الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٧٥
الحديث رقم ١٢٧٥ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ :
معنى هذا الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان في يوم من الأيام صائمًا، ولما حان وقت الإفطار جيء له بالطعام، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيرا ًمني تواضعاً وهضما لنفسه، أو من حيثية اختيار الفقر والصبر، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من بقية الصحابة.
ومصعب رضي الله عنه كان قبل الإسلام عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دللاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: ( ومغانم كثيرة يأخذونها ).
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا" أي: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا) أو قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها). كما جاء عن عمر رضي الله عنه، وهذا لما كان الخوف غالباً عليهم فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وخشية أن لا يلحق بمن تقدمه من الصالحين، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) أَيِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِدَفْنِهِ ارْتِقَابُ شَيْءٍ آخَرَ.
وفي قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي. دَلَالَةٌ عَلَى تَوَاضُعِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ فَضْلِ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَادَ فِي هَذَهِ الطَّرِيقِ: إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ حَمْزَةَ أَيْضًا كُفِّنَ كَذَلِكَ.
٢٧ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا؛ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ.
[الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ)؛ أَيْ رَأْسَهُ مَعَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ إِلَّا قَدَمَيْهِ أَوِ الْعَكْسُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا يُوَارِي جَسَدَهُ إِلَّا رَأْسَهُ، أَوْ جَسَدَهُ إِلَّا قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: خَرَجَتْ رِجْلَاهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُغَطِّي رَأْسَهُ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ لَكَانَ تَغْطِيَةُ الْعَوْرَةِ أَوْلَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ سَاتِرٌ الْبَتَّةَ أَنَّهُ يُغَطِّي جَمِيعَهُ بالِإِذْخِرِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِمَا تَيَسَّرَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُ الْعَبَّاسِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لبُيُوتِنَا وَقُبُورنَا. فَكَأَنَّهَا كَانَتْ عَادَةً لَهُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُبُورِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ التَّكْفِينَ فِي تِلْكَ الثِّيَابِ الَّتِي لَيْسَتْ سَابِغَةً؛ لِأَنَّهُمْ قُتِلُوا فِيهَا. انْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْجَزْمِ نَظَرٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ، وَخَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ، هُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا)؛ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَنَائِمِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَ الْفُتُوحِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْرِ ثَمَرَتُهُ، فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى أَجْرِ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَعَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفَتْحِ النُّونِ؛ أَيْ نَضِجَتْ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ يَجْتَنِبهَا، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الدَّالِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ تَثْلِيثَهَا.
قَوْلُهُ: (مَا نُكَفِّنُهُ بِهِ) سَقَطَ لَفْظُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصبنا ما كُتِبَ لنا من الطَّيِّبات في دنيانا، فلم يبقَ لنا بعد استيفاء حظِّنا شيءٌ منها (١)، والمراد بالحظِّ: الاستمتاع والتَّنعُّم الَّذي يشغل الالتذاذ (٢) به عن الدِّين وتكاليفه، حتَّى يعكف همَّته على استيفاء اللَّذات، أمَّا من تمتَّع بنعم الله ورزقه الَّذي خلقه الله (٣) تعالى لعباده؛ ليتقوَّى (٤) بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشُّكر، فهو عن ذلك بمعزلٍ (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرَّحمن (يَبْكِي) خوفًا من تخلُّفه عن اللَّحاق بالدَّرجات العُلى.
وشيخ المؤلف من أفراده، والثَّلاثة البقيَّة مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا (٥) المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٧٥] و «المغازي» [خ¦٤٠٤٥].
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يُوجَدْ) للميِّت (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) اقتصر عليه.
١٢٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ، المجاور بمكَّة، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ»، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ) بإسقاط هاء الضَّمير (وَكَانَ) عبد الرَّحمن يومئذٍ (صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
-وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «في برده» بالضَّمير الرَّاجع إلى مصعب (٢) (إِنْ غُطِّيَ) بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول (رَأْسُهُ) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل (بَدَتْ) ظهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهر (رَأْسُهُ) قال المهلَّب وابن بطَّالٍ: وإنَّما استحبَّ (٣) أن يكفَّن في هذه البردة؛ لكونه قُتِل فيها، قال ابن حجرٍ: وفي هذا الجزم نظرٌ، بل الظَّاهر: أنَّه لم يجد (٤) له غيرها؛ كما هو مقتضى التَّرجمة (وَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ) عمُّ النَّبيِّ ﷺ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وروى الحاكم في «مستدركه» من حديث أنسٍ: أنَّ حمزة كُفِّن أيضًا كذلك (٥) (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة مَن قيل في حقِّه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العاجلة همَّه، ولم يرد غيرها، تفضَّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، وقُيِّد المعجَّل والمعجَّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنَّه لا يجد كلُّ متمنٍّ ما يتمنَّاه، ولا كلُّ واحدٍ جميع ما يهواه (ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) في وقت الإفطار.
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يَجِدْ) من يتولَّى أمر الميِّت (كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي) يستر (رَأْسَهُ) مع بقيَّة جسده (أَوْ) يستر (قَدَمَيْهِ) مع بقيَّة جسده (غَطَّى) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «غُطِّي» بضمِّ المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رَأْسَهُ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُتِي) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَعبد الرَّحْمَن بِالرَّفْع لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (قتل) على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، وَمصْعَب بن عُمَيْر مَرْفُوع كَذَلِك، وَهُوَ بِضَم الْمِيم، وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَعُمَيْر: بِضَم الْعين مصغر عَمْرو: الْقرشِي الْعَبدَرِي، كَانَ من أجلة الصَّحَابَة، بَعثه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين، وَهُوَ أول من جمع الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ قبل الْهِجْرَة، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من أنعم النَّاس عَيْشًا وألينهم لباسا وَأَحْسَنهمْ جمالاً. فَلَمَّا أسلم زهد فِي الدُّنْيَا وتقشف وتحشف، وَفِيه نزل: {رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ} (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قتل يَوْم أحد شَهِيدا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَكَانَ خيرا مني) ، يَعْنِي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: كَانَ مُصعب خيرا مني، إِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل تواضعا وهضما لنَفسِهِ، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تفضلُونِي على يُونُس ابْن مَتى) . وإلَاّ فعبد الرَّحْمَن من الْعشْرَة المبشرة. قَوْله: (إِلَّا بردة) وَاحِدَة البرود، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (إلَاّ بردَهُ) ، بالضمير الْعَائِد عَلَيْهِ، والبردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: النمرة كالمئزر، وَرُبمَا اتزر بِهِ، وَرُبمَا ارتدى، وَرُبمَا كَانَ لأَحَدهم بردتان يترز بِأَحَدِهِمَا ويرتدي بِالْأُخْرَى، وَرُبمَا كَانَت كَبِيرَة. وَقيل: النمرة: كل شملة مخططة من ميازر الْعَرَب، وَقَالَ القتبي: هِيَ بردة تلبسها الْإِمَاء. وَقَالَ ثَعْلَب: هِيَ ثوب مخططة تلبسها الْعَجُوز. وَقيل: كسَاء ملون، وَقَالَ الْفراء: هِيَ دراعة تلبس أَو تجْعَل على الرَّأْس، فِيهَا لونان سَواد وَبَيَاض. قَوْله: (وَقتل حَمْزَة) ، وَهُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَخُوهُ من الرضَاعَة، يُقَال لَهُ: أَسد الله، وَحين أسلم اعتز الْإِسْلَام بِإِسْلَامِهِ، اسْتشْهد يَوْم أحد، وَهُوَ سيد الشُّهَدَاء، وفضائله كَثِيرَة جدا. قَوْله: (أَو رجل آخر) ، لم يعرف هَذَا الرجل وَلم يَقع هَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَلم يذكر إلَاّ حَمْزَة وَمصْعَب، وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق مَنْصُور بن أبي مُزَاحم عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. قَوْله: (لقد خشيت) إِلَى آخِره، من كَلَام عبد الرَّحْمَن، وَكَانَ خَوفه وبكاؤه، وَإِن كَانَ أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من الإشفاق وَالْخَوْف من التَّأَخُّر عَن اللحاق بالدرجات العلى وَطول الْحساب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: مَا ترْجم البُخَارِيّ من أَن الْكَفَن من جَمِيع المَال، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كفن حَمْزَة ومصعبا فِي برديهما، وَهُوَ يدل على جَوَاز التَّكْفِين فِي ثوب وَاحِد عِنْد عدم غَيره، وَالْأَصْل ستر الْعَوْرَة، وَإِنَّمَا اسْتحبَّ لَهما صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّكْفِين فِي تِلْكَ الثِّيَاب الَّتِي لَيست بسابغة لِأَنَّهُمَا فِيهَا قتلا وَفِيهِمَا يبعثان إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الْعَالم يذكر سيرة الصَّالِحين وتقللهم من الدُّنْيَا لتقل رغبته فِيهَا، ويبكي خوفًا من تَأَخّر لحاقه بالأخيار، ويشفق من ذَلِك. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للمرء أَن يتَذَكَّر نعم الله عِنْده ويعترف بالتقصير عَن أَدَاء شكرها، ويتخوف أَن يقاص بهَا فِي الْآخِرَة وَيذْهب سَعْيه فِيهَا.
٦٢ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ، إِذا لم يُوجب للميث إلَاّ ثوب وَاحِد، فَالْحكم فِيهِ أَن يقْتَصر عَلَيْهِ، وَلَا ينْتَظر شَيْء آخر.
٥٧٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ إبْراهِيمَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ وكانَ صَائِما فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ ابنُ عُمَيْرٍ وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهْوَ خَيرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أنْ تَكُون حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جعل يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كفن فِي بردة) ، وَهُوَ ثوب وَاحِد، وَقد كفن حَمْزَة فِي بردة وَمصْعَب فِي أُخْرَى وَلم يكن غَيرهَا، وَهُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة وَفِي قَوْله: (إِذا لم يُوجد إلَاّ ثوب وَاحِد) ، والْحَدِيث بِعَيْنِه مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه روى ذَاك: عَن أَحْمد الْمَكِّيّ عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد، وَهَذَا: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (وَكَانَ صَائِما) ، أَي: كَانَ عبد الرَّحْمَن يَوْمئِذٍ صَائِما. وَقَوله أَيْضا: (إِن غطى رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) أَيِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِدَفْنِهِ ارْتِقَابُ شَيْءٍ آخَرَ.
وفي قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي. دَلَالَةٌ عَلَى تَوَاضُعِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ فَضْلِ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَادَ فِي هَذَهِ الطَّرِيقِ: إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ حَمْزَةَ أَيْضًا كُفِّنَ كَذَلِكَ.
٢٧ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا؛ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ.
[الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ)؛ أَيْ رَأْسَهُ مَعَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ إِلَّا قَدَمَيْهِ أَوِ الْعَكْسُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا يُوَارِي جَسَدَهُ إِلَّا رَأْسَهُ، أَوْ جَسَدَهُ إِلَّا قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: خَرَجَتْ رِجْلَاهُ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُغَطِّي رَأْسَهُ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ لَكَانَ تَغْطِيَةُ الْعَوْرَةِ أَوْلَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ سَاتِرٌ الْبَتَّةَ أَنَّهُ يُغَطِّي جَمِيعَهُ بالِإِذْخِرِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِمَا تَيَسَّرَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُ الْعَبَّاسِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لبُيُوتِنَا وَقُبُورنَا. فَكَأَنَّهَا كَانَتْ عَادَةً لَهُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُبُورِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ التَّكْفِينَ فِي تِلْكَ الثِّيَابِ الَّتِي لَيْسَتْ سَابِغَةً؛ لِأَنَّهُمْ قُتِلُوا فِيهَا. انْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْجَزْمِ نَظَرٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ، وَخَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ، هُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا)؛ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَنَائِمِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَ الْفُتُوحِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْرِ ثَمَرَتُهُ، فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى أَجْرِ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَعَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفَتْحِ النُّونِ؛ أَيْ نَضِجَتْ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ يَجْتَنِبهَا، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الدَّالِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ تَثْلِيثَهَا.
قَوْلُهُ: (مَا نُكَفِّنُهُ بِهِ) سَقَطَ لَفْظُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصبنا ما كُتِبَ لنا من الطَّيِّبات في دنيانا، فلم يبقَ لنا بعد استيفاء حظِّنا شيءٌ منها (١)، والمراد بالحظِّ: الاستمتاع والتَّنعُّم الَّذي يشغل الالتذاذ (٢) به عن الدِّين وتكاليفه، حتَّى يعكف همَّته على استيفاء اللَّذات، أمَّا من تمتَّع بنعم الله ورزقه الَّذي خلقه الله (٣) تعالى لعباده؛ ليتقوَّى (٤) بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشُّكر، فهو عن ذلك بمعزلٍ (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرَّحمن (يَبْكِي) خوفًا من تخلُّفه عن اللَّحاق بالدَّرجات العُلى.
وشيخ المؤلف من أفراده، والثَّلاثة البقيَّة مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا (٥) المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٧٥] و «المغازي» [خ¦٤٠٤٥].
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يُوجَدْ) للميِّت (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) اقتصر عليه.
١٢٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ، المجاور بمكَّة، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ»، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ) بإسقاط هاء الضَّمير (وَكَانَ) عبد الرَّحمن يومئذٍ (صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
-وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «في برده» بالضَّمير الرَّاجع إلى مصعب (٢) (إِنْ غُطِّيَ) بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول (رَأْسُهُ) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل (بَدَتْ) ظهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهر (رَأْسُهُ) قال المهلَّب وابن بطَّالٍ: وإنَّما استحبَّ (٣) أن يكفَّن في هذه البردة؛ لكونه قُتِل فيها، قال ابن حجرٍ: وفي هذا الجزم نظرٌ، بل الظَّاهر: أنَّه لم يجد (٤) له غيرها؛ كما هو مقتضى التَّرجمة (وَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ) عمُّ النَّبيِّ ﷺ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وروى الحاكم في «مستدركه» من حديث أنسٍ: أنَّ حمزة كُفِّن أيضًا كذلك (٥) (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة مَن قيل في حقِّه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العاجلة همَّه، ولم يرد غيرها، تفضَّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، وقُيِّد المعجَّل والمعجَّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنَّه لا يجد كلُّ متمنٍّ ما يتمنَّاه، ولا كلُّ واحدٍ جميع ما يهواه (ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) في وقت الإفطار.
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يَجِدْ) من يتولَّى أمر الميِّت (كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي) يستر (رَأْسَهُ) مع بقيَّة جسده (أَوْ) يستر (قَدَمَيْهِ) مع بقيَّة جسده (غَطَّى) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «غُطِّي» بضمِّ المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رَأْسَهُ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُتِي) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَعبد الرَّحْمَن بِالرَّفْع لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (قتل) على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، وَمصْعَب بن عُمَيْر مَرْفُوع كَذَلِك، وَهُوَ بِضَم الْمِيم، وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَعُمَيْر: بِضَم الْعين مصغر عَمْرو: الْقرشِي الْعَبدَرِي، كَانَ من أجلة الصَّحَابَة، بَعثه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين، وَهُوَ أول من جمع الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ قبل الْهِجْرَة، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من أنعم النَّاس عَيْشًا وألينهم لباسا وَأَحْسَنهمْ جمالاً. فَلَمَّا أسلم زهد فِي الدُّنْيَا وتقشف وتحشف، وَفِيه نزل: {رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ} (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قتل يَوْم أحد شَهِيدا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَكَانَ خيرا مني) ، يَعْنِي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: كَانَ مُصعب خيرا مني، إِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل تواضعا وهضما لنَفسِهِ، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تفضلُونِي على يُونُس ابْن مَتى) . وإلَاّ فعبد الرَّحْمَن من الْعشْرَة المبشرة. قَوْله: (إِلَّا بردة) وَاحِدَة البرود، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (إلَاّ بردَهُ) ، بالضمير الْعَائِد عَلَيْهِ، والبردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: النمرة كالمئزر، وَرُبمَا اتزر بِهِ، وَرُبمَا ارتدى، وَرُبمَا كَانَ لأَحَدهم بردتان يترز بِأَحَدِهِمَا ويرتدي بِالْأُخْرَى، وَرُبمَا كَانَت كَبِيرَة. وَقيل: النمرة: كل شملة مخططة من ميازر الْعَرَب، وَقَالَ القتبي: هِيَ بردة تلبسها الْإِمَاء. وَقَالَ ثَعْلَب: هِيَ ثوب مخططة تلبسها الْعَجُوز. وَقيل: كسَاء ملون، وَقَالَ الْفراء: هِيَ دراعة تلبس أَو تجْعَل على الرَّأْس، فِيهَا لونان سَواد وَبَيَاض. قَوْله: (وَقتل حَمْزَة) ، وَهُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَخُوهُ من الرضَاعَة، يُقَال لَهُ: أَسد الله، وَحين أسلم اعتز الْإِسْلَام بِإِسْلَامِهِ، اسْتشْهد يَوْم أحد، وَهُوَ سيد الشُّهَدَاء، وفضائله كَثِيرَة جدا. قَوْله: (أَو رجل آخر) ، لم يعرف هَذَا الرجل وَلم يَقع هَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَلم يذكر إلَاّ حَمْزَة وَمصْعَب، وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق مَنْصُور بن أبي مُزَاحم عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. قَوْله: (لقد خشيت) إِلَى آخِره، من كَلَام عبد الرَّحْمَن، وَكَانَ خَوفه وبكاؤه، وَإِن كَانَ أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من الإشفاق وَالْخَوْف من التَّأَخُّر عَن اللحاق بالدرجات العلى وَطول الْحساب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: مَا ترْجم البُخَارِيّ من أَن الْكَفَن من جَمِيع المَال، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كفن حَمْزَة ومصعبا فِي برديهما، وَهُوَ يدل على جَوَاز التَّكْفِين فِي ثوب وَاحِد عِنْد عدم غَيره، وَالْأَصْل ستر الْعَوْرَة، وَإِنَّمَا اسْتحبَّ لَهما صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّكْفِين فِي تِلْكَ الثِّيَاب الَّتِي لَيست بسابغة لِأَنَّهُمَا فِيهَا قتلا وَفِيهِمَا يبعثان إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الْعَالم يذكر سيرة الصَّالِحين وتقللهم من الدُّنْيَا لتقل رغبته فِيهَا، ويبكي خوفًا من تَأَخّر لحاقه بالأخيار، ويشفق من ذَلِك. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للمرء أَن يتَذَكَّر نعم الله عِنْده ويعترف بالتقصير عَن أَدَاء شكرها، ويتخوف أَن يقاص بهَا فِي الْآخِرَة وَيذْهب سَعْيه فِيهَا.
٦٢ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ، إِذا لم يُوجب للميث إلَاّ ثوب وَاحِد، فَالْحكم فِيهِ أَن يقْتَصر عَلَيْهِ، وَلَا ينْتَظر شَيْء آخر.
٥٧٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ إبْراهِيمَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ وكانَ صَائِما فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ ابنُ عُمَيْرٍ وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهْوَ خَيرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أنْ تَكُون حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جعل يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كفن فِي بردة) ، وَهُوَ ثوب وَاحِد، وَقد كفن حَمْزَة فِي بردة وَمصْعَب فِي أُخْرَى وَلم يكن غَيرهَا، وَهُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة وَفِي قَوْله: (إِذا لم يُوجد إلَاّ ثوب وَاحِد) ، والْحَدِيث بِعَيْنِه مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه روى ذَاك: عَن أَحْمد الْمَكِّيّ عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد، وَهَذَا: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (وَكَانَ صَائِما) ، أَي: كَانَ عبد الرَّحْمَن يَوْمئِذٍ صَائِما. وَقَوله أَيْضا: (إِن غطى رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ