الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١١٦
الحديث رقم ١١١٦ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صلاة القاعد بالإيماء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٤٨⦘
مُضْطَجِعًا هَا هُنَا.
بَابٌ: إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً عَنْ عِمْرَانَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّجُلُ صَلَّى صَلَاةَ التَّطَوُّعِ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا.
وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَحَكَاهُ عِيَاضٌ وَجْهًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَبْهَرِيِّ مِنْهُمْ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(تَنْبِيهٌ): سُؤَالُ عِمْرَانَ عَنِ الرَّجُلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا) يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ قَاعِدًا لَا يَنْقُصُ أَجْرُهَا عَنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعَ يَدِي عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي خَصَائِصِهِ ﷺ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَنَفُّلِهِ ﷺ قَاعِدًا: قَدْ عَلَّلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِقَوْلِهِ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ. فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنِّي ذُو عُذْرٍ. وَقَدْ رَدَّ النَّوَوِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. (فَائِدَةٌ): لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْقُعُودِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ جَوَازُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَ الْمُصَلِّي، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، وَقِيلَ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَحَادِيثُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: نَائِمًا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
١٨ - بَاب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالْإِيمَاءِ
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا. وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالْإِيمَاءِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْإِيمَاءِ، وَإِنَّمَا فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جَنْبٍ فَقَدِ احْتَاجَ إِلَى الْإِيمَاءِ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ يَخْتَارُ جَوَازَ ذَلِكَ، وَمُسْتَنَدُهُ تَرْكُ التَّفْصِيلِ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ الْإِيمَاءُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ جَازَ التَّنَفُّلُ مُضْطَجِعًا، بَلْ لَا بُدُّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَقِيقَةً. وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: تَرْجَمَ بِالْإِيمَاءِ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا ذِكْرُ النَّوْمِ فَكَأَنَّهُ صَحَّفَ قَوْلَهُ: نَائِمًا يَعْنِي بِنُونٍ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ النَّوْمِ فَظَنَّهُ بِإِيمَاءٍ يَعْنِي بِمُوَحَّدَةٍ مَصْدَرُ أَوْمَأَ، فَلِهَذَا تَرْجَمَ بِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَلَمْ يُصِبْ فِي ظَنِّهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَحَّفَهُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - قَوْلُهُ: نَائِمًا عِنْدِي أَيْ مُضْطَجِعًا، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كُوشِفَ بِذَلِكَ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ قَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: النَّائِمُ الْمُضْطَجِعُ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّوريِّ، وحمله آخرون -منهم الخطَّابيُّ- على المفترِض الَّذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقَّةٍ وزيادة ألمٍ، فجعل أجره على النَّصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام لزيادة الأجر وإن كان يجوز قاعدًا، وكذا في الاضطجاع، وعند أحمد بسندٍ رجالُه ثقاتٌ، من طريق ابن جريجٍ عن ابن شهابٍ عن أنسٍ قال (١): «قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة وهي مُحَمَّة، فَحُمَّ النَّاس، فدخل النَّبيُّ ﷺ المسجد والنَّاس يُصلُّون من قعودٍ، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم»، وصنيع المؤلِّف يدلُّ على ذلك، حيث أدخلَ في الباب حديثي عائشة وأنسٍ، وهما في صلاة المفترض قطعًا.
ورواة هذا الحديث بطريقيه كلُّهم بصريُّون إلَّا شيخ المؤلِّف وابن بريدة فمروزيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في البابين التَّاليين لهذا، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٨) (بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ) ظاهرُه: أنَّ المؤلِّف يختار جواز الإيماء، وهو أحد الوجهين للشَّافعيَّة، والموافق للمشهور عند المالكيَّة من (٢) جوازه قاعدًا مع القُدرة على الرُّكوع والسُّجود، والأصحُّ عند المتأخِّرين عدمُ الجواز للقادر وإن جاز التَّنفُّل مضطجعًا، بل لا بدَّ من الإتيان بهما حقيقةً.
١١١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام المشدَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ
الموحَّدة: (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا) بالموحَّدة السَّاكنة (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) شيخ المؤلِّف (مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ) بدل قوله: أنَّ عِمران، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن حصين» (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى) حال كونه (قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ) من القاعد (وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (نَائِمًا) بالنُّون (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ) وليس فيه ذِكر ما تُرجِم له من الإيماء، إنَّما فيه ذِكر النُّوم، وقد اعترضه الإسماعيليُّ فنسبه إلى تصحيف «نائمًا» الَّذي بالنون بمعنى (١) اسم الفاعل «بإيماءٍ» بالموحَّدة الَّتي بعدها مصدر «أومأ» فلذا ترجم به، وليس كما قال الإسماعيليُّ فقد وقع في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «قوله: «نائمًا» عندي أنَّ معناه: مضطجعًا هنا (٢)» وأُطلِق عليه النَّوم لكثرة ملازمته له، وهذا التَّفسير وقع مثله في رواية عفَّان عن عبد الوارث في هذا الحديث عند الإسماعيليِّ، قال عبد الوارث: النَّائم: المضطجع، وهذا يَرُدُّ على الإسماعيليِّ كما ترى، وكأنَّ البخاريَّ كوشف به، وحكاه ابن رُشَيدٍ عن (٣) رواية الأَصيليِّ: «بإيماء» بالموحَّدة على التَّصحيف، ولا يخفى ما فيه، والله الموفِّق.
(١٩) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُطِقْ) أي: المصلِّي أن يصلِّي (قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ (٥))
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّجُلُ صَلَّى صَلَاةَ التَّطَوُّعِ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا.
وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَحَكَاهُ عِيَاضٌ وَجْهًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَبْهَرِيِّ مِنْهُمْ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(تَنْبِيهٌ): سُؤَالُ عِمْرَانَ عَنِ الرَّجُلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا) يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ قَاعِدًا لَا يَنْقُصُ أَجْرُهَا عَنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعَ يَدِي عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي خَصَائِصِهِ ﷺ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَنَفُّلِهِ ﷺ قَاعِدًا: قَدْ عَلَّلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِقَوْلِهِ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ. فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنِّي ذُو عُذْرٍ. وَقَدْ رَدَّ النَّوَوِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. (فَائِدَةٌ): لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْقُعُودِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ جَوَازُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَ الْمُصَلِّي، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، وَقِيلَ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَحَادِيثُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: نَائِمًا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
١٨ - بَاب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالْإِيمَاءِ
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا. وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالْإِيمَاءِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْإِيمَاءِ، وَإِنَّمَا فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جَنْبٍ فَقَدِ احْتَاجَ إِلَى الْإِيمَاءِ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ يَخْتَارُ جَوَازَ ذَلِكَ، وَمُسْتَنَدُهُ تَرْكُ التَّفْصِيلِ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ الْإِيمَاءُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ جَازَ التَّنَفُّلُ مُضْطَجِعًا، بَلْ لَا بُدُّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَقِيقَةً. وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: تَرْجَمَ بِالْإِيمَاءِ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا ذِكْرُ النَّوْمِ فَكَأَنَّهُ صَحَّفَ قَوْلَهُ: نَائِمًا يَعْنِي بِنُونٍ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ النَّوْمِ فَظَنَّهُ بِإِيمَاءٍ يَعْنِي بِمُوَحَّدَةٍ مَصْدَرُ أَوْمَأَ، فَلِهَذَا تَرْجَمَ بِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَلَمْ يُصِبْ فِي ظَنِّهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَحَّفَهُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - قَوْلُهُ: نَائِمًا عِنْدِي أَيْ مُضْطَجِعًا، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كُوشِفَ بِذَلِكَ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ قَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: النَّائِمُ الْمُضْطَجِعُ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّوريِّ، وحمله آخرون -منهم الخطَّابيُّ- على المفترِض الَّذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقَّةٍ وزيادة ألمٍ، فجعل أجره على النَّصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام لزيادة الأجر وإن كان يجوز قاعدًا، وكذا في الاضطجاع، وعند أحمد بسندٍ رجالُه ثقاتٌ، من طريق ابن جريجٍ عن ابن شهابٍ عن أنسٍ قال (١): «قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة وهي مُحَمَّة، فَحُمَّ النَّاس، فدخل النَّبيُّ ﷺ المسجد والنَّاس يُصلُّون من قعودٍ، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم»، وصنيع المؤلِّف يدلُّ على ذلك، حيث أدخلَ في الباب حديثي عائشة وأنسٍ، وهما في صلاة المفترض قطعًا.
ورواة هذا الحديث بطريقيه كلُّهم بصريُّون إلَّا شيخ المؤلِّف وابن بريدة فمروزيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في البابين التَّاليين لهذا، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٨) (بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ) ظاهرُه: أنَّ المؤلِّف يختار جواز الإيماء، وهو أحد الوجهين للشَّافعيَّة، والموافق للمشهور عند المالكيَّة من (٢) جوازه قاعدًا مع القُدرة على الرُّكوع والسُّجود، والأصحُّ عند المتأخِّرين عدمُ الجواز للقادر وإن جاز التَّنفُّل مضطجعًا، بل لا بدَّ من الإتيان بهما حقيقةً.
١١١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام المشدَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ
الموحَّدة: (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا) بالموحَّدة السَّاكنة (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) شيخ المؤلِّف (مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ) بدل قوله: أنَّ عِمران، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن حصين» (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى) حال كونه (قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ) من القاعد (وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (نَائِمًا) بالنُّون (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ) وليس فيه ذِكر ما تُرجِم له من الإيماء، إنَّما فيه ذِكر النُّوم، وقد اعترضه الإسماعيليُّ فنسبه إلى تصحيف «نائمًا» الَّذي بالنون بمعنى (١) اسم الفاعل «بإيماءٍ» بالموحَّدة الَّتي بعدها مصدر «أومأ» فلذا ترجم به، وليس كما قال الإسماعيليُّ فقد وقع في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «قوله: «نائمًا» عندي أنَّ معناه: مضطجعًا هنا (٢)» وأُطلِق عليه النَّوم لكثرة ملازمته له، وهذا التَّفسير وقع مثله في رواية عفَّان عن عبد الوارث في هذا الحديث عند الإسماعيليِّ، قال عبد الوارث: النَّائم: المضطجع، وهذا يَرُدُّ على الإسماعيليِّ كما ترى، وكأنَّ البخاريَّ كوشف به، وحكاه ابن رُشَيدٍ عن (٣) رواية الأَصيليِّ: «بإيماء» بالموحَّدة على التَّصحيف، ولا يخفى ما فيه، والله الموفِّق.
(١٩) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُطِقْ) أي: المصلِّي أن يصلِّي (قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ (٥))