«دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٨٧

الحديث رقم ١٣٨٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موت يوم الاثنين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٨٧ في صحيح البخاري

«دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ؟ قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ.»

بَابُ مَوْتِ الْفَجْأَةِ الْبَغْتَةِ

إسناد حديث رقم ١٣٨٧ من صحيح البخاري

١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ: (وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِزِيَادَةِ: قَالُوا: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي شِدْقِهِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ سِيَاقٌ مُسْتَقِيمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالْبَعْضُ الْمُبْهَمُ لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ إِلَّا أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنِ العباسِ بنِ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِثْلَ حِدِيثٍ قَبْلَهُ وَفِيهِ: بِيَدِهِ كُلَّابٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَوْلُهُ فِيهِ: (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهْرِ. قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جِرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ) وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، فَأَمَّا حَدِيثُ يَزِيدَ، وَهُوَ ابنُ هَارُونَ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: فَإِذَا نَهْرٌ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ، وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ: حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، الْحَدِيثَ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِذَا ارْتَفَعُوا كَذَا فِيهِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ فِي جَمْعِ الْحُمَيْدِيِّ: ارْتَقَوْا بِالْقَافِ فَقَطْ مِنَ الِارْتِقَاءِ، وَهُوَ الصُّعُودُ.

٩٤ - بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ

١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تَعَيُّنُ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ، لَكِنْ فِي التَّسَبُّبِ فِي حُصُولِهِ مَدْخَلٌ كَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ، فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْإِجَابَةُ أُثِيبَ عَلَى اعْتِقَادِهِ. وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) تَعْنِي أَبَاهَا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَرَأَيْتُ بِهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: هَيْجٌ هَيْجٌ

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا … فَإِنَّهُ فِي مَرَّةٍ مَدْفُوقُ

فَقَالَ: لَا تَقُولِي هَذَا، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الْآيَةَ - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيِّ يَوْمٍ. الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ مُفْرَدَةً عَنْ أَبِي سَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَوْلُهَا: هَيْجٌ بِالْجِيمِ، حِكَايَةَ بُكَائِهَا.

قَوْلُهُ: (فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ؟) أَيْ: كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ فِيهِ؟ وَقَوْلُهُ: فِي كَمْ مَعْمُولٌ مُقَدَّمٌ لِكَفَّنْتُمْ، قِيلَ: ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَوْطِئَةً لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ، وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَعْظُمُ عَلَيْهَا ذِكْرُهُ، لِمَا فِي بُدَاءَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَالِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ قَدْرِ الْكَفَنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ. وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فَنِسْيَانُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ التَّرَدُّدُ: هَلْ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَفَنِ فِي مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَقَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: اللَّيْلَةَ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ النَّبِيِّ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بِهِ رَدْعٌ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ: لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ جَدِيدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا) أَيِ: الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فِيهَا أَيِ: الثَّلَاثَةَ.

قَوْلُهُ: (خَلَقٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: غَيْرُ جَدِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَلَا نَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ. وَقِيلَ: التَّحْسِينُ حَقُّ الْمَيِّتِ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ، لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريِّ قال (١): (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق () في مرض موته (فَقَالَ: فِي كَمْ) أي: كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ؟) فيه، و «كم» الاستفهاميَّة وإن كان لها صدر الكلام، ولكنَّ الجارَّ كالجزء له، فلا يتصدَّر عليه (قَالَتْ) عائشة: قلت له: كفَّنَّاه (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحَّدة؛ جمع: أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وبالحاء المهملتين، نسبةً إلى سحولٍ قريةٍ باليمن؛ كما مرَّ [خ¦١٢٦٤] (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا) أيضًا : (فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّي النَّبيُّ ؟ قَالَتْ): تُوفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، واستفهامه لها عمَّا ذُكِرَ، قيل: توطئةً لعائشة للصَّبر على فقده؛ لأنَّه (٢) لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبيِّ ؛ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغمِّ العظيم عليها؛ إذ يبعد أن يكون أبو بكرٍ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد (قَالَ) أبو بكر الصِّدِّيق (٣) : (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ): هو (يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «يومُ» خبر مبتدأ (٤) محذوفٍ (قَالَ: أَرْجُو) أي: أتوقَّع أن تكون وفاتي (فِيمَا بَيْنِي) أي: فيما بين ساعتي هذه (وَبَيْنَ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وبين اللَّيلة» (فَنَظَرَ) وفي نسخةٍ «ثمَّ نظر» (إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) بتشديد الرَّاء (بِهِ رَدْعٌ) (٥) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال، آخره عينٌ مهملتَين: لطخٌ وأثرٌ (مِنْ زَعْفَرَانٍ) لم يعمَّه، ولأبي الوقت من غير

«اليونينيَّة» (١): «ردغٌ» بالغين المعجمة (فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا) وسقط في بعض النُّسخ لفظ «هذا» (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: «جديدَين» (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) أي: في الثَّلاثة موافقةً للنَّبيِّ ، ولأبي ذَرٍّ: «فيهما» أي: في المزيد والمزيد عليه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي: الثَّوب الَّذي كان عليه (خَلَقٌ) بفتح الخاء واللَّام، أي: غير جديدٍ (قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي: الكفن (لِلْمَُِهْلَةِ) قال النَّووي: بتثليث الميم: القيح والصَّديد (فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ) بالهمزة (٢) ممدودًا ويُضمُّ، قاله في «القاموس»؛ وهو كذلك بالمدِّ مهموزًا في الفرع (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ) ووقع عند ابن سعدٍ من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة: أوَّل بدء مرض أبي بكرٍ أنَّه اغتسل يوم الاثنين لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمَّ خمسةَ عشرَ يومًا، ومات مساء ليلة الثُّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرة، وترجَّى الصِّدِّيق أن يموت يوم الاثنين، لقصد التَّبرُّك وحصول الخير؛ لكونه تُوفِّي فيه؛ فله (٣) مزيَّةٌ على غيره من الأيَّام بهذا الاعتبار، وقد ورد في فضل الموت يوم الجمعة حديثُ عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر»، رواه التِّرمذيُّ، وفي إسناده ضعفٌ فلذا لم يخرِّجه المؤلِّف، وعَدَل عنه إلى ما وافق شرطه وصحَّ لديه، أحسن الله إليه (٤) برحمته عليه.

(٩٥) (باب مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة (٥) من غير مدٍّ، كذا في الفرع، ورُوِيَ: «الفُجَاءَة» بضمِّ الفاء، وبعد الجيم مدٌّ ثمَّ همزةٌ: الموت من غير سببِ مرضٍ (البَغْتَةِ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ: (وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِزِيَادَةِ: قَالُوا: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي شِدْقِهِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ سِيَاقٌ مُسْتَقِيمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالْبَعْضُ الْمُبْهَمُ لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ إِلَّا أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنِ العباسِ بنِ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِثْلَ حِدِيثٍ قَبْلَهُ وَفِيهِ: بِيَدِهِ كُلَّابٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَوْلُهُ فِيهِ: (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهْرِ. قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جِرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ) وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، فَأَمَّا حَدِيثُ يَزِيدَ، وَهُوَ ابنُ هَارُونَ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: فَإِذَا نَهْرٌ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ، وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ: حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، الْحَدِيثَ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِذَا ارْتَفَعُوا كَذَا فِيهِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ فِي جَمْعِ الْحُمَيْدِيِّ: ارْتَقَوْا بِالْقَافِ فَقَطْ مِنَ الِارْتِقَاءِ، وَهُوَ الصُّعُودُ.

٩٤ - بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ

١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تَعَيُّنُ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ، لَكِنْ فِي التَّسَبُّبِ فِي حُصُولِهِ مَدْخَلٌ كَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ، فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْإِجَابَةُ أُثِيبَ عَلَى اعْتِقَادِهِ. وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) تَعْنِي أَبَاهَا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَرَأَيْتُ بِهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: هَيْجٌ هَيْجٌ

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا … فَإِنَّهُ فِي مَرَّةٍ مَدْفُوقُ

فَقَالَ: لَا تَقُولِي هَذَا، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الْآيَةَ - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيِّ يَوْمٍ. الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ مُفْرَدَةً عَنْ أَبِي سَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَوْلُهَا: هَيْجٌ بِالْجِيمِ، حِكَايَةَ بُكَائِهَا.

قَوْلُهُ: (فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ؟) أَيْ: كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ فِيهِ؟ وَقَوْلُهُ: فِي كَمْ مَعْمُولٌ مُقَدَّمٌ لِكَفَّنْتُمْ، قِيلَ: ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَوْطِئَةً لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ، وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَعْظُمُ عَلَيْهَا ذِكْرُهُ، لِمَا فِي بُدَاءَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَالِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ قَدْرِ الْكَفَنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ. وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فَنِسْيَانُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ التَّرَدُّدُ: هَلْ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَفَنِ فِي مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَقَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: اللَّيْلَةَ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ النَّبِيِّ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بِهِ رَدْعٌ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ: لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ جَدِيدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا) أَيِ: الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فِيهَا أَيِ: الثَّلَاثَةَ.

قَوْلُهُ: (خَلَقٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: غَيْرُ جَدِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَلَا نَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ. وَقِيلَ: التَّحْسِينُ حَقُّ الْمَيِّتِ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ، لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريِّ قال (١): (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق () في مرض موته (فَقَالَ: فِي كَمْ) أي: كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ؟) فيه، و «كم» الاستفهاميَّة وإن كان لها صدر الكلام، ولكنَّ الجارَّ كالجزء له، فلا يتصدَّر عليه (قَالَتْ) عائشة: قلت له: كفَّنَّاه (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحَّدة؛ جمع: أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وبالحاء المهملتين، نسبةً إلى سحولٍ قريةٍ باليمن؛ كما مرَّ [خ¦١٢٦٤] (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا) أيضًا : (فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّي النَّبيُّ ؟ قَالَتْ): تُوفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، واستفهامه لها عمَّا ذُكِرَ، قيل: توطئةً لعائشة للصَّبر على فقده؛ لأنَّه (٢) لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبيِّ ؛ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغمِّ العظيم عليها؛ إذ يبعد أن يكون أبو بكرٍ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد (قَالَ) أبو بكر الصِّدِّيق (٣) : (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ): هو (يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «يومُ» خبر مبتدأ (٤) محذوفٍ (قَالَ: أَرْجُو) أي: أتوقَّع أن تكون وفاتي (فِيمَا بَيْنِي) أي: فيما بين ساعتي هذه (وَبَيْنَ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وبين اللَّيلة» (فَنَظَرَ) وفي نسخةٍ «ثمَّ نظر» (إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) بتشديد الرَّاء (بِهِ رَدْعٌ) (٥) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال، آخره عينٌ مهملتَين: لطخٌ وأثرٌ (مِنْ زَعْفَرَانٍ) لم يعمَّه، ولأبي الوقت من غير

«اليونينيَّة» (١): «ردغٌ» بالغين المعجمة (فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا) وسقط في بعض النُّسخ لفظ «هذا» (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: «جديدَين» (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) أي: في الثَّلاثة موافقةً للنَّبيِّ ، ولأبي ذَرٍّ: «فيهما» أي: في المزيد والمزيد عليه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي: الثَّوب الَّذي كان عليه (خَلَقٌ) بفتح الخاء واللَّام، أي: غير جديدٍ (قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي: الكفن (لِلْمَُِهْلَةِ) قال النَّووي: بتثليث الميم: القيح والصَّديد (فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ) بالهمزة (٢) ممدودًا ويُضمُّ، قاله في «القاموس»؛ وهو كذلك بالمدِّ مهموزًا في الفرع (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ) ووقع عند ابن سعدٍ من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة: أوَّل بدء مرض أبي بكرٍ أنَّه اغتسل يوم الاثنين لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمَّ خمسةَ عشرَ يومًا، ومات مساء ليلة الثُّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرة، وترجَّى الصِّدِّيق أن يموت يوم الاثنين، لقصد التَّبرُّك وحصول الخير؛ لكونه تُوفِّي فيه؛ فله (٣) مزيَّةٌ على غيره من الأيَّام بهذا الاعتبار، وقد ورد في فضل الموت يوم الجمعة حديثُ عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر»، رواه التِّرمذيُّ، وفي إسناده ضعفٌ فلذا لم يخرِّجه المؤلِّف، وعَدَل عنه إلى ما وافق شرطه وصحَّ لديه، أحسن الله إليه (٤) برحمته عليه.

(٩٥) (باب مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة (٥) من غير مدٍّ، كذا في الفرع، ورُوِيَ: «الفُجَاءَة» بضمِّ الفاء، وبعد الجيم مدٌّ ثمَّ همزةٌ: الموت من غير سببِ مرضٍ (البَغْتَةِ)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله