الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٠٣
الحديث رقم ١٣٠٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ إنا بك لمحزونون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٤⦘
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
بَابُ الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ
١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ، هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) أَيْ هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمُبَشَّرُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ أَثَرِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ مُسْتَوْفًى فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ)؛ أَيِ ابْنُ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (الْعِدْلَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ الْمِثْلَانِ، وَقَوْلُهُ: (الْعِلَاوَةُ) بِكَسْرِهَا أَيْضًا؛ أَيْ مَا يُعَلَّقُ عَلَى الْبَعِيرِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَمْلِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَزَادَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعْمَ الْعِدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ نِعْمَ الْعِلَاوَةُ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَظَهَرَ بِهَذَا مُرَادُ عُمَرَ بِالْعِدْلَيْنِ وَبِالْعِلَاوَةِ، وَأَنَّ الْعِدْلَيْنِ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ، وَالْعِلَاوَةُ الِاهْتِدَاءُ. وَيُؤَيِّدُهُ وُقُوعُهُمَا بَعْدَ عَلَى الْمُشْعِرَةُ بِالْفَوْقِيَّةِ، الْمُشْعِرَةُ بِالْحَمْلِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - الْمُهْتَدُونَ، قَالَ: فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَاسْتَرْجَعَ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالرَّحْمَةُ، وَتَحْقِيقُ سُبُلِ الْهُدَى. فَأَغْنَى هَذَا عَنِ التَّكَلُّفِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُهَلَّبِ: الْعِدْلَانِ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْعِلَاوَةُ الثَّوَابُ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ قَوْلِ الْكَرْمَانِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلَيْنِ الْقَوْلُ وَجَزَاؤُهُ، أَيْ قَوْلُ الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوْعَا الثَّوَابِ، لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَبَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى، أَيْ تَفْسِيرِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا) قِيلَ: أَفْرَدَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ الصَّوْمُ، وَهُوَ مِنَ التُّرُوكِ، أَوِ الصَّبْرِ عَنِ الْمَيِّتِ تَرْكُ الْجَزَعِ، وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ، فَلِذَلِكَ ثَقُلَتْ عَلَى غَيْرِ الْخَاشِعِينَ، وَمِنْ أَسْرَارِهَا أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ لِمَا فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ، وَكُلُّهَا تُضَادُّ حُبَّ الرِّيَاسَةِ، وَعَدَمَ الِانْقِيَادِ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ، فَصَلَّى رَك عَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَيْضًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّبْرُ مَنْعُ النَّفْسِ مَحَابَّهَا، وَكَفُّهَا عَنْ هَوَاهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَنْ لَمْ يَجْزَعْ: صَابِرٌ؛ لِكَفِّهِ نَفْسَهُ. وَقِيلَ لِرَمَضَانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ؛ لِكَفِّ الصَّائِمِ نَفْسَهُ عَنِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ
١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ - هُوَ ابْنُ حَيَّانَ -، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:
يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ). سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالْأَثَرُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ تَرْكَ الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَثَبَتَ فِي قِصَّةِ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هُوَ الْجَرَوِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَرْوَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى تِنِّيسَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرَهَا، فَتَزَهَّدَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ شَيْئًا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ نَظِيرُ قَارُونَ فِي الْمَالِ، وَالْحَسَنُ الْمَذْكُورُ مِنْ طَبَقَةِ الْبُخَارِيِّ، وَمَاتَ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ، فَوَقَعَ لِلْحَسَنِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِشَيْخِهِ مِنْ رِوَايَةِ إِمَامٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ عَنْهُ، ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ، هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) هُوَ بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَبِي سَيْفٍ) قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ، وَأُمُّ سَيْفٍ زَوْجَتُهُ هِيَ أُمُّ بُرْدَةَ، وَاسْمُهَا خَوْلَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: جُمِعَ بِذَلِكَ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ تَنَافَسَتْ فِيهِ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ أَيَّتُهُنَّ تُرْضِعُهُ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْجَعْدِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ أَيْضًا، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ فِي بَنِي النَّجَّارِ. انْتَهَى. وَمَا جُمِعَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ أَوْسٍ يُكَنَّى أَبَا سَيْفٍ، وَلَا أَنَّ أَبَا سَيْفٍ يُسَمَّى الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ.
قَوْلُهُ: (الْقَيْنُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ الْحَدَّادُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ صَانِعٍ، يُقَالُ: قَإنَ الشَّيْءُ إِذَا أَصْلَحَهُ.
قَوْلُهُ: (ظِئْرًا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَهْمُوزَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ، أَيْ مُرْضِعًا، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ زَوْجَ الْمُرْضِعَةِ، وَأَصْلُ الظِّئْرِ مِنْ ظَأَرَتِ النَّاقَةُ إِذَا عَطَفَتْ عَلَى غَيْرِ وَلَدِهَا، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلَّتِي تُرْضِعُ غَيْرَ وَلَدِهَا، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي تَرْبِيَتِهِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (لِإِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ بَعْدَ هَذَا، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِهِ: وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبَعَتْهُ، فَانْتَهَى إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، وَقَدِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ، أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا
كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، وَإِنَّهُ لَيُدَخِّنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا.
قَوْلُهُ: (وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أَيْ يُخْرِجُهَا وَيَدْفَعُهَا كَمَا يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ مَالَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ: يَكِيدُ. قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: أَيْ يَسُوقُ بِهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: يُقَارِبُ بِهَا الْمَوْتَ. وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سِرَاجٍ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الْكَيْدِ، وَهُوَ الْقَيْءُ، يُقَالُ مِنْهُ: كَادَ يَكِيدُ، شَبَّهَ تَقَلُّعَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَذْرِفَانِ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ أَيْ يَجْرِي دَمْعُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ. فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَالْوَاوُ تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أَيِ: النَّاسُ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى الْمُصِيبَةِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ كَفِعْلِهِمْ؟ كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ لِذَلِكَ مِنْهُ مَعَ عَهْدِهِ مِنْهُ أَنَّهُ يَحُثُّ عَلَى الصَّبْرِ وَيَنْهَى عَنِ الْجَزَعِ، فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ أَيِ الْحَالَةُ الَّتِي شَاهَدْتَهَا مِنِّي هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ عَلَى الْوَلَدِ لَا مَا تَوَهَّمْتَ مِنَ الْجَزَعِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ وَزَادَ فِيهِ: إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا رَحْمَةٌ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ. وَفِي رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ: إِنَّمَا أَنْهَى النَّاسَ عَنِ النِّيَاحَةِ أَنْ يُنْدَبَ الرَّجُلُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: ثُمَّ أَتْبَعَهَا وَاللَّهِ بِأُخْرَى بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَتْبَعَ الدَّمْعَةَ الْأُولَى بِدَمْعَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: أَتْبَعِ الْكَلِمَةَ الْأُولَى الْمُجْمَلَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى مُفَصَّلَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُرْسَلِ مَكْحُولٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ إِلَخْ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي آخِرِهِ: لَوْلَا أَنَّهُ أَمْرُ حَقٍّ وَوَعْدُ صِدْقٍ وَسَبِيلٌ نَأْتِيهِ، وَأنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ بِأَوَّلِنَا، لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا. وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ وَمُرْسَلِ مَكْحُولٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَفَصْلُ رَضَاعِهِ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي آخِرِ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: وَقَالَ: إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ. وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَذِكْرُ الرَّضَاعِ وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ، فَلَفْظُهُ: قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ يُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ: إِنَّ لِإِبْرَاهِيمَ لَمُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ.
(فَائِدَةٌ فِي وَقْتِ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ مَاتَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ الْبُكَاءَ الْمُبَاحَ وَالْحُزْنَ الْجَائِزَ، وَهُوَ مَا كَانَ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَهُوَ أَبْيَنُ شَيْءٍ وَقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَقْبِيلِ الْوَلَدِ وَشَمِّهِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الرَّضَاعِ، وَعِيَادَةِ الصَّغِيرِ، وَالْحُضُورِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ، وَرَحْمَةِ الْعِيَالِ، وَجَوَازِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْحُزْنِ وَإِنْ كَانَ الْكِتْمَانُ أَوْلَى، وَفِيهِ وُقُوعُ الْخِطَابِ لِلْغَيْرِ وَإِرَادَةُ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَدَهُ مَعَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا صِغَرُهُ، وَالثَّانِي نِزَاعُهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غَيْرَهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَهْيِهِ السَّابِقِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِعْلُهُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ وَشَمِّهِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الجَرَويُّ، بفتح الجيم والرَّاء نسبةً إلى جَرْوة؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء: قريةٌ من قرى تِنِّيس، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضمِّ القاف وبالشِّين المعجمة (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والمثنَّاة التحتيَّة، العِجليُّ -بكسر العين- البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ) بفتح السِّين، و «القَيْن» بالقاف وسكون التَّحتيَّة وآخره نونٌ، صفةٌ له، أي: الحدَّاد، واسمه: البراء بن أوسٍ الأنصاريُّ (وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر الظَّاء المعجمة وسكون الهمزة، أي: زوج المرضعة (لإِبْرَاهِيمَ) ابن النَّبيِّ ﷺ بلبنه (١)، والمرضعة: زوجته أمُّ سيف هي أمُّ بردة، واسمها: خولة بنت المنذر الأنصاريَّة النَّجاريِّة (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ) فيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه (٢)، وليس فيه دليلٌ على فعل ذلك بالميِّت؛ لأنَّ هذه إنَّما وقعت قبل موت إبراهيم ﵊، نعم؛ روى أبو داود وغيره: أنَّه ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وروى البخاريُّ: أنَّ أبا بكرٍ ﵁، قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعد موته [خ¦٣٦٦٧] فلأصدقائه وأقاربه تقبيلُه (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيفٍ (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) يخرجها ويدفعها؛ كما يدفع الإنسان ماله يجود به (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرِّاء وبالفاء، أي: يجري دمعهما (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ ﷺ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ (٣)) بواو العطف
على محذوفٍ، تقديره (١): النَّاس لا يصبرون عند المصائب ويتفجَّعون، وأنت (يَا رَسُولَ اللهِ) تفعل كفعلهم مع حثِّك على الصَّبر، ونهيك عن الجزع؟! فأجابه ﵊ (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا) أي: الحالة الَّتي شاهدتها منِّي (رَحْمَةٌ) ورقَّةٌ وشفقةٌ على الولد، تنبعث عن التَّأمُّل فيما هو عليه، وليست بجزعٍ وقلَّة صبرٍ كما توهَّمت (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) ﵊ (بِأُخْرَى) أي: أتبع الدَّمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي (٢) قوله: «إنَّها رحمةٌ» بكلمةٍ أخرى مفصَّلةٍ (فَقَالَ) النَّبيُّ (٣) (ﷺ: إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَُ) بالنَّصب والرَّفع (يَحْزَنُ) لرقَّته من غير سخطٍ لقضاء الله، وفيه جواز الإخبار عن الحزن وإن كان كتمه أَولى، وجواز البكاء على الميِّت قبل موته، نعم يجوز بعده؛ لأنَّه ﷺ بكى على قبر بنتٍ له، رواه البخاريُّ [خ¦١٢٨٥] وزار قبر أمِّه فبكى، وأبكى مَن حوله، رواه مسلمٌ، ولكنَّه قبل الموت أَولى بالجواز؛ لأنَّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأَولى، كذا نقله (٤) في «المجموع» عن الجمهور، لكنَّه (٥) نقل في «الأذكار» عن الشَّافعيِّ والأصحاب: أنَّه مكروهٌ؛ لحديث: «فإذا وجبت فلا تبكيَنَّ باكيةٌ» قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، رواه الشَّافعيُّ وغيره بأسانيد صحيحةٍ، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يُقال: إن كان البكاء لرقَّةٍ على الميِّت وما يُخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة فلا يُكْرَه، ولا يكون خلاف الأَولى، وإن كان للجزع وعدم التَّسليم للقضاء فيُكرَه، أو يَحْرُم، وهذا كلُّه في البكاء بصوتٍ، أمَّا مجرَّد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعَين فلا منع منه، كما قال ﵊: (وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ -يَا إِبْرَاهِيمُ- لَمَحْزُونُونَ) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أنَّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يُكَلَّف الانكفاف عنه، وكأنَّ الجارحة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) أَيْ هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمُبَشَّرُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ أَثَرِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ مُسْتَوْفًى فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ)؛ أَيِ ابْنُ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (الْعِدْلَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ الْمِثْلَانِ، وَقَوْلُهُ: (الْعِلَاوَةُ) بِكَسْرِهَا أَيْضًا؛ أَيْ مَا يُعَلَّقُ عَلَى الْبَعِيرِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَمْلِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَزَادَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعْمَ الْعِدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ نِعْمَ الْعِلَاوَةُ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَظَهَرَ بِهَذَا مُرَادُ عُمَرَ بِالْعِدْلَيْنِ وَبِالْعِلَاوَةِ، وَأَنَّ الْعِدْلَيْنِ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ، وَالْعِلَاوَةُ الِاهْتِدَاءُ. وَيُؤَيِّدُهُ وُقُوعُهُمَا بَعْدَ عَلَى الْمُشْعِرَةُ بِالْفَوْقِيَّةِ، الْمُشْعِرَةُ بِالْحَمْلِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - الْمُهْتَدُونَ، قَالَ: فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَاسْتَرْجَعَ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالرَّحْمَةُ، وَتَحْقِيقُ سُبُلِ الْهُدَى. فَأَغْنَى هَذَا عَنِ التَّكَلُّفِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُهَلَّبِ: الْعِدْلَانِ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْعِلَاوَةُ الثَّوَابُ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ قَوْلِ الْكَرْمَانِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلَيْنِ الْقَوْلُ وَجَزَاؤُهُ، أَيْ قَوْلُ الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوْعَا الثَّوَابِ، لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَبَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى، أَيْ تَفْسِيرِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا) قِيلَ: أَفْرَدَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ الصَّوْمُ، وَهُوَ مِنَ التُّرُوكِ، أَوِ الصَّبْرِ عَنِ الْمَيِّتِ تَرْكُ الْجَزَعِ، وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ، فَلِذَلِكَ ثَقُلَتْ عَلَى غَيْرِ الْخَاشِعِينَ، وَمِنْ أَسْرَارِهَا أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ لِمَا فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ، وَكُلُّهَا تُضَادُّ حُبَّ الرِّيَاسَةِ، وَعَدَمَ الِانْقِيَادِ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ، فَصَلَّى رَك عَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَيْضًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّبْرُ مَنْعُ النَّفْسِ مَحَابَّهَا، وَكَفُّهَا عَنْ هَوَاهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَنْ لَمْ يَجْزَعْ: صَابِرٌ؛ لِكَفِّهِ نَفْسَهُ. وَقِيلَ لِرَمَضَانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ؛ لِكَفِّ الصَّائِمِ نَفْسَهُ عَنِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ
١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ - هُوَ ابْنُ حَيَّانَ -، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:
يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ). سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالْأَثَرُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ تَرْكَ الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَثَبَتَ فِي قِصَّةِ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هُوَ الْجَرَوِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَرْوَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى تِنِّيسَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرَهَا، فَتَزَهَّدَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ شَيْئًا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ نَظِيرُ قَارُونَ فِي الْمَالِ، وَالْحَسَنُ الْمَذْكُورُ مِنْ طَبَقَةِ الْبُخَارِيِّ، وَمَاتَ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ، فَوَقَعَ لِلْحَسَنِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِشَيْخِهِ مِنْ رِوَايَةِ إِمَامٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ عَنْهُ، ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ، هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) هُوَ بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَبِي سَيْفٍ) قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ، وَأُمُّ سَيْفٍ زَوْجَتُهُ هِيَ أُمُّ بُرْدَةَ، وَاسْمُهَا خَوْلَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: جُمِعَ بِذَلِكَ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ تَنَافَسَتْ فِيهِ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ أَيَّتُهُنَّ تُرْضِعُهُ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْجَعْدِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ أَيْضًا، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ فِي بَنِي النَّجَّارِ. انْتَهَى. وَمَا جُمِعَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ أَوْسٍ يُكَنَّى أَبَا سَيْفٍ، وَلَا أَنَّ أَبَا سَيْفٍ يُسَمَّى الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ.
قَوْلُهُ: (الْقَيْنُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ الْحَدَّادُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ صَانِعٍ، يُقَالُ: قَإنَ الشَّيْءُ إِذَا أَصْلَحَهُ.
قَوْلُهُ: (ظِئْرًا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَهْمُوزَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ، أَيْ مُرْضِعًا، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ زَوْجَ الْمُرْضِعَةِ، وَأَصْلُ الظِّئْرِ مِنْ ظَأَرَتِ النَّاقَةُ إِذَا عَطَفَتْ عَلَى غَيْرِ وَلَدِهَا، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلَّتِي تُرْضِعُ غَيْرَ وَلَدِهَا، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي تَرْبِيَتِهِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (لِإِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ بَعْدَ هَذَا، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِهِ: وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبَعَتْهُ، فَانْتَهَى إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، وَقَدِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ، أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا
كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، وَإِنَّهُ لَيُدَخِّنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا.
قَوْلُهُ: (وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أَيْ يُخْرِجُهَا وَيَدْفَعُهَا كَمَا يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ مَالَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ: يَكِيدُ. قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: أَيْ يَسُوقُ بِهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: يُقَارِبُ بِهَا الْمَوْتَ. وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سِرَاجٍ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الْكَيْدِ، وَهُوَ الْقَيْءُ، يُقَالُ مِنْهُ: كَادَ يَكِيدُ، شَبَّهَ تَقَلُّعَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَذْرِفَانِ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ أَيْ يَجْرِي دَمْعُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ. فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَالْوَاوُ تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أَيِ: النَّاسُ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى الْمُصِيبَةِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ كَفِعْلِهِمْ؟ كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ لِذَلِكَ مِنْهُ مَعَ عَهْدِهِ مِنْهُ أَنَّهُ يَحُثُّ عَلَى الصَّبْرِ وَيَنْهَى عَنِ الْجَزَعِ، فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ أَيِ الْحَالَةُ الَّتِي شَاهَدْتَهَا مِنِّي هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ عَلَى الْوَلَدِ لَا مَا تَوَهَّمْتَ مِنَ الْجَزَعِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ وَزَادَ فِيهِ: إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا رَحْمَةٌ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ. وَفِي رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ: إِنَّمَا أَنْهَى النَّاسَ عَنِ النِّيَاحَةِ أَنْ يُنْدَبَ الرَّجُلُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: ثُمَّ أَتْبَعَهَا وَاللَّهِ بِأُخْرَى بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَتْبَعَ الدَّمْعَةَ الْأُولَى بِدَمْعَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: أَتْبَعِ الْكَلِمَةَ الْأُولَى الْمُجْمَلَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى مُفَصَّلَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُرْسَلِ مَكْحُولٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ إِلَخْ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي آخِرِهِ: لَوْلَا أَنَّهُ أَمْرُ حَقٍّ وَوَعْدُ صِدْقٍ وَسَبِيلٌ نَأْتِيهِ، وَأنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ بِأَوَّلِنَا، لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا. وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ وَمُرْسَلِ مَكْحُولٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَفَصْلُ رَضَاعِهِ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي آخِرِ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: وَقَالَ: إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ. وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَذِكْرُ الرَّضَاعِ وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ، فَلَفْظُهُ: قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ يُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ: إِنَّ لِإِبْرَاهِيمَ لَمُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ.
(فَائِدَةٌ فِي وَقْتِ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ مَاتَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ الْبُكَاءَ الْمُبَاحَ وَالْحُزْنَ الْجَائِزَ، وَهُوَ مَا كَانَ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَهُوَ أَبْيَنُ شَيْءٍ وَقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَقْبِيلِ الْوَلَدِ وَشَمِّهِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الرَّضَاعِ، وَعِيَادَةِ الصَّغِيرِ، وَالْحُضُورِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ، وَرَحْمَةِ الْعِيَالِ، وَجَوَازِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْحُزْنِ وَإِنْ كَانَ الْكِتْمَانُ أَوْلَى، وَفِيهِ وُقُوعُ الْخِطَابِ لِلْغَيْرِ وَإِرَادَةُ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَدَهُ مَعَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا صِغَرُهُ، وَالثَّانِي نِزَاعُهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غَيْرَهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَهْيِهِ السَّابِقِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِعْلُهُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ وَشَمِّهِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الجَرَويُّ، بفتح الجيم والرَّاء نسبةً إلى جَرْوة؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء: قريةٌ من قرى تِنِّيس، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضمِّ القاف وبالشِّين المعجمة (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والمثنَّاة التحتيَّة، العِجليُّ -بكسر العين- البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ) بفتح السِّين، و «القَيْن» بالقاف وسكون التَّحتيَّة وآخره نونٌ، صفةٌ له، أي: الحدَّاد، واسمه: البراء بن أوسٍ الأنصاريُّ (وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر الظَّاء المعجمة وسكون الهمزة، أي: زوج المرضعة (لإِبْرَاهِيمَ) ابن النَّبيِّ ﷺ بلبنه (١)، والمرضعة: زوجته أمُّ سيف هي أمُّ بردة، واسمها: خولة بنت المنذر الأنصاريَّة النَّجاريِّة (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ) فيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه (٢)، وليس فيه دليلٌ على فعل ذلك بالميِّت؛ لأنَّ هذه إنَّما وقعت قبل موت إبراهيم ﵊، نعم؛ روى أبو داود وغيره: أنَّه ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وروى البخاريُّ: أنَّ أبا بكرٍ ﵁، قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعد موته [خ¦٣٦٦٧] فلأصدقائه وأقاربه تقبيلُه (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيفٍ (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) يخرجها ويدفعها؛ كما يدفع الإنسان ماله يجود به (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرِّاء وبالفاء، أي: يجري دمعهما (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ ﷺ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ (٣)) بواو العطف
على محذوفٍ، تقديره (١): النَّاس لا يصبرون عند المصائب ويتفجَّعون، وأنت (يَا رَسُولَ اللهِ) تفعل كفعلهم مع حثِّك على الصَّبر، ونهيك عن الجزع؟! فأجابه ﵊ (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا) أي: الحالة الَّتي شاهدتها منِّي (رَحْمَةٌ) ورقَّةٌ وشفقةٌ على الولد، تنبعث عن التَّأمُّل فيما هو عليه، وليست بجزعٍ وقلَّة صبرٍ كما توهَّمت (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) ﵊ (بِأُخْرَى) أي: أتبع الدَّمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي (٢) قوله: «إنَّها رحمةٌ» بكلمةٍ أخرى مفصَّلةٍ (فَقَالَ) النَّبيُّ (٣) (ﷺ: إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَُ) بالنَّصب والرَّفع (يَحْزَنُ) لرقَّته من غير سخطٍ لقضاء الله، وفيه جواز الإخبار عن الحزن وإن كان كتمه أَولى، وجواز البكاء على الميِّت قبل موته، نعم يجوز بعده؛ لأنَّه ﷺ بكى على قبر بنتٍ له، رواه البخاريُّ [خ¦١٢٨٥] وزار قبر أمِّه فبكى، وأبكى مَن حوله، رواه مسلمٌ، ولكنَّه قبل الموت أَولى بالجواز؛ لأنَّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأَولى، كذا نقله (٤) في «المجموع» عن الجمهور، لكنَّه (٥) نقل في «الأذكار» عن الشَّافعيِّ والأصحاب: أنَّه مكروهٌ؛ لحديث: «فإذا وجبت فلا تبكيَنَّ باكيةٌ» قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، رواه الشَّافعيُّ وغيره بأسانيد صحيحةٍ، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يُقال: إن كان البكاء لرقَّةٍ على الميِّت وما يُخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة فلا يُكْرَه، ولا يكون خلاف الأَولى، وإن كان للجزع وعدم التَّسليم للقضاء فيُكرَه، أو يَحْرُم، وهذا كلُّه في البكاء بصوتٍ، أمَّا مجرَّد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعَين فلا منع منه، كما قال ﵊: (وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ -يَا إِبْرَاهِيمُ- لَمَحْزُونُونَ) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أنَّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يُكَلَّف الانكفاف عنه، وكأنَّ الجارحة