الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٩١
الحديث رقم ١١٩١ من كتاب «كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب مسجد قباء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَلَّا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا».
بَابُ مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ،
⦗٦١⦘
عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنِ اسْتَثْنَى عِيَاضٌ الْبُقْعَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِقَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ لِلْعَابِدِ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ سَبَبَ التَّفْضِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهَا كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهَا، أَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَلَ بَعْدَ مَكَّةَ مِنْهَا، فَقَدْ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبَبُ تَفْضِيلِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يُدْفَنُ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا تُرَابُهُ عِنْدَمَا يُخْلَقُ. رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَاخِرِ تَمْهِيدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مَوْقُوفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ التُّرَابَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَعَلَى هَذَا، فَالْبُقْعَةُ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَيَرْجِعُ الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ إِلَى مَكَّةَ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، فَتَكُونُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. ثُمَّ إِنَّ التَّضْعِيفَ الْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّوَابِ، وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْمُقْرِي أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ فِي تَفْسِيرِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: حَسَبْتُ الصَّلَاةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَبَلَغَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عُمُرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. انْتَهَى. وَهَذَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّضْعِيفِ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ هَلْ يَجْتَمِعُ التَّضْعِيفَانِ أَوْ لَا؟ مَحَلُّ بَحْثٍ.
٢ - بَاب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ الضُّحَى إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
[الحديث ١١٩١ - أطرافه في: ٧٣٢٦، ١١٩٤، ١١٩٣]
١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ) أَيْ فَضْلُهُ، وَقُبَاءٌ بِضَمِّ الْقَافِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْكَرَ السُّكَّرِيُّ قَصْرَهُ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُهُ فَيَصْرِفُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُهُ فَلَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فيُصرَف، ويؤنَّث على أنَّه اسم بقعةٍ، فلا (١)، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميالٍ أو ميلانٍ، وهو أوَّل مسجدٍ أسَّسه ﷺ، والمسجد المؤسَّس على التَّقوى في قول جماعةٍ من السَّلف، منهم: ابن عبَّاسٍ، وهو مسجد بني عمرو بن عوفٍ، وسُمِّيَ باسم بئرٍ هناك، وفي وسطه مَبْرك ناقته ﵊، وفي صحنه ممَّا يلي القبلة شبهُ محرابٍ، هو أوَّل موضعٍ ركع فيه ﷺ ثَمَّ.
١١٩١ - ١١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ، زاد الهرويُّ: «هو (٢) الدورقيُّ» نسبةً إلى لبس القلانس الدَّورقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، و «عُلَيَّة» أمُّه، قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى) أي: في الضُّحى، أو من جهة الضُّحى (إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمُِ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ) بجرِّ «يوم» بدلًا من «يومين»، أو بالرَّفع: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: أحدُهما يومُ، وللهرويُّ والأَصيليُّ: «يومَ» كاللَّاحق بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ودال «يقدَم» مفتوحةٌ، وقال العينيُّ: مضمومةٌ، و «بمكَّة» بموحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «مكَّة» بحذفها (فَإِنَّهُ) أي: ابن عمر (كَانَ يَقْدَمُهَا) أي: مكَّة (٣) (ضُحًى) أي: في ضحوة النَّهار (فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ) الحرام (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمُِ) عطفٌ على «يوم» السَّابق، فيُعرَب إعرابه (يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ
سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ) ابتغاء الثَّواب، روى النَّسائيُّ حديث سهل بن حُنيفٍ مرفوعًا: «مَن خرج حتَّى يأتي مسجد قُباء فيصلِّي فيه، كان له عدل عمرةٍ»، وعند التِّرمذيِّ من حديث أُسيد بن ظهيرٍ (١) رفعه (٢): «الصَّلاة في مسجد قُباء كعمرةٍ»، وعند ابن شَبَّة (٣) في «أخبار المدينة» بإسنادٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: لأَن أصلِّي في مسجد قُباء ركعتين أحبُّ إليَّ من أن آتيَ بيت المقدس مرَّتين، لو يعلمون ما في قباء، لضربوا إليه أكباد الإبل. وفيه: فضل مسجد قباء والصَّلاة فيه، لكن لم (٤) يثبت فيه تضعيفٌ كالمساجد الثَّلاثة (قَالَ) نافع: (وَكَانَ) ابن عمر (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ) أي: مسجد قباء، أي: يوم السَّبت، كما سيأتي قريبًا (٥) -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق، حال كونه (رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ: وَكَانَ) أي: ابن عمر، ولأبي ذَرٍّ: «وماشيًا، وكان» (يَقُولُ) له (٦) أي: لنافع: (إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ صَلَّى) بفتح الهمزة، أي: لا أمنع أحدًا الصَّلاة، وللهرويِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «إن صلَّى» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ: «أَن يصلِّي» (فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَلَّا تَتَحَرَّوْا (٧)) أي: لا (٨) تقصدوا (طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا) فتصلُّوا في وقتَيْهما.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنِ اسْتَثْنَى عِيَاضٌ الْبُقْعَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِقَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ لِلْعَابِدِ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ سَبَبَ التَّفْضِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهَا كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهَا، أَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَلَ بَعْدَ مَكَّةَ مِنْهَا، فَقَدْ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبَبُ تَفْضِيلِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يُدْفَنُ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا تُرَابُهُ عِنْدَمَا يُخْلَقُ. رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَاخِرِ تَمْهِيدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مَوْقُوفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ التُّرَابَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَعَلَى هَذَا، فَالْبُقْعَةُ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَيَرْجِعُ الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ إِلَى مَكَّةَ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، فَتَكُونُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. ثُمَّ إِنَّ التَّضْعِيفَ الْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّوَابِ، وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْمُقْرِي أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ فِي تَفْسِيرِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: حَسَبْتُ الصَّلَاةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَبَلَغَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عُمُرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. انْتَهَى. وَهَذَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّضْعِيفِ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ هَلْ يَجْتَمِعُ التَّضْعِيفَانِ أَوْ لَا؟ مَحَلُّ بَحْثٍ.
٢ - بَاب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ الضُّحَى إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
[الحديث ١١٩١ - أطرافه في: ٧٣٢٦، ١١٩٤، ١١٩٣]
١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ) أَيْ فَضْلُهُ، وَقُبَاءٌ بِضَمِّ الْقَافِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْكَرَ السُّكَّرِيُّ قَصْرَهُ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُهُ فَيَصْرِفُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُهُ فَلَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فيُصرَف، ويؤنَّث على أنَّه اسم بقعةٍ، فلا (١)، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميالٍ أو ميلانٍ، وهو أوَّل مسجدٍ أسَّسه ﷺ، والمسجد المؤسَّس على التَّقوى في قول جماعةٍ من السَّلف، منهم: ابن عبَّاسٍ، وهو مسجد بني عمرو بن عوفٍ، وسُمِّيَ باسم بئرٍ هناك، وفي وسطه مَبْرك ناقته ﵊، وفي صحنه ممَّا يلي القبلة شبهُ محرابٍ، هو أوَّل موضعٍ ركع فيه ﷺ ثَمَّ.
١١٩١ - ١١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ، زاد الهرويُّ: «هو (٢) الدورقيُّ» نسبةً إلى لبس القلانس الدَّورقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، و «عُلَيَّة» أمُّه، قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى) أي: في الضُّحى، أو من جهة الضُّحى (إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمُِ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ) بجرِّ «يوم» بدلًا من «يومين»، أو بالرَّفع: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: أحدُهما يومُ، وللهرويُّ والأَصيليُّ: «يومَ» كاللَّاحق بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ودال «يقدَم» مفتوحةٌ، وقال العينيُّ: مضمومةٌ، و «بمكَّة» بموحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «مكَّة» بحذفها (فَإِنَّهُ) أي: ابن عمر (كَانَ يَقْدَمُهَا) أي: مكَّة (٣) (ضُحًى) أي: في ضحوة النَّهار (فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ) الحرام (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمُِ) عطفٌ على «يوم» السَّابق، فيُعرَب إعرابه (يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ
سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ) ابتغاء الثَّواب، روى النَّسائيُّ حديث سهل بن حُنيفٍ مرفوعًا: «مَن خرج حتَّى يأتي مسجد قُباء فيصلِّي فيه، كان له عدل عمرةٍ»، وعند التِّرمذيِّ من حديث أُسيد بن ظهيرٍ (١) رفعه (٢): «الصَّلاة في مسجد قُباء كعمرةٍ»، وعند ابن شَبَّة (٣) في «أخبار المدينة» بإسنادٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: لأَن أصلِّي في مسجد قُباء ركعتين أحبُّ إليَّ من أن آتيَ بيت المقدس مرَّتين، لو يعلمون ما في قباء، لضربوا إليه أكباد الإبل. وفيه: فضل مسجد قباء والصَّلاة فيه، لكن لم (٤) يثبت فيه تضعيفٌ كالمساجد الثَّلاثة (قَالَ) نافع: (وَكَانَ) ابن عمر (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ) أي: مسجد قباء، أي: يوم السَّبت، كما سيأتي قريبًا (٥) -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق، حال كونه (رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ: وَكَانَ) أي: ابن عمر، ولأبي ذَرٍّ: «وماشيًا، وكان» (يَقُولُ) له (٦) أي: لنافع: (إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ صَلَّى) بفتح الهمزة، أي: لا أمنع أحدًا الصَّلاة، وللهرويِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «إن صلَّى» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ: «أَن يصلِّي» (فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَلَّا تَتَحَرَّوْا (٧)) أي: لا (٨) تقصدوا (طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا) فتصلُّوا في وقتَيْهما.