«قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٨

الحديث رقم ١٣٦٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ثناء الناس على الميت.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٦٨ في صحيح البخاري

«قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ.»

بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾

⦗٩٨⦘

هُوَ الْهَوَانُ وَالْهَوْنُ الرِّفْقُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾

إسناد حديث رقم ١٣٦٨ من صحيح البخاري

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٦٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

[الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٣٦٤٢]

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ - وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ - فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ.

[الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ: مَشْرُوعِيَّتُهُ وَجَوَازُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْحَيِّ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا أَفْضَى إِلَى الْإِطْرَاءِ خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ.

قَوْلُهُ: (مُرَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَمُرَّ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ قَالُوا: جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَيَسْعَى فِيهَا. وَقَالَ ضِدَّ ذَلِكَ فِي الَّتِي أَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَفِيهِ تَفْسِيرُ مَا أُبْهِمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنِعْمَ الْمَرْءُ، لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا. وَفِيهِ أَيْضًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْمَرْءُ كَانَ، إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا.

قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالتَّكْرَارُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ الْمُبْهَمِ، لِيُحْفَظَ وَيَكُونَ أَبْلَغَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ) زَادَ مُسْلِمٌ: فِدَاءً لَكَ أَبِي وَأُمِّي. وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) فِيهِ بَيَانٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَجَبَتْ؛ أَيِ: الْجَنَّةُ لِذِي الْخَيْرِ، وَالنَّارُ لِذِي الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ إِذْ هُوَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ كَالشَّيْءِ الْوَاجِبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، بَلِ الثَّوَابُ فَضْلُهُ، وَالْعِقَابُ عَدْلُهُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَنَحْوُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْعُمُومِ مِنْ رِوَايَةِ آدَمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمَيِّتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِغَيْبٍ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) أَيِ: الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لَشَهِيدٌ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. قُلْتُ: يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، وَصَلَّى عَلَى الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ

الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ قَائِلًا فِيهِ: قَالَ عَفَّانُ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَفَّانَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) هُوَ بِلَفْظِ النَّهْرِ الْمَشْهُورِ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَهُوَ كِنْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ. وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، اسْمُ أَبِيهِ بَكْرٌ، وَأَبُو الْفُرَاتِ اسْمُ جَدِّهِ، وَهُوَ أَشْجَعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَقْدَمُ مِنَ الْكِنْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) هُوَ الدِّيلِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّتَبُّعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّ ابْنَ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ. قُلْتُ: وَابْنُ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَدِ بِلَا رَيْبٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ (١). فَلَعَلَّهُ أَخْرَجَهُ شَاهِدًا، وَاكْتَفَى لِلْأَصْلِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ: وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا. وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: سَرِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ خَيْرًا بِالنَّصْبِ، وَكَذَا شَرًّا وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أَثْنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالصَّوَابُ الرَّفْعُ وَفِي نَصْبِهِ بُعْدٌ فِي اللِّسَانِ. وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَ (خَيْرًا) مَقَامَ الثَّانِي، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَكْسَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أُثْنِيَ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: خَيْرًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ فَنُصِبَتْ، لِأَنَّ أُثْنِيَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. قَالَ: وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَصْدَرِ وَالْإِسْنَادِ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجَبَتْ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّنَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ، إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ هُوَ الْمَقُولُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: وَجَبَتْ قَالَهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ صِدْقَ الْوَعْدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ : أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَأَمَّا اقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، فَهُوَ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ، وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعُرِفَ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُثْنِيَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجَنَائِزِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي قَوْلِ عُمَرَ: قُلْنَا: وَمَا وَجَبَتْ؟ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟) فِيهِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَمَّا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ عُمَرُ عَنِ الْوَاحِدِ اسْتِبْعَادًا مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ بِأَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ، وَقَالَ أَخُوهُ فِي الْحَاشِيَةِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غُمُوضٌ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصِّدْقِ، لَا الْفَسَقَةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُمْ، وَلَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ عَدَاوَةٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: «هو الصَّفَّار» قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ -بضمِّ الدَّال بعدها همزةٌ مفتوحةٌ- وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو (١) بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ (٢) عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦١٣٦٧] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور وهو قوله: «على صاحبها» مقام

المفعول الأوَّل، و «خيرًا» مقام الثَّاني (١)، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و «خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى (٢)، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر : (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر لكلٍّ منهما «وجبت» (٣)، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله : «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) : (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) : (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن (٤) أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ

السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في (١) جانب الشَّرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و (٢) الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة (٣) أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ : «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦٢٦٨٧] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن (٤) يجاب بأنَّه إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ (٥) تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف.

وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٦).

(٨٦) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع

عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع (١) وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله يعيده للحشر، وهو قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره (٢)، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما (٣) واحد (٤): إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر (٥) الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور (٦) قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع (٧) الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ [غافر: ١٦] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى (٨)﴾ الآية (٩) [الدخان: ٥٦]

والجواب الواضح عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به (١)، لا يسمَّى (٢) ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف (٣) آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْلُِهُِ (٤) تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾» جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان (٥) غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾) شدائده (﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب (﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾) أي: يقولون لهم: أخرجوها (٦) إلينا من أجسادكم تغليظًا (٧) وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج (﴿الْيَوْمَ﴾) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع (٨)، أو الوقت الممتدَّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،

والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهُونُ (١)) (٢) بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الهون» (هُوَ الهَوَانُ) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالهَوْنُ) بالفتح والرَّفع (٣): (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر (٤)، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: خطب رسول الله يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ … » فذكر الحديث، وفيه (٥): «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُعْرَضُونَ﴾

حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ (١) سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه (٢) داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ (٣): الجمهور على (٤) أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أ﴾) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: (﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٥) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه (٦) أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ، فقال: «كذبت (٧) يهود، لا عذاب دون يوم (٨) القيامة» فلمَّا مضى بعض (٩) أيَّامٍ؛ نادى رسول الله محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه (١٠) أوَّلًا ثمَّ أثبته عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة : أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع قولها ارتاع وقال (١١): «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» (١٢)، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]»، وفي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

[الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٣٦٤٢]

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ - وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ - فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ.

[الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ: مَشْرُوعِيَّتُهُ وَجَوَازُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْحَيِّ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا أَفْضَى إِلَى الْإِطْرَاءِ خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ.

قَوْلُهُ: (مُرَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَمُرَّ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ قَالُوا: جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَيَسْعَى فِيهَا. وَقَالَ ضِدَّ ذَلِكَ فِي الَّتِي أَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَفِيهِ تَفْسِيرُ مَا أُبْهِمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنِعْمَ الْمَرْءُ، لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا. وَفِيهِ أَيْضًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْمَرْءُ كَانَ، إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا.

قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالتَّكْرَارُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ الْمُبْهَمِ، لِيُحْفَظَ وَيَكُونَ أَبْلَغَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ) زَادَ مُسْلِمٌ: فِدَاءً لَكَ أَبِي وَأُمِّي. وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) فِيهِ بَيَانٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَجَبَتْ؛ أَيِ: الْجَنَّةُ لِذِي الْخَيْرِ، وَالنَّارُ لِذِي الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ إِذْ هُوَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ كَالشَّيْءِ الْوَاجِبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، بَلِ الثَّوَابُ فَضْلُهُ، وَالْعِقَابُ عَدْلُهُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَنَحْوُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْعُمُومِ مِنْ رِوَايَةِ آدَمَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمَيِّتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِغَيْبٍ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) أَيِ: الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لَشَهِيدٌ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. قُلْتُ: يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، وَصَلَّى عَلَى الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ

الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ قَائِلًا فِيهِ: قَالَ عَفَّانُ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَفَّانَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) هُوَ بِلَفْظِ النَّهْرِ الْمَشْهُورِ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَهُوَ كِنْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ. وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، اسْمُ أَبِيهِ بَكْرٌ، وَأَبُو الْفُرَاتِ اسْمُ جَدِّهِ، وَهُوَ أَشْجَعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَقْدَمُ مِنَ الْكِنْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) هُوَ الدِّيلِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّتَبُّعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّ ابْنَ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ. قُلْتُ: وَابْنُ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَدِ بِلَا رَيْبٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ (١). فَلَعَلَّهُ أَخْرَجَهُ شَاهِدًا، وَاكْتَفَى لِلْأَصْلِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ: وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا. وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: سَرِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ خَيْرًا بِالنَّصْبِ، وَكَذَا شَرًّا وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أَثْنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالصَّوَابُ الرَّفْعُ وَفِي نَصْبِهِ بُعْدٌ فِي اللِّسَانِ. وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَ (خَيْرًا) مَقَامَ الثَّانِي، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَكْسَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أُثْنِيَ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: خَيْرًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ فَنُصِبَتْ، لِأَنَّ أُثْنِيَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. قَالَ: وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَصْدَرِ وَالْإِسْنَادِ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجَبَتْ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّنَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ، إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ هُوَ الْمَقُولُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: وَجَبَتْ قَالَهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ صِدْقَ الْوَعْدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ : أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَأَمَّا اقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، فَهُوَ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ، وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعُرِفَ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُثْنِيَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجَنَائِزِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي قَوْلِ عُمَرَ: قُلْنَا: وَمَا وَجَبَتْ؟ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟) فِيهِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَمَّا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ عُمَرُ عَنِ الْوَاحِدِ اسْتِبْعَادًا مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ بِأَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ، وَقَالَ أَخُوهُ فِي الْحَاشِيَةِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غُمُوضٌ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصِّدْقِ، لَا الْفَسَقَةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُمْ، وَلَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ عَدَاوَةٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: «هو الصَّفَّار» قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ -بضمِّ الدَّال بعدها همزةٌ مفتوحةٌ- وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو (١) بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ (٢) عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦١٣٦٧] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور وهو قوله: «على صاحبها» مقام

المفعول الأوَّل، و «خيرًا» مقام الثَّاني (١)، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و «خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى (٢)، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ : وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر : (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر لكلٍّ منهما «وجبت» (٣)، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله : «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) : (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) : (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن (٤) أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ

السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في (١) جانب الشَّرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و (٢) الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة (٣) أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ : «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦٢٦٨٧] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن (٤) يجاب بأنَّه إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ (٥) تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف.

وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٦).

(٨٦) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع

عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع (١) وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله يعيده للحشر، وهو قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره (٢)، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما (٣) واحد (٤): إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر (٥) الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور (٦) قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع (٧) الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ [غافر: ١٦] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى (٨)﴾ الآية (٩) [الدخان: ٥٦]

والجواب الواضح عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به (١)، لا يسمَّى (٢) ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف (٣) آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْلُِهُِ (٤) تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾» جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان (٥) غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾) شدائده (﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب (﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾) أي: يقولون لهم: أخرجوها (٦) إلينا من أجسادكم تغليظًا (٧) وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج (﴿الْيَوْمَ﴾) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع (٨)، أو الوقت الممتدَّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،

والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهُونُ (١)) (٢) بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الهون» (هُوَ الهَوَانُ) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالهَوْنُ) بالفتح والرَّفع (٣): (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر (٤)، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: خطب رسول الله يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ … » فذكر الحديث، وفيه (٥): «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُعْرَضُونَ﴾

حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ (١) سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه (٢) داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ (٣): الجمهور على (٤) أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أ﴾) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: (﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٥) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه (٦) أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ، فقال: «كذبت (٧) يهود، لا عذاب دون يوم (٨) القيامة» فلمَّا مضى بعض (٩) أيَّامٍ؛ نادى رسول الله محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه (١٠) أوَّلًا ثمَّ أثبته عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة : أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع قولها ارتاع وقال (١١): «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» (١٢)، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]»، وفي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد