«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٩٥

الحديث رقم ١٢٩٥ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٩٥ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لَا. ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.»

إسناد حديث رقم ١٢٩٥ من صحيح البخاري

١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٩٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِأَنْ يُهْجَرَ وَيُعْرَضَ عَنْهُ، فَلَا يَخْتَلِطُ بِجَمَاعَةِ السُّنَّةِ تَأْدِيبًا لَهُ عَلَى اسْتِصْحَابِهِ حَالةَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي قَبَّحَهَا الْإِسْلَامُ، فَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى مَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ. وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْخَوْضَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَيَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ، وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى دِينِنَا الْكَامِلِ، أَيْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا النَّفْيَ يُفَسِّرُهُ التَّبَرِّي الْآتِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ بَابٍ، حَيْثُ قَالَ: بَرِئَ مِنْهُ النَّبِيُّ . وَأَصْلُ الْبَرَاءَةِ الِانْفِصَالُ مِنَ الشَّيْءِ، وَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِأَنْ لَا يُدْخِلَهُ فِي شَفَاعَتِهِ مَثَلًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَوْلُهُ: أَنَا بَرِيءٌ؛ أَيْ مِنْ فَاعِلِ مَا ذُكِرَ وَقْتَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ.

قُلْتُ: بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ تُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ مِنْ شَقِّ الْجَيْبِ وَغَيْرِهِ. وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا تَضْمَنَّهُ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالِاسْتِحْلَالِ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ أَوِ التَّسَخُّطِ مَثَلًا بِمَا وَقَعَ فَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ النَّفْيِ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّينِ.

قَوْلُهُ: (لَطَمَ الْخُدُودَ) خَصَّ الْخَدَّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَضَرْبُ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) جَمْعُ جَيْبٍ بِالْجِيمِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَا يُفْتَحُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الرَّأْسُ، وَالْمُرَادُ بِشَقِّهِ إِكْمَالُ فَتْحِهِ إِلَى آخِرِهِ وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ التَّسَخُّطِ.

قَوْلُهُ: (وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِدَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ مِنَ النِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا النُّدْبَةُ كَقَوْلِهِمْ: وَاجَبَلَاهُ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.

٣٦ - بَاب رِثَاءِ النَّبِيِّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ

١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رِثَاءِ النَّبِيِّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) سَعْدَ: بِالنَّصْبِ على الْمَفْعُولِيَّةِ، وَخَوْلَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ. وَالرِّثَاءُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِالْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا - مُدَّةُ مَدْحِ الْمَيِّتِ، وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ الرَّاوِي: يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَلِهَذَا اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ التَّرْجَمَةَ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ مَرَاثِي الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّوَجُّعِ. يُقَالُ: رَثَيْتُهُ إِذَا مَدَحْتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرَثَيْتُ لَهُ: إِذَا تَحَزَّنْتُ عَلَيْهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ هَذَا بِعَيْنِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ فَهُوَ مِنَ التَّحَزُّنِ وَالتَّوَجُّعِ، وَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ مُعَارِضًا لِنَهْيِهِ عَنِ الْمَرَاثِي الَّتِي هِيَ ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَعُودُنِي) بالدَّال المهملة (عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ من الهجرة (مِنْ وَجَعٍ) اسمٌ لكلِّ مرضٍ (اشْتَدَّ بِي) أي: قوي عليَّ (فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ) الغاية (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد (إِلَّا ابْنَتِ (١)) كذا كُتِبَ في «اليونينيَّة» بالتَّاء المثنَّاة (٢) الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل (٣): هي عائشة، وقيل: إنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، قيل: ما (٤) كانت له عصبةٌ، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذُّكور (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار (قَالَ) : (لَا) تتصدَّق بالثُّلثين (فَقُلْتُ): أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنِّصف (٥)، وللحَمُّويي والمُستملي: «فالشَّطر» بالفاء، والرَّفع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، تقديره: فالشَّطر أتصدَّق به؟ وقيَّده (٦) الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ

في «أماليه»: الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار: أفعل، والخفض معطوفٌ (١) على قوله: «بثلثي مالي» (فَقَالَ) : (لَا) تتصدق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) : (الثُّلُثُ) بالرَّفع، فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، أي: يكفيك الثُّلث، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروع الثُّلث، أو مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: الثُّلث كافٍ، والنَّصب على الإغراء، أو بفعلٍ مضمرٍ، أي: أعطِ الثُّلث (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالموحَّدة، مبتدأٌ وخبرٌ (أَوْ) قال: (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالذَّال المعجمة وفتح الهمزة في «اليونينيَّة» تترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، أو يسألونهم بأكفِّهم، و «أَنْ تذر» بفتح الهمزة: على أنَّها مصدريَّةٌ، فهي وصِلَتُها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر: «خيرٌ»، وبالكسر: على أنَّها شرطيَّةٌ، والأصل كما قاله (٢) ابن مالكٍ: إن تركت ورثتك أغنياء فخيرٌ، أي: فهو خيرٌ لك، فحذف فاء (٣) الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، ثمَّ عطف على قوله: «إنَّك أن تذر» ما هو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته (إِلَّا أُجِرْتَ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الَّذي تجعله (فِي في امْرَأَتِكَ) وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: «تجعلُ» برفع اللَّام، و «ما» كافَّةٌ كفَّت «حتَّى» عن عملها، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: ليس كذلك؛ إذ لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي (٤) اسمٌ موصولٌ، و «حتَّى» عاطفةٌ، أي: إلَّا أُجِرت بتلك النَّفقة الَّتي تبتغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الَّذي تجعله في فم امرأتك، ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فإن قلت: يُشتَرط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يُعاد الخافض؟ وأجاب بأنَّ ابن مالكٍ قيَّده بألَّا تتعيَّن «حتَّى» للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتَّى بنيِّهم، قال ابن هشامٍ: يريد أنَّ الموضع الَّذي يصحُّ أن تحلَّ «إلى» فيه محلَّ «حتَّى» العاطفة، فهي محتملةٌ للجارَّة، فيُحتاج حينئذٍ إلى إعادة

الجارِّ عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشَّهر حتَّى في آخره بخلاف المثال وما في الحديث، ثمَّ أورد (١) سؤالًا آخر، فقال: فإن قلت: لا يُعطَفُ على الضَّمير المخفوض إلَّا بإعادة الخافض؟ وأجاب بأنَّ المختار عند ابن مالكٍ وغيره خلافه؛ وهو المذهب الكوفيُّ، لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنَّه لو جُعِل العطف على المنصوب المتقدِّم، أي: لن تنفق نفقة حتَّى الشَّيء الَّذي تجعله في في (٢) امرأتك إلَّا أُجِرت؛ لاستقام، ولم يرد شيءٌ ممَّا تقدَّم. انتهى. وفيه: أنَّ المباح إذا قُصِد به وجه الله صار طاعة ويُثاب عليه، وقد نبَّه عليه بأخسِّ الحظوظ الدُّنيويَّة الَّتي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجهَ الله ويحصل به الأجر فغيْرُه بالطَّريق الأَولى، قال سعدٌ: (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المشدَّدة مبنيًّا للمفعول، يعني بمكَّة بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أأخلَّف» بهمزة الاستفهام (بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ) : (إِنَّكَ لَنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن» (تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنَّك لن تموت بمكَّة، وهذا من إخباره بالمغيَّبات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، ولعلَّ: للتَّرجِّي إلَّا إذا وردت عن الله ورسوله، فإنَّ معناها: التَّحقيق، قال البدر الدَّمامينيُّ: وفيه دخول «أَنْ» على خبر «لعلَّ»، وهو قليلٌ، فيحتاج إلى التَّأويل (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، من الإمضاء، وهو الإنفاذ، أي: أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: الَّتي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِأَنْ يُهْجَرَ وَيُعْرَضَ عَنْهُ، فَلَا يَخْتَلِطُ بِجَمَاعَةِ السُّنَّةِ تَأْدِيبًا لَهُ عَلَى اسْتِصْحَابِهِ حَالةَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي قَبَّحَهَا الْإِسْلَامُ، فَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى مَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ. وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْخَوْضَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَيَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ، وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى دِينِنَا الْكَامِلِ، أَيْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا النَّفْيَ يُفَسِّرُهُ التَّبَرِّي الْآتِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ بَابٍ، حَيْثُ قَالَ: بَرِئَ مِنْهُ النَّبِيُّ . وَأَصْلُ الْبَرَاءَةِ الِانْفِصَالُ مِنَ الشَّيْءِ، وَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِأَنْ لَا يُدْخِلَهُ فِي شَفَاعَتِهِ مَثَلًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَوْلُهُ: أَنَا بَرِيءٌ؛ أَيْ مِنْ فَاعِلِ مَا ذُكِرَ وَقْتَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ.

قُلْتُ: بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ تُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ مِنْ شَقِّ الْجَيْبِ وَغَيْرِهِ. وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا تَضْمَنَّهُ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالِاسْتِحْلَالِ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ أَوِ التَّسَخُّطِ مَثَلًا بِمَا وَقَعَ فَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ النَّفْيِ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّينِ.

قَوْلُهُ: (لَطَمَ الْخُدُودَ) خَصَّ الْخَدَّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَضَرْبُ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) جَمْعُ جَيْبٍ بِالْجِيمِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَا يُفْتَحُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الرَّأْسُ، وَالْمُرَادُ بِشَقِّهِ إِكْمَالُ فَتْحِهِ إِلَى آخِرِهِ وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ التَّسَخُّطِ.

قَوْلُهُ: (وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِدَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ مِنَ النِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا النُّدْبَةُ كَقَوْلِهِمْ: وَاجَبَلَاهُ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.

٣٦ - بَاب رِثَاءِ النَّبِيِّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ

١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رِثَاءِ النَّبِيِّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) سَعْدَ: بِالنَّصْبِ على الْمَفْعُولِيَّةِ، وَخَوْلَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ. وَالرِّثَاءُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِالْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا - مُدَّةُ مَدْحِ الْمَيِّتِ، وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ الرَّاوِي: يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَلِهَذَا اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ التَّرْجَمَةَ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ مَرَاثِي الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّوَجُّعِ. يُقَالُ: رَثَيْتُهُ إِذَا مَدَحْتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرَثَيْتُ لَهُ: إِذَا تَحَزَّنْتُ عَلَيْهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ هَذَا بِعَيْنِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ فَهُوَ مِنَ التَّحَزُّنِ وَالتَّوَجُّعِ، وَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ مُعَارِضًا لِنَهْيِهِ عَنِ الْمَرَاثِي الَّتِي هِيَ ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَعُودُنِي) بالدَّال المهملة (عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ من الهجرة (مِنْ وَجَعٍ) اسمٌ لكلِّ مرضٍ (اشْتَدَّ بِي) أي: قوي عليَّ (فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ) الغاية (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد (إِلَّا ابْنَتِ (١)) كذا كُتِبَ في «اليونينيَّة» بالتَّاء المثنَّاة (٢) الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل (٣): هي عائشة، وقيل: إنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، قيل: ما (٤) كانت له عصبةٌ، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذُّكور (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار (قَالَ) : (لَا) تتصدَّق بالثُّلثين (فَقُلْتُ): أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنِّصف (٥)، وللحَمُّويي والمُستملي: «فالشَّطر» بالفاء، والرَّفع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، تقديره: فالشَّطر أتصدَّق به؟ وقيَّده (٦) الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ

في «أماليه»: الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار: أفعل، والخفض معطوفٌ (١) على قوله: «بثلثي مالي» (فَقَالَ) : (لَا) تتصدق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) : (الثُّلُثُ) بالرَّفع، فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، أي: يكفيك الثُّلث، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروع الثُّلث، أو مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: الثُّلث كافٍ، والنَّصب على الإغراء، أو بفعلٍ مضمرٍ، أي: أعطِ الثُّلث (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالموحَّدة، مبتدأٌ وخبرٌ (أَوْ) قال: (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالذَّال المعجمة وفتح الهمزة في «اليونينيَّة» تترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، أو يسألونهم بأكفِّهم، و «أَنْ تذر» بفتح الهمزة: على أنَّها مصدريَّةٌ، فهي وصِلَتُها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر: «خيرٌ»، وبالكسر: على أنَّها شرطيَّةٌ، والأصل كما قاله (٢) ابن مالكٍ: إن تركت ورثتك أغنياء فخيرٌ، أي: فهو خيرٌ لك، فحذف فاء (٣) الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، ثمَّ عطف على قوله: «إنَّك أن تذر» ما هو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته (إِلَّا أُجِرْتَ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الَّذي تجعله (فِي في امْرَأَتِكَ) وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: «تجعلُ» برفع اللَّام، و «ما» كافَّةٌ كفَّت «حتَّى» عن عملها، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: ليس كذلك؛ إذ لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي (٤) اسمٌ موصولٌ، و «حتَّى» عاطفةٌ، أي: إلَّا أُجِرت بتلك النَّفقة الَّتي تبتغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الَّذي تجعله في فم امرأتك، ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فإن قلت: يُشتَرط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يُعاد الخافض؟ وأجاب بأنَّ ابن مالكٍ قيَّده بألَّا تتعيَّن «حتَّى» للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتَّى بنيِّهم، قال ابن هشامٍ: يريد أنَّ الموضع الَّذي يصحُّ أن تحلَّ «إلى» فيه محلَّ «حتَّى» العاطفة، فهي محتملةٌ للجارَّة، فيُحتاج حينئذٍ إلى إعادة

الجارِّ عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشَّهر حتَّى في آخره بخلاف المثال وما في الحديث، ثمَّ أورد (١) سؤالًا آخر، فقال: فإن قلت: لا يُعطَفُ على الضَّمير المخفوض إلَّا بإعادة الخافض؟ وأجاب بأنَّ المختار عند ابن مالكٍ وغيره خلافه؛ وهو المذهب الكوفيُّ، لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنَّه لو جُعِل العطف على المنصوب المتقدِّم، أي: لن تنفق نفقة حتَّى الشَّيء الَّذي تجعله في في (٢) امرأتك إلَّا أُجِرت؛ لاستقام، ولم يرد شيءٌ ممَّا تقدَّم. انتهى. وفيه: أنَّ المباح إذا قُصِد به وجه الله صار طاعة ويُثاب عليه، وقد نبَّه عليه بأخسِّ الحظوظ الدُّنيويَّة الَّتي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجهَ الله ويحصل به الأجر فغيْرُه بالطَّريق الأَولى، قال سعدٌ: (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المشدَّدة مبنيًّا للمفعول، يعني بمكَّة بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أأخلَّف» بهمزة الاستفهام (بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ) : (إِنَّكَ لَنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن» (تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنَّك لن تموت بمكَّة، وهذا من إخباره بالمغيَّبات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، ولعلَّ: للتَّرجِّي إلَّا إذا وردت عن الله ورسوله، فإنَّ معناها: التَّحقيق، قال البدر الدَّمامينيُّ: وفيه دخول «أَنْ» على خبر «لعلَّ»، وهو قليلٌ، فيحتاج إلى التَّأويل (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، من الإمضاء، وهو الإنفاذ، أي: أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: الَّتي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد