الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٨٧
الحديث رقم ١٣٨٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موت يوم الاثنين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
دخلت عائشة رضي الله عنها على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرض موته، فسألها في كم ثوب كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه كُفن في ثلاثة ثياب بيضاء سَحولية، نسبة إلى قرية باليمن، ولم يكن في الكفن قميص ولا عمامة، ثم سألها عن اليوم الذي توفي فيه النبي عليه الصلاة والسلام أي يوم هو؟ فأخبرته أنه توفي يوم الاثنين، واستفهامه لها عما ذُكر محبة في موافقة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأمر القدري الذي لا اختيار له فيه، وقيل توطئة لعائشة للصبر على فقده، إذ يبعد أن يكون أبو بكر رضي الله عنه نسي ما سألها عنه مع قرب العهد، ثم سألها أي يوم هذا الذي نحن فيه؟ فأجابته أنه يوم الأثنين، فتمنى أن تكون وفاته فيما بين ساعته هذه وبين الليل، ثم نظر إلى ثوب عليه كان يلبسه حين المرض، فيه أثر ولطخ من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين جديدين، فكفنوني في الثياب الثلاثة، موافقة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت له عائشة: إن الثوب الذي عليك غير جديد، فقال: إن الحي أحق أن يلبس الثوب الجديد من الميت، وإنما الكفن للقيح والصديد، أو للإمهال مدةً يسيرةً ثم يبلى، فتوفي ليلة الثلاثاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، ودفن في ليلته قبل أن يصبح، رضي الله عن الصديق.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ: (وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِزِيَادَةِ: قَالُوا: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي شِدْقِهِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ سِيَاقٌ مُسْتَقِيمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالْبَعْضُ الْمُبْهَمُ لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ إِلَّا أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنِ العباسِ بنِ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِثْلَ حِدِيثٍ قَبْلَهُ وَفِيهِ: بِيَدِهِ كُلَّابٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَوْلُهُ فِيهِ: (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهْرِ. قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جِرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ) وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، فَأَمَّا حَدِيثُ يَزِيدَ، وَهُوَ ابنُ هَارُونَ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: فَإِذَا نَهْرٌ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ، وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ: حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، الْحَدِيثَ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِذَا ارْتَفَعُوا كَذَا فِيهِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ فِي جَمْعِ الْحُمَيْدِيِّ: ارْتَقَوْا بِالْقَافِ فَقَطْ مِنَ الِارْتِقَاءِ، وَهُوَ الصُّعُودُ.
٩٤ - بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تَعَيُّنُ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ، لَكِنْ فِي التَّسَبُّبِ فِي حُصُولِهِ مَدْخَلٌ كَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ، فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْإِجَابَةُ أُثِيبَ عَلَى اعْتِقَادِهِ. وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) تَعْنِي أَبَاهَا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَرَأَيْتُ بِهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: هَيْجٌ هَيْجٌ
مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا … فَإِنَّهُ فِي مَرَّةٍ مَدْفُوقُ
فَقَالَ: لَا تَقُولِي هَذَا، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الْآيَةَ - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيِّ يَوْمٍ. الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ مُفْرَدَةً عَنْ أَبِي سَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَوْلُهَا: هَيْجٌ بِالْجِيمِ، حِكَايَةَ بُكَائِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟) أَيْ: كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ؟ وَقَوْلُهُ: فِي كَمْ مَعْمُولٌ مُقَدَّمٌ لِكَفَّنْتُمْ، قِيلَ: ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَوْطِئَةً لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ، وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَعْظُمُ عَلَيْهَا ذِكْرُهُ، لِمَا فِي بُدَاءَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَالِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ قَدْرِ الْكَفَنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ. وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فَنِسْيَانُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ التَّرَدُّدُ: هَلْ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَفَنِ فِي مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَقَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: اللَّيْلَةَ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بِهِ رَدْعٌ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ: لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ جَدِيدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا) أَيِ: الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فِيهَا أَيِ: الثَّلَاثَةَ.
قَوْلُهُ: (خَلَقٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: غَيْرُ جَدِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَلَا نَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ. وَقِيلَ: التَّحْسِينُ حَقُّ الْمَيِّتِ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ، لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريِّ قال (١): (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁) في مرض موته (فَقَالَ: فِي كَمْ) أي: كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟) فيه، و «كم» الاستفهاميَّة وإن كان لها صدر الكلام، ولكنَّ الجارَّ كالجزء له، فلا يتصدَّر عليه (قَالَتْ) عائشة: قلت له: كفَّنَّاه (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحَّدة؛ جمع: أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وبالحاء المهملتين، نسبةً إلى سحولٍ قريةٍ باليمن؛ كما مرَّ [خ¦١٢٦٤] (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا) أيضًا ﵄: (فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّي النَّبيُّ ﷺ؟ قَالَتْ): تُوفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، واستفهامه لها عمَّا ذُكِرَ، قيل: توطئةً لعائشة للصَّبر على فقده؛ لأنَّه (٢) لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبيِّ ﷺ؛ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغمِّ العظيم عليها؛ إذ يبعد أن يكون أبو بكرٍ ﵁ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد (قَالَ) أبو بكر الصِّدِّيق (٣) ﵁: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ): هو (يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «يومُ» خبر مبتدأ (٤) محذوفٍ (قَالَ: أَرْجُو) أي: أتوقَّع أن تكون وفاتي (فِيمَا بَيْنِي) أي: فيما بين ساعتي هذه (وَبَيْنَ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وبين اللَّيلة» (فَنَظَرَ) وفي نسخةٍ «ثمَّ نظر» (إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) بتشديد الرَّاء (بِهِ رَدْعٌ) (٥) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال، آخره عينٌ مهملتَين: لطخٌ وأثرٌ (مِنْ زَعْفَرَانٍ) لم يعمَّه، ولأبي الوقت من غير
«اليونينيَّة» (١): «ردغٌ» بالغين المعجمة (فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا) وسقط في بعض النُّسخ لفظ «هذا» (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: «جديدَين» (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) أي: في الثَّلاثة موافقةً للنَّبيِّ ﷺ، ولأبي ذَرٍّ: «فيهما» أي: في المزيد والمزيد عليه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي: الثَّوب الَّذي كان عليه (خَلَقٌ) بفتح الخاء واللَّام، أي: غير جديدٍ (قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي: الكفن (لِلْمَُِهْلَةِ) قال النَّووي: بتثليث الميم: القيح والصَّديد (فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ) بالهمزة (٢) ممدودًا ويُضمُّ، قاله في «القاموس»؛ وهو كذلك بالمدِّ مهموزًا في الفرع (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ) ووقع عند ابن سعدٍ من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة: أوَّل بدء مرض أبي بكرٍ أنَّه اغتسل يوم الاثنين لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمَّ خمسةَ عشرَ يومًا، ومات مساء ليلة الثُّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرة، وترجَّى الصِّدِّيق ﵁ أن يموت يوم الاثنين، لقصد التَّبرُّك وحصول الخير؛ لكونه ﵊ تُوفِّي فيه؛ فله (٣) مزيَّةٌ على غيره من الأيَّام بهذا الاعتبار، وقد ورد في فضل الموت يوم الجمعة حديثُ عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر»، رواه التِّرمذيُّ، وفي إسناده ضعفٌ فلذا لم يخرِّجه المؤلِّف، وعَدَل عنه إلى ما وافق شرطه وصحَّ لديه، أحسن الله إليه (٤) برحمته عليه.
(٩٥) (باب مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة (٥) من غير مدٍّ، كذا في الفرع، ورُوِيَ: «الفُجَاءَة» بضمِّ الفاء، وبعد الجيم مدٌّ ثمَّ همزةٌ: الموت من غير سببِ مرضٍ (البَغْتَةِ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وَفِيه: فضل تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: أَن من قدم خيرا وجده غَدا فِي الْقِيَامَة لقَوْله: (أتيت مَنْزِلك) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إقبال الإِمَام بعد سَلَامه على أَصْحَابه. وَفِيه: مبادرة الْمعبر إِلَى تَأْوِيلهَا أول النَّهَار قبل أَن يتشعب ذهنه باشتغاله فِي معاشه فِي الدُّنْيَا، وَلِأَن عهد الرَّائِي قريب وَلم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يشوشها، وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا مَا يسْتَحبّ تَعْجِيله: كالحث على خير والتحذير عَن مَعْصِيّة. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعلم. وَفِيه: أَن استدبار الْقبْلَة فِي جُلُوسه للْعلم أَو غَيره جَائِز.
٤٩ - (بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَوْت يَوْم الِاثْنَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ لأحد اخْتِيَار فِي تعْيين وَقت الْمَوْت، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: لَهُ مدْخل فِي التَّسَبُّب فِي حُصُوله بِأَن يرغب إِلَى الله لقصد التَّبَرُّك، فَإِن أُجِيب فَخير حصل وإلَاّ يُثَاب على اعْتِقَاده.
٧٨٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ قَالَ فأيُّ يَوْمٍ هاذا قالَتْ يَوْمُ الإثْنَيْنِ قَالَ أرْجُو فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ اللَّيْلِ فنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يْمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هاذا وَزِيدُوا علَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إنَّ هاذا خَلْقً. قَالَ إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ودُفِنَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَمن مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ يُرْجَى لَهُ الْخَيْر لموافقة يَوْم وَفَاته يَوْم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فظهرت لَهُ مزية على غَيره من الْأَيَّام بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إلَاّ وَقَاه الله تَعَالَى فتْنَة الْقَبْر) . قلت: هَذَا حَدِيث انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل لِأَن ربيعَة بن سيف يرويهِ عَن ابْن عمر، وَلَا يعرف لَهُ سَماع مِنْهُ، فَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ، فاقتصر على مَا وَافق شَرطه.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت على أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) تَعْنِي أَبَاهَا. قَوْله: (فِي كم كفنتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟) أَي: فِي كم ثوبا كفنتم، و: كم، الاستفهامية وَإِن كَانَ لَهَا صدر الْكَلَام، وَلَكِن الْجَار كالجزء لَهُ فَلَا يتصدر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعلمهم بِحَالهِ وأموره، فَمَا وَجه هَذَا السُّؤَال؟ قلت: هَذَا السُّؤَال من أبي بكر عَن كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالْجَوَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَا فِي مرض مَوته، وَكَانَ قَصده من ذَلِك مُوَافَقَته للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى فِي التَّكْفِين، وَكَانَ يَرْجُو أَيْضا أَن تكون وَفَاته فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذَلِكَ لشدَّة إتباعه إِيَّاه فِي حَيَاته، فَأَرَادَ اتِّبَاعه فِي مماته، وَحصل قَصده فِي التَّكْفِين، لِأَن عَائِشَة لما قَالَت: كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، أَشَارَ أَبُو بكر أَن يكون كَفنه أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، حَيْثُ قَالَ: إغسلوا ثوبي هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ثَوْبه الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ، وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ليصير ثَلَاثَة أَثوَاب، مثل كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما وَفَاته فقد تَأَخَّرت عَن وَقت وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَتُوفِّي أَبُو بكر لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَذَلِكَ كَانَ لحكمة فِي التَّأْخِير، وَهِي أَنه إِنَّمَا تَأَخّر عَن يَوْم الْإِثْنَيْنِ
لكَونه قَامَ بِالْأَمر بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنَاسَبَ أَن تكون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَن الْوَقْت الَّذِي قبض فِيهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لعَائِشَة للصبر على فَقده، لِأَنَّهُ لم تكن خرجت من قَلبهَا الحرقة، لمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو كَانَ ذكر ابْتِدَاء من أَمر مَوته لدخل عَلَيْهَا غم عَظِيم من ذَلِك، وتجديد حزن، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ غم على غم وحزن على حزن، وَلم يقْصد أَبُو بكر ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن قدر الْكَفَن على حَقِيقَته لِأَنَّهُ لم يحضر ذَلِك لاشتغاله بِأَمْر الْبيعَة. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لأَنا قد ذكرنَا أَن السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا فِي مرض موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الْمُوَافقَة والاتباع، وَأَيْنَ كَانَ وَقت اشْتِغَاله بِأَمْر الْبيعَة من هَذَا الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرِيضا مرض الْمَوْت، وَمن الْبعيد أَن لَا يحضر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تكفين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونه أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي كل شَيْء، وَمَعَ هَذَا كَانَت الْبيعَة فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، والتكفين كَانَ وَقت دَفنه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء. قَالَه ابْن إِسْحَاق. فَإِن قلت: قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت الْبيعَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ قلت: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم السَّقِيفَة، وَكَانَت الْبيعَة الْعَامَّة يَوْم الثُّلَاثَاء، قَالَه الزُّهْرِيّ وَغَيره. قَوْله: (بيض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: أَبيض. قَوْله: (سحُولِيَّة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى سحول، قَرْيَة بِالْيمن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، قَوْله: (وَقَالَ لَهَا) أَي: قَالَ أَبُو بكر لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَي يَوْم توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ بَعضهم: وَأما تعْيين الْيَوْم فنسيانه أَيْضا يحْتَمل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَيمكن أَن يحصل التَّرَدُّد: هَل مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو الثُّلَاثَاء؟ انْتهى قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَنَّهُ كَيفَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَقد بُويِعَ لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بيعَة السَّقِيفَة؟ وَأَيْضًا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ فِي مَوته، فَمن قَائِل، قَالَ: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمن قَائِل قَالَ: لم يمت وَمِنْهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى خطب أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، وَبَين لَهُم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأزال الْجِدَال وأزاح الْإِشْكَال. وَكَيف يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الْيَوْم مَعَ قرب الْعَهْد، وَإِنَّمَا كَانَ وَجه سُؤَاله ليعلمها أَنه كَانَ يتَمَنَّى أَن تكون وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَلم يكن سُؤَاله عَن حَقِيقَة ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يَوْم الِاثْنَيْنِ تطييبا لِقَلْبِهِ، لما قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَيَوْم الِاثْنَيْنِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (قَالَ فَأَي يَوْم هَذَا؟) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي يَوْم هَذَا؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْيَوْم الَّذِي كَانَ مَرِيضا فِيهِ، وَكَانَ آخر أَيَّامه، وَلم يكن مَوته فِيهِ لما ذكرنَا قَوْله: (قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ) ، بِرَفْع الْيَوْم لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا الْيَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ. قَوْله: (أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَبَين اللَّيْلَة) وَمَعْنَاهُ: أَرْجُو من الله تَعَالَى أَن يكون موتِي فِيمَا بَين الْوَقْت الَّذِي أَنا فِيهِ وَبَين اللَّيْل الَّذِي يَأْتِي، يَعْنِي يكون يَوْم الِاثْنَيْنِ ليَكُون مَوته فِي يَوْم موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَ هَذَا توفّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَقيل: توفّي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة و: الأول أصح، وَلَا خلاف أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَمرض لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا رَيْحَانَة كَانَت من سبي الْيَهُود وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ سيف بن عمر، إِسْنَاده عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ سَبَب مرض أبي بكر وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كمد فَمَا زَالَ جِسْمه يذوب حَتَّى مَاتَ. وَقيل: سم، فَقَالَ ابْن سعد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن شهَاب: إِن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: إرفع يدك يَا خَليفَة رَسُول الله، وَالله إِن فِيهَا السم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْتِهَاء السّنة، فماتا عِنْد انْقِضَائِهَا، وَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا. والخزيرة أَن يقطع اللَّحْم ويذر عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي سمته امْرَأَة من الْيَهُود فِي أرز، وَقيل: إِن الْيَهُود سمته فِي حسو. وَقيل: اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا وَتُوفِّي، حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن عَائِشَة. وَقيل: علق بِهِ سل قبل وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتله، حَكَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (ثمَّ نظر) ، أَي: أَبُو بكر، إِلَى ثوب عَلَيْهِ أَي
ثوب كَائِن على بدنه، قَوْله: (كَانَ يمرض فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، من مَرضت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ بالتعهد والمداواة، قَوْله: (بِهِ ردع) ، أَي: بِهَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ ردع، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ اللطخ والأثر، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من زعفران) ، للْبَيَان. قَوْله: (وزيدوا عَلَيْهِ) أَي: على هَذَا الثَّوْب. قَوْله: (فيهمَا) أَي: فِي الْمَزِيد والزيد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَت الرِّوَايَة: فِيهَا، فَالضَّمِير عَائِد إِلَى الأثواب الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: فيهمَا، يَعْنِي بالتثنية، فكأنهما جَعلهمَا جِنْسَيْنِ: الثَّوْب الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ جِنْسا، والثوبين الآخرين جِنْسا، فذكرهما بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فِيهَا بإفراد الضَّمِير. قَوْله: (قلت: إِن هَذَا خلق) أَي: قَالَت عَائِشَة: إِن هَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ خلق، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام، أَي: بَال، عَتيق، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد ابْن سعد: (أَلا تجعلها جددا كلهَا؟ قَالَ: لَا) . وَيفهم من هَذَا أَنه كَانَ يرى عدم المغالاة فِي الأكفان، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك: (إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد، إِنَّمَا هُوَ للمهلة) ، بِضَم الْمِيم وَهُوَ: الْقَيْح والصديد، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمهلة مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، أَي: الْجَدِيد لمن يرى المهلة فِي بَقَائِهِ، ويروى: المهلة، بِكَسْر الْمِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فَإِنَّمَا هما للمهل وَالتُّرَاب، ويروى: للمهلة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ: الْقَيْح والصديد الَّذِي يذوب. وَقيل: من الْجَسَد، وَمِنْه قيل للنحاس الذائب: مهل. وَقَالَ ابْن حبيب: المهلة، بِالْكَسْرِ: الصديد وَبِفَتْحِهَا من التمهل وَبِضَمِّهَا عكر الزَّيْت الْأسود المظلم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ} (المعارج: ٨) . وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّهَا صديد الْمَيِّت، زَعَمُوا أَن الْمهل ضرب من القطران، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سَرِيعا) . قَوْله: (لَا تغَالوا) ، من المغالاة وَهِي مُجَاوزَة الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا تبالغوا. قَوْله: (يسلب سَرِيعا) يَعْنِي: يسلب الْمَيِّت الْكَفَن، وَالْمعْنَى: يبْلى عَلَيْهِ وَيقطع وَلَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمَيِّت. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه مُسلم عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) . وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أُسَامَة وَأحمد بن منيع: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يبعثون فِي أكفانهم ويتزاورون فِي أكفانهم) . وَفِي رِوَايَة أبي نصر عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا، لِأَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ بالمغالاة فِي ثمنه ورقته، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كَونه جَدِيدا أَبيض، حَكَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سَلام بن أبي مُطِيع، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يُعجبهُ الْكَفَن الصفيق، وروى أَيْضا عَن جَعْفَر بن مَيْمُون، قَالَ: كَانُوا يستحبون أَن تكون الْمَرْأَة فِي غِلَاظ الثِّيَاب، وروى أَيْضا عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنه: كَانَ يعجبهما أَن يكون الْكَفَن كتانا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن الحنيفة. قَالَ: لَيْسَ للْمَيت من الْكَفَن شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ تكرمة الْحَيّ. وَقيل فِي الْجمع بَينهمَا: يحمل التحسين على الصّفة، وَتحمل المغالاة على الثّمن، وَقيل: التحسين حق الْمَيِّت فَإِذا أوصى بِتَرْكِهِ اتبع، كَمَا فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون اخْتَار ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه لِمَعْنى فِيهِ من التَّبَرُّك بِهِ، لكَونه كَانَ جَاهد فِيهِ أَو تعبد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، قَالَ أَبُو بكر: كفنوني فِي ثوبي اللَّذين كنت أُصَلِّي فيهمَا. قلت: يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن الثَّوْب الَّذِي اخْتَارَهُ كَانَ وصل إِلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك اخْتَارَهُ تبركا بِهِ، وَحقّ لَهُ هَذَا الِاخْتِيَار.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبيض. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تثليث الْكَفَن. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب المغسولة. وَفِيه: إِيثَار الْحَيّ بالجديد. وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْمُوَافقَة فِيمَا وَقع للأكابر تبركا بذلك. وَفِيه: أَخذ الْمَرْء الْعلم عَمَّن دونه. وَفِيه: فضل أبي بكر وَصِحَّة فراسته وثباته عِنْد وَفَاته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن وَصِيَّة الْمَيِّت مُعْتَبرَة فِي كَفنه وَغير ذَلِك من أمره إِذا وَافق صَوَابا، فَإِن أوصى بسرف، فَعَن مَالك: يُكفن بِالْقَصْدِ، فَإِن لم يوص لم ينقص عَن ثَلَاثَة أَثوَاب من جنس لِبَاسه فِي حَيَاته، لِأَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَالنَّقْص مِنْهَا خُرُوج بِهِ عَن عَادَته، وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّكْفِين فِي خلق الثِّيَاب إِذا كَانَت سَالِمَة من الْقطع وساترة لَهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ: أَن التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد والخلق سَوَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال أَن يكون أَبُو بكر اخْتَارَهُ لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك فَلَا دَلِيل فِيهِ على الْمُسَاوَاة. وَالله أعلم.
٥٩ - (بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.
٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ.
(الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ: (وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِزِيَادَةِ: قَالُوا: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي شِدْقِهِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ سِيَاقٌ مُسْتَقِيمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالْبَعْضُ الْمُبْهَمُ لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ إِلَّا أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنِ العباسِ بنِ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِثْلَ حِدِيثٍ قَبْلَهُ وَفِيهِ: بِيَدِهِ كُلَّابٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَوْلُهُ فِيهِ: (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهْرِ. قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جِرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ) وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، فَأَمَّا حَدِيثُ يَزِيدَ، وَهُوَ ابنُ هَارُونَ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: فَإِذَا نَهْرٌ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ، وَعَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ: حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، الْحَدِيثَ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِذَا ارْتَفَعُوا كَذَا فِيهِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ فِي جَمْعِ الْحُمَيْدِيِّ: ارْتَقَوْا بِالْقَافِ فَقَطْ مِنَ الِارْتِقَاءِ، وَهُوَ الصُّعُودُ.
٩٤ - بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تَعَيُّنُ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ، لَكِنْ فِي التَّسَبُّبِ فِي حُصُولِهِ مَدْخَلٌ كَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ، فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْإِجَابَةُ أُثِيبَ عَلَى اعْتِقَادِهِ. وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) تَعْنِي أَبَاهَا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَرَأَيْتُ بِهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: هَيْجٌ هَيْجٌ
مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا … فَإِنَّهُ فِي مَرَّةٍ مَدْفُوقُ
فَقَالَ: لَا تَقُولِي هَذَا، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الْآيَةَ - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيِّ يَوْمٍ. الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ مُفْرَدَةً عَنْ أَبِي سَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَوْلُهَا: هَيْجٌ بِالْجِيمِ، حِكَايَةَ بُكَائِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟) أَيْ: كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ؟ وَقَوْلُهُ: فِي كَمْ مَعْمُولٌ مُقَدَّمٌ لِكَفَّنْتُمْ، قِيلَ: ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَوْطِئَةً لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ، وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَعْظُمُ عَلَيْهَا ذِكْرُهُ، لِمَا فِي بُدَاءَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَالِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ قَدْرِ الْكَفَنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ. وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فَنِسْيَانُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ التَّرَدُّدُ: هَلْ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَفَنِ فِي مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَقَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: اللَّيْلَةَ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بِهِ رَدْعٌ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ: لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ جَدِيدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا) أَيِ: الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فِيهَا أَيِ: الثَّلَاثَةَ.
قَوْلُهُ: (خَلَقٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: غَيْرُ جَدِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَلَا نَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ. وَقِيلَ: التَّحْسِينُ حَقُّ الْمَيِّتِ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ، لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريِّ قال (١): (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁) في مرض موته (فَقَالَ: فِي كَمْ) أي: كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟) فيه، و «كم» الاستفهاميَّة وإن كان لها صدر الكلام، ولكنَّ الجارَّ كالجزء له، فلا يتصدَّر عليه (قَالَتْ) عائشة: قلت له: كفَّنَّاه (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحَّدة؛ جمع: أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وبالحاء المهملتين، نسبةً إلى سحولٍ قريةٍ باليمن؛ كما مرَّ [خ¦١٢٦٤] (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا) أيضًا ﵄: (فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّي النَّبيُّ ﷺ؟ قَالَتْ): تُوفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، واستفهامه لها عمَّا ذُكِرَ، قيل: توطئةً لعائشة للصَّبر على فقده؛ لأنَّه (٢) لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبيِّ ﷺ؛ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغمِّ العظيم عليها؛ إذ يبعد أن يكون أبو بكرٍ ﵁ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد (قَالَ) أبو بكر الصِّدِّيق (٣) ﵁: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ): هو (يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «يومُ» خبر مبتدأ (٤) محذوفٍ (قَالَ: أَرْجُو) أي: أتوقَّع أن تكون وفاتي (فِيمَا بَيْنِي) أي: فيما بين ساعتي هذه (وَبَيْنَ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وبين اللَّيلة» (فَنَظَرَ) وفي نسخةٍ «ثمَّ نظر» (إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) بتشديد الرَّاء (بِهِ رَدْعٌ) (٥) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال، آخره عينٌ مهملتَين: لطخٌ وأثرٌ (مِنْ زَعْفَرَانٍ) لم يعمَّه، ولأبي الوقت من غير
«اليونينيَّة» (١): «ردغٌ» بالغين المعجمة (فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا) وسقط في بعض النُّسخ لفظ «هذا» (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: «جديدَين» (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) أي: في الثَّلاثة موافقةً للنَّبيِّ ﷺ، ولأبي ذَرٍّ: «فيهما» أي: في المزيد والمزيد عليه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي: الثَّوب الَّذي كان عليه (خَلَقٌ) بفتح الخاء واللَّام، أي: غير جديدٍ (قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي: الكفن (لِلْمَُِهْلَةِ) قال النَّووي: بتثليث الميم: القيح والصَّديد (فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ) بالهمزة (٢) ممدودًا ويُضمُّ، قاله في «القاموس»؛ وهو كذلك بالمدِّ مهموزًا في الفرع (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ) ووقع عند ابن سعدٍ من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة: أوَّل بدء مرض أبي بكرٍ أنَّه اغتسل يوم الاثنين لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمَّ خمسةَ عشرَ يومًا، ومات مساء ليلة الثُّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرة، وترجَّى الصِّدِّيق ﵁ أن يموت يوم الاثنين، لقصد التَّبرُّك وحصول الخير؛ لكونه ﵊ تُوفِّي فيه؛ فله (٣) مزيَّةٌ على غيره من الأيَّام بهذا الاعتبار، وقد ورد في فضل الموت يوم الجمعة حديثُ عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر»، رواه التِّرمذيُّ، وفي إسناده ضعفٌ فلذا لم يخرِّجه المؤلِّف، وعَدَل عنه إلى ما وافق شرطه وصحَّ لديه، أحسن الله إليه (٤) برحمته عليه.
(٩٥) (باب مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة (٥) من غير مدٍّ، كذا في الفرع، ورُوِيَ: «الفُجَاءَة» بضمِّ الفاء، وبعد الجيم مدٌّ ثمَّ همزةٌ: الموت من غير سببِ مرضٍ (البَغْتَةِ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وَفِيه: فضل تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: أَن من قدم خيرا وجده غَدا فِي الْقِيَامَة لقَوْله: (أتيت مَنْزِلك) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إقبال الإِمَام بعد سَلَامه على أَصْحَابه. وَفِيه: مبادرة الْمعبر إِلَى تَأْوِيلهَا أول النَّهَار قبل أَن يتشعب ذهنه باشتغاله فِي معاشه فِي الدُّنْيَا، وَلِأَن عهد الرَّائِي قريب وَلم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يشوشها، وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا مَا يسْتَحبّ تَعْجِيله: كالحث على خير والتحذير عَن مَعْصِيّة. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعلم. وَفِيه: أَن استدبار الْقبْلَة فِي جُلُوسه للْعلم أَو غَيره جَائِز.
٤٩ - (بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَوْت يَوْم الِاثْنَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ لأحد اخْتِيَار فِي تعْيين وَقت الْمَوْت، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: لَهُ مدْخل فِي التَّسَبُّب فِي حُصُوله بِأَن يرغب إِلَى الله لقصد التَّبَرُّك، فَإِن أُجِيب فَخير حصل وإلَاّ يُثَاب على اعْتِقَاده.
٧٨٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ قَالَ فأيُّ يَوْمٍ هاذا قالَتْ يَوْمُ الإثْنَيْنِ قَالَ أرْجُو فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ اللَّيْلِ فنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يْمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هاذا وَزِيدُوا علَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إنَّ هاذا خَلْقً. قَالَ إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ودُفِنَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَمن مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ يُرْجَى لَهُ الْخَيْر لموافقة يَوْم وَفَاته يَوْم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فظهرت لَهُ مزية على غَيره من الْأَيَّام بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إلَاّ وَقَاه الله تَعَالَى فتْنَة الْقَبْر) . قلت: هَذَا حَدِيث انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل لِأَن ربيعَة بن سيف يرويهِ عَن ابْن عمر، وَلَا يعرف لَهُ سَماع مِنْهُ، فَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ، فاقتصر على مَا وَافق شَرطه.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت على أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) تَعْنِي أَبَاهَا. قَوْله: (فِي كم كفنتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟) أَي: فِي كم ثوبا كفنتم، و: كم، الاستفهامية وَإِن كَانَ لَهَا صدر الْكَلَام، وَلَكِن الْجَار كالجزء لَهُ فَلَا يتصدر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعلمهم بِحَالهِ وأموره، فَمَا وَجه هَذَا السُّؤَال؟ قلت: هَذَا السُّؤَال من أبي بكر عَن كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالْجَوَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَا فِي مرض مَوته، وَكَانَ قَصده من ذَلِك مُوَافَقَته للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى فِي التَّكْفِين، وَكَانَ يَرْجُو أَيْضا أَن تكون وَفَاته فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذَلِكَ لشدَّة إتباعه إِيَّاه فِي حَيَاته، فَأَرَادَ اتِّبَاعه فِي مماته، وَحصل قَصده فِي التَّكْفِين، لِأَن عَائِشَة لما قَالَت: كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، أَشَارَ أَبُو بكر أَن يكون كَفنه أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، حَيْثُ قَالَ: إغسلوا ثوبي هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ثَوْبه الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ، وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ليصير ثَلَاثَة أَثوَاب، مثل كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما وَفَاته فقد تَأَخَّرت عَن وَقت وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَتُوفِّي أَبُو بكر لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَذَلِكَ كَانَ لحكمة فِي التَّأْخِير، وَهِي أَنه إِنَّمَا تَأَخّر عَن يَوْم الْإِثْنَيْنِ
لكَونه قَامَ بِالْأَمر بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنَاسَبَ أَن تكون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَن الْوَقْت الَّذِي قبض فِيهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لعَائِشَة للصبر على فَقده، لِأَنَّهُ لم تكن خرجت من قَلبهَا الحرقة، لمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو كَانَ ذكر ابْتِدَاء من أَمر مَوته لدخل عَلَيْهَا غم عَظِيم من ذَلِك، وتجديد حزن، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ غم على غم وحزن على حزن، وَلم يقْصد أَبُو بكر ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن قدر الْكَفَن على حَقِيقَته لِأَنَّهُ لم يحضر ذَلِك لاشتغاله بِأَمْر الْبيعَة. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لأَنا قد ذكرنَا أَن السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا فِي مرض موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الْمُوَافقَة والاتباع، وَأَيْنَ كَانَ وَقت اشْتِغَاله بِأَمْر الْبيعَة من هَذَا الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرِيضا مرض الْمَوْت، وَمن الْبعيد أَن لَا يحضر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تكفين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونه أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي كل شَيْء، وَمَعَ هَذَا كَانَت الْبيعَة فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، والتكفين كَانَ وَقت دَفنه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء. قَالَه ابْن إِسْحَاق. فَإِن قلت: قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت الْبيعَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ قلت: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم السَّقِيفَة، وَكَانَت الْبيعَة الْعَامَّة يَوْم الثُّلَاثَاء، قَالَه الزُّهْرِيّ وَغَيره. قَوْله: (بيض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: أَبيض. قَوْله: (سحُولِيَّة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى سحول، قَرْيَة بِالْيمن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، قَوْله: (وَقَالَ لَهَا) أَي: قَالَ أَبُو بكر لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَي يَوْم توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ بَعضهم: وَأما تعْيين الْيَوْم فنسيانه أَيْضا يحْتَمل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَيمكن أَن يحصل التَّرَدُّد: هَل مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو الثُّلَاثَاء؟ انْتهى قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَنَّهُ كَيفَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَقد بُويِعَ لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بيعَة السَّقِيفَة؟ وَأَيْضًا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ فِي مَوته، فَمن قَائِل، قَالَ: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمن قَائِل قَالَ: لم يمت وَمِنْهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى خطب أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، وَبَين لَهُم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأزال الْجِدَال وأزاح الْإِشْكَال. وَكَيف يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الْيَوْم مَعَ قرب الْعَهْد، وَإِنَّمَا كَانَ وَجه سُؤَاله ليعلمها أَنه كَانَ يتَمَنَّى أَن تكون وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَلم يكن سُؤَاله عَن حَقِيقَة ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يَوْم الِاثْنَيْنِ تطييبا لِقَلْبِهِ، لما قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَيَوْم الِاثْنَيْنِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (قَالَ فَأَي يَوْم هَذَا؟) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي يَوْم هَذَا؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْيَوْم الَّذِي كَانَ مَرِيضا فِيهِ، وَكَانَ آخر أَيَّامه، وَلم يكن مَوته فِيهِ لما ذكرنَا قَوْله: (قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ) ، بِرَفْع الْيَوْم لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا الْيَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ. قَوْله: (أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَبَين اللَّيْلَة) وَمَعْنَاهُ: أَرْجُو من الله تَعَالَى أَن يكون موتِي فِيمَا بَين الْوَقْت الَّذِي أَنا فِيهِ وَبَين اللَّيْل الَّذِي يَأْتِي، يَعْنِي يكون يَوْم الِاثْنَيْنِ ليَكُون مَوته فِي يَوْم موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَ هَذَا توفّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَقيل: توفّي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة و: الأول أصح، وَلَا خلاف أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَمرض لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا رَيْحَانَة كَانَت من سبي الْيَهُود وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ سيف بن عمر، إِسْنَاده عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ سَبَب مرض أبي بكر وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كمد فَمَا زَالَ جِسْمه يذوب حَتَّى مَاتَ. وَقيل: سم، فَقَالَ ابْن سعد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن شهَاب: إِن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: إرفع يدك يَا خَليفَة رَسُول الله، وَالله إِن فِيهَا السم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْتِهَاء السّنة، فماتا عِنْد انْقِضَائِهَا، وَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا. والخزيرة أَن يقطع اللَّحْم ويذر عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي سمته امْرَأَة من الْيَهُود فِي أرز، وَقيل: إِن الْيَهُود سمته فِي حسو. وَقيل: اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا وَتُوفِّي، حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن عَائِشَة. وَقيل: علق بِهِ سل قبل وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتله، حَكَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (ثمَّ نظر) ، أَي: أَبُو بكر، إِلَى ثوب عَلَيْهِ أَي
ثوب كَائِن على بدنه، قَوْله: (كَانَ يمرض فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، من مَرضت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ بالتعهد والمداواة، قَوْله: (بِهِ ردع) ، أَي: بِهَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ ردع، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ اللطخ والأثر، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من زعفران) ، للْبَيَان. قَوْله: (وزيدوا عَلَيْهِ) أَي: على هَذَا الثَّوْب. قَوْله: (فيهمَا) أَي: فِي الْمَزِيد والزيد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَت الرِّوَايَة: فِيهَا، فَالضَّمِير عَائِد إِلَى الأثواب الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: فيهمَا، يَعْنِي بالتثنية، فكأنهما جَعلهمَا جِنْسَيْنِ: الثَّوْب الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ جِنْسا، والثوبين الآخرين جِنْسا، فذكرهما بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فِيهَا بإفراد الضَّمِير. قَوْله: (قلت: إِن هَذَا خلق) أَي: قَالَت عَائِشَة: إِن هَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ خلق، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام، أَي: بَال، عَتيق، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد ابْن سعد: (أَلا تجعلها جددا كلهَا؟ قَالَ: لَا) . وَيفهم من هَذَا أَنه كَانَ يرى عدم المغالاة فِي الأكفان، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك: (إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد، إِنَّمَا هُوَ للمهلة) ، بِضَم الْمِيم وَهُوَ: الْقَيْح والصديد، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمهلة مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، أَي: الْجَدِيد لمن يرى المهلة فِي بَقَائِهِ، ويروى: المهلة، بِكَسْر الْمِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فَإِنَّمَا هما للمهل وَالتُّرَاب، ويروى: للمهلة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ: الْقَيْح والصديد الَّذِي يذوب. وَقيل: من الْجَسَد، وَمِنْه قيل للنحاس الذائب: مهل. وَقَالَ ابْن حبيب: المهلة، بِالْكَسْرِ: الصديد وَبِفَتْحِهَا من التمهل وَبِضَمِّهَا عكر الزَّيْت الْأسود المظلم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ} (المعارج: ٨) . وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّهَا صديد الْمَيِّت، زَعَمُوا أَن الْمهل ضرب من القطران، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سَرِيعا) . قَوْله: (لَا تغَالوا) ، من المغالاة وَهِي مُجَاوزَة الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا تبالغوا. قَوْله: (يسلب سَرِيعا) يَعْنِي: يسلب الْمَيِّت الْكَفَن، وَالْمعْنَى: يبْلى عَلَيْهِ وَيقطع وَلَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمَيِّت. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه مُسلم عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) . وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أُسَامَة وَأحمد بن منيع: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يبعثون فِي أكفانهم ويتزاورون فِي أكفانهم) . وَفِي رِوَايَة أبي نصر عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا، لِأَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ بالمغالاة فِي ثمنه ورقته، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كَونه جَدِيدا أَبيض، حَكَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سَلام بن أبي مُطِيع، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يُعجبهُ الْكَفَن الصفيق، وروى أَيْضا عَن جَعْفَر بن مَيْمُون، قَالَ: كَانُوا يستحبون أَن تكون الْمَرْأَة فِي غِلَاظ الثِّيَاب، وروى أَيْضا عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنه: كَانَ يعجبهما أَن يكون الْكَفَن كتانا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن الحنيفة. قَالَ: لَيْسَ للْمَيت من الْكَفَن شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ تكرمة الْحَيّ. وَقيل فِي الْجمع بَينهمَا: يحمل التحسين على الصّفة، وَتحمل المغالاة على الثّمن، وَقيل: التحسين حق الْمَيِّت فَإِذا أوصى بِتَرْكِهِ اتبع، كَمَا فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون اخْتَار ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه لِمَعْنى فِيهِ من التَّبَرُّك بِهِ، لكَونه كَانَ جَاهد فِيهِ أَو تعبد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، قَالَ أَبُو بكر: كفنوني فِي ثوبي اللَّذين كنت أُصَلِّي فيهمَا. قلت: يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن الثَّوْب الَّذِي اخْتَارَهُ كَانَ وصل إِلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك اخْتَارَهُ تبركا بِهِ، وَحقّ لَهُ هَذَا الِاخْتِيَار.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبيض. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تثليث الْكَفَن. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب المغسولة. وَفِيه: إِيثَار الْحَيّ بالجديد. وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْمُوَافقَة فِيمَا وَقع للأكابر تبركا بذلك. وَفِيه: أَخذ الْمَرْء الْعلم عَمَّن دونه. وَفِيه: فضل أبي بكر وَصِحَّة فراسته وثباته عِنْد وَفَاته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن وَصِيَّة الْمَيِّت مُعْتَبرَة فِي كَفنه وَغير ذَلِك من أمره إِذا وَافق صَوَابا، فَإِن أوصى بسرف، فَعَن مَالك: يُكفن بِالْقَصْدِ، فَإِن لم يوص لم ينقص عَن ثَلَاثَة أَثوَاب من جنس لِبَاسه فِي حَيَاته، لِأَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَالنَّقْص مِنْهَا خُرُوج بِهِ عَن عَادَته، وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّكْفِين فِي خلق الثِّيَاب إِذا كَانَت سَالِمَة من الْقطع وساترة لَهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ: أَن التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد والخلق سَوَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال أَن يكون أَبُو بكر اخْتَارَهُ لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك فَلَا دَلِيل فِيهِ على الْمُسَاوَاة. وَالله أعلم.
٥٩ - (بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.
٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ.
(الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة