«أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٦٩

الحديث رقم ١٢٦٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٦٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.»

إسناد حديث رقم ١٢٦٩ من صحيح البخاري

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُنِيرِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الِاسْتِفْهَامَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مُبَيَّنَةٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً لِكُلِّ مُحْرِمٍ، آثَرَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِفْهَامَ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ يُكَفَّنُ؛ أَيْ كَيْفِيَّةُ التَّكْفِينِ، وَلَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهَامُ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِيهِ، وَقَدْ جَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَيْثُ تَرْجَمَ بِجَوَازِ التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُمِسُّوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، مِنْ: أَمَسَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيَّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ لَهُ، وَأَنَّ الْوِتْرَ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، وَأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَمْرِهِ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَمْ لَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ، وَأَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ. وَفِيهِ التَّعْلِيلُ بِالْفَاءِ لِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ، وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُ.

(فَائِدَةٌ): يَحْتَمِلُ اقْتِصَارُهُ لَهُ عَلَى التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا.

٢٢ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قد نَهاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾

[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٧٥٩٦]

١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.

[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ يُكَفُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفَتْحِ الْكَافِ. وَبَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَالْفَاءُ مَشْدُدَةٌ فِيهِمَا. وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: وَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ حَاتِمٍ الطَّرَابُلُسِيِّ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي أَصْلِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ سَوَاءٌ كَانَ يُكَفُّ عَنْهُ الْعَذَابُ أَوْ لَا يُكَفُّ، اسْتِصْلَاحًا لِلْقُلُوبِ

الْمُؤَلَّفَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١) سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي حَالِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ: وَأَمَّا الضَّبْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ لَحْنٌ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ فِيهِ. انْتَهَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، وَأَنَّ الْيَاءَ سَقَطَتْ مِنَ الْكَاتِبِ غَلَطًا، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَالْمُرَادُ طَوِيلًا كَانَ الْقَمِيصُ سَابِغًا أَوْ قَصِيرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ، كَذَا قَالَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ لَهُ قَمِيصَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كَوْنِهِ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كُفِّنَ فِي غَيْرِهِ، فَلَا تَنْتَهِضُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: إِنَّ الْمَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْقَمِيصِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا، سَوَاءٌ كَانَ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكَفِّ تَزْرِيرُهُ، دَفْعًا لِقَوْلِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَمِيصَ لَا يَسُوغُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أَطْرَافُهُ غَيْرَ مَكْفُوفَةٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُزَرَّرٍ لِيُشْبِهَ الرِّدَاءَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي غَيْرِ قَمِيصٍ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ.

وَفِي الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ قَمِيصُ الْمَيِّتِ كَقَمِيصِ الْحَيِّ مُكَفَّفًا مُزَرَّرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي تَفْسِيرِ: (بَرَاءَةٌ)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيذْكُرُ فِيهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ مَعَ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: وَلَا تُصَلِّ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ: أَنَّ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مَنْعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ لَا مَنْعَ، وَأَنَّ الرَّجَاءَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَأَعْطَاهُ؛ أَيْ أَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْعِدَةِ اسْمُ الْعَطِيَّةِ مَجَازًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا.

وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: بَعْدَ مَا دُفِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ أَيْ دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ، وَكَان أَهْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ خَشَوْا عَلَى النَّبِيِّ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَبَادَرُوا إِلَى تَجْهِيزِهِ قَبْلَ وُصُولِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا وَصَلَ وَجَدَهُمْ قَدْ دَلَّوْهُ فِي حُفْرَتِهِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِنْجَازًا لِوَعْدِهِ فِي تَكْفِينِهِ فِي الْقَمِيصِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَعْطَاهُ أَحَدَ قَمِيصَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا حَضَرَ أَعْطَاهُ الثَّانِي بِسُؤَالِ وَلَدِهِ. وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْقَبْرِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ: فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَقَعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِكْرَامِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ تَرْتِيبٍ. وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ قَمِيصَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ اسْمَ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ عَبْدُ اللَّهِ، كَاسْمِ أَبِيهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَوَازَ طَلَبِ آثَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ غَنِيًّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) (٢) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله: «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبيِّ ، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه، فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ،

والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ ، فلمَّا دخل عليه (١)، قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله، إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ (٢): لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ، جاءه النَّبيُّ ، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع (٣) العار عن ولده وعشيرته بعد موته (٤)، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ عليه (٥)، وقد (٦) وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٧) من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا (٨) سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له -وكان رجلًا طويلًا- فألبسه قميصه، فكافأه بذلك كي لا (٩) يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سُئل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن

بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) : (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب () بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى المُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنَّه لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٠] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) : (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فقال : «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦٤٦٧٠] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُنِيرِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الِاسْتِفْهَامَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مُبَيَّنَةٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً لِكُلِّ مُحْرِمٍ، آثَرَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِفْهَامَ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ يُكَفَّنُ؛ أَيْ كَيْفِيَّةُ التَّكْفِينِ، وَلَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهَامُ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِيهِ، وَقَدْ جَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَيْثُ تَرْجَمَ بِجَوَازِ التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُمِسُّوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، مِنْ: أَمَسَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيَّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ لَهُ، وَأَنَّ الْوِتْرَ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، وَأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَمْرِهِ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَمْ لَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ، وَأَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ. وَفِيهِ التَّعْلِيلُ بِالْفَاءِ لِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ، وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُ.

(فَائِدَةٌ): يَحْتَمِلُ اقْتِصَارُهُ لَهُ عَلَى التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا.

٢٢ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قد نَهاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾

[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٧٥٩٦]

١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.

[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ يُكَفُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفَتْحِ الْكَافِ. وَبَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَالْفَاءُ مَشْدُدَةٌ فِيهِمَا. وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: وَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ حَاتِمٍ الطَّرَابُلُسِيِّ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي أَصْلِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ سَوَاءٌ كَانَ يُكَفُّ عَنْهُ الْعَذَابُ أَوْ لَا يُكَفُّ، اسْتِصْلَاحًا لِلْقُلُوبِ

الْمُؤَلَّفَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١) سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي حَالِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ: وَأَمَّا الضَّبْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ لَحْنٌ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ فِيهِ. انْتَهَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، وَأَنَّ الْيَاءَ سَقَطَتْ مِنَ الْكَاتِبِ غَلَطًا، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَالْمُرَادُ طَوِيلًا كَانَ الْقَمِيصُ سَابِغًا أَوْ قَصِيرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ، كَذَا قَالَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ لَهُ قَمِيصَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كَوْنِهِ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كُفِّنَ فِي غَيْرِهِ، فَلَا تَنْتَهِضُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: إِنَّ الْمَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْقَمِيصِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا، سَوَاءٌ كَانَ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكَفِّ تَزْرِيرُهُ، دَفْعًا لِقَوْلِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَمِيصَ لَا يَسُوغُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أَطْرَافُهُ غَيْرَ مَكْفُوفَةٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُزَرَّرٍ لِيُشْبِهَ الرِّدَاءَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي غَيْرِ قَمِيصٍ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ.

وَفِي الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ قَمِيصُ الْمَيِّتِ كَقَمِيصِ الْحَيِّ مُكَفَّفًا مُزَرَّرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي تَفْسِيرِ: (بَرَاءَةٌ)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيذْكُرُ فِيهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ مَعَ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: وَلَا تُصَلِّ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ: أَنَّ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مَنْعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ لَا مَنْعَ، وَأَنَّ الرَّجَاءَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَأَعْطَاهُ؛ أَيْ أَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْعِدَةِ اسْمُ الْعَطِيَّةِ مَجَازًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا.

وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: بَعْدَ مَا دُفِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ أَيْ دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ، وَكَان أَهْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ خَشَوْا عَلَى النَّبِيِّ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَبَادَرُوا إِلَى تَجْهِيزِهِ قَبْلَ وُصُولِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا وَصَلَ وَجَدَهُمْ قَدْ دَلَّوْهُ فِي حُفْرَتِهِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِنْجَازًا لِوَعْدِهِ فِي تَكْفِينِهِ فِي الْقَمِيصِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَعْطَاهُ أَحَدَ قَمِيصَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا حَضَرَ أَعْطَاهُ الثَّانِي بِسُؤَالِ وَلَدِهِ. وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْقَبْرِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ: فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَقَعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِكْرَامِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ تَرْتِيبٍ. وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ قَمِيصَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ اسْمَ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ عَبْدُ اللَّهِ، كَاسْمِ أَبِيهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَوَازَ طَلَبِ آثَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ غَنِيًّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) (٢) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله: «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبيِّ ، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه، فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ،

والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ ، فلمَّا دخل عليه (١)، قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله، إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ (٢): لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ، جاءه النَّبيُّ ، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع (٣) العار عن ولده وعشيرته بعد موته (٤)، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ عليه (٥)، وقد (٦) وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٧) من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا (٨) سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له -وكان رجلًا طويلًا- فألبسه قميصه، فكافأه بذلك كي لا (٩) يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سُئل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن

بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) : (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب () بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى المُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنَّه لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٠] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) : (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فقال : «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦٤٦٧٠] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر