«أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣١٥

الحديث رقم ١٣١٥ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب السرعة بالجنازة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير…

«أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ.»

بَابُ قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ قَدِّمُونِي

سند حديث: ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير…

أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراع بتجهيز الجنازة والصلاة عليها ودفنها؛ فإنْ تكُ الجنازة صالحة فخير تقدمونها إليه من نعيم القبر، وإن يك سوى ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قال ابن حجر: يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع.
  • يقيد الإسراع بما إذا لم يكن الموت فجأة يخشى أن يكون إغماء، فينبغي أن لا يُدفن حتى يتحقق موته، أو يكون في تأخيره يسيرًا لمصلحة، من كثرة المصلين، أو حضور أقاربه، ولم يُخش عليه الفساد.
  • الحث على الإسراع بالجنازة لمصلحة الميت إن كان سعيدًا، أو لمصلحة المشيعين إن كان شقيًا.
  • قال النووي: ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة غير الصالحين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَيْسَتِ الْحُجَّةُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِظَاهِرَةٍ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطٍ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَاقِعُ إِلَّا ذَلِكَ، ولَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّشْرِيعِ لَا يُحْمَلُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْوَاقِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعُدُولُ عَنِ الْمُشَاكَلَةِ فِي الْكَلَامِ حَيْثُ قَالَ: إِذَا وُضِعَتْ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَاحْتَمَلَتْ، فَلَمَّا قَطَعَ احْتَمَلَتْ عَنْ مُشَاكَلَةِ وُضِعَتْ دَلَّ عَلَى قَصْدِ تَخْصِيصِ الرِّجَالِ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا فَجَوَازُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْأَعْنَاقِ وَالْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ مَظِنَّةَ الِانْكِشَافِ غَالِبًا، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلْمَطْلُوبِ مِنْهُنَّ مِنَ التَّسَتُّرِ مَعَ ضَعْفِ نُفُوسِهِنَّ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمَوْتَى غَالِبًا، فَكَيْفَ بِالْحَمْلِ، مَعَ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ صُرَاخِهِنَّ عِنْدَ حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَفَاسِدِ؟. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ وَرَدَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا فِي مَنْعِهِنَّ، وَلَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (١). قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً، فَقَالَ: أَتَحْمِلْنَهُ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: أَتَدْفِنَّهُ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ. .

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ لَا بُدَّ أَنْ يُشَيِّعَهَا الرِّجَالُ، فَلَوْ حَمَلَهَا النِّسَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ فَيُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَدْ عَذَرَ اللَّهُ النِّسَاءَ لِضَعْفِهِنَّ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِنَّ بِالضَّعْفِ، بَلْ عَلَى الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنَّ ضَعْفَ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) لِسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: الطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَذْكُورَةِ: إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنَازَةِ الْمَيِّتُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى السَّرِيرِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ.

٥١ - بَاب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ : أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ. وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبًا مِنْهَا

١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي

هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ تُحْمَلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَامْشُوا، وَأَثَرُ أَنَسٍ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ فِي الْجِنَازَةِ فَقَالَ: أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا، إِنَّمَا أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ. وَرَوَيْنَاهُ عَالِيًا فِي رُبَاعِيَّاتِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ كَذَلِكَ، وَبِنَحْوِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعَتُ الْعَيْزَارَ - يَعْنِي ابْنَ حُرَيْثٍ - سألَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - يَعْنِي عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ - فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. فَاشْتَمَلَ عَلَى فَائِدَتَيْنِ: تَسْمِيَةِ السَّائِلِ، وَالتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْأَثَرَ يَتَضَمَّنُ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْمُشَيِّعِينَ وَعَدَمِ الْتِزَامِهِمْ جِهَةً مُعَيَّنَةً، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهِمْ فِي الْمَشْيِ، وَقَضِيَّةُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ أَنْ لَا يُلْزَمُوا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ يَمْشُونَ فِيهِ لِئَلَّا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَضْعُفُ فِي الْمَشْيِ عَمَّنْ يَقْوَى عَلَيْهِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ السُّرْعَةَ لَا تَتَّفِقُ غَالِبًا إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ الْمَشْيِ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَنَاسَبَا، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ فَقَالَ: قَوْلُ أَنَسٍ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ إِلَّا مِنْ وَجْهِ أَنَّ النَّاسَ فِي مَشْيِهِمْ مُتَفَاوِتُونَ.

وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْمَشْيِ وَالتَّشْيِيعِ فِي أَثَرِ أَنَسٍ أَعَمُّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَ أَثَرَ أَنَسٍ بِالْحَدِيثِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِقَوْلِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوَقَارِ لِمُتَّبِعِهَا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُصَاحَبَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا) أَيْ قَالَ غَيْرُ أَنَسٍ مِثْلَ قَوْلِ أَنَسٍ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِنَازَةِ، لِأَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ مَشَى أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا مَثَلًا، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ أَظُنُّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ قَالَ: شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قُرْطٍ جِنَازَةً، فَرَأَى نَاسًا تَقَدَّمُوا وَآخَرِينَ اسْتَأْخَرُوا، فَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَوُضِعَتْ، ثُمَّ رَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُمِلَتْ ثُمَّ قَالَ: بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ صَحَابِيٌّ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَدَلَّ إِيرَادُ الْبُخَارِيِّ لِأَثَرِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ عَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْمَذْهَبِ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالْمَاشِي اتِّبَاعًا لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا. وَعَنِ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْجِنَازَةِ نِسَاءٌ مَشَى أَمَامَهَا، وَإِلَّا فَخَلْفَهَا.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ مَشْهُورَانِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، لَكِنْ حَكَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي عَنْ بَدَلَ مِنْ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي سَمَاعَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَمَاعِ سُفْيَانَ لَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وللمُستملي: «عن الزُّهريِّ» بدلُ «مِنْ»، والأوَّل أَولى؛ لأنَّه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المُستملي، وقد صرَّح الحُميديُّ في «مسنده» بسماع سفيان له من الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخَبَب؛ لأنَّ ما فوق ذلك يؤدِّي إلى انقطاع الضُّعفاء، ومشقَّة الحامل، فيُكرَه، وهذا إن لم يضرَّه الإسراع، فإن ضرَّه فالتَّأنِّي أفضل، فإن خيف عليه تغيُّرٌ أو انفجارٌ أو انتفاخٌ؛ زيد في الإسراع (فَإِنْ تَكُ) أي: الجنازة (صَالِحَةً) نصبٌ خبر «كان» (فَخَيْرٌ) أي: فهو خيرٌ، خبر مبتدأ محذوفٍ (تُقَدِّمُونَهَا) زاد العينيُّ كابن (١) حجرٍ: «إليه» أي: إلى الخير باعتبار الثَّواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره، فيُسرَع به ليلقاه قريبًا، وفي «توضيح ابن مالك»: أنَّه رُوِيَ: «إليها» بالتَّأنيث، وقال: أنَّث الضَّمير العائد على (٢) الخير (٣)، وهو مذكَّرٌ، وكان ينبغي أن يقول: فخيرٌ تقدِّمونها (٤) إليه، لكن المذكَّر يجوز تأنيثه إذا أُوِّل بمؤنَّثٍ؛ كتأويل الخير الَّذي تُقدَّم إليه النَّفس الصَّالحة بالرَّحمة أو بالحسنى أو بالبشرى (٥)، والجارُّ والمجرور -مذكَّرًا ومؤنَّثًا- ساقطٌ من الفرع كأصله (٦) (وَإِنْ تَكُ) الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحةٍ (فَشَرٌّ) أي: فهو شرٌّ (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنَّها بعيدةٌ من الرَّحمة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٥٢) (باب قَوْلِ المَيِّتِ) الصَّالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: النَّعش: (قَدِّمُونِي).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا الليْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أعْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كْلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واحتملها الرِّجَال) فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار، فَكيف يكون حجَّة فِي منع النِّسَاء؟ قلت: كَلَام الشَّارِع مهما أمكن يحمل على التشريع لَا مُجَرّد الْإِخْبَار عَن الْوَاقِع.

وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَاسم أبي سعيد: كيسَان، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ: سعد بن مَالك، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) ، أَي: الْمَيِّت على النعش، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْمَيِّت وعَلى السرير الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا النعش، وَلَفظ: احتملها، يؤكده وَيكون إِسْنَاد القَوْل إِلَيْهِ مجَازًا. قَوْله: (يَا وَيْلَهَا) ، مَعْنَاهُ: يَا حزني إحضر فَهَذَا أوانك، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يَا ويلي، لكنه أضيف إِلَى الْغَائِب حملا على الْمَعْنى، كَأَنَّهُ لما أبْصر نَفسه غير صَالِحَة نفر عَنْهَا وَجعلهَا كَأَنَّهَا غَيره، وَكره أَن يضيف الويل إِلَى نَفسه. قَوْله: (لصعق) الصَّعق: أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ، وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: (قدموني) أَي: إِلَى الْعَمَل الصَّالح الَّذِي عملته، يَعْنِي إِلَى ثَوَابه. وَفِي لفظ: (يسمع) ، دلَالَة أَن القَوْل هَهُنَا حَقِيقَة لَا مجَاز، وَأَنه تَعَالَى يحدث النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ: يَا وَيْلَهَا، لِأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لم تقدم خيرا، وَأَنَّهَا تقدم على مَا يسوؤها فتكره الْقدوم عَلَيْهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (لَو سَمعه) رَاجع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ على نَفسهَا، أَي: تصيح بِصَوْت مُنكر لَو سَمعه الْإِنْسَان لأغشي عَلَيْهِ.

١٥ - (بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِسْرَاع بالجنازة بعد الْحمل.

وَقَالَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ شِمَالِهَا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السرعة بالجنازة لَا تكون غَالِبا إلَاّ فِي وجهات مُخْتَلفَة، وَلَا تكون فِي جِهَة مُعينَة لتَفَاوت النَّاس فِي الْمَشْي، وَتحصل الْمَشَقَّة من بَعضهم على بعض فِي تعْيين جِهَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون السرعة من جوانبها الْأَرْبَع، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن حميد عَن أنس فِي الْجِنَازَة: أَنْتُم مشيعون لَهَا تمشون أمامها وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حميد بِهِ. قَوْله: (فامشوا) بِصِيغَة الْجمع، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فامش) ، بِالْإِفْرَادِ وَالْأول أنسب.

وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبا مِنْهَا

أَي: قَالَ غير أنس: إمشِ قَرِيبا من الْجِنَازَة، وَالْمَقْصُود أَن يكون قَرِيبا من الْجِنَازَة من أَي جِهَة كَانَ، لاحْتِمَال أَن يحْتَاج حاملوها إِلَى المعاونة، فَإِن بعد مِنْهَا لم يكن مشيعا، فَإِن كَانَت الْمُتَابَعَة بعده لِكَثْرَة الْجَمَاعَة حصل لَهُ فضل الْمُتَابَعَة، وَقَالَ بَعضهم: والغير الْمَذْكُور أَظُنهُ عبد الرَّحْمَن بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. قَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا مِسْكين بن مَيْمُون حَدثنِي عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: (شهد عبد الرَّحْمَن بن قرط جَنَازَة فَرَأى نَاسا تقدمُوا، وَآخَرين استأخروا، فَأمر بالجنازة فَوضعت، ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، ثمَّ أَمر بهَا فَحملت، ثمَّ قَالَ: بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يسارها وَعَن يَمِينهَا) . انْتهى. قلت: هَذَا تخمين وحسبان، وَلَئِن سلمنَا إِنَّه هُوَ ذَاك الْغَيْر، فَلَا نسلم أَن هَذَا مُنَاسِب لما ذكره الْغَيْر، بل هُوَ بِعَيْنِه مثل مَا قَالَه أنس، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل، وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور صَحَابِيّ ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ من أهل الصّفة، وَكَانَ واليا على حمص فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٥١٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ عَن الزهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإنْ تَكُ سِوَى ذالِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد يبلغ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كلهم عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حفظناه) ، ويروى: (حفظته) . قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِكَلِمَة: عَن، وَفِي رِوَايَة غَيره: من، بدل: عَن. قَوْله: (أَسْرعُوا) ، أَمر من الْإِسْرَاع وَلَيْسَ المُرَاد بالإسراع شدَّة الْإِسْرَاع، بل المُرَاد الْمُتَوَسّط بَين شدَّة السَّعْي وَبَين الْمَشْي الْمُعْتَاد، بِدَلِيل قَوْله فِي حَدِيث أبي بكرَة: (وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل) ، ومقاربة الرمل لَيْسَ بالسعي الشَّديد، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد (عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا. فلحقنا أَبُو بكرَة، فَرفع صَوته فَقَالَ: لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نرمل رملاً) . قَوْله: (نرمل) ، من رمل رملاً ورملانا: إِذا أسْرع فِي الْمَشْي، وهز مَنْكِبه. قلت: مُرَاده الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِن أَبَاهُ أوصاه قَالَ: إِذا أَنْت حَملتنِي على السرير فامشِ مشيا بَين المشيين، وَكن خلف الْجِنَازَة، فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة وَخَلفهَا لبني آدم) . قَوْله: (بالجنازة) أَي: يحملهَا إِلَى قبرها. وَقيل: المُرَاد الْإِسْرَاع بتجهيزها وتعجيل الدّفن بعد تَيَقّن مَوته، لحَدِيث حُصَيْن بن وحوح (إِن طَلْحَة بن الْبَراء مرض، فَأَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ وَقد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَابْن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما سَاكِنة، وَهُوَ أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة. قيل: إِنَّه مَاتَ بالعذيب، روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا مَاتَ أحدكُم فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأسرعوا بِهِ إِلَى قَبره) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: أظهر، وَقَالَ النَّوَوِيّ الثَّانِي: بَاطِل مَرْدُود، بقوله فِي الحَدِيث: (تضعونة عَن رِقَابكُمْ) ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحمل على الرّقاب قد يعبر بِهِ عَن الْمعَانِي، كَمَا تَقول: حمل فلَان على رقبته ذنوبا، فَيكون الْمَعْنى: استريحوا من نظر من لَا خير فِيهِ، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْكل لَا يحملونه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن تَكُ) ، أَصله: فَإِن تكن، حذفت النُّون للتَّخْفِيف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْمَيِّت. قَوْله: (صَالِحَة) ، نصب على الخبرية. قَوْله: (فَخير) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ (وَخير، تقدمونها إِلَيْهِ) يَوْم الْقِيَامَة، أَو: هُوَ، مُبْتَدأ أَي: فثمة خير تقدمون الْجِنَازَة إِلَيْهِ، يَعْنِي حَاله فِي الْقَبْر حسن طيب فَأَسْرعُوا بهَا حَتَّى تصل إِلَى تِلْكَ الْحَالة قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيْهِ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَار الثَّوَاب. وَقَالَ ابْن مَالك: رُوِيَ: (تقدمونه إِلَيْهَا) أَي: تقدمون الْمَيِّت إِلَيْهَا أَي: إِلَى الْخَيْر، وَأَنت الضَّمِير على تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَو الْحسنى، قَوْله: (فشر) إعرابه مثل إِعْرَاب: (فَخير) . قَوْله: (تضعونه) أَي: إِنَّهَا بعيدَة من الرَّحْمَة فَلَا مصلحَة لكم فِي مصاحبتها.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بالإسراع وَنقل ابْن قدامَة أَن الْأَمر فِيهِ للاستحباب بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وُجُوبه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : جَاءَ عَن بعض السّلف كَرَاهَة الْإِسْرَاع بالجنازة، وَلَعَلَّه يكون مَحْمُولا على الْإِسْرَاع المفرط الَّذِي يخَاف مِنْهُ انفجار الْمَيِّت، وَخُرُوج شَيْء مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بالإسراع شدَّة الْمَشْي، وعَلى ذَلِك حمله بعض السّلف، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَيْسَ فِيهِ شَيْء موقت، غير إِن العجلة أحب إِلَى أبي حنيفَة. قلت: قَوْله: وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح، وَلم يقل أحد مِنْهُم بِشدَّة الْمَشْي، وعذا احب (الْهِدَايَة) الَّذِي لَا يذكر إلَاّ مَا هُوَ الْعُمْدَة عِنْد أبي حنيفَة، يَقُول: ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب، وَقَوله: دون الخبب، يدل على أَن المُرَاد

من الْإِسْرَاع: الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط لَا شدَّة الْإِسْرَاع الَّتِي هِيَ الخبب، وَهُوَ الْعَدو. وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَول صَاحب (الْمَبْسُوط) : العجلة أحب هِيَ العجلة المتوسطة لَا الشَّدِيدَة، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يَقُول شدَّة الْمَشْي قَول الْحَنَفِيَّة، ثمَّ يذكر عَن كتابين معتبرين فِي الْمَذْهَب مَا يدل على نفي شدَّة الْمَشْي، لِأَن قَوْله: دون الخبب، هُوَ شدَّة الْمَشْي وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْرَاع بالجنازة هُوَ فَوق سجية الْمَشْي الْمُعْتَاد، وَيكرهُ الْإِسْرَاع الشَّديد. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عَطاء قَالَ: حَضَرنَا مَعَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَنَازَة مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بسرف، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هَذِه مَيْمُونَة إِذا رفعتم نعشها فَلَا تزعزعوه وَلَا تزلزلوه وارفقوا. وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن بنت أبي بردة (عَن أبي مُوسَى، قَالَ: مر على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِجنَازَة وَهِي تمحض كَمَا يمحض الزق، فَقَالَ: عَلَيْكُم بِالْقَصْدِ فِي جنائزكم) وَهَذَا يدل على اسْتِحْبَاب الرِّفْق بالجنازة وَترك الْإِسْرَاع قلت: أما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ أَرَادَ الرِّفْق فِي كَيْفيَّة الْحمل لَا فِي كَيْفيَّة الْمَشْي بهَا، وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَإِنَّهُ مُنْقَطع بَين بنت أبي بردة وَبَين أبي مُوسَى، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ ظَاهر فِي أَنه كَانَ يفرط فِي الْإِسْرَاع بهَا، وَلَعَلَّه خشِي انفجارها أَو خُرُوج شَيْء مِنْهُ، وَكَذَا الحكم عِنْد ذَلِك فِي كل مَوضِع. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة إِلَى دفن الْمَيِّت، لَكِن بعد تحقق مَوته، فَإِن من المرضى من يخفى مَوته وَلَا يظْهر إلَاّ بعد مُضِيّ زمَان، كالمسبوت وَنَحْوه، وَعَن ابْن بزيزة: يَنْبَغِي أَن لَا يسْرع بتجهيزهم حَتَّى يمْضِي يَوْم وَلَيْلَة ليتَحَقَّق مَوْتهمْ. وَفِيه: مجانبة صُحْبَة أهل البطالة وصحبة غير الصَّالِحين.

٢٥ - (بابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهْوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمَيِّت وَهُوَ على النعش: قدموني، وَهَذَا القَوْل إِذا كَانَ صَالحا.

٦١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ لأِهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَ الإنْسَانُ لَصَعِقَ.

(أنظر الحَدِيث ٤١٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول الْجِنَازَة (قدموني) . وَرِجَاله مضوا غير مرّة، وَسَعِيد المَقْبُري يروي عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) فِيهِ احْتِمَالَانِ. الأول: أَن يكون المُرَاد من الْجِنَازَة نفس الْمَيِّت، وبوضعه جعله على السرير. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد النعش، ووضعها على الْأَعْنَاق، وَالظَّاهِر هُوَ الأول، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن مولى أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أوصى أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَنا مت فَلَا تضربوا عَليّ فسطاطا وَلَا تتبعوني بِنَار، وأسرعوا بِي، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِن الْمُؤمن إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: قدموني قدموني، فَإِن الْكَافِر إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: يَا ويله أَيْن تذهبون بِهِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يَقُول ذَلِك الرّوح، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا مَانع أَن يرد الله الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي تِلْكَ الْحَال ليَكُون ذَلِك زِيَادَة فِي بشرى الْمُؤمن وبؤسا للْكَافِرِ. وَأجِيب: بِأَن دَعْوَى إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد قبل الدّفن يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالله عز وَجل قَادر على أَن يحدث نطقا فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: فِي قَوْله: (يسمع صَوتهَا كل شَيْء) . هُوَ بِلِسَان الْمقَال لَا بِلِسَان الْحَال، وَكَذَا قَالَ فِي قَوْله: (لصعق) أَنه مُخْتَصّ بِالْمَيتِ الَّذِي هُوَ غير صَالح، وَأما الصَّالح فَمن شَأْنه اللطف والرفق فِي كَلَامه، فَلَا يُنَاسب الصَّعق من سَماع كَلَامه. قَوْله: (وَإِن كَانَت غير ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَإِن كَانَت غير صَالِحَة) ، وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَن كَلَام الْمَيِّت يسمعهُ كل حَيَوَان غير الْإِنْسَان، وَقَالَ ابْن بطال:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَيْسَتِ الْحُجَّةُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِظَاهِرَةٍ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطٍ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَاقِعُ إِلَّا ذَلِكَ، ولَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّشْرِيعِ لَا يُحْمَلُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْوَاقِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعُدُولُ عَنِ الْمُشَاكَلَةِ فِي الْكَلَامِ حَيْثُ قَالَ: إِذَا وُضِعَتْ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَاحْتَمَلَتْ، فَلَمَّا قَطَعَ احْتَمَلَتْ عَنْ مُشَاكَلَةِ وُضِعَتْ دَلَّ عَلَى قَصْدِ تَخْصِيصِ الرِّجَالِ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا فَجَوَازُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْأَعْنَاقِ وَالْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ مَظِنَّةَ الِانْكِشَافِ غَالِبًا، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلْمَطْلُوبِ مِنْهُنَّ مِنَ التَّسَتُّرِ مَعَ ضَعْفِ نُفُوسِهِنَّ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمَوْتَى غَالِبًا، فَكَيْفَ بِالْحَمْلِ، مَعَ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ صُرَاخِهِنَّ عِنْدَ حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَفَاسِدِ؟. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ وَرَدَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا فِي مَنْعِهِنَّ، وَلَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (١). قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً، فَقَالَ: أَتَحْمِلْنَهُ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: أَتَدْفِنَّهُ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ. .

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ لَا بُدَّ أَنْ يُشَيِّعَهَا الرِّجَالُ، فَلَوْ حَمَلَهَا النِّسَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ فَيُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَدْ عَذَرَ اللَّهُ النِّسَاءَ لِضَعْفِهِنَّ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِنَّ بِالضَّعْفِ، بَلْ عَلَى الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنَّ ضَعْفَ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) لِسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: الطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَذْكُورَةِ: إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنَازَةِ الْمَيِّتُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى السَّرِيرِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ.

٥١ - بَاب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ : أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ. وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبًا مِنْهَا

١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي

هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ تُحْمَلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَامْشُوا، وَأَثَرُ أَنَسٍ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ فِي الْجِنَازَةِ فَقَالَ: أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا، إِنَّمَا أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ. وَرَوَيْنَاهُ عَالِيًا فِي رُبَاعِيَّاتِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ كَذَلِكَ، وَبِنَحْوِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعَتُ الْعَيْزَارَ - يَعْنِي ابْنَ حُرَيْثٍ - سألَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - يَعْنِي عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ - فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. فَاشْتَمَلَ عَلَى فَائِدَتَيْنِ: تَسْمِيَةِ السَّائِلِ، وَالتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْأَثَرَ يَتَضَمَّنُ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْمُشَيِّعِينَ وَعَدَمِ الْتِزَامِهِمْ جِهَةً مُعَيَّنَةً، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهِمْ فِي الْمَشْيِ، وَقَضِيَّةُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ أَنْ لَا يُلْزَمُوا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ يَمْشُونَ فِيهِ لِئَلَّا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَضْعُفُ فِي الْمَشْيِ عَمَّنْ يَقْوَى عَلَيْهِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ السُّرْعَةَ لَا تَتَّفِقُ غَالِبًا إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ الْمَشْيِ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَنَاسَبَا، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ فَقَالَ: قَوْلُ أَنَسٍ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ إِلَّا مِنْ وَجْهِ أَنَّ النَّاسَ فِي مَشْيِهِمْ مُتَفَاوِتُونَ.

وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْمَشْيِ وَالتَّشْيِيعِ فِي أَثَرِ أَنَسٍ أَعَمُّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَ أَثَرَ أَنَسٍ بِالْحَدِيثِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِقَوْلِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوَقَارِ لِمُتَّبِعِهَا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُصَاحَبَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا) أَيْ قَالَ غَيْرُ أَنَسٍ مِثْلَ قَوْلِ أَنَسٍ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِنَازَةِ، لِأَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ مَشَى أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا مَثَلًا، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ أَظُنُّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ قَالَ: شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قُرْطٍ جِنَازَةً، فَرَأَى نَاسًا تَقَدَّمُوا وَآخَرِينَ اسْتَأْخَرُوا، فَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَوُضِعَتْ، ثُمَّ رَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُمِلَتْ ثُمَّ قَالَ: بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ صَحَابِيٌّ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَدَلَّ إِيرَادُ الْبُخَارِيِّ لِأَثَرِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ عَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْمَذْهَبِ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالْمَاشِي اتِّبَاعًا لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا. وَعَنِ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْجِنَازَةِ نِسَاءٌ مَشَى أَمَامَهَا، وَإِلَّا فَخَلْفَهَا.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ مَشْهُورَانِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، لَكِنْ حَكَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي عَنْ بَدَلَ مِنْ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي سَمَاعَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَمَاعِ سُفْيَانَ لَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وللمُستملي: «عن الزُّهريِّ» بدلُ «مِنْ»، والأوَّل أَولى؛ لأنَّه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المُستملي، وقد صرَّح الحُميديُّ في «مسنده» بسماع سفيان له من الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخَبَب؛ لأنَّ ما فوق ذلك يؤدِّي إلى انقطاع الضُّعفاء، ومشقَّة الحامل، فيُكرَه، وهذا إن لم يضرَّه الإسراع، فإن ضرَّه فالتَّأنِّي أفضل، فإن خيف عليه تغيُّرٌ أو انفجارٌ أو انتفاخٌ؛ زيد في الإسراع (فَإِنْ تَكُ) أي: الجنازة (صَالِحَةً) نصبٌ خبر «كان» (فَخَيْرٌ) أي: فهو خيرٌ، خبر مبتدأ محذوفٍ (تُقَدِّمُونَهَا) زاد العينيُّ كابن (١) حجرٍ: «إليه» أي: إلى الخير باعتبار الثَّواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره، فيُسرَع به ليلقاه قريبًا، وفي «توضيح ابن مالك»: أنَّه رُوِيَ: «إليها» بالتَّأنيث، وقال: أنَّث الضَّمير العائد على (٢) الخير (٣)، وهو مذكَّرٌ، وكان ينبغي أن يقول: فخيرٌ تقدِّمونها (٤) إليه، لكن المذكَّر يجوز تأنيثه إذا أُوِّل بمؤنَّثٍ؛ كتأويل الخير الَّذي تُقدَّم إليه النَّفس الصَّالحة بالرَّحمة أو بالحسنى أو بالبشرى (٥)، والجارُّ والمجرور -مذكَّرًا ومؤنَّثًا- ساقطٌ من الفرع كأصله (٦) (وَإِنْ تَكُ) الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحةٍ (فَشَرٌّ) أي: فهو شرٌّ (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنَّها بعيدةٌ من الرَّحمة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٥٢) (باب قَوْلِ المَيِّتِ) الصَّالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: النَّعش: (قَدِّمُونِي).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا الليْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أعْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كْلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واحتملها الرِّجَال) فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار، فَكيف يكون حجَّة فِي منع النِّسَاء؟ قلت: كَلَام الشَّارِع مهما أمكن يحمل على التشريع لَا مُجَرّد الْإِخْبَار عَن الْوَاقِع.

وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَاسم أبي سعيد: كيسَان، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ: سعد بن مَالك، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) ، أَي: الْمَيِّت على النعش، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْمَيِّت وعَلى السرير الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا النعش، وَلَفظ: احتملها، يؤكده وَيكون إِسْنَاد القَوْل إِلَيْهِ مجَازًا. قَوْله: (يَا وَيْلَهَا) ، مَعْنَاهُ: يَا حزني إحضر فَهَذَا أوانك، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يَا ويلي، لكنه أضيف إِلَى الْغَائِب حملا على الْمَعْنى، كَأَنَّهُ لما أبْصر نَفسه غير صَالِحَة نفر عَنْهَا وَجعلهَا كَأَنَّهَا غَيره، وَكره أَن يضيف الويل إِلَى نَفسه. قَوْله: (لصعق) الصَّعق: أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ، وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: (قدموني) أَي: إِلَى الْعَمَل الصَّالح الَّذِي عملته، يَعْنِي إِلَى ثَوَابه. وَفِي لفظ: (يسمع) ، دلَالَة أَن القَوْل هَهُنَا حَقِيقَة لَا مجَاز، وَأَنه تَعَالَى يحدث النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ: يَا وَيْلَهَا، لِأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لم تقدم خيرا، وَأَنَّهَا تقدم على مَا يسوؤها فتكره الْقدوم عَلَيْهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (لَو سَمعه) رَاجع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ على نَفسهَا، أَي: تصيح بِصَوْت مُنكر لَو سَمعه الْإِنْسَان لأغشي عَلَيْهِ.

١٥ - (بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِسْرَاع بالجنازة بعد الْحمل.

وَقَالَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ شِمَالِهَا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السرعة بالجنازة لَا تكون غَالِبا إلَاّ فِي وجهات مُخْتَلفَة، وَلَا تكون فِي جِهَة مُعينَة لتَفَاوت النَّاس فِي الْمَشْي، وَتحصل الْمَشَقَّة من بَعضهم على بعض فِي تعْيين جِهَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون السرعة من جوانبها الْأَرْبَع، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن حميد عَن أنس فِي الْجِنَازَة: أَنْتُم مشيعون لَهَا تمشون أمامها وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حميد بِهِ. قَوْله: (فامشوا) بِصِيغَة الْجمع، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فامش) ، بِالْإِفْرَادِ وَالْأول أنسب.

وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبا مِنْهَا

أَي: قَالَ غير أنس: إمشِ قَرِيبا من الْجِنَازَة، وَالْمَقْصُود أَن يكون قَرِيبا من الْجِنَازَة من أَي جِهَة كَانَ، لاحْتِمَال أَن يحْتَاج حاملوها إِلَى المعاونة، فَإِن بعد مِنْهَا لم يكن مشيعا، فَإِن كَانَت الْمُتَابَعَة بعده لِكَثْرَة الْجَمَاعَة حصل لَهُ فضل الْمُتَابَعَة، وَقَالَ بَعضهم: والغير الْمَذْكُور أَظُنهُ عبد الرَّحْمَن بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. قَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا مِسْكين بن مَيْمُون حَدثنِي عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: (شهد عبد الرَّحْمَن بن قرط جَنَازَة فَرَأى نَاسا تقدمُوا، وَآخَرين استأخروا، فَأمر بالجنازة فَوضعت، ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، ثمَّ أَمر بهَا فَحملت، ثمَّ قَالَ: بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يسارها وَعَن يَمِينهَا) . انْتهى. قلت: هَذَا تخمين وحسبان، وَلَئِن سلمنَا إِنَّه هُوَ ذَاك الْغَيْر، فَلَا نسلم أَن هَذَا مُنَاسِب لما ذكره الْغَيْر، بل هُوَ بِعَيْنِه مثل مَا قَالَه أنس، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل، وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور صَحَابِيّ ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ من أهل الصّفة، وَكَانَ واليا على حمص فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٥١٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ عَن الزهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإنْ تَكُ سِوَى ذالِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد يبلغ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كلهم عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حفظناه) ، ويروى: (حفظته) . قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِكَلِمَة: عَن، وَفِي رِوَايَة غَيره: من، بدل: عَن. قَوْله: (أَسْرعُوا) ، أَمر من الْإِسْرَاع وَلَيْسَ المُرَاد بالإسراع شدَّة الْإِسْرَاع، بل المُرَاد الْمُتَوَسّط بَين شدَّة السَّعْي وَبَين الْمَشْي الْمُعْتَاد، بِدَلِيل قَوْله فِي حَدِيث أبي بكرَة: (وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل) ، ومقاربة الرمل لَيْسَ بالسعي الشَّديد، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد (عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا. فلحقنا أَبُو بكرَة، فَرفع صَوته فَقَالَ: لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نرمل رملاً) . قَوْله: (نرمل) ، من رمل رملاً ورملانا: إِذا أسْرع فِي الْمَشْي، وهز مَنْكِبه. قلت: مُرَاده الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِن أَبَاهُ أوصاه قَالَ: إِذا أَنْت حَملتنِي على السرير فامشِ مشيا بَين المشيين، وَكن خلف الْجِنَازَة، فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة وَخَلفهَا لبني آدم) . قَوْله: (بالجنازة) أَي: يحملهَا إِلَى قبرها. وَقيل: المُرَاد الْإِسْرَاع بتجهيزها وتعجيل الدّفن بعد تَيَقّن مَوته، لحَدِيث حُصَيْن بن وحوح (إِن طَلْحَة بن الْبَراء مرض، فَأَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ وَقد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَابْن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما سَاكِنة، وَهُوَ أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة. قيل: إِنَّه مَاتَ بالعذيب، روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا مَاتَ أحدكُم فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأسرعوا بِهِ إِلَى قَبره) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: أظهر، وَقَالَ النَّوَوِيّ الثَّانِي: بَاطِل مَرْدُود، بقوله فِي الحَدِيث: (تضعونة عَن رِقَابكُمْ) ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحمل على الرّقاب قد يعبر بِهِ عَن الْمعَانِي، كَمَا تَقول: حمل فلَان على رقبته ذنوبا، فَيكون الْمَعْنى: استريحوا من نظر من لَا خير فِيهِ، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْكل لَا يحملونه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن تَكُ) ، أَصله: فَإِن تكن، حذفت النُّون للتَّخْفِيف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْمَيِّت. قَوْله: (صَالِحَة) ، نصب على الخبرية. قَوْله: (فَخير) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ (وَخير، تقدمونها إِلَيْهِ) يَوْم الْقِيَامَة، أَو: هُوَ، مُبْتَدأ أَي: فثمة خير تقدمون الْجِنَازَة إِلَيْهِ، يَعْنِي حَاله فِي الْقَبْر حسن طيب فَأَسْرعُوا بهَا حَتَّى تصل إِلَى تِلْكَ الْحَالة قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيْهِ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَار الثَّوَاب. وَقَالَ ابْن مَالك: رُوِيَ: (تقدمونه إِلَيْهَا) أَي: تقدمون الْمَيِّت إِلَيْهَا أَي: إِلَى الْخَيْر، وَأَنت الضَّمِير على تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَو الْحسنى، قَوْله: (فشر) إعرابه مثل إِعْرَاب: (فَخير) . قَوْله: (تضعونه) أَي: إِنَّهَا بعيدَة من الرَّحْمَة فَلَا مصلحَة لكم فِي مصاحبتها.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بالإسراع وَنقل ابْن قدامَة أَن الْأَمر فِيهِ للاستحباب بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وُجُوبه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : جَاءَ عَن بعض السّلف كَرَاهَة الْإِسْرَاع بالجنازة، وَلَعَلَّه يكون مَحْمُولا على الْإِسْرَاع المفرط الَّذِي يخَاف مِنْهُ انفجار الْمَيِّت، وَخُرُوج شَيْء مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بالإسراع شدَّة الْمَشْي، وعَلى ذَلِك حمله بعض السّلف، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَيْسَ فِيهِ شَيْء موقت، غير إِن العجلة أحب إِلَى أبي حنيفَة. قلت: قَوْله: وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح، وَلم يقل أحد مِنْهُم بِشدَّة الْمَشْي، وعذا احب (الْهِدَايَة) الَّذِي لَا يذكر إلَاّ مَا هُوَ الْعُمْدَة عِنْد أبي حنيفَة، يَقُول: ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب، وَقَوله: دون الخبب، يدل على أَن المُرَاد

من الْإِسْرَاع: الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط لَا شدَّة الْإِسْرَاع الَّتِي هِيَ الخبب، وَهُوَ الْعَدو. وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَول صَاحب (الْمَبْسُوط) : العجلة أحب هِيَ العجلة المتوسطة لَا الشَّدِيدَة، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يَقُول شدَّة الْمَشْي قَول الْحَنَفِيَّة، ثمَّ يذكر عَن كتابين معتبرين فِي الْمَذْهَب مَا يدل على نفي شدَّة الْمَشْي، لِأَن قَوْله: دون الخبب، هُوَ شدَّة الْمَشْي وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْرَاع بالجنازة هُوَ فَوق سجية الْمَشْي الْمُعْتَاد، وَيكرهُ الْإِسْرَاع الشَّديد. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عَطاء قَالَ: حَضَرنَا مَعَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَنَازَة مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بسرف، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هَذِه مَيْمُونَة إِذا رفعتم نعشها فَلَا تزعزعوه وَلَا تزلزلوه وارفقوا. وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن بنت أبي بردة (عَن أبي مُوسَى، قَالَ: مر على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِجنَازَة وَهِي تمحض كَمَا يمحض الزق، فَقَالَ: عَلَيْكُم بِالْقَصْدِ فِي جنائزكم) وَهَذَا يدل على اسْتِحْبَاب الرِّفْق بالجنازة وَترك الْإِسْرَاع قلت: أما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ أَرَادَ الرِّفْق فِي كَيْفيَّة الْحمل لَا فِي كَيْفيَّة الْمَشْي بهَا، وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَإِنَّهُ مُنْقَطع بَين بنت أبي بردة وَبَين أبي مُوسَى، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ ظَاهر فِي أَنه كَانَ يفرط فِي الْإِسْرَاع بهَا، وَلَعَلَّه خشِي انفجارها أَو خُرُوج شَيْء مِنْهُ، وَكَذَا الحكم عِنْد ذَلِك فِي كل مَوضِع. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة إِلَى دفن الْمَيِّت، لَكِن بعد تحقق مَوته، فَإِن من المرضى من يخفى مَوته وَلَا يظْهر إلَاّ بعد مُضِيّ زمَان، كالمسبوت وَنَحْوه، وَعَن ابْن بزيزة: يَنْبَغِي أَن لَا يسْرع بتجهيزهم حَتَّى يمْضِي يَوْم وَلَيْلَة ليتَحَقَّق مَوْتهمْ. وَفِيه: مجانبة صُحْبَة أهل البطالة وصحبة غير الصَّالِحين.

٢٥ - (بابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهْوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمَيِّت وَهُوَ على النعش: قدموني، وَهَذَا القَوْل إِذا كَانَ صَالحا.

٦١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ لأِهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَ الإنْسَانُ لَصَعِقَ.

(أنظر الحَدِيث ٤١٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول الْجِنَازَة (قدموني) . وَرِجَاله مضوا غير مرّة، وَسَعِيد المَقْبُري يروي عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) فِيهِ احْتِمَالَانِ. الأول: أَن يكون المُرَاد من الْجِنَازَة نفس الْمَيِّت، وبوضعه جعله على السرير. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد النعش، ووضعها على الْأَعْنَاق، وَالظَّاهِر هُوَ الأول، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن مولى أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أوصى أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَنا مت فَلَا تضربوا عَليّ فسطاطا وَلَا تتبعوني بِنَار، وأسرعوا بِي، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِن الْمُؤمن إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: قدموني قدموني، فَإِن الْكَافِر إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: يَا ويله أَيْن تذهبون بِهِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يَقُول ذَلِك الرّوح، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا مَانع أَن يرد الله الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي تِلْكَ الْحَال ليَكُون ذَلِك زِيَادَة فِي بشرى الْمُؤمن وبؤسا للْكَافِرِ. وَأجِيب: بِأَن دَعْوَى إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد قبل الدّفن يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالله عز وَجل قَادر على أَن يحدث نطقا فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: فِي قَوْله: (يسمع صَوتهَا كل شَيْء) . هُوَ بِلِسَان الْمقَال لَا بِلِسَان الْحَال، وَكَذَا قَالَ فِي قَوْله: (لصعق) أَنه مُخْتَصّ بِالْمَيتِ الَّذِي هُوَ غير صَالح، وَأما الصَّالح فَمن شَأْنه اللطف والرفق فِي كَلَامه، فَلَا يُنَاسب الصَّعق من سَماع كَلَامه. قَوْله: (وَإِن كَانَت غير ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَإِن كَانَت غير صَالِحَة) ، وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَن كَلَام الْمَيِّت يسمعهُ كل حَيَوَان غير الْإِنْسَان، وَقَالَ ابْن بطال:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله