الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤
الحديث رقم ١٣٤ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
كِتَابُ الْوُضُوءِ
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ.
بَابٌ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ.
[الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٥٨٥٢، ٥٨٤٧، ٥٨٠٦، ٥٨٠٥، ٥٨٠٣، ٥٧٩٤، ١٨٤٢، ١٨٣٨، ١٥٤٢، ٣٦٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُطَابَقَةَ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا وَالْجَوَابُ عَامًّا جَازَ، وَحُمِلَ الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ جَوَابٌ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَتَذَرَّعُ بِجَوَابِهِ إِلَى أَنْ يُعَدِّيَهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَصِّلَ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا، وَزَادَهُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّ حَالَةَ السَّفَرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْجَوَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُطَابِقَةِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُدُولُ عَمَّا لَا يَنْحَصِرُ إِلَى مَا يَنْحَصِرُ طَلَبًا لِلْإِيجَازِ ; لِأَنَّ السَّائِلَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يَلْبَسُ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَلَوْ عَدَّدَ لَهُ مَا يَلْبَسُ لَطَالَ بِهِ، بَلْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بَعْضُ السَّامِعِينَ بِمَفْهُومِهِ فَيُظَنُّ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُحَرَّمِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لَا مَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ لِبَاسٌ مَخْصُوصٌ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ شَيْئًا مَخْصُوصًا.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ آدَمَ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْعَطْفِ عَلَى نَافِعٍ وَلَمْ يُعِدْ ذِكْرَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْعِلْمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَحَدِيثَيْنِ، مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالتَّعَالِيقُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَرَحَلَ جَابِرٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَقِصَّةُ ضِمَامٍ فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. وَبَاقِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَمَانُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مَوْصُولَةٌ، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَبِغَيْرِ تَكْرِيرٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَحَدِيثُهُ فِي الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِعَادَةِ الْكَلِمَةِ ثَلَاثًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالشَّفَاعَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَ تَقَوَّلَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيفَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَوْنِهِ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَفِظْتُ وِعَاءَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ
مُوَافَقَتُهُ عَلَى تَخْرِيجِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَحَابِيِّهِ وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْبَقِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
﷽
٤ - كِتَاب الْوُضُوء
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً. وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ. وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْوُضُوءِ. بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلِكَرِيمَةَ بَابٌ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿. . . إِلَخْ. وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ ذِكْرُ أَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَصِفَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَالْوُضُوءُ بِالضَّمِّ هُوَ الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَحُكِيَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْأَمْرَانِ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَنَظَّفُ بِهِ فَيَصِيرُ وَضِيئًا: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مَا جَاءَ إِلَى اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى الْإِيجَابِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى النَّدْبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ عَلَى الْإِيجَابِ ثُمَّ نُسِخَ فَصَارَ مَنْدُوبًا.
وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّثَتْ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ أَيْ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ فَقِيلَ: يَجِبُ بِالْحَدَثِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وَقِيلَ بِهِ وَبِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ مَعًا وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ حَسْبُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إِيجَابَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّؤُوا لِأَجْلِهَا، إِذَا رَأَيْتُ الْأَمِيرَ فَقُمْ، أَيْ لِأَجْلِهِ. وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ
الْوُضُوءَ أَوَّلَ مَا فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إِنَّمَا فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ. فَقَالَ: ائْتُونِي بِوَضُوءٍ. فَتَوَضَّأَ. . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ (١) بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ يَتِيمِ عُرْوَةَ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي السَّنَدِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٍ مَوْصُولًا، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً، أَوْ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ يُفْعَلُ مَرَّةً، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ بِأَنَّ. وَأَعَادَ لَفْظَ مَرَّةٍ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَيِ: الْوَجْهُ مَرَّةً وَالْيَدُ مَرَّةً. . . إِلَخْ.
وَالْبَيَانُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَهُوَ بَيَانٌ بِالْفِعْلِ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ، إِذِ الْأَمْرُ يُفِيدُ طَلَبَ إِيجَادِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِعَدَدٍ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِيجَابِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَثَلَاثًا) أَيْ: وَتَوَضَّأَ أَيْضًا ثَلَاثًا، زَادَ الْأَصِيلِيُّ ثَلَاثًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) أَيْ: لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أُنْكِرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ مِنَ الثَّلَاثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ سَيِّئٌ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ، وَالظُّلْمُ بِالزِّيَادَةِ. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَمَنْ زَادَ فَقَطْ، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ. وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٥٢٥] وبالله المُستَعَان.
(٥٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ) وفي رواية ابن عساكر: «أكثر» (مِمَّا سَأَلَهُ) فلا يلزم مُطابَقَة الجواب للسُّؤال، بل إذا كان السَّبب (١) خاصًّا والجواب عامًّا جاز، وأمَّا ما وقع في كلام كثيرٍ من أهل الأصول: أنَّ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسُّؤال فليس المُرَاد بالمُطابَقَة عدمَ الزِّيادة، بلِ المُرَادُ أنَّ الجواب يكون مفيدًا (٢) للحكم المسؤول عنه، ولفظ «باب» سقط عند الأَصيليِّ.
١٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «والزُّهريِّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن (٣) ابن عمر، والآخر: عن آدم عن
ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل قبل (١) «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) ﷺ: (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمُوحَّدة مضارع «لبِس» بكسر المُوحَّدَة (فَقَالَ) ﵊: (لَا يَلْبَسُِ) بفتح الأوَّل والثَّالث ويجوز ضمُّ السِّين على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ (القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء (٢)، وللأَصيليِّ: «مسَّه الزَّعفران أوِ الورس» (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلِْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللَّام وسكونها، عطفٌ على «فليلبس» (حَتَّى) أن (يَكُونَا) أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الكَعْبَيْنِ) فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه ﵇ بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه ﵊ وفصاحته لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ. انتهى.
وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه ﵊ عنها، وزاده (٣) حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٨] بعون الله وقوَّته وفضله (٤) ومنَّته، وهذا آخر أحاديث «كتاب العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.
((٤)) كِتَابُ الوُضُوءِ
ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو (١) مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ «الإيمان»، ثمَّ بـ «العلم» شرع يذكر أحكام (٢) العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث (٣) «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦٨] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ «الطَّهارة» لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:
(بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوُضُوءِ) وهو بالضَّمِّ: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضَّأُ به، وحُكِيَ في كلٍّ الفتحُ والضَّمُّ، وهو مُشتَقٌّ من الوَضَاءة، وهي الحُسْنُ والنَّظافة لأنَّ المصلِّيَ يتنظَّف به فيصير وضيئًا، ولابن عساكر: تأخير البسملة عن «كتاب الوضوء»، ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الوضوء» (٤).
(١) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ﴾ (١) (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله ﷺ فيما روى (٢) مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد … الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ»، فثبت غَسله ﵊ لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد -التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا- إلى المرافق (٣)، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: ﴿مَنْ (٤) أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ﴿إِلَى﴾ غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد
تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع (١) والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق (٢)، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية (٣)، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها (٤) إلى المرافق (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾) بالجرِّ، وللأَصيليِّ بالنَّصب (﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم (٥) مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله ﷺ أمر (٦) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».
وافتتح المؤلِّف ﵀ الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ
الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؟ فصحّح في «التَّحقيق» و «المجموع» و «شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسَّعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم (١) الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ (٢) بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «ما جاء في قول الله» دون ما قبله،
وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: «ما جاء في الوضوء، وقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلى ﴿الْكَعْبَينِ﴾» [المائدة: ٦] ولكريمة: «بابٌ في الوضوء، وقول الله … » إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» (١) عقب البسملة: «كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء»، وهو (٢) أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال (٣) الشَّافعيُّ، والطَّهارة بالفتح مصدر «طَهَُر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخُلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العَيب، وشرعًا -كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» -: رفعُ حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما وعلى (٤) صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال (٥) المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين (٦)، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة (٧) المستحاضة وسلس البول.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦١٥٧]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ «قال: وبيَّن» (النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ (مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل (٨)، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ،
أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) ﷺ (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ (١)، ولغيره: «مرَّتين» بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ ﵊ أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «وثلاثًا ثلاثًا» بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) ﵊ (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه (٣) ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو (٤) بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من (٥) الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ (٦) مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ (٧): أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله (٨) تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر
على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً (١) إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ (٢)، والأصحُّ بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «على ثلاثةٍ» بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: «على الثَّلاث» (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله ﷺ الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو «وأنْ» من غير رقم (٣).
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، على ما لم يُسمَّ فاعله (صَلَاةٌ) بالرَّفع نائبٌ عنه، وفي روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» موافقةٌ لِما عند المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٤]: «لا يقبل الله صلاةً» (بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمِّ الطَّاء: الفعل الذي هو المصدر، والمُرَاد به: ما هو أعمُّ من الوضوء والغُسل، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّر به، وهذه التَّرجمة لفظ حديثٍ ليس على شرط المؤلِّف، رواه مسلمٌ وغيره من حديث ابن عمر، وقد قال القاضي عياضٌ في «شرحه»: إنَّه
نصٌّ في وجوب الطَّهارة، وتعقَّبه أبو (١) عبد الله الأُبِّيُّ بأنَّ الحديث إنَّما فيه أنَّها شرطٌ في القبول، والقبولُ أخصّ من الصِّحَّة، وشرط الأخصِّ لا يجب أن يكون شرطًا في الأعمِّ، وإنَّما كان القبول أخصّ لأنَّ حصول الثَّواب على الفعل، والصِّحَّة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مُتقبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشَّرط الذي هو الطَّهارة القبولُ لا الصِّحَّة، وإذا لم تنتفِ الصِّحَّة لم يتمَّ الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجُّون (٢) به، وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرَتِ (٣) الصِّحَّة بأنَّها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدلُّ على أنَّ الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثَّواب، قلت: غرضنا إبطال التَّمسُّك بالحديث من قبل الشَّرطيَّة، وقد اتَّضح، ثمَّ نمنع أنَّها سببٌ في حصول الثَّواب لأنَّ الأعمَّ ليس سببًا في حصول أخصِّه المُعيَّن. انتهى. ويُجاب بأنَّ المُرَاد بالقبول هنا ما يرادف الصِّحَّة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع الطَّاعة مجزِئةً رافعةً لمَا في الذِّمَّة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا؛ لأنَّ الغرض من الصِّحَّة مُطابَقَة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتَّب عليه القبول، وإذا انتفى القبول انتفتِ الصِّحَّة، لِما قام من الأدلَّة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت، وأمَّا القبول المنفيُّ في نحو قوله: «من أتى عرَّافًا لم يقبل له صلاة» فهو الحقيقيُّ؛ لأنَّه قد يصحُّ العمل ويتخلَّف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السَّلف يقول: «لأن تُقبَل لي (٤) صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدُّنيا». قال (٥) ابن عمر (٦): لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ.
[الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٥٨٥٢، ٥٨٤٧، ٥٨٠٦، ٥٨٠٥، ٥٨٠٣، ٥٧٩٤، ١٨٤٢، ١٨٣٨، ١٥٤٢، ٣٦٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُطَابَقَةَ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا وَالْجَوَابُ عَامًّا جَازَ، وَحُمِلَ الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ جَوَابٌ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَتَذَرَّعُ بِجَوَابِهِ إِلَى أَنْ يُعَدِّيَهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَصِّلَ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا، وَزَادَهُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّ حَالَةَ السَّفَرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْجَوَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُطَابِقَةِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُدُولُ عَمَّا لَا يَنْحَصِرُ إِلَى مَا يَنْحَصِرُ طَلَبًا لِلْإِيجَازِ ; لِأَنَّ السَّائِلَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يَلْبَسُ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَلَوْ عَدَّدَ لَهُ مَا يَلْبَسُ لَطَالَ بِهِ، بَلْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بَعْضُ السَّامِعِينَ بِمَفْهُومِهِ فَيُظَنُّ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُحَرَّمِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لَا مَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ لِبَاسٌ مَخْصُوصٌ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ شَيْئًا مَخْصُوصًا.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ آدَمَ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْعَطْفِ عَلَى نَافِعٍ وَلَمْ يُعِدْ ذِكْرَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْعِلْمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَحَدِيثَيْنِ، مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالتَّعَالِيقُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَرَحَلَ جَابِرٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَقِصَّةُ ضِمَامٍ فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. وَبَاقِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَمَانُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مَوْصُولَةٌ، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَبِغَيْرِ تَكْرِيرٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَحَدِيثُهُ فِي الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِعَادَةِ الْكَلِمَةِ ثَلَاثًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالشَّفَاعَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَ تَقَوَّلَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيفَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَوْنِهِ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَفِظْتُ وِعَاءَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ
مُوَافَقَتُهُ عَلَى تَخْرِيجِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَحَابِيِّهِ وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْبَقِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
﷽
٤ - كِتَاب الْوُضُوء
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً. وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ. وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْوُضُوءِ. بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلِكَرِيمَةَ بَابٌ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿. . . إِلَخْ. وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ ذِكْرُ أَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَصِفَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَالْوُضُوءُ بِالضَّمِّ هُوَ الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَحُكِيَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْأَمْرَانِ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَنَظَّفُ بِهِ فَيَصِيرُ وَضِيئًا: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مَا جَاءَ إِلَى اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى الْإِيجَابِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى النَّدْبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ عَلَى الْإِيجَابِ ثُمَّ نُسِخَ فَصَارَ مَنْدُوبًا.
وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّثَتْ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ أَيْ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ فَقِيلَ: يَجِبُ بِالْحَدَثِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وَقِيلَ بِهِ وَبِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ مَعًا وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ حَسْبُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إِيجَابَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّؤُوا لِأَجْلِهَا، إِذَا رَأَيْتُ الْأَمِيرَ فَقُمْ، أَيْ لِأَجْلِهِ. وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ
الْوُضُوءَ أَوَّلَ مَا فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إِنَّمَا فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ. فَقَالَ: ائْتُونِي بِوَضُوءٍ. فَتَوَضَّأَ. . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ (١) بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ يَتِيمِ عُرْوَةَ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي السَّنَدِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٍ مَوْصُولًا، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً، أَوْ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ يُفْعَلُ مَرَّةً، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ بِأَنَّ. وَأَعَادَ لَفْظَ مَرَّةٍ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَيِ: الْوَجْهُ مَرَّةً وَالْيَدُ مَرَّةً. . . إِلَخْ.
وَالْبَيَانُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَهُوَ بَيَانٌ بِالْفِعْلِ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ، إِذِ الْأَمْرُ يُفِيدُ طَلَبَ إِيجَادِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِعَدَدٍ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِيجَابِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَثَلَاثًا) أَيْ: وَتَوَضَّأَ أَيْضًا ثَلَاثًا، زَادَ الْأَصِيلِيُّ ثَلَاثًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) أَيْ: لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أُنْكِرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ مِنَ الثَّلَاثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ سَيِّئٌ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ، وَالظُّلْمُ بِالزِّيَادَةِ. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَمَنْ زَادَ فَقَطْ، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ. وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٥٢٥] وبالله المُستَعَان.
(٥٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ) وفي رواية ابن عساكر: «أكثر» (مِمَّا سَأَلَهُ) فلا يلزم مُطابَقَة الجواب للسُّؤال، بل إذا كان السَّبب (١) خاصًّا والجواب عامًّا جاز، وأمَّا ما وقع في كلام كثيرٍ من أهل الأصول: أنَّ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسُّؤال فليس المُرَاد بالمُطابَقَة عدمَ الزِّيادة، بلِ المُرَادُ أنَّ الجواب يكون مفيدًا (٢) للحكم المسؤول عنه، ولفظ «باب» سقط عند الأَصيليِّ.
١٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «والزُّهريِّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن (٣) ابن عمر، والآخر: عن آدم عن
ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل قبل (١) «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) ﷺ: (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمُوحَّدة مضارع «لبِس» بكسر المُوحَّدَة (فَقَالَ) ﵊: (لَا يَلْبَسُِ) بفتح الأوَّل والثَّالث ويجوز ضمُّ السِّين على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ (القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء (٢)، وللأَصيليِّ: «مسَّه الزَّعفران أوِ الورس» (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلِْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللَّام وسكونها، عطفٌ على «فليلبس» (حَتَّى) أن (يَكُونَا) أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الكَعْبَيْنِ) فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه ﵇ بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه ﵊ وفصاحته لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ. انتهى.
وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه ﵊ عنها، وزاده (٣) حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٨] بعون الله وقوَّته وفضله (٤) ومنَّته، وهذا آخر أحاديث «كتاب العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.
((٤)) كِتَابُ الوُضُوءِ
ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو (١) مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ «الإيمان»، ثمَّ بـ «العلم» شرع يذكر أحكام (٢) العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث (٣) «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦٨] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ «الطَّهارة» لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:
(بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوُضُوءِ) وهو بالضَّمِّ: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضَّأُ به، وحُكِيَ في كلٍّ الفتحُ والضَّمُّ، وهو مُشتَقٌّ من الوَضَاءة، وهي الحُسْنُ والنَّظافة لأنَّ المصلِّيَ يتنظَّف به فيصير وضيئًا، ولابن عساكر: تأخير البسملة عن «كتاب الوضوء»، ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الوضوء» (٤).
(١) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ﴾ (١) (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله ﷺ فيما روى (٢) مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد … الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ»، فثبت غَسله ﵊ لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد -التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا- إلى المرافق (٣)، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: ﴿مَنْ (٤) أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ﴿إِلَى﴾ غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد
تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع (١) والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق (٢)، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية (٣)، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها (٤) إلى المرافق (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾) بالجرِّ، وللأَصيليِّ بالنَّصب (﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم (٥) مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله ﷺ أمر (٦) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».
وافتتح المؤلِّف ﵀ الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ
الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؟ فصحّح في «التَّحقيق» و «المجموع» و «شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسَّعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم (١) الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ (٢) بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «ما جاء في قول الله» دون ما قبله،
وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: «ما جاء في الوضوء، وقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلى ﴿الْكَعْبَينِ﴾» [المائدة: ٦] ولكريمة: «بابٌ في الوضوء، وقول الله … » إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» (١) عقب البسملة: «كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء»، وهو (٢) أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال (٣) الشَّافعيُّ، والطَّهارة بالفتح مصدر «طَهَُر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخُلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العَيب، وشرعًا -كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» -: رفعُ حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما وعلى (٤) صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال (٥) المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين (٦)، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة (٧) المستحاضة وسلس البول.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦١٥٧]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ «قال: وبيَّن» (النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ (مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل (٨)، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ،
أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) ﷺ (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ (١)، ولغيره: «مرَّتين» بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ ﵊ أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «وثلاثًا ثلاثًا» بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) ﵊ (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه (٣) ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو (٤) بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من (٥) الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ (٦) مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ (٧): أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله (٨) تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر
على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً (١) إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ (٢)، والأصحُّ بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «على ثلاثةٍ» بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: «على الثَّلاث» (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله ﷺ الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو «وأنْ» من غير رقم (٣).
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، على ما لم يُسمَّ فاعله (صَلَاةٌ) بالرَّفع نائبٌ عنه، وفي روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» موافقةٌ لِما عند المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٤]: «لا يقبل الله صلاةً» (بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمِّ الطَّاء: الفعل الذي هو المصدر، والمُرَاد به: ما هو أعمُّ من الوضوء والغُسل، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّر به، وهذه التَّرجمة لفظ حديثٍ ليس على شرط المؤلِّف، رواه مسلمٌ وغيره من حديث ابن عمر، وقد قال القاضي عياضٌ في «شرحه»: إنَّه
نصٌّ في وجوب الطَّهارة، وتعقَّبه أبو (١) عبد الله الأُبِّيُّ بأنَّ الحديث إنَّما فيه أنَّها شرطٌ في القبول، والقبولُ أخصّ من الصِّحَّة، وشرط الأخصِّ لا يجب أن يكون شرطًا في الأعمِّ، وإنَّما كان القبول أخصّ لأنَّ حصول الثَّواب على الفعل، والصِّحَّة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مُتقبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشَّرط الذي هو الطَّهارة القبولُ لا الصِّحَّة، وإذا لم تنتفِ الصِّحَّة لم يتمَّ الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجُّون (٢) به، وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرَتِ (٣) الصِّحَّة بأنَّها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدلُّ على أنَّ الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثَّواب، قلت: غرضنا إبطال التَّمسُّك بالحديث من قبل الشَّرطيَّة، وقد اتَّضح، ثمَّ نمنع أنَّها سببٌ في حصول الثَّواب لأنَّ الأعمَّ ليس سببًا في حصول أخصِّه المُعيَّن. انتهى. ويُجاب بأنَّ المُرَاد بالقبول هنا ما يرادف الصِّحَّة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع الطَّاعة مجزِئةً رافعةً لمَا في الذِّمَّة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا؛ لأنَّ الغرض من الصِّحَّة مُطابَقَة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتَّب عليه القبول، وإذا انتفى القبول انتفتِ الصِّحَّة، لِما قام من الأدلَّة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت، وأمَّا القبول المنفيُّ في نحو قوله: «من أتى عرَّافًا لم يقبل له صلاة» فهو الحقيقيُّ؛ لأنَّه قد يصحُّ العمل ويتخلَّف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السَّلف يقول: «لأن تُقبَل لي (٤) صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدُّنيا». قال (٥) ابن عمر (٦): لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].