الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٥٦
الحديث رقم ١٣٥٦ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ "كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ"
[الحديث ١٣٥٦ - طرفه في: ٥٦٧٥]
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ"
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ قال النبي ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ "ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الْآيَةَ
[الحديث ١٣٥٨ - أطرافه ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٧٧]
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الْإِسْلَامُ؟) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِصِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَقَوْلُهُ: وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ؟ وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ الْأَدِلَّةَ هُنَا عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ اسْتَغْنَى بِذَلِكَ، وَأَفَادَ هُنَاكَ ذِكْرَ الْكَيْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، إِلَخْ) أَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، أَظُنُّهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ لَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ؟ قَالَ: مَعَ الْمُسْلِمِ مِنْ وَالِدَيْهِ. وَأَمَّا أَثَرُ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: فِي نَصْرَانِيَّيْنَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا؟ قَالَ: أَوْلَاهُمَا بِهِ الْمُسْلِمُ. وَأَمَّا أَثَرُ شُرَيْحٍ، فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ
الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ اخْتُصِمَ إِلَيْهِ فِي صَبِيٍّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: الْوَالِدُ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ. وَأَمَّا أَثَرُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَاسْمُ أُمِّهِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ) هَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ الْعَبَّاسِ كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: أَسْلَمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَأَقَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْكَلْبِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَيَرُدُّهُ أَنَّ الْعَبَّاسَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، وَقَدْ فَدَى نَفْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي قِصَّةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِلَا خِلَافٍ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَرَدَّهُ بِقِصَّةِ الْحَجَّاجِ الْمَذْكُورِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هَاجَرَ عَامَ الْفَتْحِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَقَدِمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُعَيَّنِ الْقَائِلُ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْهُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الْكَثِيرِ، وَرَأَيْتُهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي يَعْلَى الْخَلِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً وَهِيَ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو جَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، وَعَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو سُفْيَانَ، الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ، الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْمَبْدَأِ بِهِ فِي الذِّكْرِ تَأْثِيرًا فِي الْفَضْلِ لِمَا يُفِيدُهُ مِنَ الِاهْتِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ تُرَتِّبُ. ثُمَّ وَجَدْتُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى، قَالَ: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أَسْلَمَتِ الْيَهُودِيَّةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ تَرَجُّحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، أَوَّلُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ الِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ دُونَ الْبُلُوغِ.
وقَوْلُهُ: أُطُمِ بِضَمَّتَيْنِ: بِنَاءٌ كَالْحِصْنِ.
وَمَغَالَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ: بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَابْنُ صَيَّادٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: صَائِدٌ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ يُدْعَى بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَرَفَضَهُ لِلْأَكْثَرِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: تَرَكَهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَنْكَرَهَا الْقَاضِي. وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: دَفَعَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي وَلَا وَجْهَ لَهَا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَعَلَّهُ رَفْسَهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ أَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي جَمَاهِيرِ اللُّغَةِ يَعْنِي بِالصَّادِ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالْقَافِ بَدَلَ الْفَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ: فَوَقَصَهُ بِالْوَاوِ وَالْقَافِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يَخْتِلُ بِمُعْجَمَةِ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ، أَيْ: يَخْدَعُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِلَهُ؛ لِيَسْمَعَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ فِيهَا رُمْزَةٌ أَوْ زُمْرَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الشَّكِّ فِي تَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّاي أَوْ تَأْخِيرِهَا، وَلِبَعْضِهِمْ: زَمْزَمَةٌ أَوْ رَمْرَمَةٌ عَلَى الشَّكِّ، هَلْ هُوَ بِزَايَيْنِ أَوْ بِرَاءَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ مِيمٍ فِيهِمَا، وَمَعَانِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مُتَقَارِبَةٌ، فَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَمِيمٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ فُعْلَةٌ مِنَ الرَّمْزِ، وَهُوَ الْإِشَارَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الزَّاي كَذَلِكَ فَمِنَ
الزّمْرِ، وَالْمُرَادُ حِكَايَةُ صَوْتِهِ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمِيمَيْنِ، فَأَصْلُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الصَّوْتِ الْخَفِيِّ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَلِكَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ بِالْكَلَامِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ كَلَامُ الْعُلُوجِ، وَهُوَ صَوْتٌ يُصَوَّتُ مِنَ الْخَيَاشِيمِ وَالْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) أَيْ: قَامَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَثَابَ بِمُوَحَّدَةٍ، أَيْ: رَجَعَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَيْبٌ: زَمْزَمَةٌ. فَرَفَصَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالزَّايَيْنِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ. زَمْزَمَةٌ. أَوْ: رَمْرَمَةٌ بِالشَّكِّ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مَوْصُولًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالشَّكِّ، لَكِنْ فِيهِ: فَرَصَّهُ بِغَيْرِ فَاءٍ وَبِالتَّشْدِيدِ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبِهِ بِمُهْمَلَةٍ، أَيْ: ضَغَطَهُ، وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ) يَعْنِي بِمُهْمَلَتَيْنِ (وَقَالَ مَعْمَرٌ: رُمْزَةٌ) يَعْنِي بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ، أَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ، وَكَذَا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ.
ثَانِي الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَنَسٍ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمَوْصُولَةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ بَشْكُوَالٍ ذَكَرَ أَنَّ صَاحِبَ الْعُتْبِيَّةِ حَكَى عَنْ زِيَادٍ شَيْطُونٍ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْغُلَامِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ مَا وَجَدْتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ عِنْدَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: عِنْدَ رَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ.
قَوْلُهُ: (فَأَسْلَمَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي خَلِيفَةَ: أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الْمُشْرِكِ، وَعِيَادَتِهِ إِذَا مَرِضَ، وَفِيهِ حُسْنُ الْعَهْدِ، وَاسْتِخْدَامُ الصَّغِيرِ، وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَوْلَا صِحَّتُهُ مِنْهُ مَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ: أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ. دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ، وَعَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَقَلَ الْكُفْرَ وَمَاتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَذَّبُ (١). وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ فِي الرُّؤْيَا الْآتِي فِي بَابِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ.
رَابِعُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُنْقَطِعًا، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَالِاعْتِمَادُ فِي الْمَرْفُوعِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُنْقَطِعَةَ لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ: لِغِيَّةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، أَيْ: مِنْ زِنًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا دُونَ أُمِّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا إِلَّا قَتَادَةُ وَحْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ. وَقِيلَ: حَتَّى يُصَلِّيَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى السِّقْطَ إِذَا اسْتَهَلَّ (٢). وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مَا يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةِ الصَّبِيِّ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ مَوْلُودٍ السِّقْطُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ممَّا وصله المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠٣٣]: (رَمْرَمَةٌ) براءَين مهملَتين وميمَين، ولأبي ذَرٍّ: «رمزةٌ» بمهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، وفي نسخةٍ: «وقال إسحاق الكلبيُّ» ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: «وعقيل» (١) المذكور: «رمرمة» بمهملتين، وسقطت رواية إسحاق عند المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ [خ¦٣٠٥٦]: (رَمْزَةٌ) براءٍ مهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «زمرةٌ» بتقديم المعجمة على المهملة.
١٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ) بالواو (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَاني (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ) قيل اسمه: عبد القدُّوس فيما ذكره ابن بشكوال عن حكاية صاحب «العتبيَّة» (يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ) حال كونه (يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَسْلِمْ) فعل أمرٍ من الإسلام (فَنَظَرَ) الغلام (إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ) وفي رواية أبي داود: عند رأسه (فَقَالَ لَهُ) أبوه وسقط لأبي ذَرٍّ لفظة (٢) «له»: (أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ) الغلام، وللنَّسائيِّ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه، عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ) من عنده (وَهْوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ) بالذَّال المعجمة، أي: خلَّصه ونجَّاه بي (٣) (مِنَ النَّارِ) ولله دَرُّ القائل:
ومريضٍ أنتَ عائدُه … قد أتاه الله بالفرجِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ "كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ"
[الحديث ١٣٥٦ - طرفه في: ٥٦٧٥]
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ"
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ قال النبي ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ "ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الْآيَةَ
[الحديث ١٣٥٨ - أطرافه ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٧٧]
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الْإِسْلَامُ؟) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِصِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَقَوْلُهُ: وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ؟ وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ الْأَدِلَّةَ هُنَا عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ اسْتَغْنَى بِذَلِكَ، وَأَفَادَ هُنَاكَ ذِكْرَ الْكَيْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، إِلَخْ) أَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، أَظُنُّهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ لَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ؟ قَالَ: مَعَ الْمُسْلِمِ مِنْ وَالِدَيْهِ. وَأَمَّا أَثَرُ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: فِي نَصْرَانِيَّيْنَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا؟ قَالَ: أَوْلَاهُمَا بِهِ الْمُسْلِمُ. وَأَمَّا أَثَرُ شُرَيْحٍ، فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ
الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ اخْتُصِمَ إِلَيْهِ فِي صَبِيٍّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: الْوَالِدُ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ. وَأَمَّا أَثَرُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَاسْمُ أُمِّهِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ) هَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ الْعَبَّاسِ كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: أَسْلَمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَأَقَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْكَلْبِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَيَرُدُّهُ أَنَّ الْعَبَّاسَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، وَقَدْ فَدَى نَفْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي قِصَّةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِلَا خِلَافٍ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَرَدَّهُ بِقِصَّةِ الْحَجَّاجِ الْمَذْكُورِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هَاجَرَ عَامَ الْفَتْحِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَقَدِمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُعَيَّنِ الْقَائِلُ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْهُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الْكَثِيرِ، وَرَأَيْتُهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي يَعْلَى الْخَلِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً وَهِيَ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو جَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، وَعَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو سُفْيَانَ، الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ، الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْمَبْدَأِ بِهِ فِي الذِّكْرِ تَأْثِيرًا فِي الْفَضْلِ لِمَا يُفِيدُهُ مِنَ الِاهْتِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ تُرَتِّبُ. ثُمَّ وَجَدْتُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى، قَالَ: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أَسْلَمَتِ الْيَهُودِيَّةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ تَرَجُّحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، أَوَّلُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ الِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ دُونَ الْبُلُوغِ.
وقَوْلُهُ: أُطُمِ بِضَمَّتَيْنِ: بِنَاءٌ كَالْحِصْنِ.
وَمَغَالَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ: بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَابْنُ صَيَّادٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: صَائِدٌ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ يُدْعَى بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَرَفَضَهُ لِلْأَكْثَرِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: تَرَكَهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَنْكَرَهَا الْقَاضِي. وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: دَفَعَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي وَلَا وَجْهَ لَهَا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَعَلَّهُ رَفْسَهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ أَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي جَمَاهِيرِ اللُّغَةِ يَعْنِي بِالصَّادِ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالْقَافِ بَدَلَ الْفَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ: فَوَقَصَهُ بِالْوَاوِ وَالْقَافِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يَخْتِلُ بِمُعْجَمَةِ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ، أَيْ: يَخْدَعُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِلَهُ؛ لِيَسْمَعَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ فِيهَا رُمْزَةٌ أَوْ زُمْرَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الشَّكِّ فِي تَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّاي أَوْ تَأْخِيرِهَا، وَلِبَعْضِهِمْ: زَمْزَمَةٌ أَوْ رَمْرَمَةٌ عَلَى الشَّكِّ، هَلْ هُوَ بِزَايَيْنِ أَوْ بِرَاءَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ مِيمٍ فِيهِمَا، وَمَعَانِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مُتَقَارِبَةٌ، فَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَمِيمٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ فُعْلَةٌ مِنَ الرَّمْزِ، وَهُوَ الْإِشَارَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الزَّاي كَذَلِكَ فَمِنَ
الزّمْرِ، وَالْمُرَادُ حِكَايَةُ صَوْتِهِ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمِيمَيْنِ، فَأَصْلُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الصَّوْتِ الْخَفِيِّ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَلِكَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ بِالْكَلَامِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ كَلَامُ الْعُلُوجِ، وَهُوَ صَوْتٌ يُصَوَّتُ مِنَ الْخَيَاشِيمِ وَالْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) أَيْ: قَامَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَثَابَ بِمُوَحَّدَةٍ، أَيْ: رَجَعَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَيْبٌ: زَمْزَمَةٌ. فَرَفَصَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالزَّايَيْنِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ. زَمْزَمَةٌ. أَوْ: رَمْرَمَةٌ بِالشَّكِّ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مَوْصُولًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالشَّكِّ، لَكِنْ فِيهِ: فَرَصَّهُ بِغَيْرِ فَاءٍ وَبِالتَّشْدِيدِ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبِهِ بِمُهْمَلَةٍ، أَيْ: ضَغَطَهُ، وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ) يَعْنِي بِمُهْمَلَتَيْنِ (وَقَالَ مَعْمَرٌ: رُمْزَةٌ) يَعْنِي بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ، أَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ، وَكَذَا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ.
ثَانِي الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَنَسٍ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمَوْصُولَةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ بَشْكُوَالٍ ذَكَرَ أَنَّ صَاحِبَ الْعُتْبِيَّةِ حَكَى عَنْ زِيَادٍ شَيْطُونٍ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْغُلَامِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ مَا وَجَدْتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ عِنْدَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: عِنْدَ رَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ.
قَوْلُهُ: (فَأَسْلَمَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي خَلِيفَةَ: أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الْمُشْرِكِ، وَعِيَادَتِهِ إِذَا مَرِضَ، وَفِيهِ حُسْنُ الْعَهْدِ، وَاسْتِخْدَامُ الصَّغِيرِ، وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَوْلَا صِحَّتُهُ مِنْهُ مَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ: أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ. دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ، وَعَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَقَلَ الْكُفْرَ وَمَاتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَذَّبُ (١). وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ فِي الرُّؤْيَا الْآتِي فِي بَابِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ.
رَابِعُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُنْقَطِعًا، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَالِاعْتِمَادُ فِي الْمَرْفُوعِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُنْقَطِعَةَ لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ: لِغِيَّةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، أَيْ: مِنْ زِنًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا دُونَ أُمِّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا إِلَّا قَتَادَةُ وَحْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ. وَقِيلَ: حَتَّى يُصَلِّيَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى السِّقْطَ إِذَا اسْتَهَلَّ (٢). وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مَا يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةِ الصَّبِيِّ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ مَوْلُودٍ السِّقْطُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ممَّا وصله المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠٣٣]: (رَمْرَمَةٌ) براءَين مهملَتين وميمَين، ولأبي ذَرٍّ: «رمزةٌ» بمهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، وفي نسخةٍ: «وقال إسحاق الكلبيُّ» ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: «وعقيل» (١) المذكور: «رمرمة» بمهملتين، وسقطت رواية إسحاق عند المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ [خ¦٣٠٥٦]: (رَمْزَةٌ) براءٍ مهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «زمرةٌ» بتقديم المعجمة على المهملة.
١٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ) بالواو (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَاني (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ) قيل اسمه: عبد القدُّوس فيما ذكره ابن بشكوال عن حكاية صاحب «العتبيَّة» (يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ) حال كونه (يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَسْلِمْ) فعل أمرٍ من الإسلام (فَنَظَرَ) الغلام (إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ) وفي رواية أبي داود: عند رأسه (فَقَالَ لَهُ) أبوه وسقط لأبي ذَرٍّ لفظة (٢) «له»: (أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ) الغلام، وللنَّسائيِّ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه، عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ) من عنده (وَهْوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ) بالذَّال المعجمة، أي: خلَّصه ونجَّاه بي (٣) (مِنَ النَّارِ) ولله دَرُّ القائل:
ومريضٍ أنتَ عائدُه … قد أتاه الله بالفرجِ