«أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٦٩

الحديث رقم ١٢٦٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى…

«أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.»

سند حديث: ١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ…

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى…

لما مات عبد الله بن أُبيّ المشهور بالنفاق جاء ابنه عبد الله وكان مؤمنًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفِّن فيه أباه، فأعطاه قميصه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله عنه فأمسك بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ ولم يكن قد نزل النهي الصريح، ولكن عدم الاستغفار، كما في الآية التالية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيَّرني الله بين الاستغفار وتركه فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} وسأستغفر له أكثر من سبعين مرة، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد السبعين على حقيقته، وحمله عمر رضي الله عنه على المبالغة، وفهم عمر أيضا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، قال عمر: إنه منافق، وإنما جزم بذلك جريًا على ما كان اطلع عليه من أحواله، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وصلى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام، فأنزل الله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره}، وكان رأي عمر التصلب في الدين والشدة على المنافقين، وقصد عليه الصلاة والسلام الشفقة على من تعلق بطرف من الدين والتألف لابنه ولقومه، فاستعمل أحسن الأمرين وأفضلهما، وذلك لتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتأليف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبَّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي عنه فانتهى، وهذا من حكمة الله تعالى في نزول الأحكام الشريعة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء له وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنا وصلى عليه، واستغفر له.
  • النهي عن الصلاة على الكافر إذا مات على كفره.
  • جواز التكفين في القميص.
  • جواز التكفين بالمخيط.
  • جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيًّا وميتًا، لقول عمر رضي الله عنه: "إن عبد الله بن أبي منافق"، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه قوله.
  • يؤخذ منه أن المنهي عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم، لا التعريف.
  • المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة.
  • الإعلام بوفاة الميت مجردًا لا يدخل في النعي المنهي عنه.
  • رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي.
  • جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة.
  • العمل بالظاهر إذا كان النص محتملًا.
  • تنبيه المفضول للفاضل على ما يظن أنه سها فيه.
  • بيان الفاضل للمفضول ما يشكل عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُنِيرِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الِاسْتِفْهَامَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مُبَيَّنَةٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً لِكُلِّ مُحْرِمٍ، آثَرَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِفْهَامَ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ يُكَفَّنُ؛ أَيْ كَيْفِيَّةُ التَّكْفِينِ، وَلَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهَامُ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِيهِ، وَقَدْ جَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَيْثُ تَرْجَمَ بِجَوَازِ التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُمِسُّوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، مِنْ: أَمَسَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيَّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ لَهُ، وَأَنَّ الْوِتْرَ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، وَأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَمْرِهِ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَمْ لَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ، وَأَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ. وَفِيهِ التَّعْلِيلُ بِالْفَاءِ لِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ، وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُ.

(فَائِدَةٌ): يَحْتَمِلُ اقْتِصَارُهُ لَهُ عَلَى التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا.

٢٢ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قد نَهاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾

[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٧٥٩٦]

١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.

[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ يُكَفُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفَتْحِ الْكَافِ. وَبَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَالْفَاءُ مَشْدُدَةٌ فِيهِمَا. وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: وَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ حَاتِمٍ الطَّرَابُلُسِيِّ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي أَصْلِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ سَوَاءٌ كَانَ يُكَفُّ عَنْهُ الْعَذَابُ أَوْ لَا يُكَفُّ، اسْتِصْلَاحًا لِلْقُلُوبِ

الْمُؤَلَّفَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١) سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي حَالِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ: وَأَمَّا الضَّبْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ لَحْنٌ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ فِيهِ. انْتَهَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، وَأَنَّ الْيَاءَ سَقَطَتْ مِنَ الْكَاتِبِ غَلَطًا، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَالْمُرَادُ طَوِيلًا كَانَ الْقَمِيصُ سَابِغًا أَوْ قَصِيرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ، كَذَا قَالَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ لَهُ قَمِيصَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كَوْنِهِ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كُفِّنَ فِي غَيْرِهِ، فَلَا تَنْتَهِضُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: إِنَّ الْمَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْقَمِيصِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا، سَوَاءٌ كَانَ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكَفِّ تَزْرِيرُهُ، دَفْعًا لِقَوْلِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَمِيصَ لَا يَسُوغُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أَطْرَافُهُ غَيْرَ مَكْفُوفَةٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُزَرَّرٍ لِيُشْبِهَ الرِّدَاءَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي غَيْرِ قَمِيصٍ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ.

وَفِي الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ قَمِيصُ الْمَيِّتِ كَقَمِيصِ الْحَيِّ مُكَفَّفًا مُزَرَّرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي تَفْسِيرِ: (بَرَاءَةٌ)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيذْكُرُ فِيهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ مَعَ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: وَلَا تُصَلِّ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ: أَنَّ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مَنْعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ لَا مَنْعَ، وَأَنَّ الرَّجَاءَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَأَعْطَاهُ؛ أَيْ أَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْعِدَةِ اسْمُ الْعَطِيَّةِ مَجَازًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا.

وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: بَعْدَ مَا دُفِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ أَيْ دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ، وَكَان أَهْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ خَشَوْا عَلَى النَّبِيِّ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَبَادَرُوا إِلَى تَجْهِيزِهِ قَبْلَ وُصُولِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا وَصَلَ وَجَدَهُمْ قَدْ دَلَّوْهُ فِي حُفْرَتِهِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِنْجَازًا لِوَعْدِهِ فِي تَكْفِينِهِ فِي الْقَمِيصِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَعْطَاهُ أَحَدَ قَمِيصَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا حَضَرَ أَعْطَاهُ الثَّانِي بِسُؤَالِ وَلَدِهِ. وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْقَبْرِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ: فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَقَعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِكْرَامِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ تَرْتِيبٍ. وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ قَمِيصَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ اسْمَ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ عَبْدُ اللَّهِ، كَاسْمِ أَبِيهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَوَازَ طَلَبِ آثَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ غَنِيًّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) (٢) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله: «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبيِّ ، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه، فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ،

والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ ، فلمَّا دخل عليه (١)، قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله، إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ (٢): لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ، جاءه النَّبيُّ ، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع (٣) العار عن ولده وعشيرته بعد موته (٤)، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ عليه (٥)، وقد (٦) وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٧) من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا (٨) سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له -وكان رجلًا طويلًا- فألبسه قميصه، فكافأه بذلك كي لا (٩) يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سُئل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن

بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) : (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب () بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى المُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنَّه لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٠] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) : (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فقال : «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦٤٦٧٠] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وحشية قَوْله " وَنحن " الْوَاو فِيهِ للْحَال وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي " وَهُوَ محرم " قَوْله " وَلَا تمسوه " بِضَم التَّاء وَكسر الْمِيم من الإمساس قَوْله " ملبدا " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " ملبيا " كَمَا فِي الرِّوَايَة الأولى وَالثَّانيَِة وَهُوَ من التلبيد وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليلتصق شعره فَلَا يشعث فِي الْإِحْرَام وَأنكر عِيَاض رِوَايَة التلبيد وَقَالَ لَيْسَ لَهُ معنى (قلت) لَهُ معنى وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يَبْعَثهُ على هَيئته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا

٣٠ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو وَأَيوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رجل وَاقِف مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِعَرَفَة فَوَقع عَن رَاحِلَته. قَالَ أَيُّوب فوقصته وَقَالَ عَمْرو فأقعصته فَمَاتَ فَقَالَ اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تحنطوه وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ أَيُّوب يُلَبِّي. وَقَالَ عَمْرو ملبيا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا تخمروا وَجهه " وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس عَن مُسَدّد إِلَى آخِره وَعَمْرو بِفَتْح الْعين هُوَ ابْن دِينَار وَحَمَّاد بن زيد يرويهِ عَن عَمْرو وَعَن أَيُّوب جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا يرويان عَن سعيد بن جُبَير قَوْله " كَانَ رجل وَاقِف " بِالرَّفْع لِأَن كَانَ تَامَّة ويروى " وَاقِفًا " بِالنّصب على أَنَّهَا نَاقِصَة قَوْله " قَالَ أَيُّوب فوقصته " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " فوقصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الصَّاد من الوقص وَهُوَ كسر الْعُنُق كَمَا ذكرنَا قَوْله " وَقَالَ عَمْرو " أَي قَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَة " فأقعصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الْعين ثمَّ الصَّاد المهملتان من الإقعاص وَهُوَ إعجال الْهَلَاك كَمَا قُلْنَا فِيمَا مضى مستقصى قَوْله " قَالَ أَيُّوب " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " يُلَبِّي " بِصِيغَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَته " ملبيا " على صِيغَة اسْم الْفَاعِل الْمَنْصُوب على الْحَال وَالْفرق بَينهمَا أَن يُلَبِّي يدل على تجدّد التَّلْبِيَة مستمرا وملبيا يدل على ثُبُوتهَا -

٢٢ - (بابُ الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفن الْمَيِّت حَال كَونه فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي الْقَمِيص الَّذِي خيطت حَاشِيَته أَولا، يكف على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: أَو لَمْ تخط حَاشِيَته. وكف الثَّوَاب هُوَ خياطَة حَاشِيَته، وكففت الثَّوْب أَي: خطت حَاشِيَته. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم: بِضَم الْيَاء وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَضَبطه بَعضهم: بِفَتْح الْيَاء وَضم الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَقيل: بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْكَاف وَكسر الْفَاء من الْكِفَايَة، وَأَصلهَا يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي. وَقيل: هَذَا لحن، إِذْ لَا مُوجب لحذف الْيَاء، وَقد جزم الْمُهلب بِأَنَّهُ الصَّوَاب، وَأَن الْيَاء سَقَطت من الْكَاتِب غَلطا. قلت: لَا ينْسب هَذَا إِلَى غلط من الْكَاتِب، وَإِنَّمَا سُقُوط الْيَاء من مثل هَذَا من غير مُوجب اكْتِفَاء بالكسرة جَاءَ من بعض الْعَرَب، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَمن كفن بِغَيْر قَمِيص. وَقَالَ: كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف أَو لَا يكف. وَقَالَ ابْن بطال: صَوَابه يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي بِإِثْبَات الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: طَويلا كَانَ الثَّوْب أَو قَصِيرا، فَإِنَّهُ يجوز الْكَفَن فِيهِ.

٩٦٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافَعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جاءَ ابنُهُ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ يَا رسولَ الله أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ علَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فأعْطَاهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْه فآذَنَهُ فَلَمَّا أرَادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ ألَيْسَ الله نهَاكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ فَقَالَ أَنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُم فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدا.

.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتماله على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَذَلِكَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أعْطى قَمِيصه لعبد الله ابْن أبي وكفن فِيهِ.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس وَفِي التَّوْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي قدامَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بشر بكر بن خلف.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن عبد الله بن أبي) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سلول رَأس الْمُنَافِقين، وَأبي هُوَ: أَبُو مَالك بن الْحَارِث بن عبيد، وسلول امْرَأَة من خُزَاعَة، وَهِي أم أبي مَالك بن الْحَارِث وَأم عبد الله ابْن أبي: خَوْلَة بنت الْمُنْذر بن حرَام من بني النجار، وَكَانَ عبد الله سيد الْخَزْرَج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ عبد الله هَذَا هُوَ الَّذِي تولى كبره فِي قصَّة الصديقة، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. وَقَالَ: لَا تنفقوا عَليّ من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا، وَرجع يَوْم أحد بِثلث الْعَسْكَر إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (لما توفّي) قَالَ الْوَاقِدِيّ: مرض عبد الله بن أبي فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال، وَمَات فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع منصرف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تَبُوك، وَكَانَ مَرضه عشْرين لَيْلَة، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ دخل عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فَقَالَ: قد نهيتك عَن حب الْيَهُود، فَقَالَ: قد أبْغضهُم أسعد بن زُرَارَة فَمَا نَفعه، ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ هَذَا بِحِين عتاب هُوَ الْمَوْت فَإِن مت فَاحْضُرْ غسْلي وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَكَفِّنِّي فِيهِ وصل عَليّ واستغفر لي، فَفعل ذَلِك بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْحَاكِم: كَانَ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصَانِ، فَقَالَ عبد الله: وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَأعْطَاهُ إِيَّاه. وَفِي حَدِيث الْبَاب أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصه على مَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (جَاءَ ابْنه) أَي: ابْن عبد الله بن أبي، وَكَانَ اسْمه: الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، فَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْد الله كاسم أَبِيه، وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم، شهد الْمشَاهد وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ أَشد النَّاس على أَبِيه، وَلَو أذن لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ لضرب عُنُقه. قَوْله: (فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصك) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عبد الله بن أبي. قَوْله: (أكَفنهُ فِيهِ) أَي: أكفن عبد الله بن أبي فِيهِ. قَوْله: (فَأعْطَاهُ قَمِيصه) أَي: أعطي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عبد الله قَمِيصه، وَهَذَا صَرِيح فِي أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعْطى لَهُ رَسُول الله قَمِيصه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَنه أخرج بَعْدَمَا أَدخل حفرته فَوَضعه على ركبته وَنَفث فِيهِ من رِيقه وَألبسهُ قَمِيصه، وَكَانَ أهل عبد الله بن أبي خَشوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَشَقَّة فِي حُضُوره، فبادروا إِلَى تَجْهِيزه قبل وُصُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا وصل وجدهم قد دلوه فِي حفرته، فَأَمرهمْ بِإِخْرَاجِهِ إنجازا لوعده فِي تكفينه فِي الْقَمِيص وَالصَّلَاة عَلَيْهِ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: إِن عبد الله بن أبي هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقَمِيص، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة جَابر أَنه ألبسهُ قَمِيصه بَعْدَمَا أخرجه من حفرته؟ قلت: رِوَايَة الْوَاقِدِيّ وَغَيره لَا تقاوم رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأما التَّوْفِيق بَين رواتي ابْن عمر وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقيل: إِن معنى قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر: فَأعْطَاهُ، أَي: أنعم لَهُ بذلك، فَأطلق على الْوَعْد اسْم الْعَطِيَّة مجَازًا لتحَقّق وُقُوعهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، يجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين قَمِيصًا للكفن ثمَّ أخرجه فألبسه غَيره، وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي دفع قَمِيصه لَهُ وَهُوَ كَانَ رَأس الْمُنَافِقين؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. فَقيل: كَانَ ذَلِك إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: لِأَنَّهُ مَا سُئِلَ شَيْئا فَقَالَ: لَا. وَقيل: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن قَمِيصِي لن يُغني عَنهُ شَيْئا من الله، إِنِّي أُؤَمِّل من أَبِيه أَن يدْخل فِي الأسلام بِهَذَا السَّبَب، فروى أَنه أسلم من الْخَزْرَج ألف مَا رَأَوْهُ يطْلب الِاسْتِشْفَاء بِثَوْب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَقَالَ أَكْثَرهم: إِنَّمَا ألبسهُ قَمِيصه مُكَافَأَة لما صنع فِي إلباس الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصه يَوْم بدر، وَكَانَ الْعَبَّاس طَويلا فَلم يَأْتِ عَلَيْهِ إلَاّ قَمِيص ابْن أبي، وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لم يخدع إنْسَانا قطّ، غير أَن ابْن أبي قَالَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة كلمة حَسَنَة، وَهِي: أَن الْكفَّار قَالُوا: لَو طفت أَنْت بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ: لَا، لي فِي رَسُول الله إسوة حَسَنَة، فَلم يطف. قَوْله: (فَقَالَ: آذني) أَي: أعلمني، وَهُوَ أَمر من: آذن وَيُؤذن إِيذَانًا. قَوْله: (أصلِّ عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: الْجَزْم جَوَابا لِلْأَمْرِ، وَعدم الْجَزْم استئنافا.

قَوْله: (فَقَالَ: أَلَيْسَ الله نهاك؟) أَي: فَقَالَ عمر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره نهاك من الصَّلَاة عَلَيْهِم، أَخذ ذَلِك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من قَوْله تَعَالَى: {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} (التَّوْبَة: ٠٨) . وَبِهَذَا يدْفع من يسْتَشْكل فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا فَإِن قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} (التَّوْبَة: ٤٨) . نزل بعد ذَلِك كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاق حَدِيث الْبَاب. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة؟ قلت: لما كَانَت الصَّلَاة تَتَضَمَّن الاسْتِغْفَار وَغَيره أَولهَا على ذَلِك، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الإستغفار وَالدُّعَاء يُسمى صَلَاة. قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، تَثْنِيَة خيرة على وزن: عنبة إسم من قَوْلك: إختاره الله، أَي: أَنا مُخَيّر بَين أَمريْن وهما الاسْتِغْفَار وَعَدَمه، فإيهما أردْت إختاره. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا اللَّفْظ أَعنِي قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، غير مَحْفُوظ لِأَنَّهُ خلاف مَا رَوَاهُ أنس، وَأرى رِوَايَة أنس هِيَ المحفوظة، لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: (أَلَيْسَ قد نهاك الله تَعَالَى أَن تصلي على الْمُنَافِقين) ؟ ثمَّ قَالَ: فَنزلت: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} (التَّوْبَة: ٤٨) . جعل النَّهْي بعد قَوْله: (أَلَيْسَ قد نهاك) ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) بل هُوَ أَي: قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) مَحْفُوظ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهم النَّهْي من الاسْتِغْفَار لاشتمالها عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الصَّحِيح مَا رَوَاهُ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك رَجَاء التَّخْفِيف. قَوْله: {قَالَ اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٤٨) . ذكر السّبْعين على التكثير. وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأَسْتَغْفِرَن لَهُم أَكثر من سبعين فَنزلت: {سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم} (المُنَافِقُونَ: ٦) . الْآيَة، فَتَركه. واستغفار الشَّارِع لسعة حمله عَمَّن يُؤْذِيه أَو لِرَحْمَتِهِ عِنْد جَرَيَان الْقَضَاء عَلَيْهِم، أَو إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: معنى الْآيَة الشَّرْط، أَي: إِن شِئْت فَاسْتَغْفر وَإِن شِئْت فَلَا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {قل انفقوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم} (التَّوْبَة: ٣٥) . وَقيل: مَعْنَاهُ هما سَوَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي الْيَأْس. وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ بِأَمْر، إِنَّمَا هُوَ على تَأْوِيل الْجَزَاء. وَقَالَ ابْن النّحاس: مِنْهُم من قَالَ: {اسْتغْفر لَهُم} (التَّوْبَة: ٠٨) . مَنْسُوخ بقوله: {وَلَا تصل} (التَّوْبَة: ٤٨) . وَمِنْهُم من قَالَ: لَا، بل هِيَ على التهديد، وتوهم بَعضهم أَن قَوْله: {لَا تصل} (التَّوْبَة: ٤٨) . نَاسخ لَهُ لقَوْله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَهُوَ غلط، فَإِن تِلْكَ نزلت فِي أبي لبَابَة وَجَمَاعَة مَعَه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عَن تَبُوك.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَسَوَاء كَانَ الْقَمِيص مكفوف الْأَطْرَاف أَو غير مكفوف. وَمِنْهُم من قَالَ: إِن الْقَمِيص لَا يسوغ إلَاّ إِذا كَانَت أَطْرَافه غير مَكْفُوفَة. أَو كَانَ غير مزرر ليشبه الرِّدَاء، ورد البُخَارِيّ ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة وَفِي (الخلافيات) للبيهقي، من طَرِيق ابْن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يسْتَحبّ أَن يكون قَمِيص الْمَيِّت كقميص الْحَيّ مكففا مزررا. وَفِيه: النَّهْي عَن الصَّلَاة على الْكَافِر الْمَيِّت، وَهل يجوز غسله وتكفينه وَدَفنه أم لَا؟ فَقَالَ ابْن التِّين: من مَاتَ لَهُ وَالِد كَافِر لَا يغسلهُ وَلَده الْمُسلم وَلَا يدْخلهُ قَبره إلَاّ أَن يخَاف أَن يضيع فيواريه، نَص عَلَيْهِ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وروى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ أَن أَبَاهُ مَاتَ، فَقَالَ: إذهب فواره، وَلم يَأْمُرهُ بِغسْلِهِ، وروى أَنه أمره بِغسْلِهِ، وَلَا أصل لَهُ، كَمَا قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يجوز أَن يقوم على قبر وَالِده الْكَافِر لإصلاحه وَدَفنه، قَالَ: وَبِذَلِك صَحَّ الْخَبَر، وَعمل بِهِ أهل الْعلم. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا بَأْس أَن يحضرهُ ويلي أَمر تكفينه، فَإِذا كفن دَفنه. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَإِن مَاتَ الْكَافِر وَله ابْن مُسلم يغسلهُ ويكفنه ويدفنه، بذلك أُمر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حق أَبِيه أبي طَالب، وَهَذَا أخرجه ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ، حَدثنِي مُعَاوِيَة بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ، قَالَ: لما أخْبرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَوْت أبي طَالب، بَكَى ثمَّ قَالَ لي: إذهب فاغسله وكفنه، وواره. قَالَ: فَفعلت ثمَّ أَتَيْته، فَقَالَ لي: إذهب فاغتسل. قَالَ: وَجعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَغْفر لَهُ أَيَّامًا، وَلَا يخرج من بَيته حَتَّى نزل جِبْرَائِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِهَذِهِ الْآيَة: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : لَكِن يغسل غسل الثَّوْب النَّجس ويلف فِي خرقَة من غير مُرَاعَاة سنة التَّكْفِين من اعْتِبَار عدد وَغير حنوط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَيْسَ لوَلِيّ الْكَافِر غسله وَلَا دَفنه، وَلَكِن قَالَ مَالك: لَهُ مواراته. وَفِيه: فَضِيلَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ جَوَاز الشَّهَادَة على الأنسان بِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت عِنْد الْحَاجة، وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة لمن عِنْده جدة تبركا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُنِيرِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الِاسْتِفْهَامَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مُبَيَّنَةٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً لِكُلِّ مُحْرِمٍ، آثَرَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِفْهَامَ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ يُكَفَّنُ؛ أَيْ كَيْفِيَّةُ التَّكْفِينِ، وَلَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهَامُ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِيهِ، وَقَدْ جَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ حَيْثُ تَرْجَمَ بِجَوَازِ التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُمِسُّوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، مِنْ: أَمَسَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيَّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ لَهُ، وَأَنَّ الْوِتْرَ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، وَأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَمْرِهِ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَمْ لَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ، وَأَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ. وَفِيهِ التَّعْلِيلُ بِالْفَاءِ لِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ، وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُ.

(فَائِدَةٌ): يَحْتَمِلُ اقْتِصَارُهُ لَهُ عَلَى التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا.

٢٢ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ

١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قد نَهاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾

[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٧٥٩٦]

١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.

[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ يُكَفُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفَتْحِ الْكَافِ. وَبَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَالْفَاءُ مَشْدُدَةٌ فِيهِمَا. وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: وَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ حَاتِمٍ الطَّرَابُلُسِيِّ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي أَصْلِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ سَوَاءٌ كَانَ يُكَفُّ عَنْهُ الْعَذَابُ أَوْ لَا يُكَفُّ، اسْتِصْلَاحًا لِلْقُلُوبِ

الْمُؤَلَّفَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ (١) سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي حَالِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ: وَأَمَّا الضَّبْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ لَحْنٌ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ فِيهِ. انْتَهَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، وَأَنَّ الْيَاءَ سَقَطَتْ مِنَ الْكَاتِبِ غَلَطًا، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَالْمُرَادُ طَوِيلًا كَانَ الْقَمِيصُ سَابِغًا أَوْ قَصِيرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ، كَذَا قَالَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ لَهُ قَمِيصَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كَوْنِهِ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كُفِّنَ فِي غَيْرِهِ، فَلَا تَنْتَهِضُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: إِنَّ الْمَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْقَمِيصِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا، سَوَاءٌ كَانَ مَكْفُوفَ الْأَطْرَافِ أَوْ غَيْرَ مَكْفُوفٍ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكَفِّ تَزْرِيرُهُ، دَفْعًا لِقَوْلِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَمِيصَ لَا يَسُوغُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أَطْرَافُهُ غَيْرَ مَكْفُوفَةٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُزَرَّرٍ لِيُشْبِهَ الرِّدَاءَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي غَيْرِ قَمِيصٍ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ.

وَفِي الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ قَمِيصُ الْمَيِّتِ كَقَمِيصِ الْحَيِّ مُكَفَّفًا مُزَرَّرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي تَفْسِيرِ: (بَرَاءَةٌ)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيذْكُرُ فِيهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ مَعَ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: وَلَا تُصَلِّ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ: أَنَّ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مَنْعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ لَا مَنْعَ، وَأَنَّ الرَّجَاءَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَأَعْطَاهُ؛ أَيْ أَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْعِدَةِ اسْمُ الْعَطِيَّةِ مَجَازًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا.

وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: بَعْدَ مَا دُفِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ أَيْ دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ، وَكَان أَهْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ خَشَوْا عَلَى النَّبِيِّ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَبَادَرُوا إِلَى تَجْهِيزِهِ قَبْلَ وُصُولِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا وَصَلَ وَجَدَهُمْ قَدْ دَلَّوْهُ فِي حُفْرَتِهِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِنْجَازًا لِوَعْدِهِ فِي تَكْفِينِهِ فِي الْقَمِيصِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَعْطَاهُ أَحَدَ قَمِيصَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا حَضَرَ أَعْطَاهُ الثَّانِي بِسُؤَالِ وَلَدِهِ. وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْقَبْرِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ: فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَقَعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِكْرَامِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ تَرْتِيبٍ. وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِعْطَاءِ النَّبِيِّ قَمِيصَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ اسْمَ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ عَبْدُ اللَّهِ، كَاسْمِ أَبِيهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَوَازَ طَلَبِ آثَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ غَنِيًّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) (٢) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله: «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبيِّ ، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه، فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ،

والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ ، فلمَّا دخل عليه (١)، قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله، إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ (٢): لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ، جاءه النَّبيُّ ، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع (٣) العار عن ولده وعشيرته بعد موته (٤)، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ عليه (٥)، وقد (٦) وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٧) من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا (٨) سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له -وكان رجلًا طويلًا- فألبسه قميصه، فكافأه بذلك كي لا (٩) يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سُئل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن

بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) : (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب () بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى المُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنَّه لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٠] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) : (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فقال : «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦٤٦٧٠] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وحشية قَوْله " وَنحن " الْوَاو فِيهِ للْحَال وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي " وَهُوَ محرم " قَوْله " وَلَا تمسوه " بِضَم التَّاء وَكسر الْمِيم من الإمساس قَوْله " ملبدا " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " ملبيا " كَمَا فِي الرِّوَايَة الأولى وَالثَّانيَِة وَهُوَ من التلبيد وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليلتصق شعره فَلَا يشعث فِي الْإِحْرَام وَأنكر عِيَاض رِوَايَة التلبيد وَقَالَ لَيْسَ لَهُ معنى (قلت) لَهُ معنى وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يَبْعَثهُ على هَيئته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا

٣٠ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو وَأَيوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رجل وَاقِف مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِعَرَفَة فَوَقع عَن رَاحِلَته. قَالَ أَيُّوب فوقصته وَقَالَ عَمْرو فأقعصته فَمَاتَ فَقَالَ اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تحنطوه وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ أَيُّوب يُلَبِّي. وَقَالَ عَمْرو ملبيا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا تخمروا وَجهه " وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس عَن مُسَدّد إِلَى آخِره وَعَمْرو بِفَتْح الْعين هُوَ ابْن دِينَار وَحَمَّاد بن زيد يرويهِ عَن عَمْرو وَعَن أَيُّوب جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا يرويان عَن سعيد بن جُبَير قَوْله " كَانَ رجل وَاقِف " بِالرَّفْع لِأَن كَانَ تَامَّة ويروى " وَاقِفًا " بِالنّصب على أَنَّهَا نَاقِصَة قَوْله " قَالَ أَيُّوب فوقصته " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " فوقصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الصَّاد من الوقص وَهُوَ كسر الْعُنُق كَمَا ذكرنَا قَوْله " وَقَالَ عَمْرو " أَي قَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَة " فأقعصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الْعين ثمَّ الصَّاد المهملتان من الإقعاص وَهُوَ إعجال الْهَلَاك كَمَا قُلْنَا فِيمَا مضى مستقصى قَوْله " قَالَ أَيُّوب " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " يُلَبِّي " بِصِيغَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَته " ملبيا " على صِيغَة اسْم الْفَاعِل الْمَنْصُوب على الْحَال وَالْفرق بَينهمَا أَن يُلَبِّي يدل على تجدّد التَّلْبِيَة مستمرا وملبيا يدل على ثُبُوتهَا -

٢٢ - (بابُ الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفن الْمَيِّت حَال كَونه فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي الْقَمِيص الَّذِي خيطت حَاشِيَته أَولا، يكف على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: أَو لَمْ تخط حَاشِيَته. وكف الثَّوَاب هُوَ خياطَة حَاشِيَته، وكففت الثَّوْب أَي: خطت حَاشِيَته. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم: بِضَم الْيَاء وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَضَبطه بَعضهم: بِفَتْح الْيَاء وَضم الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَقيل: بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْكَاف وَكسر الْفَاء من الْكِفَايَة، وَأَصلهَا يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي. وَقيل: هَذَا لحن، إِذْ لَا مُوجب لحذف الْيَاء، وَقد جزم الْمُهلب بِأَنَّهُ الصَّوَاب، وَأَن الْيَاء سَقَطت من الْكَاتِب غَلطا. قلت: لَا ينْسب هَذَا إِلَى غلط من الْكَاتِب، وَإِنَّمَا سُقُوط الْيَاء من مثل هَذَا من غير مُوجب اكْتِفَاء بالكسرة جَاءَ من بعض الْعَرَب، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَمن كفن بِغَيْر قَمِيص. وَقَالَ: كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف أَو لَا يكف. وَقَالَ ابْن بطال: صَوَابه يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي بِإِثْبَات الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: طَويلا كَانَ الثَّوْب أَو قَصِيرا، فَإِنَّهُ يجوز الْكَفَن فِيهِ.

٩٦٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافَعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جاءَ ابنُهُ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ يَا رسولَ الله أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ علَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فأعْطَاهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْه فآذَنَهُ فَلَمَّا أرَادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ ألَيْسَ الله نهَاكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ فَقَالَ أَنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُم فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدا.

.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتماله على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَذَلِكَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أعْطى قَمِيصه لعبد الله ابْن أبي وكفن فِيهِ.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس وَفِي التَّوْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي قدامَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بشر بكر بن خلف.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن عبد الله بن أبي) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سلول رَأس الْمُنَافِقين، وَأبي هُوَ: أَبُو مَالك بن الْحَارِث بن عبيد، وسلول امْرَأَة من خُزَاعَة، وَهِي أم أبي مَالك بن الْحَارِث وَأم عبد الله ابْن أبي: خَوْلَة بنت الْمُنْذر بن حرَام من بني النجار، وَكَانَ عبد الله سيد الْخَزْرَج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ عبد الله هَذَا هُوَ الَّذِي تولى كبره فِي قصَّة الصديقة، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. وَقَالَ: لَا تنفقوا عَليّ من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا، وَرجع يَوْم أحد بِثلث الْعَسْكَر إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (لما توفّي) قَالَ الْوَاقِدِيّ: مرض عبد الله بن أبي فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال، وَمَات فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع منصرف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تَبُوك، وَكَانَ مَرضه عشْرين لَيْلَة، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ دخل عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فَقَالَ: قد نهيتك عَن حب الْيَهُود، فَقَالَ: قد أبْغضهُم أسعد بن زُرَارَة فَمَا نَفعه، ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ هَذَا بِحِين عتاب هُوَ الْمَوْت فَإِن مت فَاحْضُرْ غسْلي وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَكَفِّنِّي فِيهِ وصل عَليّ واستغفر لي، فَفعل ذَلِك بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْحَاكِم: كَانَ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصَانِ، فَقَالَ عبد الله: وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَأعْطَاهُ إِيَّاه. وَفِي حَدِيث الْبَاب أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصه على مَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (جَاءَ ابْنه) أَي: ابْن عبد الله بن أبي، وَكَانَ اسْمه: الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، فَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْد الله كاسم أَبِيه، وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم، شهد الْمشَاهد وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ أَشد النَّاس على أَبِيه، وَلَو أذن لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ لضرب عُنُقه. قَوْله: (فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصك) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عبد الله بن أبي. قَوْله: (أكَفنهُ فِيهِ) أَي: أكفن عبد الله بن أبي فِيهِ. قَوْله: (فَأعْطَاهُ قَمِيصه) أَي: أعطي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عبد الله قَمِيصه، وَهَذَا صَرِيح فِي أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعْطى لَهُ رَسُول الله قَمِيصه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَنه أخرج بَعْدَمَا أَدخل حفرته فَوَضعه على ركبته وَنَفث فِيهِ من رِيقه وَألبسهُ قَمِيصه، وَكَانَ أهل عبد الله بن أبي خَشوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَشَقَّة فِي حُضُوره، فبادروا إِلَى تَجْهِيزه قبل وُصُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا وصل وجدهم قد دلوه فِي حفرته، فَأَمرهمْ بِإِخْرَاجِهِ إنجازا لوعده فِي تكفينه فِي الْقَمِيص وَالصَّلَاة عَلَيْهِ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: إِن عبد الله بن أبي هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقَمِيص، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة جَابر أَنه ألبسهُ قَمِيصه بَعْدَمَا أخرجه من حفرته؟ قلت: رِوَايَة الْوَاقِدِيّ وَغَيره لَا تقاوم رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأما التَّوْفِيق بَين رواتي ابْن عمر وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقيل: إِن معنى قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر: فَأعْطَاهُ، أَي: أنعم لَهُ بذلك، فَأطلق على الْوَعْد اسْم الْعَطِيَّة مجَازًا لتحَقّق وُقُوعهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، يجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين قَمِيصًا للكفن ثمَّ أخرجه فألبسه غَيره، وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي دفع قَمِيصه لَهُ وَهُوَ كَانَ رَأس الْمُنَافِقين؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. فَقيل: كَانَ ذَلِك إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: لِأَنَّهُ مَا سُئِلَ شَيْئا فَقَالَ: لَا. وَقيل: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن قَمِيصِي لن يُغني عَنهُ شَيْئا من الله، إِنِّي أُؤَمِّل من أَبِيه أَن يدْخل فِي الأسلام بِهَذَا السَّبَب، فروى أَنه أسلم من الْخَزْرَج ألف مَا رَأَوْهُ يطْلب الِاسْتِشْفَاء بِثَوْب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَقَالَ أَكْثَرهم: إِنَّمَا ألبسهُ قَمِيصه مُكَافَأَة لما صنع فِي إلباس الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَمِيصه يَوْم بدر، وَكَانَ الْعَبَّاس طَويلا فَلم يَأْتِ عَلَيْهِ إلَاّ قَمِيص ابْن أبي، وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لم يخدع إنْسَانا قطّ، غير أَن ابْن أبي قَالَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة كلمة حَسَنَة، وَهِي: أَن الْكفَّار قَالُوا: لَو طفت أَنْت بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ: لَا، لي فِي رَسُول الله إسوة حَسَنَة، فَلم يطف. قَوْله: (فَقَالَ: آذني) أَي: أعلمني، وَهُوَ أَمر من: آذن وَيُؤذن إِيذَانًا. قَوْله: (أصلِّ عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: الْجَزْم جَوَابا لِلْأَمْرِ، وَعدم الْجَزْم استئنافا.

قَوْله: (فَقَالَ: أَلَيْسَ الله نهاك؟) أَي: فَقَالَ عمر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره نهاك من الصَّلَاة عَلَيْهِم، أَخذ ذَلِك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من قَوْله تَعَالَى: {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} (التَّوْبَة: ٠٨) . وَبِهَذَا يدْفع من يسْتَشْكل فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا فَإِن قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} (التَّوْبَة: ٤٨) . نزل بعد ذَلِك كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاق حَدِيث الْبَاب. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة؟ قلت: لما كَانَت الصَّلَاة تَتَضَمَّن الاسْتِغْفَار وَغَيره أَولهَا على ذَلِك، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الإستغفار وَالدُّعَاء يُسمى صَلَاة. قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، تَثْنِيَة خيرة على وزن: عنبة إسم من قَوْلك: إختاره الله، أَي: أَنا مُخَيّر بَين أَمريْن وهما الاسْتِغْفَار وَعَدَمه، فإيهما أردْت إختاره. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا اللَّفْظ أَعنِي قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، غير مَحْفُوظ لِأَنَّهُ خلاف مَا رَوَاهُ أنس، وَأرى رِوَايَة أنس هِيَ المحفوظة، لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: (أَلَيْسَ قد نهاك الله تَعَالَى أَن تصلي على الْمُنَافِقين) ؟ ثمَّ قَالَ: فَنزلت: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} (التَّوْبَة: ٤٨) . جعل النَّهْي بعد قَوْله: (أَلَيْسَ قد نهاك) ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) بل هُوَ أَي: قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) مَحْفُوظ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهم النَّهْي من الاسْتِغْفَار لاشتمالها عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الصَّحِيح مَا رَوَاهُ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك رَجَاء التَّخْفِيف. قَوْله: {قَالَ اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٤٨) . ذكر السّبْعين على التكثير. وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأَسْتَغْفِرَن لَهُم أَكثر من سبعين فَنزلت: {سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم} (المُنَافِقُونَ: ٦) . الْآيَة، فَتَركه. واستغفار الشَّارِع لسعة حمله عَمَّن يُؤْذِيه أَو لِرَحْمَتِهِ عِنْد جَرَيَان الْقَضَاء عَلَيْهِم، أَو إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: معنى الْآيَة الشَّرْط، أَي: إِن شِئْت فَاسْتَغْفر وَإِن شِئْت فَلَا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {قل انفقوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم} (التَّوْبَة: ٣٥) . وَقيل: مَعْنَاهُ هما سَوَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي الْيَأْس. وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ بِأَمْر، إِنَّمَا هُوَ على تَأْوِيل الْجَزَاء. وَقَالَ ابْن النّحاس: مِنْهُم من قَالَ: {اسْتغْفر لَهُم} (التَّوْبَة: ٠٨) . مَنْسُوخ بقوله: {وَلَا تصل} (التَّوْبَة: ٤٨) . وَمِنْهُم من قَالَ: لَا، بل هِيَ على التهديد، وتوهم بَعضهم أَن قَوْله: {لَا تصل} (التَّوْبَة: ٤٨) . نَاسخ لَهُ لقَوْله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَهُوَ غلط، فَإِن تِلْكَ نزلت فِي أبي لبَابَة وَجَمَاعَة مَعَه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عَن تَبُوك.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَسَوَاء كَانَ الْقَمِيص مكفوف الْأَطْرَاف أَو غير مكفوف. وَمِنْهُم من قَالَ: إِن الْقَمِيص لَا يسوغ إلَاّ إِذا كَانَت أَطْرَافه غير مَكْفُوفَة. أَو كَانَ غير مزرر ليشبه الرِّدَاء، ورد البُخَارِيّ ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة وَفِي (الخلافيات) للبيهقي، من طَرِيق ابْن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يسْتَحبّ أَن يكون قَمِيص الْمَيِّت كقميص الْحَيّ مكففا مزررا. وَفِيه: النَّهْي عَن الصَّلَاة على الْكَافِر الْمَيِّت، وَهل يجوز غسله وتكفينه وَدَفنه أم لَا؟ فَقَالَ ابْن التِّين: من مَاتَ لَهُ وَالِد كَافِر لَا يغسلهُ وَلَده الْمُسلم وَلَا يدْخلهُ قَبره إلَاّ أَن يخَاف أَن يضيع فيواريه، نَص عَلَيْهِ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وروى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ أَن أَبَاهُ مَاتَ، فَقَالَ: إذهب فواره، وَلم يَأْمُرهُ بِغسْلِهِ، وروى أَنه أمره بِغسْلِهِ، وَلَا أصل لَهُ، كَمَا قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يجوز أَن يقوم على قبر وَالِده الْكَافِر لإصلاحه وَدَفنه، قَالَ: وَبِذَلِك صَحَّ الْخَبَر، وَعمل بِهِ أهل الْعلم. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا بَأْس أَن يحضرهُ ويلي أَمر تكفينه، فَإِذا كفن دَفنه. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَإِن مَاتَ الْكَافِر وَله ابْن مُسلم يغسلهُ ويكفنه ويدفنه، بذلك أُمر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حق أَبِيه أبي طَالب، وَهَذَا أخرجه ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ، حَدثنِي مُعَاوِيَة بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ، قَالَ: لما أخْبرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَوْت أبي طَالب، بَكَى ثمَّ قَالَ لي: إذهب فاغسله وكفنه، وواره. قَالَ: فَفعلت ثمَّ أَتَيْته، فَقَالَ لي: إذهب فاغتسل. قَالَ: وَجعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَغْفر لَهُ أَيَّامًا، وَلَا يخرج من بَيته حَتَّى نزل جِبْرَائِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِهَذِهِ الْآيَة: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : لَكِن يغسل غسل الثَّوْب النَّجس ويلف فِي خرقَة من غير مُرَاعَاة سنة التَّكْفِين من اعْتِبَار عدد وَغير حنوط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَيْسَ لوَلِيّ الْكَافِر غسله وَلَا دَفنه، وَلَكِن قَالَ مَالك: لَهُ مواراته. وَفِيه: فَضِيلَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ جَوَاز الشَّهَادَة على الأنسان بِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت عِنْد الْحَاجة، وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة لمن عِنْده جدة تبركا.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله