الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٧٩
الحديث رقم ١٣٧٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٠٠⦘
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.»
بَابُ كَلَامِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَِنَازَةِ
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٩ - بَاب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ غَدَاةً وَاحِدَةً، وَعَشِيَّةً وَاحِدَةً يَكُونُ الْعَرْضُ فِيهَا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ. أَيْ: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ عَشِيٍّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْيَا مِنْهُ جُزْءٌ لِيُدْرِكَ ذَلِكَ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُعَادَ الْحَيَاةُ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ أَجْزَاءٍ وَتَصِحُّ مُخَاطَبَتُهُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ بَابَيْنِ فِي سِيَاقِ الْمُسَاءَلَةِ وَعَرْضُ الْمَقْعَدَيْنِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَرْضُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَقْتُهُمَا، وَإِلَّا فَالْمَوْتَى لَا صَبَاحَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَسَاءَ. قَالَ: وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَاضِحٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُخَلَّطُ فَمُحْتَمِلُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ وَأَرْوَاحُهُمْ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فَائِدَةَ الْعَرْضِ فِي حَقِّهِمْ تَبْشِيرُ أَرْوَاحِهِمْ بِاسْتِقْرَارِهَا فِي الْجَنَّةِ مُقْتَرِنَةً بِأَجْسَادِهَا؛ فَإِنَّ فِيهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا هِيَ فِيهِ الْآنَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ لَفْظًا وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرٍ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: التَّقْدِيرُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ إِذَا اتَّحِدَا لَفْظًا دَلَّ عَلَى الْفَخَامَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى بَعْدَ الْبَعْثِ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا يُنْسِيهِ هَذَا الْمَقْعَدَ. انْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ. أَيْ: فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَنَّ الرُّوحَ لَا تَفْنَى بِفِنَاءِ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى حَيٍّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ (١)، قَالَ: وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهَا لَا أَنَّهَا لَا تُفَارِقُ الْأَفْنِيَةَ، بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ: وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وَالْأَوَّلُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزءٌ؛ ليُدْركَ ذلك، وتصحَّ مخاطبته والعرض عليه، أو العرض على الرُّوح فقط، لكنَّ ظاهر الحديث الأوَّل (١)، وهل العرض مرَّةً واحدةً بالغداة، ومرَّةً أخرى بالعشيِّ فقط؟ أو كلَّ غداةٍ وكلَّ عشيٍّ؟ والأوَّل موافقٌ للأحاديث السَّابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كلِّ واحدٍ (٢) (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لكنَّهما متغايران في التَّقدير، ويحتمل أن يكون تقديره: فمِن مقاعد أهل الجنَّة، أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنَّة (٣)، فحُذِف المبتدأ والمضاف المجرور بـ «من»، وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية (٤) مسلمٍ بلفظ: «إن كان من أهل الجنَّة فالجنَّة، وإن كان من أهل النَّار فالنَّار»، تقديره: فالمعروض الجنَّة أو المعروض النَّار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أقلُّ حذفًا، أو المعنى: فإن كان من أهل الجنَّة فسيُبشَّر (٥) بما لا يدرك كُنْهَه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) زاد أبو ذَرٍّ: «فمِن (٦) أهل النار» أي: فمقعده من مقاعد أهلها، يُعرَض عليه (٧) أو يُعلَم بالعكس ممَّا
يُبشَّر (١) به أهل الجنَّة؛ لأنَّ هذه المنزلة طليعةُ تباشير (٢) السَّعادة الكبرى، ومقدِّمة تباريح الشَّقاوة العظمى؛ لأنَّ الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا دلَّ الجزاء على الفخامة، وفي ذلك تنعيمٌ لمن هو من أهل الجنَّة، وتعذيبٌ لمن هو من أهل النار، بمعاينة ما أُعِدَّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود (فَيُقَالُ) له: (هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) ولمسلمٍ: «حتَّى يبعثك الله إليه يوم القيامة» بزيادة لفظ (٣): «إليه»، لكن حكى ابن عبد البرِّ أنَّ الأكثرين من أصحاب مالكٍ روَوْه كالبخاريِّ، وابن القاسم كرواية مسلمٍ. نعم روى النَّسائيُّ رواية ابن القاسم كلفظ البخاريِّ، واختُلِفَ في الضَّمير، هل (٤) يعود على المقعد؟ أي: هذا مقعدك تستقرُّ فيه حتَّى تُبعَث (٥) إلى مثله من الجنَّة أو النَّار، ولمسلمٍ من طريق الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه: «ثمَّ يقال: هذا مقعدك الَّذي تُبعَث إليه يوم القيامة»، أو الضَّمير يرجع إلى الله تعالى، أي: إلى لقاء الله تعالى، أو إلى (٦) المحشر، أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر، فيرى عند ذلك كرامةً أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد؛ كقوله (٧) تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] قال الزَّمخشريُّ: أي: إنَّك مذمومٌ مدعوٌّ عليك باللَّعنة في السَّموات والأرض إلى يوم الدِّين، فإذا جاء ذلك اليوم، عُذِّبت بما تنسى اللَّعن معه (٨).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار» والنَّسائيُّ في «الجنائز».
(٩٠) (باب كَلَامِ المَيِّتِ) بعد حمله (عَلَى الجَنَازَةِ) أي: النعش (٩).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٩ - بَاب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ غَدَاةً وَاحِدَةً، وَعَشِيَّةً وَاحِدَةً يَكُونُ الْعَرْضُ فِيهَا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ. أَيْ: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ عَشِيٍّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْيَا مِنْهُ جُزْءٌ لِيُدْرِكَ ذَلِكَ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُعَادَ الْحَيَاةُ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ أَجْزَاءٍ وَتَصِحُّ مُخَاطَبَتُهُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ بَابَيْنِ فِي سِيَاقِ الْمُسَاءَلَةِ وَعَرْضُ الْمَقْعَدَيْنِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَرْضُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَقْتُهُمَا، وَإِلَّا فَالْمَوْتَى لَا صَبَاحَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَسَاءَ. قَالَ: وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَاضِحٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُخَلَّطُ فَمُحْتَمِلُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ وَأَرْوَاحُهُمْ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فَائِدَةَ الْعَرْضِ فِي حَقِّهِمْ تَبْشِيرُ أَرْوَاحِهِمْ بِاسْتِقْرَارِهَا فِي الْجَنَّةِ مُقْتَرِنَةً بِأَجْسَادِهَا؛ فَإِنَّ فِيهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا هِيَ فِيهِ الْآنَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ لَفْظًا وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرٍ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: التَّقْدِيرُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ إِذَا اتَّحِدَا لَفْظًا دَلَّ عَلَى الْفَخَامَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى بَعْدَ الْبَعْثِ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا يُنْسِيهِ هَذَا الْمَقْعَدَ. انْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ. أَيْ: فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَنَّ الرُّوحَ لَا تَفْنَى بِفِنَاءِ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى حَيٍّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ (١)، قَالَ: وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهَا لَا أَنَّهَا لَا تُفَارِقُ الْأَفْنِيَةَ، بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ: وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وَالْأَوَّلُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزءٌ؛ ليُدْركَ ذلك، وتصحَّ مخاطبته والعرض عليه، أو العرض على الرُّوح فقط، لكنَّ ظاهر الحديث الأوَّل (١)، وهل العرض مرَّةً واحدةً بالغداة، ومرَّةً أخرى بالعشيِّ فقط؟ أو كلَّ غداةٍ وكلَّ عشيٍّ؟ والأوَّل موافقٌ للأحاديث السَّابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كلِّ واحدٍ (٢) (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لكنَّهما متغايران في التَّقدير، ويحتمل أن يكون تقديره: فمِن مقاعد أهل الجنَّة، أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنَّة (٣)، فحُذِف المبتدأ والمضاف المجرور بـ «من»، وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية (٤) مسلمٍ بلفظ: «إن كان من أهل الجنَّة فالجنَّة، وإن كان من أهل النَّار فالنَّار»، تقديره: فالمعروض الجنَّة أو المعروض النَّار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أقلُّ حذفًا، أو المعنى: فإن كان من أهل الجنَّة فسيُبشَّر (٥) بما لا يدرك كُنْهَه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) زاد أبو ذَرٍّ: «فمِن (٦) أهل النار» أي: فمقعده من مقاعد أهلها، يُعرَض عليه (٧) أو يُعلَم بالعكس ممَّا
يُبشَّر (١) به أهل الجنَّة؛ لأنَّ هذه المنزلة طليعةُ تباشير (٢) السَّعادة الكبرى، ومقدِّمة تباريح الشَّقاوة العظمى؛ لأنَّ الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا دلَّ الجزاء على الفخامة، وفي ذلك تنعيمٌ لمن هو من أهل الجنَّة، وتعذيبٌ لمن هو من أهل النار، بمعاينة ما أُعِدَّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود (فَيُقَالُ) له: (هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) ولمسلمٍ: «حتَّى يبعثك الله إليه يوم القيامة» بزيادة لفظ (٣): «إليه»، لكن حكى ابن عبد البرِّ أنَّ الأكثرين من أصحاب مالكٍ روَوْه كالبخاريِّ، وابن القاسم كرواية مسلمٍ. نعم روى النَّسائيُّ رواية ابن القاسم كلفظ البخاريِّ، واختُلِفَ في الضَّمير، هل (٤) يعود على المقعد؟ أي: هذا مقعدك تستقرُّ فيه حتَّى تُبعَث (٥) إلى مثله من الجنَّة أو النَّار، ولمسلمٍ من طريق الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه: «ثمَّ يقال: هذا مقعدك الَّذي تُبعَث إليه يوم القيامة»، أو الضَّمير يرجع إلى الله تعالى، أي: إلى لقاء الله تعالى، أو إلى (٦) المحشر، أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر، فيرى عند ذلك كرامةً أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد؛ كقوله (٧) تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] قال الزَّمخشريُّ: أي: إنَّك مذمومٌ مدعوٌّ عليك باللَّعنة في السَّموات والأرض إلى يوم الدِّين، فإذا جاء ذلك اليوم، عُذِّبت بما تنسى اللَّعن معه (٨).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار» والنَّسائيُّ في «الجنائز».
(٩٠) (باب كَلَامِ المَيِّتِ) بعد حمله (عَلَى الجَنَازَةِ) أي: النعش (٩).