِنِ فَصَلَّى بِهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً مِنْ أَوَّلِ ظُهْرِ الرَّابِعِ إِلَى آخِرِ ظُهْرِ الثَّامِنِ (١). وَقِيلَ: أَرَادَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ عَشَرَةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّحْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَايَتِهَا فَإِنَّهَا تُعْرَفُ مِنَ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ بَيْنَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي مِنْ مِنًى إِلَى الْأَبْطَحِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، كَانَ يَبْرِي النَّبْلَ، وَاسْمُهُ زِيَادٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلَى مُتَابَعَةِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟
وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا
١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وصاحباه وهو إظهارٌ لكراهة مخالفتهم، لا يقال: إن ابن مسعودٍ كان يرى القصر واجبًا (١) كما قال الحنفيَّة، وإلَّا لَمَا استرجع، ولا أنكر بقوله: «صلَّيت مع رسول الله ﷺ … » إلى آخره، لأنَّا نقول: قوله: «ليت حظِّي من أربع ركعاتٍ» يردُّ ذلك لأنَّ ما لا يجزئ لا حظَّ له (٢) فيه لأنَّه فاسدٌ، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من الصَّحابة عثمان عليه، ويؤيِّده ما روى أبو داود: «أنَّ ابن مسعودٍ صلَّى أربعًا، فقيل له: عِبْت على عثمان، ثمَّ صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرٌّ»؛ إذ لو كان بدعةً لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا.
ورواة هذا الحديث ما بين بلخيٍّ و (٣) بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ؟).
١٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ) بتشديد الرَّاء، وكان يَبري النَّبل أو القَصَب، واسمه: زيادُ بن فيروزٍ على المشهور، وليس هو أبا العالية الرّياحيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) مكَّة يوم
الأحد (لِصُبْحِ رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة، وخرج إلى مِنًى في الثَّامن، فصلَّى بمكَّة إحدى وعشرين صلاةً، من أوَّل ظهر الرَّابع إلى آخر ظهر الثَّامن، فهي أربعة أيَّامٍ ملفَّقةٍ، وهذا موضع التَّرجمة، وإن لم يصرِّح في الحديث بغايةٍ فإنَّها معروفةٌ في (١) الواقع، أو المرادُ إقامتُه إلى أن توجَّه إلى المدينة، وهي عشرة أيَّامٍ سواء -كما مرَّ- في حديث أنسٍ، وكنَّى بقوله: (يُلَبُّونَ بِالحَجِّ) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم ﵇ وأصحابه، حال كونهم محرمين بالحجِّ (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: حجَّتهم (عُمْرَةً) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذِّكر لأنَّ قوله: «بالحجِّ» يدلُّ على الحجَّة (إِلَّا مَنْ مَعَهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا مَن كان معه» (الهَدْيُ) بفتح الهاء وسكون الدَّال: ما يُهدى من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ووجه استثناء المُهدِي (٢) أنَّه لا يجوز له التَّحلُّلُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفسخ الحجِّ خاصٌّ بالصَّحابة الَّذين حجُّوا معه ﵊ كما رواه أبو داود وابن ماجه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «هَدْيٌ» بالتَّنكير.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا العاليةَ (عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ في روايته (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله، وهي موصولةٌ عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والقران والإفراد» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٦٨].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي كَمْ يَقْصُرُ) المصلِّي (الصَّلَاةَ؟) بفتحِ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون
القاف وضمِّ الصَّاد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُقصَرُ الصَّلاة» بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وسكون (١) القاف والصَّاد المفتوحة المخفَّفة، وللأَصيليِّ: «تُقَصَّر الصَّلاة» بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف والصَّاد المشدَّدة مبنيًّا للمفعول فيهما، و «الصَّلاة» رفع نائبٍ عنه فيهما أيضًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ) في حديث هذا الباب (يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا) وللأربعة (٢) وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ فقط: «السَّفر يومًا وليلة» أي: وسَمَّى مدَّة اليوم واللَّيلة سفرًا (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃) ممَّا وصله البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ (يَقْصُرَانِ) بضمِّ الصَّاد (وَيُفْطِرَانِ) بضمِّ أوله وكسر الطَّاء (فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) بضمِّ الموحَّدة والرَّاء وقد (٣) تُسَكَّن (٤)، ذهابًا غير الإياب، ومثله إنَّما يُفعلُ عن توقيفٍ، فلو قصد مكانًا على مَرحلةٍ بنيَّة ألَّا يُقِيْمَ فيه فلا قَصْرَ له ذهابًا ولا إيابًا وإن نالته مشقَّة مرحلتين متواليتين لِمَا روى الشافعيُّ بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس أنَّه سُئِلَ: «أتُقْصَرُ الصَّلاةُ إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عُسْفان وإلى جدَّة وإلى الطائف»، فقدَّرها بالذهاب وحده، وقد روي عنه (٥) مرفوعًا بلفظ: «يا أهلَ مكَّة لا تقصروا الصَّلاة في أدنى من أربعة بُرُدٍ، من مكَّة إلى عُسْفَان» رواه الدَّارقُطني وابن أبي شيبة، لكنْ في إسناده ضعفٌ من أجل عبد الوهَّاب بن مجاهد.
قال البخاريُّ: (وَهْيَ) أي: الأربعةُ بُرُدٍ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) يقينًا أو ظنًّا ولو باجتهادٍ؛ إذ كلُّ بريدٍ أربعة فَراسخ، وكلُّ فرسخٍ ثلاثة أميالٍ، فهي ثمانيةٌ وأربعون مِيْلًا هاشميَّة، نسبةً لبني هاشمٍ لتقديرهم لها وقت خِلافتهم بعد تقدير بني أُمَيَّة، لا هاشمَ نفسه كما وقع للرَّافعي،
والميل من الأرض: مُنْتَهَى مَدِّ البصر لأنَّ البصر يميلُ عنه إلى (١) وجه الأرض حتَّى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريُّ، وقيل: أن ينظر إلى الشَّخص في أرضٍ مُسَطَّحةٍ فلا يدري أهو رجلٌ أو امرأةٌ؟ أو هو ذاهبٌ أو آتٍ؟ وهو أربعة آلاف خطوةٍ، والخطوة: ثلاثة أقدامٍ، فهو اثنا عشر ألف قدمٍ، وبالذِّراع ستَّة آلاف، والذِّراع: أربعة وعشرون إصبعًا معترضاتٍ، والإصبع: ستُّ شَعَراتٍ معتدلات معترضات، والشُّعيرة: ستُّ شُعيراتٍ من شَعرِ البِرْذَونِ، وقد حَرَّرَ بعضهم الذِّراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور: خمسة آلاف ذراع ومئتان وخمسون ذراعًا. انتهى. فمسافة القصر بالبرد: أربعةٌ، وبالفراسخ: ستَّة عشر، وبالأميال: ثمانية وأربعون، وبالأقدام: خمس مئة ألفٍ وستَّة وسبعون ألفًا، وبالأذرع: مئتا ألفٍ وثمانية وثمانون ألفًا، وبالأصابع: ستَّة آلاف ألفٍ وتسع مئة ألفٍ واثنا عشر ألفًا، وبالشُّعيرات: أحد وأربعون ألف ألف حبَّة (٢)، وأربع مئة ألف واثنان وسبعون ألفًا، وبالشَّعرات: مئتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمان مئة ألفٍ واثنان وثلاثون ألفًا، وبالزَّمن: يومٌ وليلةٌ، مع المعتاد من النُّزول والاستراحة والأكل والصَّلاة ونحوها، وعن ابن عبَّاس قال: «تُقْصَرُ الصَّلاة في مسيرة يومٍ وليلةٍ» رواه ابن أبي شَيبة بإسنادٍ صحيح، وذلك مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وضبطُها بذلك تحديدٌ لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة كما مرَّ، ولأنَّ القصر والجمع على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة، بخلاف تقدير القُلَّتَيْنِ ونحوهما، والبَرُّ كالبَحر (٣)، فلو قطع المسافة فيه في ساعةٍ قَصَرَ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وهو ستَّة عشر» بالتَّذكير، بدل: «وهي»، وسقط ذلك كلّه إلى آخر قوله: «فرسخًا» لابن عساكر.