الاتِّخاذ أعمُّ من البناء؛ فلذلك أفرده بالتَّرجمة، ولفظها يقتضي أنَّ بعض الاتِّخاذ لا يُكرَه، فكأنَّه يفصِل بين ما إذا ترتَّبت (١) على الاتِّخاذ مفسدةٌ أم لا، وقال الزَّين بن المنيِّر: كأنَّه قصد بالتَّرجمة الأولى اتِّخاذ المساجد في المقبرة (٢) لأجل القبور، بحيث لولا تجدُّد القبر ما اتُّخذ المسجد، وبهذا (٣) بناء المسجد في المقبرة على حِدَته؛ لئلَّا يحتاج إلى الصَّلاة، فيوجد مكان يصلِّي فيه سوى المقبرة؛ فلذلك نحا به منحى الجواز. انتهى. قال في «الفتح»: والمنع من ذلك إنَّما هو حال خشية أن يُصنَع بالقبر كما (٤) صَنَع أولئك الَّذين لُعِنوا.
وهذا الحديث مضى في «باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟» [خ¦٤٢٧].
(٧١) (باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ) لأجل إلحادها.
١٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ (٥)) العَوَقيُّ، بفتح الواو وبالقاف، الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قال الواقديُّ: اسمه عبد الملك، و «فُلَيحٌ» لقبٌ غَلَب عليه، وسقط «ابن سليمان» عند أبي ذَرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن أسامة العامريُّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (﵁، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أمَّ كلثومٍ زوجَ عثمان بن عفَّان (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى) جانب (القَبْرِ) الجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ)
بفتح الميم، وفيه جواز البكاء حيث لا صياح ولا (١) غيره ممَّا ينكَر شرعًا كما سبق [خ¦١٣٠٣] (فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟) بالقاف والفاء، أي: لم يُجامع أهله، ومثله في الكناية قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقد كان من عادة أدب القرآن أن يكنِّي عن الجماع باللَّمس لبشاعة (٢) التَّصريح، فعكس، فكنَّى عن الجماع بالرَّفث، وهو أبشع (٣) تقبيحًا لفعلهم؛ لينزجروا عنه، وكذلك (٤) كُنِّي (٥) في هذا الحديث عن المباح بالمحظور؛ لصون جانب بنت الرَّسول عمَّا ينبئ عن الأمر المستهجن (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد ابن سهلٍ الأنصاريُّ: (أَنَا) لم أقارف اللَّيلة (قَالَ) (٦) ﵊: (فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا) ففيه: أنَّه لا يُنزِل (٧) الميِّت في قبره إلَّا الرِّجال متى وُجِدُوا وإن كان الميِّت امرأةً، بخلاف النِّساء؛ لضعفهنَّ عن ذلك غالبًا، ولأنَّه معلومٌ أنَّه كان لبنت النَّبيِّ (٨) ﷺ محارم من النِّساء كفاطمة وغيرها، نعم يُندَب لهنَّ -كما في «شرح المهذَّب» - أن يَلِينَ حملَ المرأة من مغتسلها إلى النَّعش، وتسليمها إلى من في القبر، وحلَّ ثيابها فيه، وقد (٩) كان عثمان أَولى بذلك (١٠) من أبي طلحة؛ لأنَّ الزَّوج أحقُّ (١١) من غيره بمواراة زوجته وإن خالط غيرها من أهله (١٢) تلك اللَّيلة وإن لم يكن له حقٌّ في الصَّلاة؛ لأنَّ منظوره أكثر، لكنَّ عثمان ﵁ قارف تلك اللَّيلة، فباشر جاريةً له وبنت رسول الله ﷺ محتضَرةٌ، فلم يعجبه ﷺ كونه
شُغِل عن (١) المحتضرة بذلك؛ لصيانة جلالة (٢) محلِّ ابنته ﷺ، ورضي عنها، قال ابن المُنيِّر: فيه خصوصيَّةٌ، قال: (فَنَزَلَ) أبو طلحة (فِي قَبْرِهَا، فَقَبَرَهَا) أي: لحدها، وسقط قوله: «فقبرها» عند الأَصيليِّ وأبي (٣) ذَرٍّ وابن عساكر (قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ) عبد الله، ولأبي ذَرٍّ: «قال ابن المبارك» بالتَّعريف، أي: ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (قَالَ فُلَيْحٌ) يعني: ابن سليمان: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (يَعْنِي) بقوله: «يقارف» (الذَّنْبَ) لكنَّ المرجَّح التَّفسير الأوَّل، ويؤيِّده ما في بعض الرِّوايات بلفظ: «لا يدخل القبر أحدٌ قارف أهله البارحة» فتنحَّى عثمان ﵁، وقد قال ابن حزمٍ: مَعاذ اللهِ أن يتبجَّح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنَّه (٤) لم يذنب تلك اللَّيلة، لكن أنكر الطَّحاويُّ تفسيره بالجماع، وقال (٥): بل معناه: لم يقاول؛ لأنَّهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مؤيِّدًا لقول ابن المبارك، عن فليحٍ: (﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ [الأنعام: ١١٣]) معناه: (أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا) أو أراد المؤلِّف بذلك توجيه الكلام المذكور، وأنَّ لفظ: المقارفة (٦) في الحديث أُرِيدَ به ما هو أخصُّ من ذلك وهو الجماع، وهذا الَّذي فسَّر به الآية موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ، ومشى عليه البيضاويُّ وغيره، فقال: ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ من الآثام ﴿مَا هُم مُّقْتَرِفُون﴾ [الأنعام: ١١٣] وسقط في رواية الحَمُّويي والمُستملي، وثبت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.
(٧٢) (باب) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ) وهو المقتول في معركة الكفَّار ولو كان امرأة، أو