الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٠٧
الحديث رقم ١٣٠٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القيام للجنازة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٨٥⦘
رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ.
١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِأَبِي مُوسَى مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَأُمِّ مُعَاذٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَارِمٍ، لَكِنْ لَفْظُهُ: أَوْ أُمُّ مُعَاذٍ بِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: فَمَا وَفَتْ غَيْرُ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَامْرَأَةِ مُعَاذِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ. كَذَا فِيهِ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الصَّحِيحِ: امْرَأَةُ مُعَاذٍ، وَبِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ.
وَلَعَلَّ بِنْتَ أَبِي سَبْرَةَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أُمُّ مُعَاذٍ مَحْفُوظَةً، فَلَعَلَّهَا أُمُّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ الْجُهَنِيَّةُ، ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا، وَعُرِفَ بِمَجْمُوعِ هَذا النِّسْوَةِ الْخَمْسِ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَأُمُّ عَمْرٍو وَهِنْدٌ - إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةً - وَإِلَّا فَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْخَامِسَةَ هِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ. ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِلَفْظِ: فَمَا وَفَتْ غَيْرِي، وَغَيْرِ أُمِّ سُلَيْمٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا. ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يَرُدُّهُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُخِذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنُوحَ. الْحَدِيثَ. فَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ لَمْ تَزَلِ النِّسَاءُ بِهَا حَتَّى قَامَتْ مَعَهُنَّ، فَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا لِذَلِكَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهَا تَرَكَتْ عَدَّ نَفْسِهَا مِنْ يَوْمِ الْحَرَّةِ. قُلْتُ: يَوْمُ الْحَرَّةِ قُتِلَ فِيهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ الشَّرِيفَةُ، وَبُذِلَ فِيهَا السَّيْفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مِصْدَاقُ مَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ.
وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ النِّسْوَةُ إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ النِّيَاحَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ غَيْرُ خَمْسَةٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٦ - بَاب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ
١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ.
[الحديث ١٣٠٧ - طرفه في: ١٣٠٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ) أَيْ إِذَا مَرَّتْ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهَا، وَأَمَّا قِيَامُ مَنْ كَانَ مَعَهَا إِلَى أَنْ تُوضَعَ بِالْأَرْضِ فَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ. وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، بَعْدَهَا فَاءٌ؛ أَيْ تَتْرُكَكُمْ وَرَاءَهَا، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمُرَادَ حَامِلُهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هَذَا السِّيَاقُ لَفْظُ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ بِهِ عَلَى السِّيَاقَيْنِ، فَقَالَ مَرَّةً: عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ. وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ. وَالْمُرَادُ مِنَ السِّيَاقَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ: (زَادَ الْحُمَيْدِيُّ) يَعْنِي عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُوصوَلًا فِي مُسْنَدِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَثَلَاثَةٍ مَعَهُ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بِالزِّيَادَةِ إِلَّا أَنَّهُ فِي سِيَاقِهِمْ بِالْعَنْعَنَةِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ فِي نَسَقٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) صاحب الهجرتين (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا) سواءٌ كانت (١) لمسلمٍ أو ذمِّيٍّ؛ إعظامًا للَّذي يقبض الأرواح (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة، أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز؛ لأنَّ المراد: حاملها (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وذكر هذه الطَّريق لبيان أنَّ الأولى بالعنعنة، وهذه بلفظ الإخبار؛ ليفيد التَّقوية.
(زَادَ الحُمَيْدِيُّ) أبو بكر (٢) عبد الله المكِّيُّ، عن سفيان بن عيينة، ممَّا هو موصولٌ في «مسنده»، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) والزَّائد لفظ: «أو توضع» فقط (٣)، وفيه أنَّه ينبغي لمن رأى الجنازة أن يقلق من أجلها، ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال، وقد اختُلف في القيام للجنازة: فذهب الإمام (٤) الشَّافعيُّ إلى أنَّه غير واجبٍ، فقال -كما نقله البيهقيُّ في «سننه» -: هذا إمَّا أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلَّةٍ، وأيُّهما كان فقد ثبت أنَّه تركه بعد فعله، والحجَّة في الآخرِ مِن أمره: إن كان الأوَّل واجبًا فالآخر من أمره ناسخٌ، وإن كان مُستحبًّا (٥) فالآخر هو المستحبُّ، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام، والقعودُ أحبُّ إليَّ. انتهى. وأشار بالتَّرك إلى حديث عليٍّ عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قام للجنازة ثمَّ قعد، قال البيضاويُّ فيما نقله عنه صاحب «شرح المشكاة»: يحتمل قول (٦) عليٍّ: «ثمَّ قعد» أي: بعد أن جازت به، وبَعُدت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقتٍ، ثمَّ ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينةً في أنَّ المراد
بالأمر الوارد في ذلك للنَّدب (١)، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأوَّل أرجح لأنَّ احتمال المجاز أَولى من دعوى النَّسخ. انتهى. قال في «الفتح»: والاحتمال الأوَّل يدفعه ما رواه البيهقيُّ في حديث عليٍّ (٢): أنَّه أشار إلى قومٍ قاموا أَنْ يجلسوا، ثمَّ حدَّثهم بالحديث، ومنْ ثمَّ قال بكراهة القيام جماعةٌ منهم: سُليمٌ الرَّازيُّ وغيره من الشَّافعيَّة. انتهى. وبالكراهة صرَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة»، لكن قال المتولِّي بالاستحباب، قال في «المجموع»: وهو المختار، فقد صحَّت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود شيءٌ إلَّا حديث عليٍّ، وليس صريحًا في النَّسخ لاحتمال أنَّ القعود فيه لبيان الجواز، وذكر مثله في «شرح مسلمٍ»، وفي روايةٍ للبيهقيِّ (٣): إنَّ عليًّا رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أن تُوضع، فأشار إليهم بدرَّةٍ معه أو سَوطٍ: أَنِ اجلسوا، فإنَّ رسول الله ﷺ قد جلس بعدما كان يقوم، قال الأذرعيُّ: وفيما اختاره النَّوويُّ من استحباب القيام نظرٌ؛ لأنَّ الَّذي فهمه عليٌّ ﵁ التَّرك مطلقًا، وهو الظَّاهر؛ ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتجَّ بالحديث. انتهى. وكذا ذهب إلى النَّسخ عروة بن الزُّبير، وسعيد بن المسيَّب، وعلقمة، والأسود، وأبو حنيفة، ومالكٌ، وأبو يوسف، ومحمَّدٌ.
وفي حديث الباب رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيٍّ عن صحابيٍّ في نسقٍ، وفيه: أنَّ سفيان والحميديَّ مكِّيَّان، والزُّهريَّ وسالمًا: مدنيَّان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٤٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ؟) سقطت التَّرجمة والباب عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٤)، كما أشار إليه في «اليونينيَّة (٥)»، وقال في «الفتح»: سقطا للمُستمليْ، وثبتت التَّرجمة دون الباب لرفيقَيه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي: بَاب زَوْجَة فلَان: زَوْجَة معَاذ، قَالَت أم عَطِيَّة: أَخذ علينا فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح، فَمَا وفت منا غير خمس، فَسَمت هَذِه. قَوْله: (وَامْرَأَتَانِ) ، ويروى: (وَامْرَأَتَيْنِ) ، وَذَلِكَ بِحَسب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ أَن قَوْله: (أم سليم) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَنه خبر مُبْتَدأ الرّفْع على مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهَا أم سليم، وَالْآخر الْجَرّ على أَنه بدل من خمس نسْوَة، وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ فِي أم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة. وَقَوله: (وَامْرَأَتَيْنِ) تَكْمِلَة الْخمس النسْوَة، وَهِي: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَتَانِ. قَوْله: (أَو ابْنة أبي سُبْرَة) إِلَى آخِره، شكّ من الرَّاوِي، فعلى القَوْل الأول تكون بنت أبي سُبْرَة امْرَأَة معَاذ بن جبل، وعَلى القَوْل الثَّانِي تكون غَيرهَا، لِأَنَّهُ عطف على ابْنة أبي سُبْرَة، بقوله: (وَامْرَأَة معَاذ) ، وعَلى هَذَا الْخمس هِيَ: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَة معَاذ وَامْرَأَة أُخْرَى. وَلَقَد خلط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بِالنَّقْلِ من مَوَاضِع كَثِيرَة غير الصِّحَاح وَتكلم بالتخمين والحسبان، وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَالله أعلم، وَقَالَ النَّوَوِيّ قَوْلهَا: (فَمَا وفت منا امْرَأَة) إلَاّ خمس، مَعْنَاهُ: لم يَفِ مِمَّن بَايع مَعَ أم عَطِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي بَايَعت فِيهِ من النسْوَة، لَا أَنه لم يتْرك النِّيَاحَة من المسلمات غير خمس.
وَقَالَ: فِيهِ: تَحْرِيم النوح وَعظم قبحه والاهتمام بإنكاره والزجر عَنهُ لِأَنَّهُ مهيج للحزن ودافع للصبر. وَفِيه: مُخَالفَة للتسليم للْقَضَاء والإذعان لأمر الله تَعَالَى.
٦٤ - (بابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقيام للجنازة إِذا مرت بِهِ وَلم يكن مَعهَا، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى الحكم لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٠٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَامِرِ بنِ أبِي رَبِيعَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا رَأيْتُمْ الجِنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ أبِيهِ. قَالَ أخبرنَا عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَادَ الحُمَيْدِيُّ حَتَّى تخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ.
(الحَدِيث ٧٠٣١ طرفه فِي: ٨٠٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر. السَّادِس: عَامر بن ربيعَة، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الهجرتين، مر فِي كتاب تَقْصِير الصَّلَاة. السَّابِع: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم: واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سُفْيَان والْحميدِي مكيان وَالزهْرِيّ وَسَالم مدنيان. وَفِيه: أَن الْحميدِي أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَابْن نمير، جَمِيعهم عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب وَعَن أبي كَامِل الجحدري عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن يَعْقُوب بن أبراهيم عَن ابْن علية وَعَن أبي مُوسَى عَن ابْن أبي عدي وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمج عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع إِلَى آخِره. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من خمس طرق صِحَاح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى تخلفكم) بِضَم التَّاء وَتَشْديد اللَّام أَي: تتجاوزكم وتجعلكم خلفهَا، وَلَيْسَ المُرَاد التَّخْصِيص بِكَوْن الْجِنَازَة تتقدم، بل المُرَاد مفارقتها سَوَاء تخلف الْقَائِم لَهَا وَرَاءَهَا أَو خلفهَا الْقَائِم وَرَاءه وَتقدم، وَهُوَ من قَوْلك: خلفت فلَانا ورائي فَتخلف عني أَي: تَأَخّر، وَهُوَ بتَشْديد اللَّام. وَأما خلفت بتَخْفِيف اللَّام فَمَعْنَاه: صرت خَليفَة عَنهُ، تَقول: خلفت الرجل فِي أَهله إِذا أَقمت بعده فيهم وَقمت عَنهُ بِمَا كَانَ يَفْعَله، وَخلف الله لَك بِخَير وأخلف عَلَيْك خيرا أَي: أبدلك بِمَا ذهب مِنْك وعوضك عَنهُ، وَالْخلف، بتحريك اللَّام والسكون: كل من يَجِيء بعد من مضى، إلَاّ أَن بِالتَّحْرِيكِ فِي الْخَيْر، وبالتسكين فِي الشَّرّ. يُقَال: خلف صدق وَخلف سوء. قَالَ الله تَعَالَى: {فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة} (مَرْيَم: ٩٥) . ثمَّ إِسْنَاد التخليف إِلَى الْجِنَازَة على سَبِيل الْمجَاز لِأَن المُرَاد حاملها: قَوْله: (زَاد الْحميدِي) ، يَعْنِي: عَن سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقد رَوَاهُ الْحميدِي مَوْصُولا فِي (مُسْنده) . قَوْله: (أَو تُوضَع) ، هَذَا رُوِيَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة. فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم أَو تُوضَع) أَي: أَو تُوضَع الْجِنَازَة من أَعْنَاق الرِّجَال على الأَرْض، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (حَتَّى تخلفه أَو تُوضَع) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم) ، فَقَط وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (حَتَّى تُوضَع أَو تخلفكم) ، وَقَالَ عِيَاض: وَفِي لفظ: (حَتَّى تخلف أَو تُوضَع) . ثمَّ هَل المُرَاد بِالْوَضْعِ الْوَضع على الأَرْض أَو وَضعهَا فِي اللَّحْد؟ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَات، فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عقيب حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا، فَمن تبعها فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . روى هَذَا الحَدِيث الثَّوْريّ عَن سهل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ فِيهِ: (حَتَّى تُوضَع بِالْأَرْضِ) . وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَن سُهَيْل، قَالَ: (حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد) . قَالَ أَبُو دَاوُد: وسُفْيَان أحفظ من أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله من حَدِيث عُثْمَان. أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبان بن عُثْمَان أَنه: مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا، وَقَالَ: إِن عُثْمَان مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا: وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا. وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار أَيْضا. وَمن حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور آنِفا، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم على جَنَازَة وَلم يمش مَعهَا فَليقمْ حَتَّى تغيب عَنهُ، فَإِن مَشى مَعهَا فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . أخرجه الطَّحَاوِيّ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مر على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَقَامَ، وَقَالَ: قومُوا فَإِن للْمَوْت فَزعًا) . وَمن حَدِيث يزِيد بن ثَابت: (أَنهم كَانُوا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فطلعت جَنَازَة، فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَامَ من مَعَه، فَلم يزَالُوا قيَاما حَتَّى بَعدت) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَمن حَدِيث عبد الله بن سَخْبَرَة: (أَن أَبَا مُوسَى أخْبرهُم أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مرت بِهِ جَنَازَة قَامَ حَتَّى تجاوزه) ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقوم على أَن الْجِنَازَة إِذا مرت بِأحد يقوم لَهَا وهم: الْمسور ابْن مخرمَة وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَيْمُون. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : جَاءَت آثَار صِحَاح ثَابِتَة توجب الْقيام للجنازة، وَقَالَ بهَا جمَاعَة من السّلف وَالْخلف، ورأوها غير مَنْسُوخَة، وَقَالُوا: لَا يجلس من اتبع الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع عَن أَعْنَاق الرِّجَال، مِنْهُم إِسْحَاق وَالْحسن بن عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَذهب إِلَى ذَلِك الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لَيْسَ على من مرت بِهِ جَنَازَة أَن يقوم لَهَا، وَلمن تبعها أَن يجلس وَإِن لم تُوضَع. قلت: أَرَادَ بالآخرين عُرْوَة ابْن الزبير وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَالْأسود وَنَافِع وَابْن جُبَير وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَأبي إِسْحَاق،. ويروى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْنه الْحسن وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، قَالَه الْحَازِمِي، وَقَالَ عِيَاض: وَمِنْهُم من ذهب إِلَى التَّوسعَة والتخيير وَلَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَابْن حبيب وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة.
وذهبوا إِلَى أَن الْأَمر بِالْقيامِ مَنْسُوخ، وتمسكوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) : عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقوم فِي الْجِنَازَة ثمَّ جلس بعد) ، وَعند ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) (كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ثمَّ جلس بعد ذَلِك وَأمر بِالْجُلُوسِ) . قَالَ الْحَازِمِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن: حَدثنَا أَبُو بكر الطَّبَرِيّ حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة عَن سُفْيَان عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر قَالَ: مرت بِنَا جَنَازَة فَقُمْت، فَقَالَ عَليّ: من أَفْتَاك هَذَا؟ قلت: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، فَقَالَ عَليّ: مَا فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ مرّة
فَلَمَّا نسخ ذَلِك وَنهى عَنهُ) .
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَمر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، فَقيل: للْوُجُوب، وَإِن الْقيام للجنازة إِذا مرت وَاجِب وَقيل للنَّدْب والاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم. وَقيل: كَانَ وَاجِبا ثمَّ نسخ على مَا ذكرنَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ على أَنه للاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: والْحَدِيث لَيْسَ بمنسوخ وَلَا تصح دَعْوَى النّسخ فِي مثل هَذَا، لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون إِذا تعذر الْجمع بَين الْأَحَادِيث وَلم يتَعَذَّر. قلت: ورد التَّصْرِيح بالنسخ فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور، وَتكلم الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على حَدِيث عَامر بن ربيعَة باحتمالات حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والحازمي، فَقَالَ: وَهَذَا لَا يعدو أَن يكون مَنْسُوخا. وَأَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ لَهَا لعِلَّة، وَقد رَوَاهَا بعض الْمُحدثين أَنَّهَا كَانَت جَنَازَة يَهُودِيّ، فَقَامَ لَهَا كَرَاهَة أَن تطوله. قَالَ: وَأيهمَا كَانَ فقد جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَركه بعد فعله، قَالَ: وَالْحجّة فِي ذَلِك فِي الْآخِرَة من أمره إِن كَانَ الأول وَاجِبا فالآخر من أمره نَاسخ، وَإِن كَانَ الأول اسْتِحْبَابا فالآخر من أمره هُوَ الِاسْتِحْبَاب، وَإِن كَانَ مُبَاحا فَلَا بَأْس بِالْقيامِ وَالْقعُود. قَالَ: وَالْقعُود أحب إِلَيّ لِأَنَّهُ الآخر من فعله، ثمَّ الْأَمر بِالْقيامِ للجنازة فِي حَدِيث الْبَاب وَغَيره عَام فِي جَنَازَة الْمُسلم وَغَيره من أهل الْكتاب، وَقد ورد فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ التَّصْرِيح بذلك فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زياداته على الْمسند) والطَّحَاوِي من رِوَايَة لَيْث عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا مرت بكم جَنَازَة فَإِن كَانَ مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَقومُوا لَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يقوم لَهَا وَلَكِن يقوم لمن مَعهَا من الْمَلَائِكَة) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: فِي حَدِيث أبي مُوسَى هَذَا التَّخْصِيص بِجنَازَة الْمُسلم وَأهل الْكتاب، وَالْعلَّة الْمَذْكُورَة فِيهِ تَقْتَضِي عدم تَخْصِيصه بهم، بل بِجَمِيعِ بني آدم، وَإِن كَانُوا كفَّارًا غير أهل كتاب، لِأَن الْمَلَائِكَة مَعَ كل نفس.
وَاخْتلفت الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام بِجنَازَة الْيَهُودِيّ أَو الْيَهُودِيَّة، فَفِي حَدِيث جَابر: التَّعْلِيل، بقوله: (إِن الْمَوْت فزع) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث سهل بن حنيف وَقيس التَّعْلِيل بِكَوْنِهَا نفسا، وحديثهما أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَفِي حَدِيث أنس: (إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن جَنَازَة مرت برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ، فَقيل: إِنَّهَا جَنَازَة يَهُودِيّ ... فَقَالَ: إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَفِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِنَّمَا يقومُونَ إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة ربيعَة بن سيف المغافري عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجبلي (عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: سَأَلَ رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله، تمر بِنَا جَنَازَة الْكَافِر أفنقوم لَهَا؟ قَالَ: نعم، فَقومُوا لَهَا فَإِنَّكُم لَسْتُم تقومون لَهَا، إِنَّمَا تقومون إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) . وَفِي حَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كره أَن تعلو رَأسه، أخرجه النَّسَائِيّ (فَقَالَ الْحسن: مر بِجنَازَة يَهُودِيّ وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طريقها جَالِسا، فكره أَن تعلو رَأسه جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) . وَفِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن وَابْن عَبَّاس، أَو عَن أَحدهمَا. (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرت بِهِ جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) وَقَالَ: آذَانِي (نتنها) ويروي آذَانِي (رِيحهَا) .
(بَاب مَتى يقْعد إِذا قَامَ للجنازة) ٢.
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى يقْعد الرجل إِذا قَامَ لجنازة مرت بِهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي ذكر هَذَا الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة وَثبتت التَّرْجَمَة دون ذكر الْبَاب فِي رِوَايَة غَيره.
حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن عَامر بن ربيعَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا رأى أحدكُم جَنَازَة فَإِن لم يكن مَاشِيا مَعهَا فَليقمْ حَتَّى يخلفها أَو تخلفه أَو تُوضَع من قبل أَن تخلفه.
مطابقته للتَّرْجَمَة على تَقْدِير وجودهَا تَأْخُذ من قَوْله (أَو تُوضَع) فَإِنَّهَا إِذا وضعت يقْعد وَهَذَا زمَان الْقعُود وعَلى تَقْدِير عدم التَّرْجَمَة يكون الحَدِيث دَاخِلا فِي حكم الْبَاب السَّابِق، لِأَن الْمَذْكُور فيهمَا عَن عَامر بن ربيعَة. قَوْله: (حَتَّى يخلفها
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِأَبِي مُوسَى مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَأُمِّ مُعَاذٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَارِمٍ، لَكِنْ لَفْظُهُ: أَوْ أُمُّ مُعَاذٍ بِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: فَمَا وَفَتْ غَيْرُ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَامْرَأَةِ مُعَاذِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ. كَذَا فِيهِ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الصَّحِيحِ: امْرَأَةُ مُعَاذٍ، وَبِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ.
وَلَعَلَّ بِنْتَ أَبِي سَبْرَةَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أُمُّ مُعَاذٍ مَحْفُوظَةً، فَلَعَلَّهَا أُمُّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ الْجُهَنِيَّةُ، ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا، وَعُرِفَ بِمَجْمُوعِ هَذا النِّسْوَةِ الْخَمْسِ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَأُمُّ عَمْرٍو وَهِنْدٌ - إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةً - وَإِلَّا فَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْخَامِسَةَ هِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ. ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِلَفْظِ: فَمَا وَفَتْ غَيْرِي، وَغَيْرِ أُمِّ سُلَيْمٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا. ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يَرُدُّهُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُخِذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنُوحَ. الْحَدِيثَ. فَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ لَمْ تَزَلِ النِّسَاءُ بِهَا حَتَّى قَامَتْ مَعَهُنَّ، فَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا لِذَلِكَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهَا تَرَكَتْ عَدَّ نَفْسِهَا مِنْ يَوْمِ الْحَرَّةِ. قُلْتُ: يَوْمُ الْحَرَّةِ قُتِلَ فِيهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ الشَّرِيفَةُ، وَبُذِلَ فِيهَا السَّيْفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مِصْدَاقُ مَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ.
وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ النِّسْوَةُ إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ النِّيَاحَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ غَيْرُ خَمْسَةٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٦ - بَاب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ
١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ.
[الحديث ١٣٠٧ - طرفه في: ١٣٠٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ) أَيْ إِذَا مَرَّتْ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهَا، وَأَمَّا قِيَامُ مَنْ كَانَ مَعَهَا إِلَى أَنْ تُوضَعَ بِالْأَرْضِ فَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ. وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، بَعْدَهَا فَاءٌ؛ أَيْ تَتْرُكَكُمْ وَرَاءَهَا، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمُرَادَ حَامِلُهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هَذَا السِّيَاقُ لَفْظُ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ بِهِ عَلَى السِّيَاقَيْنِ، فَقَالَ مَرَّةً: عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ. وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ. وَالْمُرَادُ مِنَ السِّيَاقَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ: (زَادَ الْحُمَيْدِيُّ) يَعْنِي عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُوصوَلًا فِي مُسْنَدِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَثَلَاثَةٍ مَعَهُ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بِالزِّيَادَةِ إِلَّا أَنَّهُ فِي سِيَاقِهِمْ بِالْعَنْعَنَةِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ فِي نَسَقٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) صاحب الهجرتين (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا) سواءٌ كانت (١) لمسلمٍ أو ذمِّيٍّ؛ إعظامًا للَّذي يقبض الأرواح (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة، أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز؛ لأنَّ المراد: حاملها (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وذكر هذه الطَّريق لبيان أنَّ الأولى بالعنعنة، وهذه بلفظ الإخبار؛ ليفيد التَّقوية.
(زَادَ الحُمَيْدِيُّ) أبو بكر (٢) عبد الله المكِّيُّ، عن سفيان بن عيينة، ممَّا هو موصولٌ في «مسنده»، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) والزَّائد لفظ: «أو توضع» فقط (٣)، وفيه أنَّه ينبغي لمن رأى الجنازة أن يقلق من أجلها، ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال، وقد اختُلف في القيام للجنازة: فذهب الإمام (٤) الشَّافعيُّ إلى أنَّه غير واجبٍ، فقال -كما نقله البيهقيُّ في «سننه» -: هذا إمَّا أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلَّةٍ، وأيُّهما كان فقد ثبت أنَّه تركه بعد فعله، والحجَّة في الآخرِ مِن أمره: إن كان الأوَّل واجبًا فالآخر من أمره ناسخٌ، وإن كان مُستحبًّا (٥) فالآخر هو المستحبُّ، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام، والقعودُ أحبُّ إليَّ. انتهى. وأشار بالتَّرك إلى حديث عليٍّ عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قام للجنازة ثمَّ قعد، قال البيضاويُّ فيما نقله عنه صاحب «شرح المشكاة»: يحتمل قول (٦) عليٍّ: «ثمَّ قعد» أي: بعد أن جازت به، وبَعُدت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقتٍ، ثمَّ ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينةً في أنَّ المراد
بالأمر الوارد في ذلك للنَّدب (١)، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأوَّل أرجح لأنَّ احتمال المجاز أَولى من دعوى النَّسخ. انتهى. قال في «الفتح»: والاحتمال الأوَّل يدفعه ما رواه البيهقيُّ في حديث عليٍّ (٢): أنَّه أشار إلى قومٍ قاموا أَنْ يجلسوا، ثمَّ حدَّثهم بالحديث، ومنْ ثمَّ قال بكراهة القيام جماعةٌ منهم: سُليمٌ الرَّازيُّ وغيره من الشَّافعيَّة. انتهى. وبالكراهة صرَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة»، لكن قال المتولِّي بالاستحباب، قال في «المجموع»: وهو المختار، فقد صحَّت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود شيءٌ إلَّا حديث عليٍّ، وليس صريحًا في النَّسخ لاحتمال أنَّ القعود فيه لبيان الجواز، وذكر مثله في «شرح مسلمٍ»، وفي روايةٍ للبيهقيِّ (٣): إنَّ عليًّا رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أن تُوضع، فأشار إليهم بدرَّةٍ معه أو سَوطٍ: أَنِ اجلسوا، فإنَّ رسول الله ﷺ قد جلس بعدما كان يقوم، قال الأذرعيُّ: وفيما اختاره النَّوويُّ من استحباب القيام نظرٌ؛ لأنَّ الَّذي فهمه عليٌّ ﵁ التَّرك مطلقًا، وهو الظَّاهر؛ ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتجَّ بالحديث. انتهى. وكذا ذهب إلى النَّسخ عروة بن الزُّبير، وسعيد بن المسيَّب، وعلقمة، والأسود، وأبو حنيفة، ومالكٌ، وأبو يوسف، ومحمَّدٌ.
وفي حديث الباب رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيٍّ عن صحابيٍّ في نسقٍ، وفيه: أنَّ سفيان والحميديَّ مكِّيَّان، والزُّهريَّ وسالمًا: مدنيَّان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٤٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ؟) سقطت التَّرجمة والباب عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٤)، كما أشار إليه في «اليونينيَّة (٥)»، وقال في «الفتح»: سقطا للمُستمليْ، وثبتت التَّرجمة دون الباب لرفيقَيه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي: بَاب زَوْجَة فلَان: زَوْجَة معَاذ، قَالَت أم عَطِيَّة: أَخذ علينا فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح، فَمَا وفت منا غير خمس، فَسَمت هَذِه. قَوْله: (وَامْرَأَتَانِ) ، ويروى: (وَامْرَأَتَيْنِ) ، وَذَلِكَ بِحَسب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ أَن قَوْله: (أم سليم) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَنه خبر مُبْتَدأ الرّفْع على مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهَا أم سليم، وَالْآخر الْجَرّ على أَنه بدل من خمس نسْوَة، وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ فِي أم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة. وَقَوله: (وَامْرَأَتَيْنِ) تَكْمِلَة الْخمس النسْوَة، وَهِي: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَتَانِ. قَوْله: (أَو ابْنة أبي سُبْرَة) إِلَى آخِره، شكّ من الرَّاوِي، فعلى القَوْل الأول تكون بنت أبي سُبْرَة امْرَأَة معَاذ بن جبل، وعَلى القَوْل الثَّانِي تكون غَيرهَا، لِأَنَّهُ عطف على ابْنة أبي سُبْرَة، بقوله: (وَامْرَأَة معَاذ) ، وعَلى هَذَا الْخمس هِيَ: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَة معَاذ وَامْرَأَة أُخْرَى. وَلَقَد خلط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بِالنَّقْلِ من مَوَاضِع كَثِيرَة غير الصِّحَاح وَتكلم بالتخمين والحسبان، وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَالله أعلم، وَقَالَ النَّوَوِيّ قَوْلهَا: (فَمَا وفت منا امْرَأَة) إلَاّ خمس، مَعْنَاهُ: لم يَفِ مِمَّن بَايع مَعَ أم عَطِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي بَايَعت فِيهِ من النسْوَة، لَا أَنه لم يتْرك النِّيَاحَة من المسلمات غير خمس.
وَقَالَ: فِيهِ: تَحْرِيم النوح وَعظم قبحه والاهتمام بإنكاره والزجر عَنهُ لِأَنَّهُ مهيج للحزن ودافع للصبر. وَفِيه: مُخَالفَة للتسليم للْقَضَاء والإذعان لأمر الله تَعَالَى.
٦٤ - (بابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقيام للجنازة إِذا مرت بِهِ وَلم يكن مَعهَا، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى الحكم لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٠٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَامِرِ بنِ أبِي رَبِيعَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا رَأيْتُمْ الجِنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ أبِيهِ. قَالَ أخبرنَا عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَادَ الحُمَيْدِيُّ حَتَّى تخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ.
(الحَدِيث ٧٠٣١ طرفه فِي: ٨٠٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر. السَّادِس: عَامر بن ربيعَة، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الهجرتين، مر فِي كتاب تَقْصِير الصَّلَاة. السَّابِع: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم: واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سُفْيَان والْحميدِي مكيان وَالزهْرِيّ وَسَالم مدنيان. وَفِيه: أَن الْحميدِي أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَابْن نمير، جَمِيعهم عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب وَعَن أبي كَامِل الجحدري عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن يَعْقُوب بن أبراهيم عَن ابْن علية وَعَن أبي مُوسَى عَن ابْن أبي عدي وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمج عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع إِلَى آخِره. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من خمس طرق صِحَاح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى تخلفكم) بِضَم التَّاء وَتَشْديد اللَّام أَي: تتجاوزكم وتجعلكم خلفهَا، وَلَيْسَ المُرَاد التَّخْصِيص بِكَوْن الْجِنَازَة تتقدم، بل المُرَاد مفارقتها سَوَاء تخلف الْقَائِم لَهَا وَرَاءَهَا أَو خلفهَا الْقَائِم وَرَاءه وَتقدم، وَهُوَ من قَوْلك: خلفت فلَانا ورائي فَتخلف عني أَي: تَأَخّر، وَهُوَ بتَشْديد اللَّام. وَأما خلفت بتَخْفِيف اللَّام فَمَعْنَاه: صرت خَليفَة عَنهُ، تَقول: خلفت الرجل فِي أَهله إِذا أَقمت بعده فيهم وَقمت عَنهُ بِمَا كَانَ يَفْعَله، وَخلف الله لَك بِخَير وأخلف عَلَيْك خيرا أَي: أبدلك بِمَا ذهب مِنْك وعوضك عَنهُ، وَالْخلف، بتحريك اللَّام والسكون: كل من يَجِيء بعد من مضى، إلَاّ أَن بِالتَّحْرِيكِ فِي الْخَيْر، وبالتسكين فِي الشَّرّ. يُقَال: خلف صدق وَخلف سوء. قَالَ الله تَعَالَى: {فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة} (مَرْيَم: ٩٥) . ثمَّ إِسْنَاد التخليف إِلَى الْجِنَازَة على سَبِيل الْمجَاز لِأَن المُرَاد حاملها: قَوْله: (زَاد الْحميدِي) ، يَعْنِي: عَن سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقد رَوَاهُ الْحميدِي مَوْصُولا فِي (مُسْنده) . قَوْله: (أَو تُوضَع) ، هَذَا رُوِيَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة. فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم أَو تُوضَع) أَي: أَو تُوضَع الْجِنَازَة من أَعْنَاق الرِّجَال على الأَرْض، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (حَتَّى تخلفه أَو تُوضَع) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم) ، فَقَط وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (حَتَّى تُوضَع أَو تخلفكم) ، وَقَالَ عِيَاض: وَفِي لفظ: (حَتَّى تخلف أَو تُوضَع) . ثمَّ هَل المُرَاد بِالْوَضْعِ الْوَضع على الأَرْض أَو وَضعهَا فِي اللَّحْد؟ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَات، فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عقيب حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا، فَمن تبعها فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . روى هَذَا الحَدِيث الثَّوْريّ عَن سهل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ فِيهِ: (حَتَّى تُوضَع بِالْأَرْضِ) . وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَن سُهَيْل، قَالَ: (حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد) . قَالَ أَبُو دَاوُد: وسُفْيَان أحفظ من أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله من حَدِيث عُثْمَان. أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبان بن عُثْمَان أَنه: مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا، وَقَالَ: إِن عُثْمَان مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا: وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا. وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار أَيْضا. وَمن حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور آنِفا، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم على جَنَازَة وَلم يمش مَعهَا فَليقمْ حَتَّى تغيب عَنهُ، فَإِن مَشى مَعهَا فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . أخرجه الطَّحَاوِيّ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مر على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجنَازَة فَقَامَ، وَقَالَ: قومُوا فَإِن للْمَوْت فَزعًا) . وَمن حَدِيث يزِيد بن ثَابت: (أَنهم كَانُوا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فطلعت جَنَازَة، فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَامَ من مَعَه، فَلم يزَالُوا قيَاما حَتَّى بَعدت) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَمن حَدِيث عبد الله بن سَخْبَرَة: (أَن أَبَا مُوسَى أخْبرهُم أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مرت بِهِ جَنَازَة قَامَ حَتَّى تجاوزه) ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقوم على أَن الْجِنَازَة إِذا مرت بِأحد يقوم لَهَا وهم: الْمسور ابْن مخرمَة وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَيْمُون. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : جَاءَت آثَار صِحَاح ثَابِتَة توجب الْقيام للجنازة، وَقَالَ بهَا جمَاعَة من السّلف وَالْخلف، ورأوها غير مَنْسُوخَة، وَقَالُوا: لَا يجلس من اتبع الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع عَن أَعْنَاق الرِّجَال، مِنْهُم إِسْحَاق وَالْحسن بن عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَذهب إِلَى ذَلِك الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لَيْسَ على من مرت بِهِ جَنَازَة أَن يقوم لَهَا، وَلمن تبعها أَن يجلس وَإِن لم تُوضَع. قلت: أَرَادَ بالآخرين عُرْوَة ابْن الزبير وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَالْأسود وَنَافِع وَابْن جُبَير وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَأبي إِسْحَاق،. ويروى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْنه الْحسن وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، قَالَه الْحَازِمِي، وَقَالَ عِيَاض: وَمِنْهُم من ذهب إِلَى التَّوسعَة والتخيير وَلَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَابْن حبيب وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة.
وذهبوا إِلَى أَن الْأَمر بِالْقيامِ مَنْسُوخ، وتمسكوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) : عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقوم فِي الْجِنَازَة ثمَّ جلس بعد) ، وَعند ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) (كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ثمَّ جلس بعد ذَلِك وَأمر بِالْجُلُوسِ) . قَالَ الْحَازِمِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن: حَدثنَا أَبُو بكر الطَّبَرِيّ حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة عَن سُفْيَان عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر قَالَ: مرت بِنَا جَنَازَة فَقُمْت، فَقَالَ عَليّ: من أَفْتَاك هَذَا؟ قلت: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، فَقَالَ عَليّ: مَا فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ مرّة
فَلَمَّا نسخ ذَلِك وَنهى عَنهُ) .
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَمر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، فَقيل: للْوُجُوب، وَإِن الْقيام للجنازة إِذا مرت وَاجِب وَقيل للنَّدْب والاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم. وَقيل: كَانَ وَاجِبا ثمَّ نسخ على مَا ذكرنَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ على أَنه للاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: والْحَدِيث لَيْسَ بمنسوخ وَلَا تصح دَعْوَى النّسخ فِي مثل هَذَا، لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون إِذا تعذر الْجمع بَين الْأَحَادِيث وَلم يتَعَذَّر. قلت: ورد التَّصْرِيح بالنسخ فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور، وَتكلم الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على حَدِيث عَامر بن ربيعَة باحتمالات حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والحازمي، فَقَالَ: وَهَذَا لَا يعدو أَن يكون مَنْسُوخا. وَأَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ لَهَا لعِلَّة، وَقد رَوَاهَا بعض الْمُحدثين أَنَّهَا كَانَت جَنَازَة يَهُودِيّ، فَقَامَ لَهَا كَرَاهَة أَن تطوله. قَالَ: وَأيهمَا كَانَ فقد جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَركه بعد فعله، قَالَ: وَالْحجّة فِي ذَلِك فِي الْآخِرَة من أمره إِن كَانَ الأول وَاجِبا فالآخر من أمره نَاسخ، وَإِن كَانَ الأول اسْتِحْبَابا فالآخر من أمره هُوَ الِاسْتِحْبَاب، وَإِن كَانَ مُبَاحا فَلَا بَأْس بِالْقيامِ وَالْقعُود. قَالَ: وَالْقعُود أحب إِلَيّ لِأَنَّهُ الآخر من فعله، ثمَّ الْأَمر بِالْقيامِ للجنازة فِي حَدِيث الْبَاب وَغَيره عَام فِي جَنَازَة الْمُسلم وَغَيره من أهل الْكتاب، وَقد ورد فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ التَّصْرِيح بذلك فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زياداته على الْمسند) والطَّحَاوِي من رِوَايَة لَيْث عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا مرت بكم جَنَازَة فَإِن كَانَ مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَقومُوا لَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يقوم لَهَا وَلَكِن يقوم لمن مَعهَا من الْمَلَائِكَة) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: فِي حَدِيث أبي مُوسَى هَذَا التَّخْصِيص بِجنَازَة الْمُسلم وَأهل الْكتاب، وَالْعلَّة الْمَذْكُورَة فِيهِ تَقْتَضِي عدم تَخْصِيصه بهم، بل بِجَمِيعِ بني آدم، وَإِن كَانُوا كفَّارًا غير أهل كتاب، لِأَن الْمَلَائِكَة مَعَ كل نفس.
وَاخْتلفت الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام بِجنَازَة الْيَهُودِيّ أَو الْيَهُودِيَّة، فَفِي حَدِيث جَابر: التَّعْلِيل، بقوله: (إِن الْمَوْت فزع) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث سهل بن حنيف وَقيس التَّعْلِيل بِكَوْنِهَا نفسا، وحديثهما أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَفِي حَدِيث أنس: (إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن جَنَازَة مرت برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ، فَقيل: إِنَّهَا جَنَازَة يَهُودِيّ ... فَقَالَ: إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَفِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِنَّمَا يقومُونَ إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة ربيعَة بن سيف المغافري عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجبلي (عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: سَأَلَ رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله، تمر بِنَا جَنَازَة الْكَافِر أفنقوم لَهَا؟ قَالَ: نعم، فَقومُوا لَهَا فَإِنَّكُم لَسْتُم تقومون لَهَا، إِنَّمَا تقومون إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) . وَفِي حَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كره أَن تعلو رَأسه، أخرجه النَّسَائِيّ (فَقَالَ الْحسن: مر بِجنَازَة يَهُودِيّ وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طريقها جَالِسا، فكره أَن تعلو رَأسه جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) . وَفِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن وَابْن عَبَّاس، أَو عَن أَحدهمَا. (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرت بِهِ جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) وَقَالَ: آذَانِي (نتنها) ويروي آذَانِي (رِيحهَا) .
(بَاب مَتى يقْعد إِذا قَامَ للجنازة) ٢.
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى يقْعد الرجل إِذا قَامَ لجنازة مرت بِهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي ذكر هَذَا الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة وَثبتت التَّرْجَمَة دون ذكر الْبَاب فِي رِوَايَة غَيره.
حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن عَامر بن ربيعَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا رأى أحدكُم جَنَازَة فَإِن لم يكن مَاشِيا مَعهَا فَليقمْ حَتَّى يخلفها أَو تخلفه أَو تُوضَع من قبل أَن تخلفه.
مطابقته للتَّرْجَمَة على تَقْدِير وجودهَا تَأْخُذ من قَوْله (أَو تُوضَع) فَإِنَّهَا إِذا وضعت يقْعد وَهَذَا زمَان الْقعُود وعَلى تَقْدِير عدم التَّرْجَمَة يكون الحَدِيث دَاخِلا فِي حكم الْبَاب السَّابِق، لِأَن الْمَذْكُور فيهمَا عَن عَامر بن ربيعَة. قَوْله: (حَتَّى يخلفها