«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٨

الحديث رقم ١٢٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثًا. قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ

⦗٣٨⦘

مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا. وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا».

إسناد حديث رقم ١٢٨ من صحيح البخاري

١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَن اأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ - ثَلَاثًا - قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا. وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

[الحديث ١٢٨ - طرفه في: ١٢٩]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبِي) هُوَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَدِيفُهُ) أَيْ: رَاكِبٌ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. وَالرَّحْلُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْبَعِيرِ، لَكِنْ مُعَاذٌ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ رَدِيفَهُ عَلَى حِمَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) هُوَ خَبَرُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَابْنُ جَبَلٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وَأَمَّا مُعَاذٌ فَبِالضَّمِّ لِأَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ عَلَمٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَاسْمٍ وَاحِدٍ مُرَكَّبٍ كَأَنَّهُ أُضِيفَ، وَالْمُنَادَى الْمُضَافُ مَنْصُوبٌ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُعَاذٌ زَائِدٌ، فَالتَّقْدِيرُ يَا ابْنَ جَبَلٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ. (قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) اللَّبُّ بِفَتْحِ اللَّامِ مَعْنَاهُ هُنَا الْإِجَابَةُ، وَالسَّعْدُ الْمُسَاعَدَةُ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَبًّا لَكَ وَإِسْعَادًا لَكَ ; وَلَكِنَّهُمَا ثُنِّيَا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَالتَّكْثِيرِ، أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ. وَقِيلَ فِي أَصْلِ لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) أَيِ: النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ قِيلَا ثَلَاثًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَابِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (صِدْقًا) فِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ شَهَادَةِ الْمُنَافِقِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ قَلْبِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصِدْقًا أَيْ: يَشْهَدُ بِلَفْظِهِ وَيُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَشْهَدُ أَيْ: يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ صِدْقًا أُقِيمَ هُنَا مَقَامَ الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّ الصِّدْقَ يُعَبَّرُ بِهِ قَوْلًا عَنْ مُطَابَقَةِ الْقَوْلِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَيُعَبَّرُ بِهِ فِعْلًا عَنْ تَحَرِّي الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أَيْ: حَقَّقَ مَا أَوْرَدَهُ قَوْلًا بِمَا تَحَرَّاهُ فِعْلًا، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ رَفْعَ الْإِشْكَالِ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ جَمِيعِ مَنْ شَهِدَ الشَّهَادَتَيْنِ النَّارَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّأْكِيدِ، لَكِنْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ عَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ. قَالَ: وَلِأَجْلِ خَفَاءَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْذَنْ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ بِهِ. وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْإِشْكَالِ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ مُطْلَقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ قَالَهَا تَائِبًا ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصُحْبَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ أَكْثَرِ الْفَرَائِضِ، وَكَذَا وَرَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَكَانَ قُدُومُهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ.

وَمِنْهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُوَحِّدَ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَيَجْتَنِبُ الْمَعْصِيَةَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ تَحْرِيمُ خُلُودِهِ فِيهَا لَا أَصْلُ دُخُولِهَا. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ النَّارُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَةُ الَّتِي أُفْرِدَتْ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ حُرْمَةُ جُمْلَتِهِ لِأَنَّ النَّارَ لَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث (١) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ لفظ «ابن خَرَّبُوذٍ» (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) بضمِّ الطَّاء وفتح الفاء، عامر بن واثلة، وهو آخر الصَّحابة موتًا (عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» (٢) أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلِّف لأنَّه يلتحق بالثُّلاثيَّات؛ من جهة: أن الراويَ الثَّالث -وهو أبو الطُّفيل- صحابيٌّ، وأخَّر المؤلِّف السَّند هنا (٣) عن (٤) المتن ليميِّز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، أو (٥) لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبُوذٍ، أو للتَّفنُّن وبيان الجواز، ومن ثمَّ وقع في بعض النُّسخ مُقدَّمًا، وقد سقط هذا الأثر كلُّه من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.

١٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا (٦) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) : (أَنَّ النَّبِيَّ وَمُعَاذٌ) أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ) أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب (٧)، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦٢٨٥٦] (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ)

بضمِّ «معاذُ» منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط (قَالَ) أي: معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) : (يَا مُعَاذُ، قَالَ) أي: معاذٌ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا) يعني: أنَّ نداءه لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ ثلاثًا (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) والجارُّ والمجرور الأوَّل -وهو «من قَلْبِهِ» - يتعلَّق (١) بقوله: «صدقًا»،

أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل الشَّهادة لفظيَّةٌ، أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بِقَلْبِه، وعلى الثَّاني قلبيَّةٌ، أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه (١)، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشَّهادتين النَّار لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين (٢) كتحريم مواضع السُّجود.

(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا) بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا (٣) (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن

يستبشروا، قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فيستبشرون» بالنُّون، أي: فَهُم يستبشرون (قَالَ) : (إِذًا) أي: إن أخبرتهم (يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: يعتمدوا على الشَّهادة المُجرَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَنْكُلوا» بنونٍ ساكنةٍ وضمِّ الكاف، مِنَ النُّكول وهو الامتناع، أي: يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مُجرَّد التَّلفُّظ بالشَّهادتين (وَأَخْبَرَ) وفي روايةٍ: «أخبر» بغير واوٍ (بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذٍ (تَأَثُّمًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والهمزة وتشديد المُثلَّثة، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ له، أي: تجنُّبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه (٢) حيث قال: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فإن قلت: سلَّمنا أنَّه تأثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثَّم من مخالفة الرَّسول في التَّبشير؟ أُجِيب: بأنَّ النَّهيَ كان مُقيَّدًا بالاتِّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها (٣)، أو أنَّ النَّهيَ إنَّما كان للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإِلَّا لَمَا كان يخبر به أصلًا، وقد روى البزَّار من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذه القصَّة: أنَّ النَّبيَّ أَذِنَ لمعاذٍ في التَّبشير، فَلَقِيَهُ عمرُ ، فقال: لا تعجلْ، ثمَّ دخل فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك اتَّكلوا عليها، قال: فَرَدَّه (٤)، وقد تضمَّن هذا الحديث أنْ يُخصَّ بالعلم قومٌ فيهمُ الضَّبطُ وصحَّةُ الفهم، ولا يُبذَل المعنى اللَّطيف لمن لا يستأهله (٥)، ومن يخاف عليه التَّرخيص والاتِّكال لتقصير فهمه، وهو مطابقٌ لما ترجم له المؤلِّف.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَن اأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ - ثَلَاثًا - قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا. وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

[الحديث ١٢٨ - طرفه في: ١٢٩]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبِي) هُوَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَدِيفُهُ) أَيْ: رَاكِبٌ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. وَالرَّحْلُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْبَعِيرِ، لَكِنْ مُعَاذٌ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ رَدِيفَهُ عَلَى حِمَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) هُوَ خَبَرُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَابْنُ جَبَلٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وَأَمَّا مُعَاذٌ فَبِالضَّمِّ لِأَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ عَلَمٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَاسْمٍ وَاحِدٍ مُرَكَّبٍ كَأَنَّهُ أُضِيفَ، وَالْمُنَادَى الْمُضَافُ مَنْصُوبٌ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُعَاذٌ زَائِدٌ، فَالتَّقْدِيرُ يَا ابْنَ جَبَلٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ. (قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) اللَّبُّ بِفَتْحِ اللَّامِ مَعْنَاهُ هُنَا الْإِجَابَةُ، وَالسَّعْدُ الْمُسَاعَدَةُ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَبًّا لَكَ وَإِسْعَادًا لَكَ ; وَلَكِنَّهُمَا ثُنِّيَا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَالتَّكْثِيرِ، أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ. وَقِيلَ فِي أَصْلِ لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) أَيِ: النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ قِيلَا ثَلَاثًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَابِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (صِدْقًا) فِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ شَهَادَةِ الْمُنَافِقِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ قَلْبِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصِدْقًا أَيْ: يَشْهَدُ بِلَفْظِهِ وَيُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَشْهَدُ أَيْ: يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ صِدْقًا أُقِيمَ هُنَا مَقَامَ الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّ الصِّدْقَ يُعَبَّرُ بِهِ قَوْلًا عَنْ مُطَابَقَةِ الْقَوْلِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَيُعَبَّرُ بِهِ فِعْلًا عَنْ تَحَرِّي الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أَيْ: حَقَّقَ مَا أَوْرَدَهُ قَوْلًا بِمَا تَحَرَّاهُ فِعْلًا، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ رَفْعَ الْإِشْكَالِ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ جَمِيعِ مَنْ شَهِدَ الشَّهَادَتَيْنِ النَّارَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّأْكِيدِ، لَكِنْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ عَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ. قَالَ: وَلِأَجْلِ خَفَاءَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْذَنْ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ بِهِ. وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْإِشْكَالِ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ مُطْلَقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ قَالَهَا تَائِبًا ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصُحْبَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ أَكْثَرِ الْفَرَائِضِ، وَكَذَا وَرَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَكَانَ قُدُومُهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ.

وَمِنْهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُوَحِّدَ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَيَجْتَنِبُ الْمَعْصِيَةَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ تَحْرِيمُ خُلُودِهِ فِيهَا لَا أَصْلُ دُخُولِهَا. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ النَّارُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَةُ الَّتِي أُفْرِدَتْ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ حُرْمَةُ جُمْلَتِهِ لِأَنَّ النَّارَ لَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث (١) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ لفظ «ابن خَرَّبُوذٍ» (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) بضمِّ الطَّاء وفتح الفاء، عامر بن واثلة، وهو آخر الصَّحابة موتًا (عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» (٢) أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلِّف لأنَّه يلتحق بالثُّلاثيَّات؛ من جهة: أن الراويَ الثَّالث -وهو أبو الطُّفيل- صحابيٌّ، وأخَّر المؤلِّف السَّند هنا (٣) عن (٤) المتن ليميِّز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، أو (٥) لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبُوذٍ، أو للتَّفنُّن وبيان الجواز، ومن ثمَّ وقع في بعض النُّسخ مُقدَّمًا، وقد سقط هذا الأثر كلُّه من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.

١٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا (٦) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) : (أَنَّ النَّبِيَّ وَمُعَاذٌ) أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ) أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب (٧)، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦٢٨٥٦] (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ)

بضمِّ «معاذُ» منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط (قَالَ) أي: معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) : (يَا مُعَاذُ، قَالَ) أي: معاذٌ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا) يعني: أنَّ نداءه لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ ثلاثًا (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) والجارُّ والمجرور الأوَّل -وهو «من قَلْبِهِ» - يتعلَّق (١) بقوله: «صدقًا»،

أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل الشَّهادة لفظيَّةٌ، أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بِقَلْبِه، وعلى الثَّاني قلبيَّةٌ، أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه (١)، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشَّهادتين النَّار لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين (٢) كتحريم مواضع السُّجود.

(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا) بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا (٣) (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن

يستبشروا، قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فيستبشرون» بالنُّون، أي: فَهُم يستبشرون (قَالَ) : (إِذًا) أي: إن أخبرتهم (يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: يعتمدوا على الشَّهادة المُجرَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَنْكُلوا» بنونٍ ساكنةٍ وضمِّ الكاف، مِنَ النُّكول وهو الامتناع، أي: يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مُجرَّد التَّلفُّظ بالشَّهادتين (وَأَخْبَرَ) وفي روايةٍ: «أخبر» بغير واوٍ (بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذٍ (تَأَثُّمًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والهمزة وتشديد المُثلَّثة، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ له، أي: تجنُّبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه (٢) حيث قال: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فإن قلت: سلَّمنا أنَّه تأثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثَّم من مخالفة الرَّسول في التَّبشير؟ أُجِيب: بأنَّ النَّهيَ كان مُقيَّدًا بالاتِّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها (٣)، أو أنَّ النَّهيَ إنَّما كان للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإِلَّا لَمَا كان يخبر به أصلًا، وقد روى البزَّار من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذه القصَّة: أنَّ النَّبيَّ أَذِنَ لمعاذٍ في التَّبشير، فَلَقِيَهُ عمرُ ، فقال: لا تعجلْ، ثمَّ دخل فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك اتَّكلوا عليها، قال: فَرَدَّه (٤)، وقد تضمَّن هذا الحديث أنْ يُخصَّ بالعلم قومٌ فيهمُ الضَّبطُ وصحَّةُ الفهم، ولا يُبذَل المعنى اللَّطيف لمن لا يستأهله (٥)، ومن يخاف عليه التَّرخيص والاتِّكال لتقصير فهمه، وهو مطابقٌ لما ترجم له المؤلِّف.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله