«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 134

الحديث رقم 134 من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا سأله ما يلبس المحرم؟ فقال: لا يلبس…

«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ».

سند حديث: ١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا…

١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رجلا سأله ما يلبس المحرم؟ فقال: لا يلبس…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ

١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.

وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ.

[الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٥٨٥٢، ٥٨٤٧، ٥٨٠٦، ٥٨٠٥، ٥٨٠٣، ٥٧٩٤، ١٨٤٢، ١٨٣٨، ١٥٤٢، ٣٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُطَابَقَةَ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا وَالْجَوَابُ عَامًّا جَازَ، وَحُمِلَ الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ جَوَابٌ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَتَذَرَّعُ بِجَوَابِهِ إِلَى أَنْ يُعَدِّيَهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَصِّلَ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا، وَزَادَهُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّ حَالَةَ السَّفَرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْجَوَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُطَابِقَةِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُدُولُ عَمَّا لَا يَنْحَصِرُ إِلَى مَا يَنْحَصِرُ طَلَبًا لِلْإِيجَازِ ; لِأَنَّ السَّائِلَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يَلْبَسُ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَلَوْ عَدَّدَ لَهُ مَا يَلْبَسُ لَطَالَ بِهِ، بَلْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بَعْضُ السَّامِعِينَ بِمَفْهُومِهِ فَيُظَنُّ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُحَرَّمِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لَا مَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ لِبَاسٌ مَخْصُوصٌ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ شَيْئًا مَخْصُوصًا.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ آدَمَ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْعَطْفِ عَلَى نَافِعٍ وَلَمْ يُعِدْ ذِكْرَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْعِلْمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَحَدِيثَيْنِ، مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالتَّعَالِيقُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَرَحَلَ جَابِرٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَقِصَّةُ ضِمَامٍ فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. وَبَاقِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَمَانُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مَوْصُولَةٌ، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَبِغَيْرِ تَكْرِيرٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَحَدِيثُهُ فِي الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِعَادَةِ الْكَلِمَةِ ثَلَاثًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالشَّفَاعَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَ تَقَوَّلَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيفَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَوْنِهِ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَفِظْتُ وِعَاءَيْنِ.

وَالْمُرَادُ بِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ

مُوَافَقَتُهُ عَلَى تَخْرِيجِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَحَابِيِّهِ وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْبَقِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ.

قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْوُضُوءَ أَوَّلَ مَا فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إِنَّمَا فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ.

وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ. فَقَالَ: ائْتُونِي بِوَضُوءٍ. فَتَوَضَّأَ. . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ (١) بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ يَتِيمِ عُرْوَةَ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي السَّنَدِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٍ مَوْصُولًا، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً، أَوْ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ يُفْعَلُ مَرَّةً، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ بِأَنَّ. وَأَعَادَ لَفْظَ مَرَّةٍ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَيِ: الْوَجْهُ مَرَّةً وَالْيَدُ مَرَّةً. . . إِلَخْ.

وَالْبَيَانُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَهُوَ بَيَانٌ بِالْفِعْلِ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ، إِذِ الْأَمْرُ يُفِيدُ طَلَبَ إِيجَادِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِعَدَدٍ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِيجَابِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَثَلَاثًا) أَيْ: وَتَوَضَّأَ أَيْضًا ثَلَاثًا، زَادَ الْأَصِيلِيُّ ثَلَاثًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) أَيْ: لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أُنْكِرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ مِنَ الثَّلَاثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ سَيِّئٌ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ، وَالظُّلْمُ بِالزِّيَادَةِ. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَمَنْ زَادَ فَقَطْ، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ. وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٥٢٥] وبالله المُستَعَان.

(٥٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ) وفي رواية ابن عساكر: «أكثر» (مِمَّا سَأَلَهُ) فلا يلزم مُطابَقَة الجواب للسُّؤال، بل إذا كان السَّبب (١) خاصًّا والجواب عامًّا جاز، وأمَّا ما وقع في كلام كثيرٍ من أهل الأصول: أنَّ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسُّؤال فليس المُرَاد بالمُطابَقَة عدمَ الزِّيادة، بلِ المُرَادُ أنَّ الجواب يكون مفيدًا (٢) للحكم المسؤول عنه، ولفظ «باب» سقط عند الأَصيليِّ.

١٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «والزُّهريِّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن (٣) ابن عمر، والآخر: عن آدم عن

ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل قبل (١) «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) ﷺ: (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمُوحَّدة مضارع «لبِس» بكسر المُوحَّدَة (فَقَالَ) ﵊: (لَا يَلْبَسُِ) بفتح الأوَّل والثَّالث ويجوز ضمُّ السِّين على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ (القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء (٢)، وللأَصيليِّ: «مسَّه الزَّعفران أوِ الورس» (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلِْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللَّام وسكونها، عطفٌ على «فليلبس» (حَتَّى) أن (يَكُونَا) أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الكَعْبَيْنِ) فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه ﵇ بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه ﵊ وفصاحته لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ. انتهى.

وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه ﵊ عنها، وزاده (٣) حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٨] بعون الله وقوَّته وفضله (٤) ومنَّته، وهذا آخر أحاديث «كتاب العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.

((٤)) كِتَابُ الوُضُوءِ

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو (١) مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ «الإيمان»، ثمَّ بـ «العلم» شرع يذكر أحكام (٢) العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث (٣) «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦٨] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ «الطَّهارة» لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:

(بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوُضُوءِ) وهو بالضَّمِّ: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضَّأُ به، وحُكِيَ في كلٍّ الفتحُ والضَّمُّ، وهو مُشتَقٌّ من الوَضَاءة، وهي الحُسْنُ والنَّظافة لأنَّ المصلِّيَ يتنظَّف به فيصير وضيئًا، ولابن عساكر: تأخير البسملة عن «كتاب الوضوء»، ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الوضوء» (٤).

(١) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُواْ﴾ (١) (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله ﷺ فيما روى (٢) مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد … الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ»، فثبت غَسله ﵊ لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد -التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا- إلى المرافق (٣)، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: ﴿مَنْ (٤) أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ﴿إِلَى﴾ غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد

تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع (١) والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق (٢)، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية (٣)، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها (٤) إلى المرافق (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾) بالجرِّ، وللأَصيليِّ بالنَّصب (﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم (٥) مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله ﷺ أمر (٦) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».

وافتتح المؤلِّف ﵀ الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ

الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؟ فصحّح في «التَّحقيق» و «المجموع» و «شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسَّعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم (١) الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ (٢) بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «ما جاء في قول الله» دون ما قبله،

وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: «ما جاء في الوضوء، وقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلى ﴿الْكَعْبَينِ﴾» [المائدة: ٦] ولكريمة: «بابٌ في الوضوء، وقول الله … » إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» (١) عقب البسملة: «كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء»، وهو (٢) أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال (٣) الشَّافعيُّ، والطَّهارة بالفتح مصدر «طَهَُر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخُلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العَيب، وشرعًا -كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» -: رفعُ حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما وعلى (٤) صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال (٥) المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين (٦)، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة (٧) المستحاضة وسلس البول.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦١٥٧]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ «قال: وبيَّن» (النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ (مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل (٨)، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ،

أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) ﷺ (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ (١)، ولغيره: «مرَّتين» بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ ﵊ أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «وثلاثًا ثلاثًا» بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) ﵊ (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه (٣) ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو (٤) بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من (٥) الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ (٦) مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ (٧): أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله (٨) تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر

على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً (١) إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ (٢)، والأصحُّ بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «على ثلاثةٍ» بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: «على الثَّلاث» (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله ﷺ الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو «وأنْ» من غير رقم (٣).

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، على ما لم يُسمَّ فاعله (صَلَاةٌ) بالرَّفع نائبٌ عنه، وفي روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» موافقةٌ لِما عند المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٤]: «لا يقبل الله صلاةً» (بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمِّ الطَّاء: الفعل الذي هو المصدر، والمُرَاد به: ما هو أعمُّ من الوضوء والغُسل، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّر به، وهذه التَّرجمة لفظ حديثٍ ليس على شرط المؤلِّف، رواه مسلمٌ وغيره من حديث ابن عمر، وقد قال القاضي عياضٌ في «شرحه»: إنَّه

نصٌّ في وجوب الطَّهارة، وتعقَّبه أبو (١) عبد الله الأُبِّيُّ بأنَّ الحديث إنَّما فيه أنَّها شرطٌ في القبول، والقبولُ أخصّ من الصِّحَّة، وشرط الأخصِّ لا يجب أن يكون شرطًا في الأعمِّ، وإنَّما كان القبول أخصّ لأنَّ حصول الثَّواب على الفعل، والصِّحَّة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مُتقبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشَّرط الذي هو الطَّهارة القبولُ لا الصِّحَّة، وإذا لم تنتفِ الصِّحَّة لم يتمَّ الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجُّون (٢) به، وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرَتِ (٣) الصِّحَّة بأنَّها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدلُّ على أنَّ الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثَّواب، قلت: غرضنا إبطال التَّمسُّك بالحديث من قبل الشَّرطيَّة، وقد اتَّضح، ثمَّ نمنع أنَّها سببٌ في حصول الثَّواب لأنَّ الأعمَّ ليس سببًا في حصول أخصِّه المُعيَّن. انتهى. ويُجاب بأنَّ المُرَاد بالقبول هنا ما يرادف الصِّحَّة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع الطَّاعة مجزِئةً رافعةً لمَا في الذِّمَّة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا؛ لأنَّ الغرض من الصِّحَّة مُطابَقَة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتَّب عليه القبول، وإذا انتفى القبول انتفتِ الصِّحَّة، لِما قام من الأدلَّة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت، وأمَّا القبول المنفيُّ في نحو قوله: «من أتى عرَّافًا لم يقبل له صلاة» فهو الحقيقيُّ؛ لأنَّه قد يصحُّ العمل ويتخلَّف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السَّلف يقول: «لأن تُقبَل لي (٤) صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدُّنيا». قال (٥) ابن عمر (٦): لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن عَبَّاس أخرجه الشَّيْخَانِ وَآخَرُونَ وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر وَزَاد مُسلم فِيهِ ومهل الْعرَاق ذَات عرق وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأهل الْمشرق العقيق قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي أجمع الْعلمَاء على الْمَوَاقِيت الْأَرْبَعَة وَاخْتلفُوا فِي ذَات عرق لأهل الْعرَاق وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا مِيقَات وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي لأهل الْعرَاق أَن يحرموا من العقيق مُعْتَمدًا على حَدِيث أبي دَاوُد الْمَذْكُور وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث حسن قلت وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن أبي زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا استحبه الشَّافِعِي لِأَنَّهُ أحوط عملا بِالْحَدِيثين على تَقْدِير الصِّحَّة فَإِن العقيق فَوق ذَات عرق وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف الْعلمَاء هَل صَارَت ذَات عرق ميقاتا لأهل الْعرَاق بِالنَّصِّ أَو الِاجْتِهَاد من عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه بتوقيت عمر واجتهاده لحَدِيث البُخَارِيّ الْمَذْكُور وَدَلِيل الثَّانِي حَدِيث جَابر لكنه لم يجْزم الرَّاوِي بِرَفْعِهِ قلت قد أخرج هَذِه الزِّيَادَة أَبُو دَاوُد بِالْجَزْمِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الْعرَاق ذَات عرق وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا لَكِن فِي حَدِيث أبي دَاوُد أَفْلح بن حميد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يُنكر عَلَيْهِ قَوْله هَذَا وَلأَهل الْعرَاق ذَات عرق قَالَ ابْن عدي تفرد بِهِ عَنهُ الْمعَافي ابْن عمرَان قلت قد أخرج لأفلح مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَوَثَّقَهُ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد الله وَغَيرهمَا الْمعَافي بن عمرَان ثِقَة وروى للمعافي البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ بَعضهم هَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيرهمَا بأسانيد ضَعِيفَة لَكِن يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا لما تقرر من أَن الضعْف إِذا كَانَ بِغَيْر فسق الرَّاوِي فَإِن الحَدِيث ينْتَقل إِلَى دَرَجَة الْحسن ويحتج بِهِ وَأما تَعْلِيل الدَّارَقُطْنِيّ للْحَدِيث بقوله إِنَّه لم يكن عراق يَوْمئِذٍ فقد ضعفه الْعلمَاء وَقَالُوا مثل هَذَا لَا يُعلل بِهِ الحَدِيث فقد أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمَّا لم يكن فِي زَمَانه مِمَّا كَانَ وَيكون وَهَذَا كَانَ من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ مَا أخبر بِهِ أَنه سَيكون لَهُم مهل ويسلمون ويحجون فَكَانَ ذَلِك وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الشَّام الْجحْفَة وَلم يكن فتح وَقد أقطع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلد الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لتميم الدَّارِيّ وَكتب لَهُ بذلك وَلم يكن الشَّام إِذْ ذَاك قلت قَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب قوم إِلَى أَن أهل الْعرَاق لَا وَقت لَهُم كوقت سَائِر أهل الْبِلَاد وَأَرَادَ بهم طَاوس بن كيسَان وَابْن سِيرِين وَجَابِر بن زيد وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ الْعرَاق وَقَالُوا أهل الْعرَاق يهلون من الْمِيقَات الَّذِي يأْتونَ عَلَيْهِ من هَذِه الْمَوَاقِيت الْمَذْكُورَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع عوام أهل الْعلم على القَوْل بِظَاهِر حَدِيث ابْن عمر وَاخْتلفُوا فِيمَا يفعل من مر بِذَات عرق فَثَبت أَن عمر رَضِي الله عَنهُ وقته لأهل الْعرَاق وَلَا يثبت فِيهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة انْتهى قلت الصَّحِيح هُوَ الَّذِي وقته النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا ذكره فِي مطامح الأفهام ثمَّ قَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلفُوا فِي الْمَكَان الَّذِي يحرم من أَتَى من الْعرَاق على ذَات عرق فَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ يحرم من العقيق وَاسْتحبَّ ذَلِك الشَّافِعِي وَكَانَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي يرَوْنَ الْإِحْرَام من ذَات عرق قَالَ أَبُو بكر الْإِحْرَام من ذَات عرق يجزىء وَهُوَ من العقيق أحوط وَقد كَانَ الْحسن بن صَالح يحرم من الربذَة وروى ذَلِك عَن خصيف وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قلت أخرج الطَّحَاوِيّ فِي كَون الْمِيقَات لأهل الْعرَاق ذَات عرق أَحَادِيث أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وهم عبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ والْحَارث بن عَمْرو السَّهْمِي عِنْد أبي دَاوُد وَعَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الثَّانِي فِيهِ أَن هَذِه الْمَوَاقِيت لَا تجوز مجاوزتها بِغَيْر إِحْرَام سَوَاء أَرَادَ حجا أَو عمْرَة فَإِن جاوزها بِغَيْر إِحْرَام يلْزمه دم وَيصِح حجه الثَّالِث فِيهِ معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ أخبر فِي زَمَانه عَن أَمر سَيكون بعده وَقد كَانَ

(بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاب الشَّخْص الَّذِي سَأَلَ عَنهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على السُّؤَال وَالْجَوَاب وَهُوَ ظَاهر

٧٣ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا سَأَلَهُ مَا يلبس الْمحرم فَقَالَ لَا يلبس الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا السَّرَاوِيل وَلَا الْبُرْنُس وَلَا ثوبا مَسّه الورس أَو الزَّعْفَرَان فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ إِلَى آخِره لِأَن هَذَا الْمِقْدَار زَائِد على السُّؤَال وَقيل أَنه نبه على مَسْأَلَة أصولية وَهِي أَن اللَّفْظ يحمل على عُمُومه لَا على خُصُوص السَّبَب لِأَنَّهُ جَوَاب وَزِيَادَة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مُطَابقَة الْجَواب للسؤال حِين يكون عَاما أما إِذا كَانَ السُّؤَال خَاصّا فَغير لَازم لَا سِيمَا إِذا كَانَ الزَّائِد لَهُ تعلق. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة كلهم ذكرُوا. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس وَابْن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وبالهمزة الساكنة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي وَنَافِع هُوَ مولى ابْن عمر. وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَهنا إسنادان أَحدهمَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَالْآخر عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر. وَقَوله وَعَن الزُّهْرِيّ عطف على قَوْله عَن نَافِع وَفِي بعض النّسخ وَقع لَفْظَة (ح) قبل قَوْله وَعَن الزُّهْرِيّ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الْمَتْن (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم وَمِنْهَا مَا قيل أصح الْأَسَانِيد الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَسَالم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق نَافِع هَهُنَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَنهُ بِهِ وَمن طَرِيق سَالم هَهُنَا أَيْضا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بِهِ وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن آدم عَنهُ بِهِ وَفِي الصَّلَاة عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك وَابْن مَاجَه عَن أبي مُصعب عَن مَالك وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعمر بن عَليّ كِلَاهُمَا عَن يزِيد عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عمر بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يلبس من اللّبْس بِضَم اللَّام يُقَال لبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم وَأما اللّبْس بِالْفَتْح فَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب يُقَال لبست عَلَيْهِ الْأَمر البس بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل إِذا خلطت عَلَيْهِ وَمِنْه التباس الْأَمر وَهُوَ اشتباهه قَوْله الْعِمَامَة بِكَسْر الْعين قَالَ الْجَوْهَرِي الْعِمَامَة وَاحِدَة العمائم وعممته ألبسته الْعِمَامَة وعمم الرجل سود لِأَن العمائم تيجان الْعَرَب كَمَا قيل فِي الْعَجم توج واعتم بالعمامة وتعمم بهَا بِمَعْنى وَفُلَان حسن الْعمة أَي الاعتمام قَوْله وَلَا السَّرَاوِيل قَالَ الْكرْمَانِي السَّرَاوِيل أَعْجَمِيَّة عربت وَجَاء على لفظ الْجمع وَهُوَ وَاحِد تذكر وتؤنث وَلم يعرف الْأَصْمَعِي فِيهَا إِلَّا التَّأْنِيث وَيجمع على السراويلات وَقد يُقَال هُوَ جمع ومفرده سروالة قَالَ الشَّاعِر

(عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... فَلَيْسَ يرق لمستضعف)

وَهُوَ غير منصرف على الْأَكْثَر وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ سَرَاوِيل وَاحِدَة وَهِي أَعْجَمِيَّة فأعربت فَأَشْبَهت فِي كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة فَهِيَ مصروفة فِي النكرَة وَقَالَ وَإِن سميت بهَا رجلا لم تصرفها وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهُ أَيْضا فِي النكرَة وَيَزْعُم أَنه جمع سروال وسروالة ويحتج فِي ترك صرفه بقوله ابْن الرُّومِي

(فنحى فَارسي فِي سَرَاوِيل رامح ... )

وَالْعَمَل على القَوْل الأول وَالثَّانِي أقوى وسرولته ألبسته السَّرَاوِيل فتسرول قَوْله وَلَا الْبُرْنُس بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَضم النُّون وَهُوَ ثوب رَأسه مِنْهُ ملتزق بِهِ وَقيل قلنسوة طَوِيلَة وَكَانَ النساك يلبسونها فِي صدر الْإِسْلَام وَهُوَ من البرس بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ الْقطن وَالنُّون زَائِدَة وَقيل غير عَرَبِيّ وَقَالَ ابْن حزم كل مَا جب فِيهِ مَوضِع لإِخْرَاج الرَّأْس مِنْهُ فَهُوَ

جُبَّة فِي لُغَة الْعَرَب وكل مَا خيط أَو نسج فِي طَرفَيْهِ ليتمسك على اللابسين فَهُوَ برنس كالغفارة وَنَحْوهَا وَيُقَال هُوَ ثوب رَأسه مُتَّصِل بِهِ من دراعة أَو جُبَّة أَو ممطر أَو غَيره قَوْله الورس بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة وَهُوَ نبت أصفر يكون بِالْيمن تصبغ بِهِ الثِّيَاب ويتخذ مِنْهُ الغمرة للْوَجْه وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي الورس يزرع بِالْيمن زرعا وَلَا يكون بِغَيْر الْيمن وَلَا يكون مِنْهُ شَيْء بريا ونباته مثل حب السمسم فَإِذا جف عِنْد إِدْرَاكه يفتق فينفض مِنْهُ الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سِنِين أَي يُقيم فِي الأَرْض ينْبت ويثمر وَفِيه جنس يُسمى بالحبشي وَفِيه سَواد وَهُوَ أكبر الورس وللعرعر ورس وللريث ورس وَقَالَ أَبُو حنيفَة لست أعرفهُ بِغَيْر أَرض الْعَرَب وَلَا من أَرض الْعَرَب غير بِلَاد الْيمن وَقَالَ الْأَصْمَعِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْيمن وَقد مَلَأت الأَرْض الورس واللبان والعصب وَأَخْبرنِي ابْن بنت عبد الرَّزَّاق وَقَالَ الورس عندنَا بِالْيمن بجفاش وملجان وطمام وسحبان والرقعة وَجَوَاز وهوزن وجبال ابْن أبي جَعْفَر كلهَا وَيُقَال لَهُ الحض وَقَالَ ابْن بيطار فِي جَامعه يُؤْتى بالورس من الصين واليمن والهند وَلَيْسَ بنبات يزرع كَمَا زعم من زعم وَهُوَ يشبه زهر العصفر وَمِنْه شَيْء يشبه نشارة البابونج وَمِنْه شَيْء يشبه البنفسج وَيُقَال أَن الكركم عروقه انْتهى يُقَال أورس الْمَكَان وورست الثَّوْب توريسا صبغته بالورس وريسته صبغته بالورس قَوْله والزعفران بِفَتْح الزَّاي وَالْفَاء جمعه زعافر وَهُوَ اسْم أعجمي وَقد صرفته الْعَرَب يُقَال ثوب مزعفر وَقد زعفر ثَوْبه يزعفره زعفرة وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي لَا أعلمهُ ينْبت بِشَيْء من أَرض الْعَرَب وَفِي كتاب الطِّبّ للمفضل بن سَلمَة يُقَال أَن الكركم عروق الزَّعْفَرَان وَقَالَ مورج يُقَال لورق الزَّعْفَرَان الفيد وَمِنْه يُسمى مورج أبافيد قَوْله النَّعْلَيْنِ تَثْنِيَة نعل وَهُوَ الْحذاء بِكَسْر الْحَاء وبالمد يُقَال احتذى إِذا انتعل وَهِي مُؤَنّثَة قَوْله الْكَعْبَيْنِ تَثْنِيَة كَعْب وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا هُوَ الْمفصل الَّذِي فِي وسط الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك لَا الْعظم الناتىء عِنْد مفصل السَّاق فَإِنَّهُ فِي بَاب الْوضُوء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَأَلَهُ جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله مَا يلبس كلمة مَا استفهامية أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لسأل قَوْله فَقَالَ عطف على سَأَلَهُ قَوْله لَا يلبس يجوز بِضَم السِّين على أَن تكون لَا نَافِيَة وبكسرها على أَن تكون لَا ناهية والقميص بِالنّصب مَفْعُوله وَمَا بعده من الْمَذْكُورَات معطوفات عَلَيْهِ قَوْله وَلَا ثوبا بِالنّصب وروى وَلَا ثوب بِالرَّفْع فوجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِتَقْدِير فعل مَا لم يسم فَاعله أَي وَلَا يلبس ثوب قَوْله مَسّه فعل ومفعول والورس بِالرَّفْع فَاعله وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب أَو الرّفْع صفة للثوب قَوْله فليلبس الْخُفَّيْنِ جَوَاب الشَّرْط فَلذَلِك دخله الْفَاء قَوْله وليقطعهما بِكَسْر اللَّام وسكونها وَهُوَ عطف على قَوْله فليلبس فَإِن قلت اللّبْس بعد الْقطع فَكيف وَجه هَذَا الْعَطف قلت الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَمَعْنَاهَا الشّركَة وَالْجمع مُطلقًا من غير دلَالَة على تَقْدِيم أَو مصاحبة وَلِهَذَا صَحَّ جَاءَ زيد وَبكر قبله وَعَمْرو مَعَه وخَالِد بعده وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة {وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة} وَفِي الْأَعْرَاف {وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا} والقصة وَاحِدَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْوَاو للشَّرِكَة تَقول مَرَرْت بِرَجُل وحمار وَلم يفد تَقْدِيم رجل فِي الْمَعْنى شَيْئا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء فِي اللَّفْظ فكأنك قلت مَرَرْت بهما قَوْله حَتَّى يَكُونَا التَّقْدِير حَتَّى أَن يَكُونَا وَكلمَة حَتَّى للغاية وَالْمعْنَى حَتَّى يكون غَايَته الْقطع تَحت الْكَعْبَيْنِ (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله مَا يلبس الْمحرم قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره سُئِلَ عَمَّا يلبس فَأجَاب بِمَا لَا يلبس لِأَن الْمَتْرُوك منحصر والملبوس لَا ينْحَصر لِأَن الْإِبَاحَة هِيَ الأَصْل فحصر مَا يتْرك ليبين أَن مَا سواهُ مُبَاح وَهَذَا من بديع كَلَامه وجزله وفصاحته قلت وَفَائِدَة أُخْرَى وَهُوَ مُرَاعَاة الْمَفْهُوم فَإِنَّهُ لَو أجَاب بِمَا يلبس لتوهم الْمَفْهُوم وَهُوَ أَن غير الْمحرم لَا يلْبسهُ فانتقل إِلَى مَا لَا يلْبسهُ لِأَن مَفْهُومه ومنطوقه مُسْتَعْمل فَكَانَ أفْصح وأبلغ وأوجه وَقد أُجِيب بِأَن السُّؤَال كَانَ من حَقه أَن يكون عَمَّا لَا يلبس لِأَن الحكم الْعَارِض الْمُحْتَاج إِلَى الْبَيَان هُوَ الْحُرْمَة وَأما جَوَاز مَا يلبس فثابت فِي الأَصْل مَعْلُوم بالاستصحاب فَلذَلِك أَتَى بِالْجَوَابِ على وَفقه تَنْبِيها عَلَيْهِ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مَا ذكر فِي الحَدِيث لَا يلْبسهُ الْمحرم وَأَنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط فنبه بالسراويل على كل مَا يعم الْعَوْرَة من الْمخيط وبالعمائم والبرانس على كل مَا يغطى بِهِ الرَّأْس مخيطا أَو غَيره وبالخفاف على مَا يستر الرجل وَإِن لِبَاس ذَلِك جَائِز للرِّجَال فِي غير الْإِحْرَام لِأَن الْخطاب إِنَّمَا كَانَ لَهُم وَلِأَن النِّسَاء مأمورات بستر رُؤْسهنَّ قلت وَفِي عطف البرانس على الْعِمَامَة دَلِيل على أَن الْمحرم يَنْبَغِي أَن لَا يُغطي رَأسه بالمعتاد وَغَيره وَكَذَا

نبه بالورس والزعفران على مَا سواهُمَا من أَنْوَاع الطّيب وَهُوَ حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَإِن قلت مَا تقدم عَلَيْهِ وَمَا تَأَخّر عَنهُ خَاص بِالرِّجَالِ فَمن أَيْن علم عُمُومه وخصوصهما قلت الْخُصُوص من حَيْثُ أَن الْأَلْفَاظ كلهَا للمذكرين وَأما الْعُمُوم فَمن الْأَدِلَّة الْخَارِجَة عَن هَذَا الحَدِيث وَلَو كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع وَلَا ثوب فَالْجَوَاب أظهر قَالَ الْعلمَاء وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم اللبَاس الْمَذْكُور على الْمحرم أَن يبعد من الترفه ويتصف بِصفة الخاشع الذَّلِيل وليتذكر أَنه محرم فِي كل وَقت فَيكون أقرب إِلَى كَثْرَة أذكاره وأبلغ فِي مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات وليتذكر بِهِ الْمَوْت ولباس الأكفان والبعث يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة مهطعين إِلَى الدَّاعِي وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم الطّيب أَن يبعد من زِينَة الدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ دَاع إِلَى الْجِمَاع وَلِأَنَّهُ يُنَافِي الْحَاج فَإِنَّهُ أَشْعَث أغبر ومحصله إِرَادَة أَن يجمع همه لمقاصد الْآخِرَة قَوْله وَلَا ثوبا مَسّه الورس فَإِن قلت فَلم عدل عَن طَريقَة أخواته قلت لِأَن الطّيب حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَأَرَادَ أَن يعمم الحكم للْمحرمِ والمحرمة بِخِلَاف الثِّيَاب الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا حرَام على الرِّجَال فَقَط قَوْله فليقطعهما قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت فَإِذا فقد النَّعْل فَهَل يجب لبس الْخُف الْمَقْطُوع لِأَن ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب قلت لَا إِذْ هُوَ شرع للتسهيل فَلَا يُنَاسب التثقيل قلت هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مَذْهَب إِمَامه فَإِن الْقطع وَاجِب بِظَاهِر الْأَمر عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِلَّا أَن أَحْمد جوزه بِدُونِ الْقطع وَزعم أَصْحَابه أَن الْقطع إِضَاعَة وَهُوَ القَوْل بِالرَّأْيِ بِعَيْنِه ومنازعة السّنة بِهِ وَأوجب أَبُو حنيفَة الْفِدْيَة على من لم يقطعهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم إِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء أَن يُجيب بِخِلَافِهِ إِذا كَانَ فِي جَوَابه بَيَان مَا يسْأَل عَنهُ وَأما الزِّيَادَة على السُّؤَال فَحكم الْخُف وَإِنَّمَا زَاد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لعلمه بِمَشَقَّة السّفر وَمِمَّا يلْحق النَّاس من الحفي بِالْمَشْيِ رَحْمَة لَهُم وَلذَلِك يجب على الْعَالم أَن يُنَبه النَّاس فِي الْمسَائِل على مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويتسعون فِيهِ مَا لم يكن ذَرِيعَة إِلَى ترخيص شَيْء من حُدُود الله تَعَالَى الثَّانِي فِيهِ بَيَان حُرْمَة لبس الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْمحرم وَهَذَا إِجْمَاع الثَّالِث فِيهِ حُرْمَة لبس الثَّوْب الَّذِي مَسّه ورس أَو زعفران وَأطلق حرمته جمَاعَة مِنْهُم مُجَاهِد وَهِشَام بن عُرْوَة وَعُرْوَة بن الزبير وَمَالك فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَنهُ فَإِنَّهُم قَالُوا كل ثوب مَسّه ورس وزعفران لَا يجوز لبسه للْمحرمِ سَوَاء كَانَ مغسولا أَو لم يكن لإِطْلَاق الحَدِيث وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم الظَّاهِرِيّ وَخَالفهُم جمَاعَة وهم سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَطَاوُس وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر فَإِنَّهُم أَجَازُوا للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس أَو الزَّعْفَرَان إِذا كَانَ غسيلا لَا ينفض لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور إِلَّا أَن يكون غسيلا وَأورد هَذِه الزِّيَادَة الطَّحَاوِيّ فِي مَعَاني الْآثَار قَالَ حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ح وَحدثنَا ابْن أبي عمرَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عبيد الله بن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الحَدِيث الْمَذْكُور وَزَاد إِلَّا يكون غسيلا قَالَ ابْن أبي عمرَان رَأَيْت يحيى بن معِين وَهُوَ يتعجب من الْحمانِي إِذْ يحدث بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن هَذَا عِنْدِي ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين فقد ثَبت بِمَا ذكرنَا اسْتثِْنَاء رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الغسيل مِمَّا قد مَسّه ورس أَو زعفران انْتهى كَلَامه فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرب الحَدِيث فِي أَحَادِيث عبيد الله وَلم يَجِيء بِهَذَا أحد غَيره إِلَّا أَن يكون غسيلا قلت هَذَا يحيى بن معِين كَانَ أَولا يُنكر على يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي يَقُول كَيفَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ لما قَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ هَذَا الحَدِيث عِنْدِي وَأخرج لَهُ من أَصله عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره الْحمانِي بِهَذِهِ الزِّيَادَة كتب عَنهُ يحيى بن معِين وَكفى حجَّة لصِحَّة هَذِه الزِّيَادَة شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة وَأَبُو مُعَاوِيَة ثِقَة ثَبت وَقَول ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا نفى علمه بِصِحَّتِهِ وَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَّته فِي علم غَيره فَافْهَم الرَّابِع فِيهِ جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ إِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ وَلَكِن بِشَرْط قطعهمَا فالجمهور على وجوب الْقطع كَمَا ذكرنَا وَجوزهُ أَحْمد بِغَيْر قطع وَهُوَ مَذْهَب عَطاء أَيْضا واستدلا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث جَابر أخرجه مُسلم من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَمن

لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هذَيْن الْحَدِيثين أَعنِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر فَزعم أَصْحَاب أَحْمد أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر نَاسخ لحَدِيث عبد الله بن عمر بِالْقطعِ لِأَنَّهُ إِضَاعَة مَال وَقَالَ الْجُمْهُور الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة والإضاعة إِنَّمَا تكون فِيمَا نهى عَنهُ أما مَا ورد الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ إِضَاعَة بل هُوَ حق يجب الْإِيمَان بِهِ وادعاء النّسخ ضَعِيف جدا فَإِن قلت قَالَ ابْن قدامَة يحْتَمل أَن يكون الْأَمر بقطعهما قد نسخ فَإِن عَمْرو بن دِينَار روى الْحَدِيثين جَمِيعًا وَقَالَ انْظُرُوا أَيهمَا كَانَ قبل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدِيث ابْن عمر قبل لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض رواياته نَادَى رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَسْجِد يَعْنِي فِي الْمَدِينَة فَكَأَنَّهُ كَانَ قبل الْإِحْرَام وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يَقُول سمعته يخْطب بِعَرَفَات الحَدِيث فَيدل على تَأَخره عَن حَدِيث ابْن عمر فَيكون نَاسِخا لَهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْقطع وَاجِبا لبينه للنَّاس إِذْ لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ قلت يُفَسر هَذَا كُله مَا ذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس سَمِعت النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَهُوَ يخْطب وَيَقُول السَّرَاوِيل لمن لَا يجد الْإِزَار وَحدثنَا أَحْمد بن الْمِقْدَاد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بِذَاكَ الْمَكَان فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا يلبس الْمحرم الحَدِيث كَأَنَّهُ يُشِير بذلك الْمَكَان إِلَى عَرَفَات فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على مَا ذَكرُوهُ وادعوه من النّسخ وَالله أعلم فَإِن قلت قد قيل أَن قَوْله وليقطعهما من كَلَام نَافِع وَكَذَا فِي أمالي أبي قَاسم بن بشر بِسَنَد صَحِيح أَن نَافِعًا قَالَ بعد رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث وليقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن التِّين أَن جَعْفَر بن برْقَان قَالَ فِي رِوَايَته قَالَ نَافِع وَيقطع الخفان أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ روى حَدِيث ابْن عمر مَالك وَعبيد الله وَأَيوب فِي آخَرين فوقفوه على ابْن عمر وَحَدِيث ابْن عَبَّاس سَالم من الْوَقْف مَعَ مَا عضده من حَدِيث جَابر وَقد أَخذ بِحَدِيث عمر وَعلي وَسَعِيد وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ أَنا نحمل قَوْله وليقطعهما على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة لأجل الْإِحْرَام وَينْهى عَن ذَلِك فِي غير الْإِحْرَام لما فِيهِ من الْفساد قلت قَالَ أَبُو عمر قد اتّفق الْحفاظ من أَصْحَاب مَالك على لَفْظَة وليقطعهما أَنَّهَا من لفظ الحَدِيث وَأما جَعْفَر بن برْقَان فَوَهم فِيهِ فِي موضِعين. الأول جعله هَذَا من قَول نَافِع أَنه قَالَ فِيهِ من لم يجد إزارا فليلبس سَرَاوِيل وَلَيْسَ هَذَا حَدِيث ابْن عمر. وَالثَّانِي جعله هَذَا مَوْقُوفا وَقد روى أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا وَفِيه ذكر الْقطع وَقَالَ لَيْسَ نجد أحدا رَفعه غير زُهَيْر قَالَ وَكَانَ زُهَيْر من معادن الصدْق ذكره عَنهُ الْمَيْمُونِيّ الْخَامِس قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا السَّرَاوِيل أطلق الْمَنْع فِيهِ وَجَاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس إِبَاحَة لبس السَّرَاوِيل لمن لم يجد الْإِزَار بقوله من لم يجد إزارا فليلبس السَّرَاوِيل فَأخذ بِهِ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور مِنْهُم عَطاء وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَق وَدَاوُد وَمنعه أَبُو حنيفَة وَمَالك قَالَ فالشافعي أَخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِحجَّة علينا وَلَا نَحن نخالفه وَلَا تركنَا الْعَمَل بِهِ فَنحْن أَيْضا نقُول بِهِ ونجوز لبس السَّرَاوِيل للضَّرُورَة كَمَا جوزتم أَنْتُم وَلَكنَّا نقيد الْجَوَاز بِالْكَفَّارَةِ فَإِذا لبس وَجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على نفي وجوب الْكَفَّارَة غَايَة مَا فِي الْبَاب الَّذِي يدل عَلَيْهِ الحَدِيث جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ عِنْد عدم النَّعْلَيْنِ وَجَوَاز لبس السَّرَاوِيل عِنْد عدم الْإِزَار ثمَّ أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لدلائل أُخْرَى دلّت عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد وَأَجْمعُوا أَن الْمحرم إِذا وجد إزارا لم يجز لَهُ لبس السَّرَاوِيل وَاخْتلفُوا فِيهِ إِذا لم يجد الْإِزَار هَل يلبس السَّرَاوِيل وَإِن لبسهَا على ذَلِك هَل عَلَيْهِ فديَة أم لَا فَكَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة يريان على من لبس السَّرَاوِيل وَهُوَ محرم الْفِدْيَة وَسَوَاء عِنْد مَالك وجد الْإِزَار أَو لم يجد وَفِي الْبَدَائِع الْمحرم إِذا لم يجد الْإِزَار وَأمكنهُ فتق السَّرَاوِيل والتستر فِيهِ فتقه فَإِن لبسه وَلم يفتقه فَعَلَيهِ دم فِي قَول أَصْحَابنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يلْبسهُ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن لم يجد رِدَاء وَله قَمِيص فَلَا بَأْس أَن يشق قَمِيصه ويرتدي بِهِ لِأَنَّهُ لما شقَّه صَار بِمَنْزِلَة الرِّدَاء وَكَذَا إِذا لم يجد إزارا فَلَا بَأْس أَن يفتق سراويله خلاف مَوضِع التكة ويأتزر بِهِ لِأَنَّهُ إِذا فتقه صَار بِمَنْزِلَة الْإِزَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب

هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي قَوْله فِيهِ أَي فِي الْوضُوء وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من طَرِيق هِلَال بن يسَاف أحد التَّابِعين قَالَ كَانَ يُقَال فِي الْوضُوء إِسْرَاف وَلَو كنت على شاطىء نهر وَأخرج نَحوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وروى فِي مَعْنَاهُ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين حَدثنَا ابْن مصفى حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ لَا تسرف لَا تسرف قَالَ وَحدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن عبد الله عَن الجباني عَن ابْن عَمْرو أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف قَالَ أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر جَار وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَول البُخَارِيّ هَذَا إِشَارَة إِلَى نقل الْإِجْمَاع على منع الزِّيَادَة على الثَّلَاث قلت وَفِيه نظر فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِي الْأُم لَا أحب الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَإِن زَاد لم أكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِل مَا ذكره الشَّافِعِيَّة فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه. وَثَانِيها أَنَّهَا حرَام. وَثَالِثهَا أَنَّهَا خلاف الأولى وَأبْعد قوم فَقَالُوا أَنه إِذا زَاد على الثَّلَاث يبطل الْوضُوء كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة حَكَاهُ الدَّارمِيّ فِي استذكاره عَنْهُم وَهُوَ خطأ ظَاهر وَخلاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء قَوْله وَإِن يجاوزوا عطف على قَوْله الْإِسْرَاف فِيهِ وَهُوَ عطف تفسيري للإسراف إِذْ لَيْسَ المُرَاد بالإسراف إِلَّا الْمُجَاوزَة عَن فعل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي الثَّلَاث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَيْسَ بعد الثَّلَاث شَيْء وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق لَا تجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا آمن إِن يَأْثَم. فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب كُله تَرْجَمَة فَأَيْنَ الحَدِيث قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة حَدِيث لِأَن المُرَاد من الحَدِيث أَعم من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ حَدِيث لما ذكرنَا وَلَا شكّ أَن كلا مِنْهُمَا بَيَان للسّنة وَهُوَ الْمَقْصُود من الْبَاب وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ على مَا وجد فِي بعض النّسخ من ذكر لفظ بَاب هَهُنَا وَأما على بعض النّسخ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذكر لفظ بَاب فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف

(بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور)

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا وَأخرج أَصْحَاب السِّتَّة للْجَمِيع إِلَّا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد ومنبه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم يمانيون إِلَّا إِسْحَق وَمِنْهَا أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء أَصْحَاب مسانيد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَق بن نصر وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أحدث أَي وجد مِنْهُ الْحَدث أَو أَصَابَهُ الْحَدث أَو دخل فِي الْحَدث من الْحُدُوث وَهُوَ كَون شَيْء لم يكن قَالَ الصغاني أحدث الرجل من الْحَدث فَأَما قَول الْفُقَهَاء أحدث أَي أَتَى مِنْهُ مَا نقض طَهَارَته فَلَا تعرفه الْعَرَب قَوْله من حضر موت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَهُوَ اسْم بلد بِالْيمن وقبيلة أَيْضا وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالِاسْم الأول مِنْهُ مَبْنِيّ على الْفَتْح على الْأَصَح إِن قيل ببنائهما وَقيل بإعرابهما فَيُقَال حضر موت بِرَفْع الرَّاء وجر التَّاء وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ لُغَتَانِ التَّرْكِيب وَمنع الصّرْف وَالثَّانيَِة الْإِضَافَة فَإِذا أضيف جَازَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ الصّرْف وَتَركه وَفِي الْمطَالع حضر موت من بِلَاد الْيمن وهذيل وَيُقَال حضر موت بِضَم الْمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ حضرمي والتصغير حضيرموت يصغر الْمصدر مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجمع فَيُقَال فلَان من الحضارمة قَوْله فسَاء بِضَم الْفَاء وبالمد والضراط بِضَم الضَّاد وهما مشتركان فِي كَونهمَا ريحًا خَارِجا من الدبر ممتازان بِكَوْن الأول بِدُونِ الصَّوْت وَالثَّانِي مَعَ الصَّوْت وَفِي الصِّحَاح فسا يفسو فسوا وَالِاسْم الفساء بِالْمدِّ وتفاست الخنافس إِذا أخرجت استها لذَلِك وَفِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد الضراط مَعْرُوف يُقَال ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا قَوْله لَا يقبل الله إِلَى آخِره مقول القَوْل قَوْله صَلَاة مَنْصُوب أَو مَرْفُوع على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مُضَاف إِلَى قَوْله من وَهِي مَوْصُولَة وأحدث جملَة صلتها قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى وَالْمعْنَى عدم قبُول الصَّلَاة مغيا بالتوضىء قَوْله قَالَ رجل فعل وفاعل وَقَوله من حضر موت جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل قَوْله مَا الْحَدث جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل قَوْله يابا هُرَيْرَة حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف قَوْله فسَاء مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ فسَاء أَي الْحَدث فسَاء أَو ضراط (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَاق بن نصر وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي أَكثر النّسخ لَا تقبل صَلَاة من أحدث على الْبناء لما لم يسم فَاعله وَالْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا مَا يرادف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء وَحَقِيقَة الْقبُول وُقُوع الطَّاعَة مجزئة رَافِعَة لما فِي الذِّمَّة وَلما كَانَ الْإِتْيَان بشروطها مَظَنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الْقبُول عبر عَنهُ بِالْقبُولِ مجَازًا وَأما الْقبُول الْمَنْفِيّ فِي مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة فَهُوَ الْحَقِيقِيّ لِأَنَّهُ قد يَصح الْعَمَل وَلَكِن يتَخَلَّف الْقبُول لمَانع وَلِهَذَا كَانَ يَقُول بعض السّلف لِأَن تقبل لي صَلَاة وَاحِدَة أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا. وَالتَّحْقِيق هَهُنَا أَن الْقبُول يُرَاد بِهِ شرعا حُصُول الثَّوَاب وَقد تخلف عَن الصِّحَّة بِدَلِيل صِحَة صَلَاة العَبْد الْآبِق وشارب الْخمر مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضا وَأما مُلَازمَة الْقبُول للصِّحَّة فَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار وَالْمرَاد بالحائض من بلغت سنّ الْحيض فَإِنَّهَا لَا تقبل صلَاتهَا إِلَّا بالسترة وَلَا تصح وَلَا تقبل مَعَ انكشاف الْعَوْرَة وَالْقَبُول يُفَسر بترتب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء فَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ عَام فِي عدم الْقبُول فِي جَمِيع الْمُحدثين فِي جَمِيع أَنْوَاع الصَّلَاة وَالْمرَاد بِالْقبُولِ وُقُوع الصَّلَاة مجزئة بمطابقتها لِلْأَمْرِ فعلى هَذَا يلْزم من الْقبُول الصِّحَّة ظَاهرا وَبَاطنا وَكَذَلِكَ الْعَكْس وَنقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الثَّوَاب والدرجات على الْعِبَادَة والإجزاء عبارَة عَن مُطَابقَة الْأَمر فهما متغايران أَحدهمَا أخص من الآخر وَلَا يلْزم من نفى الْأَخَص نفى الْأَعَمّ فالقبول على هَذَا

التَّفْسِير أخص من الصِّحَّة فَكل مَقْبُول صَحِيح وَلَا عكس قَوْله من أحدث قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْحَدث وَهُوَ عبارَة عَمَّا نقض الْوضُوء وَهُوَ بموضوعه يُطلق على الْأَكْبَر كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس والأصغر كنواقض الْوضُوء وَقد يُسمى الْمَنْع الْمُرَتّب عَلَيْهِ حَدثا وَبِه يَصح قَوْلهم رفعت الْحَدث ونويت رَفعه وَإِلَّا اسْتَحَالَ مَا يرفع أَن لَا يكون رَافعا وَكَأن الشَّارِع جعل أمد الْمَنْع الْمُرَتّب على خُرُوج الْخَارِج إِلَى اسْتِعْمَال المطهر وَبِهَذَا يقوى قَول من يرى أَن التَّيَمُّم يرفع الْحَدث لكَون الْمُرْتَفع هُوَ الْمَنْع وَهُوَ مُرْتَفع بِالتَّيَمُّمِ لكنه مَخْصُوص بِحَالَة مَا أَو بِوَقْت مَا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَإِن الْأَحْكَام قد تخْتَلف باخْتلَاف محلهَا وَقد كَانَ الْوضُوء فِي صدر الْإِسْلَام وَاجِبا لكل صَلَاة فقد ثَبت أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت مَعَ كَونه رَافعا للْحَدَث اتِّفَاقًا وَلَا يلْزم من انتهائه فِي ذَلِك الْوَقْت بانتهاء وَقت الصَّلَاة إِلَّا يكون رَافعا للْحَدَث ثمَّ زَالَ ذَلِك الْوُجُوب كَمَا عرف. وَقد ذكر الْفُقَهَاء أَن الْحَدث وصف حكمي مُقَدّر قِيَامه بالأعضاء على معنى الْوَصْف الْحسي وينزلون الْوَصْف الْحكمِي منزلَة الْحسي فِي قِيَامه بالأعضاء فَمن يَقُول بِأَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث يَقُول أَن الأمد الْمُقدر الْحكمِي بَاقٍ لم يزل وَالْمَنْع الَّذِي هُوَ مُرَتّب عَلَيْهِ التَّيَمُّم زائل قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ نفى الْقبُول إِلَى غَايَة وَهُوَ الْوضُوء وَمَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا فَاقْتضى قبُول الصَّلَاة بعد الْوضُوء مُطلقًا وَدخل تَحْتَهُ الصَّلَاة الثَّانِيَة قبل الْوضُوء لَهَا ثَانِيًا وتحقيقه أَن لفظ صَلَاة اسْم جنس فَيعم ثمَّ اعْلَم أَن معنى قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا أَمر بِهِ على أَن التَّيَمُّم من أَسْمَائِهِ الْوضُوء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الشَّارِع على التَّيَمُّم أَنه وضوء لكَونه قَامَ مقَامه وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْوضُوء نظرا إِلَى كَونه الأَصْل وَهَهُنَا قيد آخر ترك ذكره للْعلم بِهِ وَهُوَ حَتَّى يتَوَضَّأ مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة وَالضَّمِير فِي قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ يرجع إِلَى قَوْله من أحدث وَسَماهُ مُحدثا وَإِن كَانَ طَاهِرا بِاعْتِبَار مَا كَانَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم} وَقَوله حَتَّى يتَوَضَّأ هُوَ آخر الحَدِيث وَالْبَاقِي إدراج وَالظَّاهِر أَنه من همام قَوْله فسَاء أَو ضراط قَالَ ابْن بطال إِنَّمَا اقْتصر على بعض الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ أجَاب سَائِلًا سَأَلَهُ عَن الْمُصَلِّي يحدث فِي صلَاته فَخرج جَوَابه على مَا سبق الْمُصَلِّي من الإحداث فِي صلَاته لِأَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَنَحْوهمَا غير مَعْهُود فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا بل دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الحكم كَانَ الحكم للمعنى وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ أَن يثبت الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ للمعنى الْمُشْتَرك بَينهمَا قلت وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن مَا هُوَ أغْلظ من الفساء بِالطَّرِيقِ الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال الْمجمع عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْحَدث لَيْسَ إِلَّا الْخَارِج النَّجس من الْمُعْتَاد وَمَا يكون مَظَنَّة لَهُ كزوال الْعقل فَأَشَارَ إِلَيْهِ على سَبِيل الْمِثَال كَمَا يُقَال الِاسْم زيد أَو كزيد وَيُسمى مثله تعريفا بالمثال أَو يُقَال كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يعلم أَنه عَارِف بِسَائِر أَنْوَاع الْحَدث جَاهِل بكونهما حَدثا فتعرض لحكمهما بَيَانا لذَلِك كَذَا قَالَ بعض الشَّارِحين وَفِيه بعد وَالْأَقْرَب أَن يُقَال أَنه أجَاب السَّائِل بِمَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي غَالب الْأَمر كَمَا ورد نَحْو ذَلِك فِي حَدِيث آخر لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الدّلَالَة على أَن الصَّلَوَات كلهَا مفتقرة إِلَى الطَّهَارَة وَيدخل فِيهَا صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا وَحكى عَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا أجازا صَلَاة الْجِنَازَة بِغَيْر وضوء وَهُوَ بَاطِل لعُمُوم هَذَا الحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَمن الْغَرِيب أَن قَوْلهمَا قَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة فَلَو صلى مُحدثا مُتَعَمدا بِلَا عذر أَثم وَلَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه يكفر لتلاعبه الثَّانِي فِيهِ الدَّلِيل على بطلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اختياريا أَو اضطراريا لعدم التَّفْرِقَة فِي الحَدِيث بَين حدث وَحدث فِي حَالَة دون حَالَة الثَّالِث قَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رد على من يَقُول إِذا سبقه الْحَدث يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته قلت هَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَحكى عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَهُوَ لَيْسَ يرد عَلَيْهِم أصلا لِأَن من سبقه الْحَدث إِذا ذهب وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ وَصلى بِالْوضُوءِ وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي بطلَان صلَاته على أَنه ورد الْأَثر فِيهِ الرَّابِع قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ أَن الطّواف لَا يجزىء بِغَيْر طهُور لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَمَّاهُ صَلَاة فَقَالَ الطّواف صَلَاة إِلَّا أَنه أُبِيح فِيهِ الْكَلَام قلت اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف بِخَبَر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ

١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.

وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ.

[الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٥٨٥٢، ٥٨٤٧، ٥٨٠٦، ٥٨٠٥، ٥٨٠٣، ٥٧٩٤، ١٨٤٢، ١٨٣٨، ١٥٤٢، ٣٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُطَابَقَةَ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا وَالْجَوَابُ عَامًّا جَازَ، وَحُمِلَ الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ جَوَابٌ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَتَذَرَّعُ بِجَوَابِهِ إِلَى أَنْ يُعَدِّيَهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَصِّلَ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا، وَزَادَهُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّ حَالَةَ السَّفَرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْجَوَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُطَابِقَةِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُدُولُ عَمَّا لَا يَنْحَصِرُ إِلَى مَا يَنْحَصِرُ طَلَبًا لِلْإِيجَازِ ; لِأَنَّ السَّائِلَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يَلْبَسُ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَلَوْ عَدَّدَ لَهُ مَا يَلْبَسُ لَطَالَ بِهِ، بَلْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بَعْضُ السَّامِعِينَ بِمَفْهُومِهِ فَيُظَنُّ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُحَرَّمِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لَا مَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ لِبَاسٌ مَخْصُوصٌ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ شَيْئًا مَخْصُوصًا.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ آدَمَ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْعَطْفِ عَلَى نَافِعٍ وَلَمْ يُعِدْ ذِكْرَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْعِلْمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَحَدِيثَيْنِ، مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالتَّعَالِيقُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَرَحَلَ جَابِرٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَقِصَّةُ ضِمَامٍ فِي رُجُوعِهِ إِلَى قَوْمِهِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. وَبَاقِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَمَانُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مَوْصُولَةٌ، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَبِغَيْرِ تَكْرِيرٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَحَدِيثُهُ فِي الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِعَادَةِ الْكَلِمَةِ ثَلَاثًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالشَّفَاعَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَ تَقَوَّلَ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيفَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَوْنِهِ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَفِظْتُ وِعَاءَيْنِ.

وَالْمُرَادُ بِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ

مُوَافَقَتُهُ عَلَى تَخْرِيجِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَحَابِيِّهِ وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْبَقِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ.

قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْوُضُوءَ أَوَّلَ مَا فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إِنَّمَا فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ.

وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ. فَقَالَ: ائْتُونِي بِوَضُوءٍ. فَتَوَضَّأَ. . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ (١) بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ يَتِيمِ عُرْوَةَ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي السَّنَدِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٍ مَوْصُولًا، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً، أَوْ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ يُفْعَلُ مَرَّةً، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ بِأَنَّ. وَأَعَادَ لَفْظَ مَرَّةٍ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَيِ: الْوَجْهُ مَرَّةً وَالْيَدُ مَرَّةً. . . إِلَخْ.

وَالْبَيَانُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَهُوَ بَيَانٌ بِالْفِعْلِ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ، إِذِ الْأَمْرُ يُفِيدُ طَلَبَ إِيجَادِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِعَدَدٍ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِيجَابِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَثَلَاثًا) أَيْ: وَتَوَضَّأَ أَيْضًا ثَلَاثًا، زَادَ الْأَصِيلِيُّ ثَلَاثًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) أَيْ: لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أُنْكِرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ مِنَ الثَّلَاثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ سَيِّئٌ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ، وَالظُّلْمُ بِالزِّيَادَةِ. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَمَنْ زَادَ فَقَطْ، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ. وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٥٢٥] وبالله المُستَعَان.

(٥٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ) وفي رواية ابن عساكر: «أكثر» (مِمَّا سَأَلَهُ) فلا يلزم مُطابَقَة الجواب للسُّؤال، بل إذا كان السَّبب (١) خاصًّا والجواب عامًّا جاز، وأمَّا ما وقع في كلام كثيرٍ من أهل الأصول: أنَّ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسُّؤال فليس المُرَاد بالمُطابَقَة عدمَ الزِّيادة، بلِ المُرَادُ أنَّ الجواب يكون مفيدًا (٢) للحكم المسؤول عنه، ولفظ «باب» سقط عند الأَصيليِّ.

١٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «والزُّهريِّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن (٣) ابن عمر، والآخر: عن آدم عن

ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل قبل (١) «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) ﷺ: (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمُوحَّدة مضارع «لبِس» بكسر المُوحَّدَة (فَقَالَ) ﵊: (لَا يَلْبَسُِ) بفتح الأوَّل والثَّالث ويجوز ضمُّ السِّين على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ (القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء (٢)، وللأَصيليِّ: «مسَّه الزَّعفران أوِ الورس» (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلِْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللَّام وسكونها، عطفٌ على «فليلبس» (حَتَّى) أن (يَكُونَا) أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الكَعْبَيْنِ) فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه ﵇ بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه ﵊ وفصاحته لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ. انتهى.

وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه ﵊ عنها، وزاده (٣) حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٨] بعون الله وقوَّته وفضله (٤) ومنَّته، وهذا آخر أحاديث «كتاب العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.

((٤)) كِتَابُ الوُضُوءِ

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو (١) مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ «الإيمان»، ثمَّ بـ «العلم» شرع يذكر أحكام (٢) العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث (٣) «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦٨] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ «الطَّهارة» لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:

(بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوُضُوءِ) وهو بالضَّمِّ: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضَّأُ به، وحُكِيَ في كلٍّ الفتحُ والضَّمُّ، وهو مُشتَقٌّ من الوَضَاءة، وهي الحُسْنُ والنَّظافة لأنَّ المصلِّيَ يتنظَّف به فيصير وضيئًا، ولابن عساكر: تأخير البسملة عن «كتاب الوضوء»، ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الوضوء» (٤).

(١) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُواْ﴾ (١) (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله ﷺ فيما روى (٢) مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد … الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ»، فثبت غَسله ﵊ لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد -التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا- إلى المرافق (٣)، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: ﴿مَنْ (٤) أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ﴿إِلَى﴾ غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد

تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع (١) والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق (٢)، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية (٣)، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها (٤) إلى المرافق (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾) بالجرِّ، وللأَصيليِّ بالنَّصب (﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم (٥) مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله ﷺ أمر (٦) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».

وافتتح المؤلِّف ﵀ الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ

الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؟ فصحّح في «التَّحقيق» و «المجموع» و «شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسَّعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم (١) الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ (٢) بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «ما جاء في قول الله» دون ما قبله،

وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: «ما جاء في الوضوء، وقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلى ﴿الْكَعْبَينِ﴾» [المائدة: ٦] ولكريمة: «بابٌ في الوضوء، وقول الله … » إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» (١) عقب البسملة: «كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء»، وهو (٢) أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال (٣) الشَّافعيُّ، والطَّهارة بالفتح مصدر «طَهَُر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخُلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العَيب، وشرعًا -كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» -: رفعُ حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما وعلى (٤) صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال (٥) المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين (٦)، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة (٧) المستحاضة وسلس البول.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦١٥٧]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ «قال: وبيَّن» (النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ (مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل (٨)، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ،

أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) ﷺ (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ (١)، ولغيره: «مرَّتين» بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ ﵊ أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «وثلاثًا ثلاثًا» بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) ﵊ (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه (٣) ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو (٤) بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من (٥) الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ (٦) مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ (٧): أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله (٨) تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر

على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً (١) إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ (٢)، والأصحُّ بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «على ثلاثةٍ» بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: «على الثَّلاث» (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله ﷺ الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو «وأنْ» من غير رقم (٣).

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، على ما لم يُسمَّ فاعله (صَلَاةٌ) بالرَّفع نائبٌ عنه، وفي روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» موافقةٌ لِما عند المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٤]: «لا يقبل الله صلاةً» (بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمِّ الطَّاء: الفعل الذي هو المصدر، والمُرَاد به: ما هو أعمُّ من الوضوء والغُسل، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّر به، وهذه التَّرجمة لفظ حديثٍ ليس على شرط المؤلِّف، رواه مسلمٌ وغيره من حديث ابن عمر، وقد قال القاضي عياضٌ في «شرحه»: إنَّه

نصٌّ في وجوب الطَّهارة، وتعقَّبه أبو (١) عبد الله الأُبِّيُّ بأنَّ الحديث إنَّما فيه أنَّها شرطٌ في القبول، والقبولُ أخصّ من الصِّحَّة، وشرط الأخصِّ لا يجب أن يكون شرطًا في الأعمِّ، وإنَّما كان القبول أخصّ لأنَّ حصول الثَّواب على الفعل، والصِّحَّة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مُتقبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشَّرط الذي هو الطَّهارة القبولُ لا الصِّحَّة، وإذا لم تنتفِ الصِّحَّة لم يتمَّ الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجُّون (٢) به، وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرَتِ (٣) الصِّحَّة بأنَّها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدلُّ على أنَّ الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثَّواب، قلت: غرضنا إبطال التَّمسُّك بالحديث من قبل الشَّرطيَّة، وقد اتَّضح، ثمَّ نمنع أنَّها سببٌ في حصول الثَّواب لأنَّ الأعمَّ ليس سببًا في حصول أخصِّه المُعيَّن. انتهى. ويُجاب بأنَّ المُرَاد بالقبول هنا ما يرادف الصِّحَّة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع الطَّاعة مجزِئةً رافعةً لمَا في الذِّمَّة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا؛ لأنَّ الغرض من الصِّحَّة مُطابَقَة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتَّب عليه القبول، وإذا انتفى القبول انتفتِ الصِّحَّة، لِما قام من الأدلَّة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت، وأمَّا القبول المنفيُّ في نحو قوله: «من أتى عرَّافًا لم يقبل له صلاة» فهو الحقيقيُّ؛ لأنَّه قد يصحُّ العمل ويتخلَّف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السَّلف يقول: «لأن تُقبَل لي (٤) صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدُّنيا». قال (٥) ابن عمر (٦): لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن عَبَّاس أخرجه الشَّيْخَانِ وَآخَرُونَ وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر وَزَاد مُسلم فِيهِ ومهل الْعرَاق ذَات عرق وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأهل الْمشرق العقيق قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي أجمع الْعلمَاء على الْمَوَاقِيت الْأَرْبَعَة وَاخْتلفُوا فِي ذَات عرق لأهل الْعرَاق وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا مِيقَات وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي لأهل الْعرَاق أَن يحرموا من العقيق مُعْتَمدًا على حَدِيث أبي دَاوُد الْمَذْكُور وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث حسن قلت وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن أبي زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا استحبه الشَّافِعِي لِأَنَّهُ أحوط عملا بِالْحَدِيثين على تَقْدِير الصِّحَّة فَإِن العقيق فَوق ذَات عرق وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف الْعلمَاء هَل صَارَت ذَات عرق ميقاتا لأهل الْعرَاق بِالنَّصِّ أَو الِاجْتِهَاد من عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه بتوقيت عمر واجتهاده لحَدِيث البُخَارِيّ الْمَذْكُور وَدَلِيل الثَّانِي حَدِيث جَابر لكنه لم يجْزم الرَّاوِي بِرَفْعِهِ قلت قد أخرج هَذِه الزِّيَادَة أَبُو دَاوُد بِالْجَزْمِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الْعرَاق ذَات عرق وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا لَكِن فِي حَدِيث أبي دَاوُد أَفْلح بن حميد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يُنكر عَلَيْهِ قَوْله هَذَا وَلأَهل الْعرَاق ذَات عرق قَالَ ابْن عدي تفرد بِهِ عَنهُ الْمعَافي ابْن عمرَان قلت قد أخرج لأفلح مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَوَثَّقَهُ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد الله وَغَيرهمَا الْمعَافي بن عمرَان ثِقَة وروى للمعافي البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ بَعضهم هَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيرهمَا بأسانيد ضَعِيفَة لَكِن يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا لما تقرر من أَن الضعْف إِذا كَانَ بِغَيْر فسق الرَّاوِي فَإِن الحَدِيث ينْتَقل إِلَى دَرَجَة الْحسن ويحتج بِهِ وَأما تَعْلِيل الدَّارَقُطْنِيّ للْحَدِيث بقوله إِنَّه لم يكن عراق يَوْمئِذٍ فقد ضعفه الْعلمَاء وَقَالُوا مثل هَذَا لَا يُعلل بِهِ الحَدِيث فقد أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمَّا لم يكن فِي زَمَانه مِمَّا كَانَ وَيكون وَهَذَا كَانَ من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ مَا أخبر بِهِ أَنه سَيكون لَهُم مهل ويسلمون ويحجون فَكَانَ ذَلِك وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت لأهل الشَّام الْجحْفَة وَلم يكن فتح وَقد أقطع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلد الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لتميم الدَّارِيّ وَكتب لَهُ بذلك وَلم يكن الشَّام إِذْ ذَاك قلت قَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب قوم إِلَى أَن أهل الْعرَاق لَا وَقت لَهُم كوقت سَائِر أهل الْبِلَاد وَأَرَادَ بهم طَاوس بن كيسَان وَابْن سِيرِين وَجَابِر بن زيد وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ الْعرَاق وَقَالُوا أهل الْعرَاق يهلون من الْمِيقَات الَّذِي يأْتونَ عَلَيْهِ من هَذِه الْمَوَاقِيت الْمَذْكُورَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع عوام أهل الْعلم على القَوْل بِظَاهِر حَدِيث ابْن عمر وَاخْتلفُوا فِيمَا يفعل من مر بِذَات عرق فَثَبت أَن عمر رَضِي الله عَنهُ وقته لأهل الْعرَاق وَلَا يثبت فِيهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة انْتهى قلت الصَّحِيح هُوَ الَّذِي وقته النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا ذكره فِي مطامح الأفهام ثمَّ قَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلفُوا فِي الْمَكَان الَّذِي يحرم من أَتَى من الْعرَاق على ذَات عرق فَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ يحرم من العقيق وَاسْتحبَّ ذَلِك الشَّافِعِي وَكَانَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي يرَوْنَ الْإِحْرَام من ذَات عرق قَالَ أَبُو بكر الْإِحْرَام من ذَات عرق يجزىء وَهُوَ من العقيق أحوط وَقد كَانَ الْحسن بن صَالح يحرم من الربذَة وروى ذَلِك عَن خصيف وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قلت أخرج الطَّحَاوِيّ فِي كَون الْمِيقَات لأهل الْعرَاق ذَات عرق أَحَادِيث أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وهم عبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ والْحَارث بن عَمْرو السَّهْمِي عِنْد أبي دَاوُد وَعَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الثَّانِي فِيهِ أَن هَذِه الْمَوَاقِيت لَا تجوز مجاوزتها بِغَيْر إِحْرَام سَوَاء أَرَادَ حجا أَو عمْرَة فَإِن جاوزها بِغَيْر إِحْرَام يلْزمه دم وَيصِح حجه الثَّالِث فِيهِ معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ أخبر فِي زَمَانه عَن أَمر سَيكون بعده وَقد كَانَ

(بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاب الشَّخْص الَّذِي سَأَلَ عَنهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على السُّؤَال وَالْجَوَاب وَهُوَ ظَاهر

٧٣ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا سَأَلَهُ مَا يلبس الْمحرم فَقَالَ لَا يلبس الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا السَّرَاوِيل وَلَا الْبُرْنُس وَلَا ثوبا مَسّه الورس أَو الزَّعْفَرَان فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ إِلَى آخِره لِأَن هَذَا الْمِقْدَار زَائِد على السُّؤَال وَقيل أَنه نبه على مَسْأَلَة أصولية وَهِي أَن اللَّفْظ يحمل على عُمُومه لَا على خُصُوص السَّبَب لِأَنَّهُ جَوَاب وَزِيَادَة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مُطَابقَة الْجَواب للسؤال حِين يكون عَاما أما إِذا كَانَ السُّؤَال خَاصّا فَغير لَازم لَا سِيمَا إِذا كَانَ الزَّائِد لَهُ تعلق. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة كلهم ذكرُوا. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس وَابْن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وبالهمزة الساكنة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي وَنَافِع هُوَ مولى ابْن عمر. وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَهنا إسنادان أَحدهمَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَالْآخر عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر. وَقَوله وَعَن الزُّهْرِيّ عطف على قَوْله عَن نَافِع وَفِي بعض النّسخ وَقع لَفْظَة (ح) قبل قَوْله وَعَن الزُّهْرِيّ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الْمَتْن (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم وَمِنْهَا مَا قيل أصح الْأَسَانِيد الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَسَالم. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق نَافِع هَهُنَا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَنهُ بِهِ وَمن طَرِيق سَالم هَهُنَا أَيْضا عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بِهِ وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن آدم عَنهُ بِهِ وَفِي الصَّلَاة عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك وَابْن مَاجَه عَن أبي مُصعب عَن مَالك وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعمر بن عَليّ كِلَاهُمَا عَن يزِيد عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عمر بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله لَا يلبس من اللّبْس بِضَم اللَّام يُقَال لبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم وَأما اللّبْس بِالْفَتْح فَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب يُقَال لبست عَلَيْهِ الْأَمر البس بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل إِذا خلطت عَلَيْهِ وَمِنْه التباس الْأَمر وَهُوَ اشتباهه قَوْله الْعِمَامَة بِكَسْر الْعين قَالَ الْجَوْهَرِي الْعِمَامَة وَاحِدَة العمائم وعممته ألبسته الْعِمَامَة وعمم الرجل سود لِأَن العمائم تيجان الْعَرَب كَمَا قيل فِي الْعَجم توج واعتم بالعمامة وتعمم بهَا بِمَعْنى وَفُلَان حسن الْعمة أَي الاعتمام قَوْله وَلَا السَّرَاوِيل قَالَ الْكرْمَانِي السَّرَاوِيل أَعْجَمِيَّة عربت وَجَاء على لفظ الْجمع وَهُوَ وَاحِد تذكر وتؤنث وَلم يعرف الْأَصْمَعِي فِيهَا إِلَّا التَّأْنِيث وَيجمع على السراويلات وَقد يُقَال هُوَ جمع ومفرده سروالة قَالَ الشَّاعِر

(عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... فَلَيْسَ يرق لمستضعف)

وَهُوَ غير منصرف على الْأَكْثَر وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ سَرَاوِيل وَاحِدَة وَهِي أَعْجَمِيَّة فأعربت فَأَشْبَهت فِي كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة فَهِيَ مصروفة فِي النكرَة وَقَالَ وَإِن سميت بهَا رجلا لم تصرفها وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهُ أَيْضا فِي النكرَة وَيَزْعُم أَنه جمع سروال وسروالة ويحتج فِي ترك صرفه بقوله ابْن الرُّومِي

(فنحى فَارسي فِي سَرَاوِيل رامح ... )

وَالْعَمَل على القَوْل الأول وَالثَّانِي أقوى وسرولته ألبسته السَّرَاوِيل فتسرول قَوْله وَلَا الْبُرْنُس بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَضم النُّون وَهُوَ ثوب رَأسه مِنْهُ ملتزق بِهِ وَقيل قلنسوة طَوِيلَة وَكَانَ النساك يلبسونها فِي صدر الْإِسْلَام وَهُوَ من البرس بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ الْقطن وَالنُّون زَائِدَة وَقيل غير عَرَبِيّ وَقَالَ ابْن حزم كل مَا جب فِيهِ مَوضِع لإِخْرَاج الرَّأْس مِنْهُ فَهُوَ

جُبَّة فِي لُغَة الْعَرَب وكل مَا خيط أَو نسج فِي طَرفَيْهِ ليتمسك على اللابسين فَهُوَ برنس كالغفارة وَنَحْوهَا وَيُقَال هُوَ ثوب رَأسه مُتَّصِل بِهِ من دراعة أَو جُبَّة أَو ممطر أَو غَيره قَوْله الورس بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة وَهُوَ نبت أصفر يكون بِالْيمن تصبغ بِهِ الثِّيَاب ويتخذ مِنْهُ الغمرة للْوَجْه وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي الورس يزرع بِالْيمن زرعا وَلَا يكون بِغَيْر الْيمن وَلَا يكون مِنْهُ شَيْء بريا ونباته مثل حب السمسم فَإِذا جف عِنْد إِدْرَاكه يفتق فينفض مِنْهُ الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سِنِين أَي يُقيم فِي الأَرْض ينْبت ويثمر وَفِيه جنس يُسمى بالحبشي وَفِيه سَواد وَهُوَ أكبر الورس وللعرعر ورس وللريث ورس وَقَالَ أَبُو حنيفَة لست أعرفهُ بِغَيْر أَرض الْعَرَب وَلَا من أَرض الْعَرَب غير بِلَاد الْيمن وَقَالَ الْأَصْمَعِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْيمن وَقد مَلَأت الأَرْض الورس واللبان والعصب وَأَخْبرنِي ابْن بنت عبد الرَّزَّاق وَقَالَ الورس عندنَا بِالْيمن بجفاش وملجان وطمام وسحبان والرقعة وَجَوَاز وهوزن وجبال ابْن أبي جَعْفَر كلهَا وَيُقَال لَهُ الحض وَقَالَ ابْن بيطار فِي جَامعه يُؤْتى بالورس من الصين واليمن والهند وَلَيْسَ بنبات يزرع كَمَا زعم من زعم وَهُوَ يشبه زهر العصفر وَمِنْه شَيْء يشبه نشارة البابونج وَمِنْه شَيْء يشبه البنفسج وَيُقَال أَن الكركم عروقه انْتهى يُقَال أورس الْمَكَان وورست الثَّوْب توريسا صبغته بالورس وريسته صبغته بالورس قَوْله والزعفران بِفَتْح الزَّاي وَالْفَاء جمعه زعافر وَهُوَ اسْم أعجمي وَقد صرفته الْعَرَب يُقَال ثوب مزعفر وَقد زعفر ثَوْبه يزعفره زعفرة وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي لَا أعلمهُ ينْبت بِشَيْء من أَرض الْعَرَب وَفِي كتاب الطِّبّ للمفضل بن سَلمَة يُقَال أَن الكركم عروق الزَّعْفَرَان وَقَالَ مورج يُقَال لورق الزَّعْفَرَان الفيد وَمِنْه يُسمى مورج أبافيد قَوْله النَّعْلَيْنِ تَثْنِيَة نعل وَهُوَ الْحذاء بِكَسْر الْحَاء وبالمد يُقَال احتذى إِذا انتعل وَهِي مُؤَنّثَة قَوْله الْكَعْبَيْنِ تَثْنِيَة كَعْب وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا هُوَ الْمفصل الَّذِي فِي وسط الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك لَا الْعظم الناتىء عِنْد مفصل السَّاق فَإِنَّهُ فِي بَاب الْوضُوء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَأَلَهُ جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله مَا يلبس كلمة مَا استفهامية أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لسأل قَوْله فَقَالَ عطف على سَأَلَهُ قَوْله لَا يلبس يجوز بِضَم السِّين على أَن تكون لَا نَافِيَة وبكسرها على أَن تكون لَا ناهية والقميص بِالنّصب مَفْعُوله وَمَا بعده من الْمَذْكُورَات معطوفات عَلَيْهِ قَوْله وَلَا ثوبا بِالنّصب وروى وَلَا ثوب بِالرَّفْع فوجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِتَقْدِير فعل مَا لم يسم فَاعله أَي وَلَا يلبس ثوب قَوْله مَسّه فعل ومفعول والورس بِالرَّفْع فَاعله وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب أَو الرّفْع صفة للثوب قَوْله فليلبس الْخُفَّيْنِ جَوَاب الشَّرْط فَلذَلِك دخله الْفَاء قَوْله وليقطعهما بِكَسْر اللَّام وسكونها وَهُوَ عطف على قَوْله فليلبس فَإِن قلت اللّبْس بعد الْقطع فَكيف وَجه هَذَا الْعَطف قلت الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَمَعْنَاهَا الشّركَة وَالْجمع مُطلقًا من غير دلَالَة على تَقْدِيم أَو مصاحبة وَلِهَذَا صَحَّ جَاءَ زيد وَبكر قبله وَعَمْرو مَعَه وخَالِد بعده وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة {وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة} وَفِي الْأَعْرَاف {وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا} والقصة وَاحِدَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْوَاو للشَّرِكَة تَقول مَرَرْت بِرَجُل وحمار وَلم يفد تَقْدِيم رجل فِي الْمَعْنى شَيْئا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء فِي اللَّفْظ فكأنك قلت مَرَرْت بهما قَوْله حَتَّى يَكُونَا التَّقْدِير حَتَّى أَن يَكُونَا وَكلمَة حَتَّى للغاية وَالْمعْنَى حَتَّى يكون غَايَته الْقطع تَحت الْكَعْبَيْنِ (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله مَا يلبس الْمحرم قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره سُئِلَ عَمَّا يلبس فَأجَاب بِمَا لَا يلبس لِأَن الْمَتْرُوك منحصر والملبوس لَا ينْحَصر لِأَن الْإِبَاحَة هِيَ الأَصْل فحصر مَا يتْرك ليبين أَن مَا سواهُ مُبَاح وَهَذَا من بديع كَلَامه وجزله وفصاحته قلت وَفَائِدَة أُخْرَى وَهُوَ مُرَاعَاة الْمَفْهُوم فَإِنَّهُ لَو أجَاب بِمَا يلبس لتوهم الْمَفْهُوم وَهُوَ أَن غير الْمحرم لَا يلْبسهُ فانتقل إِلَى مَا لَا يلْبسهُ لِأَن مَفْهُومه ومنطوقه مُسْتَعْمل فَكَانَ أفْصح وأبلغ وأوجه وَقد أُجِيب بِأَن السُّؤَال كَانَ من حَقه أَن يكون عَمَّا لَا يلبس لِأَن الحكم الْعَارِض الْمُحْتَاج إِلَى الْبَيَان هُوَ الْحُرْمَة وَأما جَوَاز مَا يلبس فثابت فِي الأَصْل مَعْلُوم بالاستصحاب فَلذَلِك أَتَى بِالْجَوَابِ على وَفقه تَنْبِيها عَلَيْهِ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مَا ذكر فِي الحَدِيث لَا يلْبسهُ الْمحرم وَأَنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط فنبه بالسراويل على كل مَا يعم الْعَوْرَة من الْمخيط وبالعمائم والبرانس على كل مَا يغطى بِهِ الرَّأْس مخيطا أَو غَيره وبالخفاف على مَا يستر الرجل وَإِن لِبَاس ذَلِك جَائِز للرِّجَال فِي غير الْإِحْرَام لِأَن الْخطاب إِنَّمَا كَانَ لَهُم وَلِأَن النِّسَاء مأمورات بستر رُؤْسهنَّ قلت وَفِي عطف البرانس على الْعِمَامَة دَلِيل على أَن الْمحرم يَنْبَغِي أَن لَا يُغطي رَأسه بالمعتاد وَغَيره وَكَذَا

نبه بالورس والزعفران على مَا سواهُمَا من أَنْوَاع الطّيب وَهُوَ حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَإِن قلت مَا تقدم عَلَيْهِ وَمَا تَأَخّر عَنهُ خَاص بِالرِّجَالِ فَمن أَيْن علم عُمُومه وخصوصهما قلت الْخُصُوص من حَيْثُ أَن الْأَلْفَاظ كلهَا للمذكرين وَأما الْعُمُوم فَمن الْأَدِلَّة الْخَارِجَة عَن هَذَا الحَدِيث وَلَو كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع وَلَا ثوب فَالْجَوَاب أظهر قَالَ الْعلمَاء وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم اللبَاس الْمَذْكُور على الْمحرم أَن يبعد من الترفه ويتصف بِصفة الخاشع الذَّلِيل وليتذكر أَنه محرم فِي كل وَقت فَيكون أقرب إِلَى كَثْرَة أذكاره وأبلغ فِي مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات وليتذكر بِهِ الْمَوْت ولباس الأكفان والبعث يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة مهطعين إِلَى الدَّاعِي وَالْحكمَة فِي تَحْرِيم الطّيب أَن يبعد من زِينَة الدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ دَاع إِلَى الْجِمَاع وَلِأَنَّهُ يُنَافِي الْحَاج فَإِنَّهُ أَشْعَث أغبر ومحصله إِرَادَة أَن يجمع همه لمقاصد الْآخِرَة قَوْله وَلَا ثوبا مَسّه الورس فَإِن قلت فَلم عدل عَن طَريقَة أخواته قلت لِأَن الطّيب حرَام على الرجل وَالْمَرْأَة فَأَرَادَ أَن يعمم الحكم للْمحرمِ والمحرمة بِخِلَاف الثِّيَاب الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا حرَام على الرِّجَال فَقَط قَوْله فليقطعهما قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت فَإِذا فقد النَّعْل فَهَل يجب لبس الْخُف الْمَقْطُوع لِأَن ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب قلت لَا إِذْ هُوَ شرع للتسهيل فَلَا يُنَاسب التثقيل قلت هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مَذْهَب إِمَامه فَإِن الْقطع وَاجِب بِظَاهِر الْأَمر عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِلَّا أَن أَحْمد جوزه بِدُونِ الْقطع وَزعم أَصْحَابه أَن الْقطع إِضَاعَة وَهُوَ القَوْل بِالرَّأْيِ بِعَيْنِه ومنازعة السّنة بِهِ وَأوجب أَبُو حنيفَة الْفِدْيَة على من لم يقطعهُ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول قَالَ ابْن بطال فِيهِ من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم إِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء أَن يُجيب بِخِلَافِهِ إِذا كَانَ فِي جَوَابه بَيَان مَا يسْأَل عَنهُ وَأما الزِّيَادَة على السُّؤَال فَحكم الْخُف وَإِنَّمَا زَاد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لعلمه بِمَشَقَّة السّفر وَمِمَّا يلْحق النَّاس من الحفي بِالْمَشْيِ رَحْمَة لَهُم وَلذَلِك يجب على الْعَالم أَن يُنَبه النَّاس فِي الْمسَائِل على مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويتسعون فِيهِ مَا لم يكن ذَرِيعَة إِلَى ترخيص شَيْء من حُدُود الله تَعَالَى الثَّانِي فِيهِ بَيَان حُرْمَة لبس الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْمحرم وَهَذَا إِجْمَاع الثَّالِث فِيهِ حُرْمَة لبس الثَّوْب الَّذِي مَسّه ورس أَو زعفران وَأطلق حرمته جمَاعَة مِنْهُم مُجَاهِد وَهِشَام بن عُرْوَة وَعُرْوَة بن الزبير وَمَالك فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَنهُ فَإِنَّهُم قَالُوا كل ثوب مَسّه ورس وزعفران لَا يجوز لبسه للْمحرمِ سَوَاء كَانَ مغسولا أَو لم يكن لإِطْلَاق الحَدِيث وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم الظَّاهِرِيّ وَخَالفهُم جمَاعَة وهم سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَطَاوُس وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر فَإِنَّهُم أَجَازُوا للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس أَو الزَّعْفَرَان إِذا كَانَ غسيلا لَا ينفض لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور إِلَّا أَن يكون غسيلا وَأورد هَذِه الزِّيَادَة الطَّحَاوِيّ فِي مَعَاني الْآثَار قَالَ حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ح وَحدثنَا ابْن أبي عمرَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عبيد الله بن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الحَدِيث الْمَذْكُور وَزَاد إِلَّا يكون غسيلا قَالَ ابْن أبي عمرَان رَأَيْت يحيى بن معِين وَهُوَ يتعجب من الْحمانِي إِذْ يحدث بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن هَذَا عِنْدِي ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين فقد ثَبت بِمَا ذكرنَا اسْتثِْنَاء رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الغسيل مِمَّا قد مَسّه ورس أَو زعفران انْتهى كَلَامه فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرب الحَدِيث فِي أَحَادِيث عبيد الله وَلم يَجِيء بِهَذَا أحد غَيره إِلَّا أَن يكون غسيلا قلت هَذَا يحيى بن معِين كَانَ أَولا يُنكر على يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي يَقُول كَيفَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ لما قَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ هَذَا الحَدِيث عِنْدِي وَأخرج لَهُ من أَصله عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره الْحمانِي بِهَذِهِ الزِّيَادَة كتب عَنهُ يحيى بن معِين وَكفى حجَّة لصِحَّة هَذِه الزِّيَادَة شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة وَأَبُو مُعَاوِيَة ثِقَة ثَبت وَقَول ابْن حزم وَلَا نعلمهُ صَحِيحا نفى علمه بِصِحَّتِهِ وَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَّته فِي علم غَيره فَافْهَم الرَّابِع فِيهِ جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ إِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ وَلَكِن بِشَرْط قطعهمَا فالجمهور على وجوب الْقطع كَمَا ذكرنَا وَجوزهُ أَحْمد بِغَيْر قطع وَهُوَ مَذْهَب عَطاء أَيْضا واستدلا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث جَابر أخرجه مُسلم من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَمن

لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هذَيْن الْحَدِيثين أَعنِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر فَزعم أَصْحَاب أَحْمد أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر نَاسخ لحَدِيث عبد الله بن عمر بِالْقطعِ لِأَنَّهُ إِضَاعَة مَال وَقَالَ الْجُمْهُور الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة والإضاعة إِنَّمَا تكون فِيمَا نهى عَنهُ أما مَا ورد الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ إِضَاعَة بل هُوَ حق يجب الْإِيمَان بِهِ وادعاء النّسخ ضَعِيف جدا فَإِن قلت قَالَ ابْن قدامَة يحْتَمل أَن يكون الْأَمر بقطعهما قد نسخ فَإِن عَمْرو بن دِينَار روى الْحَدِيثين جَمِيعًا وَقَالَ انْظُرُوا أَيهمَا كَانَ قبل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدِيث ابْن عمر قبل لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض رواياته نَادَى رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَسْجِد يَعْنِي فِي الْمَدِينَة فَكَأَنَّهُ كَانَ قبل الْإِحْرَام وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يَقُول سمعته يخْطب بِعَرَفَات الحَدِيث فَيدل على تَأَخره عَن حَدِيث ابْن عمر فَيكون نَاسِخا لَهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْقطع وَاجِبا لبينه للنَّاس إِذْ لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ قلت يُفَسر هَذَا كُله مَا ذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس سَمِعت النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَهُوَ يخْطب وَيَقُول السَّرَاوِيل لمن لَا يجد الْإِزَار وَحدثنَا أَحْمد بن الْمِقْدَاد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بِذَاكَ الْمَكَان فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا يلبس الْمحرم الحَدِيث كَأَنَّهُ يُشِير بذلك الْمَكَان إِلَى عَرَفَات فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على مَا ذَكرُوهُ وادعوه من النّسخ وَالله أعلم فَإِن قلت قد قيل أَن قَوْله وليقطعهما من كَلَام نَافِع وَكَذَا فِي أمالي أبي قَاسم بن بشر بِسَنَد صَحِيح أَن نَافِعًا قَالَ بعد رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث وليقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن التِّين أَن جَعْفَر بن برْقَان قَالَ فِي رِوَايَته قَالَ نَافِع وَيقطع الخفان أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ روى حَدِيث ابْن عمر مَالك وَعبيد الله وَأَيوب فِي آخَرين فوقفوه على ابْن عمر وَحَدِيث ابْن عَبَّاس سَالم من الْوَقْف مَعَ مَا عضده من حَدِيث جَابر وَقد أَخذ بِحَدِيث عمر وَعلي وَسَعِيد وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ أَنا نحمل قَوْله وليقطعهما على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة لأجل الْإِحْرَام وَينْهى عَن ذَلِك فِي غير الْإِحْرَام لما فِيهِ من الْفساد قلت قَالَ أَبُو عمر قد اتّفق الْحفاظ من أَصْحَاب مَالك على لَفْظَة وليقطعهما أَنَّهَا من لفظ الحَدِيث وَأما جَعْفَر بن برْقَان فَوَهم فِيهِ فِي موضِعين. الأول جعله هَذَا من قَول نَافِع أَنه قَالَ فِيهِ من لم يجد إزارا فليلبس سَرَاوِيل وَلَيْسَ هَذَا حَدِيث ابْن عمر. وَالثَّانِي جعله هَذَا مَوْقُوفا وَقد روى أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا وَفِيه ذكر الْقطع وَقَالَ لَيْسَ نجد أحدا رَفعه غير زُهَيْر قَالَ وَكَانَ زُهَيْر من معادن الصدْق ذكره عَنهُ الْمَيْمُونِيّ الْخَامِس قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا السَّرَاوِيل أطلق الْمَنْع فِيهِ وَجَاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس إِبَاحَة لبس السَّرَاوِيل لمن لم يجد الْإِزَار بقوله من لم يجد إزارا فليلبس السَّرَاوِيل فَأخذ بِهِ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور مِنْهُم عَطاء وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَق وَدَاوُد وَمنعه أَبُو حنيفَة وَمَالك قَالَ فالشافعي أَخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِحجَّة علينا وَلَا نَحن نخالفه وَلَا تركنَا الْعَمَل بِهِ فَنحْن أَيْضا نقُول بِهِ ونجوز لبس السَّرَاوِيل للضَّرُورَة كَمَا جوزتم أَنْتُم وَلَكنَّا نقيد الْجَوَاز بِالْكَفَّارَةِ فَإِذا لبس وَجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على نفي وجوب الْكَفَّارَة غَايَة مَا فِي الْبَاب الَّذِي يدل عَلَيْهِ الحَدِيث جَوَاز لبس الْخُفَّيْنِ عِنْد عدم النَّعْلَيْنِ وَجَوَاز لبس السَّرَاوِيل عِنْد عدم الْإِزَار ثمَّ أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لدلائل أُخْرَى دلّت عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد وَأَجْمعُوا أَن الْمحرم إِذا وجد إزارا لم يجز لَهُ لبس السَّرَاوِيل وَاخْتلفُوا فِيهِ إِذا لم يجد الْإِزَار هَل يلبس السَّرَاوِيل وَإِن لبسهَا على ذَلِك هَل عَلَيْهِ فديَة أم لَا فَكَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة يريان على من لبس السَّرَاوِيل وَهُوَ محرم الْفِدْيَة وَسَوَاء عِنْد مَالك وجد الْإِزَار أَو لم يجد وَفِي الْبَدَائِع الْمحرم إِذا لم يجد الْإِزَار وَأمكنهُ فتق السَّرَاوِيل والتستر فِيهِ فتقه فَإِن لبسه وَلم يفتقه فَعَلَيهِ دم فِي قَول أَصْحَابنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يلْبسهُ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن لم يجد رِدَاء وَله قَمِيص فَلَا بَأْس أَن يشق قَمِيصه ويرتدي بِهِ لِأَنَّهُ لما شقَّه صَار بِمَنْزِلَة الرِّدَاء وَكَذَا إِذا لم يجد إزارا فَلَا بَأْس أَن يفتق سراويله خلاف مَوضِع التكة ويأتزر بِهِ لِأَنَّهُ إِذا فتقه صَار بِمَنْزِلَة الْإِزَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب

هُوَ صرف الشَّيْء فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي بِخِلَاف التبذير فَإِنَّهُ صرف الشَّيْء فِيمَا لَا يَنْبَغِي قَوْله فِيهِ أَي فِي الْوضُوء وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من طَرِيق هِلَال بن يسَاف أحد التَّابِعين قَالَ كَانَ يُقَال فِي الْوضُوء إِسْرَاف وَلَو كنت على شاطىء نهر وَأخرج نَحوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وروى فِي مَعْنَاهُ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين حَدثنَا ابْن مصفى حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ لَا تسرف لَا تسرف قَالَ وَحدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن يحيى بن عبد الله عَن الجباني عَن ابْن عَمْرو أَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف قَالَ أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر جَار وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَول البُخَارِيّ هَذَا إِشَارَة إِلَى نقل الْإِجْمَاع على منع الزِّيَادَة على الثَّلَاث قلت وَفِيه نظر فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِي الْأُم لَا أحب الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَإِن زَاد لم أكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِل مَا ذكره الشَّافِعِيَّة فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه. وَثَانِيها أَنَّهَا حرَام. وَثَالِثهَا أَنَّهَا خلاف الأولى وَأبْعد قوم فَقَالُوا أَنه إِذا زَاد على الثَّلَاث يبطل الْوضُوء كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة حَكَاهُ الدَّارمِيّ فِي استذكاره عَنْهُم وَهُوَ خطأ ظَاهر وَخلاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء قَوْله وَإِن يجاوزوا عطف على قَوْله الْإِسْرَاف فِيهِ وَهُوَ عطف تفسيري للإسراف إِذْ لَيْسَ المُرَاد بالإسراف إِلَّا الْمُجَاوزَة عَن فعل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي الثَّلَاث وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَيْسَ بعد الثَّلَاث شَيْء وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق لَا تجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا آمن إِن يَأْثَم. فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب كُله تَرْجَمَة فَأَيْنَ الحَدِيث قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن قَوْله وَبَين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن فرض الْوضُوء مرّة مرّة حَدِيث لِأَن المُرَاد من الحَدِيث أَعم من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكره على سَبِيل التَّعْلِيق وَكَذَا قَوْله وَتَوَضَّأ أَيْضا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ حَدِيث لما ذكرنَا وَلَا شكّ أَن كلا مِنْهُمَا بَيَان للسّنة وَهُوَ الْمَقْصُود من الْبَاب وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ على مَا وجد فِي بعض النّسخ من ذكر لفظ بَاب هَهُنَا وَأما على بعض النّسخ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذكر لفظ بَاب فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف

(بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور)

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا وَأخرج أَصْحَاب السِّتَّة للْجَمِيع إِلَّا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد ومنبه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم يمانيون إِلَّا إِسْحَق وَمِنْهَا أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء أَصْحَاب مسانيد (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَق بن نصر وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أحدث أَي وجد مِنْهُ الْحَدث أَو أَصَابَهُ الْحَدث أَو دخل فِي الْحَدث من الْحُدُوث وَهُوَ كَون شَيْء لم يكن قَالَ الصغاني أحدث الرجل من الْحَدث فَأَما قَول الْفُقَهَاء أحدث أَي أَتَى مِنْهُ مَا نقض طَهَارَته فَلَا تعرفه الْعَرَب قَوْله من حضر موت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَهُوَ اسْم بلد بِالْيمن وقبيلة أَيْضا وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا وَالِاسْم الأول مِنْهُ مَبْنِيّ على الْفَتْح على الْأَصَح إِن قيل ببنائهما وَقيل بإعرابهما فَيُقَال حضر موت بِرَفْع الرَّاء وجر التَّاء وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ لُغَتَانِ التَّرْكِيب وَمنع الصّرْف وَالثَّانيَِة الْإِضَافَة فَإِذا أضيف جَازَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ الصّرْف وَتَركه وَفِي الْمطَالع حضر موت من بِلَاد الْيمن وهذيل وَيُقَال حضر موت بِضَم الْمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ حضرمي والتصغير حضيرموت يصغر الْمصدر مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجمع فَيُقَال فلَان من الحضارمة قَوْله فسَاء بِضَم الْفَاء وبالمد والضراط بِضَم الضَّاد وهما مشتركان فِي كَونهمَا ريحًا خَارِجا من الدبر ممتازان بِكَوْن الأول بِدُونِ الصَّوْت وَالثَّانِي مَعَ الصَّوْت وَفِي الصِّحَاح فسا يفسو فسوا وَالِاسْم الفساء بِالْمدِّ وتفاست الخنافس إِذا أخرجت استها لذَلِك وَفِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد الضراط مَعْرُوف يُقَال ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة وَقعت حَالا قَوْله لَا يقبل الله إِلَى آخِره مقول القَوْل قَوْله صَلَاة مَنْصُوب أَو مَرْفُوع على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مُضَاف إِلَى قَوْله من وَهِي مَوْصُولَة وأحدث جملَة صلتها قَوْله حَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى وَالْمعْنَى عدم قبُول الصَّلَاة مغيا بالتوضىء قَوْله قَالَ رجل فعل وفاعل وَقَوله من حضر موت جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل قَوْله مَا الْحَدث جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت مقول القَوْل قَوْله يابا هُرَيْرَة حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف قَوْله فسَاء مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هُوَ فسَاء أَي الْحَدث فسَاء أَو ضراط (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْحَاق بن نصر وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي أَكثر النّسخ لَا تقبل صَلَاة من أحدث على الْبناء لما لم يسم فَاعله وَالْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا مَا يرادف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء وَحَقِيقَة الْقبُول وُقُوع الطَّاعَة مجزئة رَافِعَة لما فِي الذِّمَّة وَلما كَانَ الْإِتْيَان بشروطها مَظَنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الْقبُول عبر عَنهُ بِالْقبُولِ مجَازًا وَأما الْقبُول الْمَنْفِيّ فِي مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة فَهُوَ الْحَقِيقِيّ لِأَنَّهُ قد يَصح الْعَمَل وَلَكِن يتَخَلَّف الْقبُول لمَانع وَلِهَذَا كَانَ يَقُول بعض السّلف لِأَن تقبل لي صَلَاة وَاحِدَة أحب إِلَيّ من جَمِيع الدُّنْيَا. وَالتَّحْقِيق هَهُنَا أَن الْقبُول يُرَاد بِهِ شرعا حُصُول الثَّوَاب وَقد تخلف عَن الصِّحَّة بِدَلِيل صِحَة صَلَاة العَبْد الْآبِق وشارب الْخمر مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضا وَأما مُلَازمَة الْقبُول للصِّحَّة فَفِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار وَالْمرَاد بالحائض من بلغت سنّ الْحيض فَإِنَّهَا لَا تقبل صلَاتهَا إِلَّا بالسترة وَلَا تصح وَلَا تقبل مَعَ انكشاف الْعَوْرَة وَالْقَبُول يُفَسر بترتب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء فَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ عَام فِي عدم الْقبُول فِي جَمِيع الْمُحدثين فِي جَمِيع أَنْوَاع الصَّلَاة وَالْمرَاد بِالْقبُولِ وُقُوع الصَّلَاة مجزئة بمطابقتها لِلْأَمْرِ فعلى هَذَا يلْزم من الْقبُول الصِّحَّة ظَاهرا وَبَاطنا وَكَذَلِكَ الْعَكْس وَنقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الثَّوَاب والدرجات على الْعِبَادَة والإجزاء عبارَة عَن مُطَابقَة الْأَمر فهما متغايران أَحدهمَا أخص من الآخر وَلَا يلْزم من نفى الْأَخَص نفى الْأَعَمّ فالقبول على هَذَا

التَّفْسِير أخص من الصِّحَّة فَكل مَقْبُول صَحِيح وَلَا عكس قَوْله من أحدث قد قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْحَدث وَهُوَ عبارَة عَمَّا نقض الْوضُوء وَهُوَ بموضوعه يُطلق على الْأَكْبَر كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس والأصغر كنواقض الْوضُوء وَقد يُسمى الْمَنْع الْمُرَتّب عَلَيْهِ حَدثا وَبِه يَصح قَوْلهم رفعت الْحَدث ونويت رَفعه وَإِلَّا اسْتَحَالَ مَا يرفع أَن لَا يكون رَافعا وَكَأن الشَّارِع جعل أمد الْمَنْع الْمُرَتّب على خُرُوج الْخَارِج إِلَى اسْتِعْمَال المطهر وَبِهَذَا يقوى قَول من يرى أَن التَّيَمُّم يرفع الْحَدث لكَون الْمُرْتَفع هُوَ الْمَنْع وَهُوَ مُرْتَفع بِالتَّيَمُّمِ لكنه مَخْصُوص بِحَالَة مَا أَو بِوَقْت مَا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَإِن الْأَحْكَام قد تخْتَلف باخْتلَاف محلهَا وَقد كَانَ الْوضُوء فِي صدر الْإِسْلَام وَاجِبا لكل صَلَاة فقد ثَبت أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت مَعَ كَونه رَافعا للْحَدَث اتِّفَاقًا وَلَا يلْزم من انتهائه فِي ذَلِك الْوَقْت بانتهاء وَقت الصَّلَاة إِلَّا يكون رَافعا للْحَدَث ثمَّ زَالَ ذَلِك الْوُجُوب كَمَا عرف. وَقد ذكر الْفُقَهَاء أَن الْحَدث وصف حكمي مُقَدّر قِيَامه بالأعضاء على معنى الْوَصْف الْحسي وينزلون الْوَصْف الْحكمِي منزلَة الْحسي فِي قِيَامه بالأعضاء فَمن يَقُول بِأَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث يَقُول أَن الأمد الْمُقدر الْحكمِي بَاقٍ لم يزل وَالْمَنْع الَّذِي هُوَ مُرَتّب عَلَيْهِ التَّيَمُّم زائل قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ نفى الْقبُول إِلَى غَايَة وَهُوَ الْوضُوء وَمَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا فَاقْتضى قبُول الصَّلَاة بعد الْوضُوء مُطلقًا وَدخل تَحْتَهُ الصَّلَاة الثَّانِيَة قبل الْوضُوء لَهَا ثَانِيًا وتحقيقه أَن لفظ صَلَاة اسْم جنس فَيعم ثمَّ اعْلَم أَن معنى قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ أَو مَا يقوم مقَامه لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا أَمر بِهِ على أَن التَّيَمُّم من أَسْمَائِهِ الْوضُوء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأطلق الشَّارِع على التَّيَمُّم أَنه وضوء لكَونه قَامَ مقَامه وَإِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْوضُوء نظرا إِلَى كَونه الأَصْل وَهَهُنَا قيد آخر ترك ذكره للْعلم بِهِ وَهُوَ حَتَّى يتَوَضَّأ مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة وَالضَّمِير فِي قَوْله حَتَّى يتَوَضَّأ يرجع إِلَى قَوْله من أحدث وَسَماهُ مُحدثا وَإِن كَانَ طَاهِرا بِاعْتِبَار مَا كَانَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم} وَقَوله حَتَّى يتَوَضَّأ هُوَ آخر الحَدِيث وَالْبَاقِي إدراج وَالظَّاهِر أَنه من همام قَوْله فسَاء أَو ضراط قَالَ ابْن بطال إِنَّمَا اقْتصر على بعض الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ أجَاب سَائِلًا سَأَلَهُ عَن الْمُصَلِّي يحدث فِي صلَاته فَخرج جَوَابه على مَا سبق الْمُصَلِّي من الإحداث فِي صلَاته لِأَن الْبَوْل وَالْغَائِط وَنَحْوهمَا غير مَعْهُود فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْخطابِيّ لم يرد بِذكر هذَيْن النَّوْعَيْنِ تخصيصهما وَقصر الحكم عَلَيْهِمَا بل دخل فِي مَعْنَاهُ كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كَانَ أوسع من الحكم كَانَ الحكم للمعنى وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ أَن يثبت الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ للمعنى الْمُشْتَرك بَينهمَا قلت وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن مَا هُوَ أغْلظ من الفساء بِالطَّرِيقِ الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال الْمجمع عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْحَدث لَيْسَ إِلَّا الْخَارِج النَّجس من الْمُعْتَاد وَمَا يكون مَظَنَّة لَهُ كزوال الْعقل فَأَشَارَ إِلَيْهِ على سَبِيل الْمِثَال كَمَا يُقَال الِاسْم زيد أَو كزيد وَيُسمى مثله تعريفا بالمثال أَو يُقَال كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يعلم أَنه عَارِف بِسَائِر أَنْوَاع الْحَدث جَاهِل بكونهما حَدثا فتعرض لحكمهما بَيَانا لذَلِك كَذَا قَالَ بعض الشَّارِحين وَفِيه بعد وَالْأَقْرَب أَن يُقَال أَنه أجَاب السَّائِل بِمَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي غَالب الْأَمر كَمَا ورد نَحْو ذَلِك فِي حَدِيث آخر لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ الدّلَالَة على أَن الصَّلَوَات كلهَا مفتقرة إِلَى الطَّهَارَة وَيدخل فِيهَا صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا وَحكى عَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا أجازا صَلَاة الْجِنَازَة بِغَيْر وضوء وَهُوَ بَاطِل لعُمُوم هَذَا الحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَمن الْغَرِيب أَن قَوْلهمَا قَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة فَلَو صلى مُحدثا مُتَعَمدا بِلَا عذر أَثم وَلَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه يكفر لتلاعبه الثَّانِي فِيهِ الدَّلِيل على بطلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اختياريا أَو اضطراريا لعدم التَّفْرِقَة فِي الحَدِيث بَين حدث وَحدث فِي حَالَة دون حَالَة الثَّالِث قَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث رد على من يَقُول إِذا سبقه الْحَدث يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته قلت هَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَحكى عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَهُوَ لَيْسَ يرد عَلَيْهِم أصلا لِأَن من سبقه الْحَدث إِذا ذهب وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ وَصلى بِالْوضُوءِ وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي بطلَان صلَاته على أَنه ورد الْأَثر فِيهِ الرَّابِع قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ أَن الطّواف لَا يجزىء بِغَيْر طهُور لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَمَّاهُ صَلَاة فَقَالَ الطّواف صَلَاة إِلَّا أَنه أُبِيح فِيهِ الْكَلَام قلت اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف بِخَبَر

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56