على الإغراء، أو المصدر؛ لِمَا دلَّ عليه ما بعدها (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية (١) [الروم: ٣٠]) أي: خلقهم عليها، وهي قبول الحقِّ وتمكُّنهم (٢) من إدراكه، أو ملَّة (٣) الإسلام فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلِقوا عليه أدامهم (٤) عليه (٥)؛ لأنَّ حُسْن هذا الدِّين ثابتٌ في النُّفوس، وإنَّما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشريَّة كالتقليد، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذرِّيَّته يوم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد جزم المصنِّف في «تفسير سورة الرُّوم» [خ¦٦٥ - ٦٩٨٢] بأنَّ الفطرة: الإسلام، قال ابن عبد البرِّ: وهو المعروف عند عامَّة السَّلف، وهذا الحديث منقطعٌ؛ لأنَّ ابن شهابٍ لم يسمع من أبي هريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره المصنِّف (٦) للاحتجاج، بل لاستنباطه منه ما سبق (٧) من الحكم، وقد ساقه المؤلِّف من طريقٍ أخرى عنه، عن أبي سلمة، فقال بالسَّند السَّابق:
١٣٥٩ - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو (٨) عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، لكن حكى ابن عبد البرِّ عن قومٍ: أنَّه لا يقتضي العموم، واحتجُّوا بحديث أُبيِّ بن كعبٍ قال النَّبيُّ ﷺ: «الغلام الَّذي
قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا»، وبما رواه سعيد بن منصورٍ عن أبي سعيدٍ (١) يرفعه: «إنَّ بني آدم خُلِقوا طبقاٍت، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا» قالوا (٢): ففي هذا وفي (٣) غلام الخضر ما يدلُّ على أنَّ الحديث ليس على عمومه. وأُجِيبَ بأنَّ حديث سعيد بن منصورٍ فيه: ابن جدعان، وهو ضعيفٌ، ويكفي في الرَّدِّ عليهم حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «ليس مولودٌ يولد إلَّا على الفطرة، حتَّى يعبِّر عنه لسانه»، وأَصْرَح منه رواية جعفر بن ربيعة بلفظ: «كلُّ بني آدم يولد على الفطرة» (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «أو ينصِّرانه» (أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بالمدِّ، نعتٌ، أي: تامَّة الأعضاء، وثبت: «جمعاء» لأبي ذَرٍّ (٤) (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) بالدَّال المهملة والمدِّ، مقطوعة الأذن والأنف (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ (٥) عَنْهُ) زاد مسلمٌ: اقرؤوا إن شئتم: (﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) قال صاحب «الكشَّاف»: أي: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرَة الله، أي: خلقهم (٦) قابلين للتَّوحيد ودين الإسلام؛ لكونه على مقتضى العقل والنَّظر الصَّحيح، حتَّى إنَّهم (٧) لو تُرِكُوا وطباعهم؛ لَمَا اختاروا عليه دينًا آخر. انتهى. قال البرماويُّ: ولا يخفى ما فيه من نزعةٍ (٨) اعتزاليَّةٍ، وقال أبو حيَّان في «البحر»: قوله: «أو عليكم فطرة الله (٩)» لا يجوز؛ لأنَّ فيه حذف كلمة الإغراء، ولا يجوز حذفها؛ لأنَّه قد حذف الفعل،