«لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». تَابَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٨٧

الحديث رقم ١٠٨٧ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في كم يقصر الصلاة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٨٧ في صحيح البخاري

«لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ .

إسناد حديث رقم ١٠٨٧ من صحيح البخاري

١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "

[الحديث ١٠٨٦ - طرفه ١٠٨٧]

١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "

تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ .

١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ) يُرِيدُ بَيَانَ الْمَسَافَةِ الَّتِي إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا سَاغَ لَهُ الْقَصْرُ وَلَا يَسُوغُ لَهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَهِيَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي انْتَشَرَ فِيهَا الْخِلَافُ جِدًّا، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا، فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ مَا دَامَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَأَوْرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَسَمَّى النَّبِيُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ السَّفَرُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَجَوُّزٌ، وَالْمَعْنَى سَمَّى مُدَّةَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَفَرًا، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ عِنْدَهُ فِي الْبَابِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَوْرَدَهُ هُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي بَعْضِهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمٌ وَفِي بَعْضِهَا لَيْلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا بَرِيدٌ فَإِنْ حُمِلَ الْيَوْمُ الْمُطْلَقُ أَوِ اللَّيْلَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْكَامِلِ أَيْ يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ أَوْ لَيْلَةٌ بِيَوْمِهَا قَلَّ الِاخْتِلَافُ وَانْدَرَجَ فِي الثَّلَاثِ فَيَكُونُ أَقَلُّ الْمَسَافَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ بَرِيدٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِلَخْ)، وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَكِبَ إِلَى ذَاتِ النُّصُبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذَاتِ النُّصُبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: أَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى عَرَفَةَ؟ قَالَ: لَا.

وَلَكِنْ إِلَى عُسْفَانَ أَوْ إِلَى جِدَّةَ أَوِ الطَّائِفِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ، وَلَا تُقْصَرُ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ يُمْكِنُ سَيْرُهَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِ

الثَّلَاثِ فَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِ بِأَنَّ الْمَسَافَةَ وَاحِدَةٌ وَلَكِنَّ السَّيْرَ يَخْتَلِفُ، أَوْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مَا سِيقَ لِأَجْلِ بَيَانِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، بَلْ لِنَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ الْخُرُوجِ وَحْدَهَا، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ فِي ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ وَحْدَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَانِ، فَلَوْ قَطَعَتْ مَسِيرَةَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا فِي يَوْمٍ تَامٍّ لَتَعَلَّقَ بِهَا النَّهْيُ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَسِيرَةَ نِصْفِ يَوْمٍ مَثَلًا فِي يَوْمَيْنِ لَمْ يَقْصُرْ فَافْتَرَقَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ لَفْظُ بَرِيدٌ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً وَسَنَذْكُرُهَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي تَمَسُّكِ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إِشْكَالٌ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا رَأَى الصَّحَابِيُّ لَا بِمَا رَوَى، فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِبَيَانِ أَقَلِّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمَا خَالَفَهُ وَقَصَرَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهِ مَالٌ لَهُ بِخَيْبَرَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ مِيلًا.

وَرَوَى وَكِيعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَقْصُرُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى السُّوَيْدَاءِ وَبَيْنَهُمَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَافَرَ إِلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَارِبٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ، سَمِعْتُ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْ خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتغَايِرَةٌ جِدًّا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيِ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٍ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْفَرْسَخَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْمِيلُ مِنَ الْأَرْضِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ لِأَنَّ الْبَصَرَ يَمِيلُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى يَفْنَى إِدْرَاكُهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقِيلَ حَدُّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسَطَّحَةٍ فَلَا يُدْرَى أَهُوَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ هُوَ ذَاهِبٌ أَوْ آتٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً وَالْإِصْبَعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَرِضَةٍ مُعْتَدِلَةٍ اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ بِقَدَمِ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: هُوَ أَرْبَعَةُ آلافِ ذِرَاعٍ، وَقِيلَ: بَلْ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: وَخَمْسُمِائَةٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقِيلَ: هُوَ أَلْفَا ذِرَاعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَلْفِ خُطْوَةٍ لِلْجَمَلِ، ثُمَّ إِنَّ الذِّرَاعَ الَّذِي ذَكَرَ النَّوَوِيُّ تَحْدِيدَهُ قَدْ حَرَّرَهُ غَيْرُهُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ، فَعَلَى هَذَا فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ قَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا.

وَحَكَى النَّوَوِيُّ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَكَأَنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ - أَوْ فَرَاسِخٍ - قَصَرَ الصَّلَاةَ. وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَأَصْرَحُهُ، وَقَدْ حَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُبْتَدَأُ منها الْقَصْرُ لَا غَايَةُ السَّفَرِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْحَمْلِ، مع أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَزِيدَ رَاوِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَكُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْكُوفَةِ - يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ - فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ، فَقَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ لَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُبْتَدَأُ الْقَصْرُ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الصَّحِيحَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَسَافَةٍ بَلْ بِمُجَاوَزَةِ الْبَلَدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي التَّحْدِيدِ بِثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ مُدْرَجَةٌ فِيهَا، فَيُؤْخَذُ بِالْأَكْثَرِ

احْتِيَاطًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ فِي بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفَرْسَخِ، فَقِيلَ السُّكُونُ ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَقِيلَ السَّعَةُ، وَقِيلَ الْمَكَانُ الَّذِي لَا فُرْجَةَ فِيهِ، وَقِيلَ الشَّيْءُ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ حَيْثُ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ فَهُوَ إِمَّا ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَإِمَّا ابْنُ نَصْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَخْرَجَ عَنْهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. قُلْتُ: لَكِنْ إِسْحَاقُ هُنَا هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَمِنْ عَادَتِهِ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّحَمُّلِ قَوْلُ الشَّيْخِ: نَعَمْ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَهُ حَدَّثَكُمْ فُلَانٌ بِكَذَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ فِي آخِرِهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ وَقَالَ: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا أَوْ ثَلَاثُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَالْمَحْرَمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْحَرَامُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا. أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ.

تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَحْمَدُ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَنَقَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ مَوْقُوفًا. قُلْتُ: وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَابَعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الضَّحَّاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ.

تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) مَفْهُومُهُ أَنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَاتِ، فَتَخْرُجُ الْكَافِرَاتُ كِتَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ حَرْبِيَّةً، وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّارِعِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيَنْقَادُ لَهُ، فَلِذَلِكَ قُيِّدَ بِهِ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ مِمَّا سِوَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) أَيْ مَحْرَمٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ بِلَا مَحْرَمٍ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ الْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ مُغَلْطَايْ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ تُسَافِرَ مَرَّةً وَاحِدَةً مَخْصُوصَةً بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْإِعْرَابِ، وَمَسِيرَةٌ إِنَّمَا هِيَ مَصْدَرٌ سَارَ كَقَوْلِهِ سَيْرًا مِثْلَ عَاشَ مَعِيشَةً وَعَيْشًا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) يَعْنِي سَعِيدًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَابَعَةٌ فِي الْمَتْنِ لَا فِي الْإِسْنَادِ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَلَى سُهَيْلٍ وَعَلَى مَالِكٍ فِيهِ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَزَمَ بِهَا الْمُصَنِّفُ أَرْجَحُ عِنْدَهُ عَنْهُمْ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، لَكِنِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَلَى قَوْلِهِ: عَنْ أَبِيهِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَاللَّيْثِ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ لَفْظَةَ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْيَوْمُ بِلَيْلَتِهِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُهَيْلٍ فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ اضْطَرَبَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد بن مغربل الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمري (عَنْ نَافِعٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني» بالإفراد «نافع» (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) مجزومٌ بـ «لا» النَّاهية، والكسرة لالتقاء السَّاكنين (ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) جعلها كالأولى تابعة، وللأَصيليِّ: «إلَّا معها ذو محرمٍ» فجعلها متبوعة، ولا فرق بينهما في المعنى، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا ومعها ذو مَحرم» بالواو قبل «معها»، وليس في «اليونينيَّة» واو (١)، ولمسلمٍ وأبي داود من حديث أبي سعيدٍ: «إلَّا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرمٍ منها».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عُبَيْدَ (٢) الله (أَحْمَدُ) بن محمَّد المروزيُّ أحد شيوخ المؤلِّف، وليس أحمد ابن حنبل حيث رواه (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ).

١٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن

ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسم أبي ذئبٍ: هشام، العامريُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَعِيدٌ) هو ابن أبي سعيدٍ (المَقْبُرِيُّ) بضمِّ الموحدة، نسبةً إلى مقبرةٍ بالمدينة كان مجاورًا لها (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ (١) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «عن النبيِّ» (: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) خرج مخرج الغالب، وليس المراد إخراج سوى المؤمنة لأنَّ الحُكم يعمُّ كلَّ امرأةٍ، مسلمةً كانت (٢) أو كافرةً، كتابيَّةً كانت أو حربيَّة، أو هو وصفٌ لتأكيد التَّحريم لأنَّه تعريضٌ أنَّها إذا سافرت بغير محرمٍ فإنَّها مخالفةٌ شرطَ الإيمان بالله واليوم الآخر لأنَّ التَّعرُّض إلى وصفها بذلك إشارةٌ إلى التزام الوقوف عند ما نُهيت عنه، وأنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر (٣) يقضي لها بذلك (أَنْ تُسَافِرَ) أي: لا يحلُّ لامرأةٍ مُسافَرتُها (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) حالَ كونها (لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) بضمِّ الحاء وسكون الرَّاء، أي: رجلٌ ذو حُرْمَةٍ منها بنسبٍ أو غير نسبٍ. و «مَسِيْرَةَ»: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى: السَّير؛ كالمعيشة بمعنى: العيش، وليست التَّاء فيه للمرَّة (٤). واستُشْكِلَ قوله في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في الحديث الأوَّل: «فوق ثلاثة أيام» حيث دلَّ على عدم جواز سفرها وحدها فوق ثلاثةٍ، والحديث الثَّاني: على (٥) عدم جواز ثلاثة، والثَّالث: على عدم جواز يومين، فمفهومُ الأوَّل ينافي الثَّاني، والثَّاني ينافي الثَّالث. وأُجيبَ بأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، قاله الكِرمانيُّ. لكن قوله: «والثَّالث: على عدم جواز يومين» فيه نظر إلَّا أن يُقَدَّر في الحديث يوم بليلته، وليلة بيومها، قال: واختلاف الأحاديث لاختلاف جواب السَّائلين.

(تَابَعَهُ) أي: ابن أبي ذئبٍ في لفظ مَتْنِ روايته السَّابقة (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، ممَّا وصله أحمد (وَسُهَيْلٌ) هو ابن أبي صالحٍ ممَّا وصله أبو داود وابن حبَّانَ (وَمَالِكٌ) الإمامُ ممَّا وصله مسلمٌ وغيره (عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) قال ابن حجر: واختُلِف على سُهيلٍ وعلى مالكٍ، وكأنَّ الرِّواية الَّتي جزم بها المُصَنِّفُ أرجحُ عنده منهم، ورجَّح الدَّارقُطنيُّ: أنَّه

عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ليس فيه «عن أبيه»، كما رواه معظم رواة «الموطَّأ»، لكنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولة، ولا سيَّما إذا كان حافظًا، وقد وافق ابنَ أبي ذئبٍ على قوله: «عن أبيه» اللَّيثُ بن سعدٍ، عند أبي داود، واللَّيثُ وابنُ أبي ذئبٍ من أثبتِ النَّاس في سعيدٍ، وأمَّا رواية سهيلٍ، فذكر ابن عبد البرِّ أنَّه اضطرب في إسنادها ومتنها.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَقْصُرُ) الرُّباعيَّة (إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ) قاصدًا سفرًا طويلًا (وَخَرَجَ عَلِيٌّ) من الكوفة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عليُّ بن أبي طالب» (، فَقَصَرَ) الصَّلاة الرُّباعيَّة (وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ) أي: والحال أنَّه يرى بيوت الكوفة (فَلَمَّا رَجَعَ) من سفره هذا (قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ) فهل تتمُّ الصَّلاة أو تَقْصُر؟ وسقط لفظ: «له» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: لَا) نُتِمُّها (حَتَّى نَدْخُلَهَا) لأنَّا في حُكم المسافرين حتَّى ندخلها. وهذا التَّعليق وصله الحاكم من رواية الثَّوريِّ عن وِرْقَاء بن إياس -بكسر الواو وبعد الرَّاء قافٌ ثمَّ مَدَّة- عن عليِّ بن ربيعة قال: خرجنا مع عليٍّ … ، فذكره، وموضع (١) التَّرجمة من هذا الأثر ظاهر. واختُلِف متى يحصل ابتداء السَّفر حتَّى يُبَاح القصر؟ فعند الشَّافعيَّة يحصل ابتداؤه من بلدٍ له سورٌ بمفارقة سور البلد المختصِّ به وإن كان داخلُه مواضعَ خربةٍ ومزارع لأنَّ جميع ما هو داخلُه معدودٌ من البلدة، فإن كان وراءه دُوْرٌ مُتلاصقةٌ؛ صحَّح النَّوويُّ عدَم اشتراط مجاوزتها لأنَّها لا تُعَدُّ من البلد، وإن لم يكن له سورٌ فمبدؤه مجاوزة العُمْران حتَّى لا يبقى بيتٌ مُتَّصِلٌ ولا مُنْفَصِلٌ، لا الخراب الَّذي لا عمارةَ وراءه، ولا البساتين والمزارع المتَّصلة بالبلد، والقرية كبلدٍ، فيشترط مجاوزة العمران فيها، لا الخراب والبساتين والمزارع وإن كانت مُحَوَّطة، وأَوْلُ سَفَرِ ساكن الخيام كالأعراب مجاوزةُ الحِلَّة، وقال الحنفيَّة: إذا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "

[الحديث ١٠٨٦ - طرفه ١٠٨٧]

١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "

تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ .

١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ) يُرِيدُ بَيَانَ الْمَسَافَةِ الَّتِي إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا سَاغَ لَهُ الْقَصْرُ وَلَا يَسُوغُ لَهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَهِيَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي انْتَشَرَ فِيهَا الْخِلَافُ جِدًّا، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا، فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ مَا دَامَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَأَوْرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَسَمَّى النَّبِيُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ السَّفَرُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَجَوُّزٌ، وَالْمَعْنَى سَمَّى مُدَّةَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَفَرًا، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ عِنْدَهُ فِي الْبَابِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَوْرَدَهُ هُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي بَعْضِهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمٌ وَفِي بَعْضِهَا لَيْلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا بَرِيدٌ فَإِنْ حُمِلَ الْيَوْمُ الْمُطْلَقُ أَوِ اللَّيْلَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْكَامِلِ أَيْ يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ أَوْ لَيْلَةٌ بِيَوْمِهَا قَلَّ الِاخْتِلَافُ وَانْدَرَجَ فِي الثَّلَاثِ فَيَكُونُ أَقَلُّ الْمَسَافَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ بَرِيدٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِلَخْ)، وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَكِبَ إِلَى ذَاتِ النُّصُبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذَاتِ النُّصُبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: أَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى عَرَفَةَ؟ قَالَ: لَا.

وَلَكِنْ إِلَى عُسْفَانَ أَوْ إِلَى جِدَّةَ أَوِ الطَّائِفِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ، وَلَا تُقْصَرُ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ يُمْكِنُ سَيْرُهَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِ

الثَّلَاثِ فَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِ بِأَنَّ الْمَسَافَةَ وَاحِدَةٌ وَلَكِنَّ السَّيْرَ يَخْتَلِفُ، أَوْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مَا سِيقَ لِأَجْلِ بَيَانِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، بَلْ لِنَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ الْخُرُوجِ وَحْدَهَا، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ فِي ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ وَحْدَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَانِ، فَلَوْ قَطَعَتْ مَسِيرَةَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا فِي يَوْمٍ تَامٍّ لَتَعَلَّقَ بِهَا النَّهْيُ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَسِيرَةَ نِصْفِ يَوْمٍ مَثَلًا فِي يَوْمَيْنِ لَمْ يَقْصُرْ فَافْتَرَقَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ لَفْظُ بَرِيدٌ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً وَسَنَذْكُرُهَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي تَمَسُّكِ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إِشْكَالٌ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا رَأَى الصَّحَابِيُّ لَا بِمَا رَوَى، فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِبَيَانِ أَقَلِّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمَا خَالَفَهُ وَقَصَرَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهِ مَالٌ لَهُ بِخَيْبَرَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ مِيلًا.

وَرَوَى وَكِيعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَقْصُرُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى السُّوَيْدَاءِ وَبَيْنَهُمَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَافَرَ إِلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَارِبٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ، سَمِعْتُ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْ خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتغَايِرَةٌ جِدًّا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيِ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٍ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْفَرْسَخَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْمِيلُ مِنَ الْأَرْضِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ لِأَنَّ الْبَصَرَ يَمِيلُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى يَفْنَى إِدْرَاكُهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقِيلَ حَدُّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسَطَّحَةٍ فَلَا يُدْرَى أَهُوَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ هُوَ ذَاهِبٌ أَوْ آتٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً وَالْإِصْبَعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَرِضَةٍ مُعْتَدِلَةٍ اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ بِقَدَمِ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: هُوَ أَرْبَعَةُ آلافِ ذِرَاعٍ، وَقِيلَ: بَلْ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: وَخَمْسُمِائَةٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقِيلَ: هُوَ أَلْفَا ذِرَاعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَلْفِ خُطْوَةٍ لِلْجَمَلِ، ثُمَّ إِنَّ الذِّرَاعَ الَّذِي ذَكَرَ النَّوَوِيُّ تَحْدِيدَهُ قَدْ حَرَّرَهُ غَيْرُهُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ، فَعَلَى هَذَا فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ قَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا.

وَحَكَى النَّوَوِيُّ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَكَأَنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ - أَوْ فَرَاسِخٍ - قَصَرَ الصَّلَاةَ. وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَأَصْرَحُهُ، وَقَدْ حَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُبْتَدَأُ منها الْقَصْرُ لَا غَايَةُ السَّفَرِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْحَمْلِ، مع أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَزِيدَ رَاوِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَكُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْكُوفَةِ - يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ - فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ، فَقَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ لَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُبْتَدَأُ الْقَصْرُ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الصَّحِيحَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَسَافَةٍ بَلْ بِمُجَاوَزَةِ الْبَلَدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي التَّحْدِيدِ بِثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ مُدْرَجَةٌ فِيهَا، فَيُؤْخَذُ بِالْأَكْثَرِ

احْتِيَاطًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ فِي بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفَرْسَخِ، فَقِيلَ السُّكُونُ ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَقِيلَ السَّعَةُ، وَقِيلَ الْمَكَانُ الَّذِي لَا فُرْجَةَ فِيهِ، وَقِيلَ الشَّيْءُ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ حَيْثُ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ فَهُوَ إِمَّا ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَإِمَّا ابْنُ نَصْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَخْرَجَ عَنْهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. قُلْتُ: لَكِنْ إِسْحَاقُ هُنَا هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَمِنْ عَادَتِهِ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّحَمُّلِ قَوْلُ الشَّيْخِ: نَعَمْ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَهُ حَدَّثَكُمْ فُلَانٌ بِكَذَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ فِي آخِرِهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ وَقَالَ: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا أَوْ ثَلَاثُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَالْمَحْرَمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْحَرَامُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا. أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ.

تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَحْمَدُ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَنَقَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ مَوْقُوفًا. قُلْتُ: وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَابَعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الضَّحَّاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ.

تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) مَفْهُومُهُ أَنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَاتِ، فَتَخْرُجُ الْكَافِرَاتُ كِتَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ حَرْبِيَّةً، وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّارِعِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيَنْقَادُ لَهُ، فَلِذَلِكَ قُيِّدَ بِهِ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ مِمَّا سِوَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) أَيْ مَحْرَمٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ بِلَا مَحْرَمٍ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ الْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ مُغَلْطَايْ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ تُسَافِرَ مَرَّةً وَاحِدَةً مَخْصُوصَةً بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْإِعْرَابِ، وَمَسِيرَةٌ إِنَّمَا هِيَ مَصْدَرٌ سَارَ كَقَوْلِهِ سَيْرًا مِثْلَ عَاشَ مَعِيشَةً وَعَيْشًا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) يَعْنِي سَعِيدًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَابَعَةٌ فِي الْمَتْنِ لَا فِي الْإِسْنَادِ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَلَى سُهَيْلٍ وَعَلَى مَالِكٍ فِيهِ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَزَمَ بِهَا الْمُصَنِّفُ أَرْجَحُ عِنْدَهُ عَنْهُمْ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، لَكِنِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَلَى قَوْلِهِ: عَنْ أَبِيهِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَاللَّيْثِ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ لَفْظَةَ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْيَوْمُ بِلَيْلَتِهِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُهَيْلٍ فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ اضْطَرَبَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد بن مغربل الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمري (عَنْ نَافِعٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني» بالإفراد «نافع» (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) مجزومٌ بـ «لا» النَّاهية، والكسرة لالتقاء السَّاكنين (ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) جعلها كالأولى تابعة، وللأَصيليِّ: «إلَّا معها ذو محرمٍ» فجعلها متبوعة، ولا فرق بينهما في المعنى، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا ومعها ذو مَحرم» بالواو قبل «معها»، وليس في «اليونينيَّة» واو (١)، ولمسلمٍ وأبي داود من حديث أبي سعيدٍ: «إلَّا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرمٍ منها».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عُبَيْدَ (٢) الله (أَحْمَدُ) بن محمَّد المروزيُّ أحد شيوخ المؤلِّف، وليس أحمد ابن حنبل حيث رواه (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ).

١٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن

ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسم أبي ذئبٍ: هشام، العامريُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَعِيدٌ) هو ابن أبي سعيدٍ (المَقْبُرِيُّ) بضمِّ الموحدة، نسبةً إلى مقبرةٍ بالمدينة كان مجاورًا لها (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ (١) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «عن النبيِّ» (: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) خرج مخرج الغالب، وليس المراد إخراج سوى المؤمنة لأنَّ الحُكم يعمُّ كلَّ امرأةٍ، مسلمةً كانت (٢) أو كافرةً، كتابيَّةً كانت أو حربيَّة، أو هو وصفٌ لتأكيد التَّحريم لأنَّه تعريضٌ أنَّها إذا سافرت بغير محرمٍ فإنَّها مخالفةٌ شرطَ الإيمان بالله واليوم الآخر لأنَّ التَّعرُّض إلى وصفها بذلك إشارةٌ إلى التزام الوقوف عند ما نُهيت عنه، وأنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر (٣) يقضي لها بذلك (أَنْ تُسَافِرَ) أي: لا يحلُّ لامرأةٍ مُسافَرتُها (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) حالَ كونها (لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) بضمِّ الحاء وسكون الرَّاء، أي: رجلٌ ذو حُرْمَةٍ منها بنسبٍ أو غير نسبٍ. و «مَسِيْرَةَ»: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى: السَّير؛ كالمعيشة بمعنى: العيش، وليست التَّاء فيه للمرَّة (٤). واستُشْكِلَ قوله في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في الحديث الأوَّل: «فوق ثلاثة أيام» حيث دلَّ على عدم جواز سفرها وحدها فوق ثلاثةٍ، والحديث الثَّاني: على (٥) عدم جواز ثلاثة، والثَّالث: على عدم جواز يومين، فمفهومُ الأوَّل ينافي الثَّاني، والثَّاني ينافي الثَّالث. وأُجيبَ بأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، قاله الكِرمانيُّ. لكن قوله: «والثَّالث: على عدم جواز يومين» فيه نظر إلَّا أن يُقَدَّر في الحديث يوم بليلته، وليلة بيومها، قال: واختلاف الأحاديث لاختلاف جواب السَّائلين.

(تَابَعَهُ) أي: ابن أبي ذئبٍ في لفظ مَتْنِ روايته السَّابقة (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، ممَّا وصله أحمد (وَسُهَيْلٌ) هو ابن أبي صالحٍ ممَّا وصله أبو داود وابن حبَّانَ (وَمَالِكٌ) الإمامُ ممَّا وصله مسلمٌ وغيره (عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) قال ابن حجر: واختُلِف على سُهيلٍ وعلى مالكٍ، وكأنَّ الرِّواية الَّتي جزم بها المُصَنِّفُ أرجحُ عنده منهم، ورجَّح الدَّارقُطنيُّ: أنَّه

عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ليس فيه «عن أبيه»، كما رواه معظم رواة «الموطَّأ»، لكنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولة، ولا سيَّما إذا كان حافظًا، وقد وافق ابنَ أبي ذئبٍ على قوله: «عن أبيه» اللَّيثُ بن سعدٍ، عند أبي داود، واللَّيثُ وابنُ أبي ذئبٍ من أثبتِ النَّاس في سعيدٍ، وأمَّا رواية سهيلٍ، فذكر ابن عبد البرِّ أنَّه اضطرب في إسنادها ومتنها.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَقْصُرُ) الرُّباعيَّة (إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ) قاصدًا سفرًا طويلًا (وَخَرَجَ عَلِيٌّ) من الكوفة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عليُّ بن أبي طالب» (، فَقَصَرَ) الصَّلاة الرُّباعيَّة (وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ) أي: والحال أنَّه يرى بيوت الكوفة (فَلَمَّا رَجَعَ) من سفره هذا (قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ) فهل تتمُّ الصَّلاة أو تَقْصُر؟ وسقط لفظ: «له» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: لَا) نُتِمُّها (حَتَّى نَدْخُلَهَا) لأنَّا في حُكم المسافرين حتَّى ندخلها. وهذا التَّعليق وصله الحاكم من رواية الثَّوريِّ عن وِرْقَاء بن إياس -بكسر الواو وبعد الرَّاء قافٌ ثمَّ مَدَّة- عن عليِّ بن ربيعة قال: خرجنا مع عليٍّ … ، فذكره، وموضع (١) التَّرجمة من هذا الأثر ظاهر. واختُلِف متى يحصل ابتداء السَّفر حتَّى يُبَاح القصر؟ فعند الشَّافعيَّة يحصل ابتداؤه من بلدٍ له سورٌ بمفارقة سور البلد المختصِّ به وإن كان داخلُه مواضعَ خربةٍ ومزارع لأنَّ جميع ما هو داخلُه معدودٌ من البلدة، فإن كان وراءه دُوْرٌ مُتلاصقةٌ؛ صحَّح النَّوويُّ عدَم اشتراط مجاوزتها لأنَّها لا تُعَدُّ من البلد، وإن لم يكن له سورٌ فمبدؤه مجاوزة العُمْران حتَّى لا يبقى بيتٌ مُتَّصِلٌ ولا مُنْفَصِلٌ، لا الخراب الَّذي لا عمارةَ وراءه، ولا البساتين والمزارع المتَّصلة بالبلد، والقرية كبلدٍ، فيشترط مجاوزة العمران فيها، لا الخراب والبساتين والمزارع وإن كانت مُحَوَّطة، وأَوْلُ سَفَرِ ساكن الخيام كالأعراب مجاوزةُ الحِلَّة، وقال الحنفيَّة: إذا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله