«مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤١٠

الحديث رقم ١٤١٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يقبل الله صدقة من غلول.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله…

«مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ . وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ .

سند حديث: ١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ…

١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله…

من تصدق بمثل قيمة تمرة حلالاً خال عن الغش والخديعة، ولا يقبل الله إلا الحلال الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه وهذا على ظاهره كما يليق به سبحانه من غير تأويل ولا تحريف، والمراد أخذها منه كما في رواية مسلم، فينميها ويضاعف أجرها كما يربي أحدكم مهره وهو ولد الحصان حتى يكبر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • لا يقبل الله الصدقة إلا من الحلال الطيب لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
  • يضاعف الله الصدقة من الكسب الطيب حتى تصبح كالجبل.
  • إثبات صفة اليدين لله -تعالى-، وكلتا يديه يمين، كما يليق بجلاله وعظمته، وقد دل على هذا نصوص الكتاب والسنة، كقوله -تعالى-: (والسماوات مطويات بيمينه) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وكلتا يديه يمين) رواه مسلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ - إلى قوله - وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ" تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَقَالَ وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ "

[الحديث ١٤١٠ - طرفه في: ٧٤٣٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ سَبَقَ بَاقِيهِ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي كَامِلٍ أَحَدِ مَشَايِخِ مُسْلِمٍ فِيهِ بِلَفْظِ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، الْآتِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: حَلِيمٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَمَّا تَبِعَتْهَا سَيِّئَةُ الْأَذَى بَطَلَتْ، وَالْغُلُولُ أَذًى إِنْ قَارَنَ الصَّدَقَةَ أَبْطَلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْصِيَةَ اللَّاحِقَةَ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِهَا تُبْطِلُ الطَّاعَةَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَيْنِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْغَالَّ فِي دَفْعِهِ الْمَالَ إِلَى الْفَقِيرِ غَاصِبٌ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَكَيْفَ تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ طَاعَةً مُعْتَبَرَةً وَقَدْ أَبْطَلَتِ الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةَ الْمُحَقَّقَةَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا؟ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَذَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوِ إِيذَائِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْغُلُولِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَقَدْ لَا يُسَلَّمُ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ لِبُعْدِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ لِلسَّائِلِ، فَإِنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَنِّ وَجُمِعَ مَعَهُ بِالْوَاوِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ غُلُولٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ نَحْوُهُ تَأَذَّى بِذَلِكَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، كَمَا قَاءَ أَبُو بَكْرٍ اللَّبَنَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ أَنَّهُ مُؤْذٍ لَهُ بِتَعْرِيضِهِ لِكُلِّ مَا لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فَسَّرَهُ بِالرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: عَفْوٌ عَنِ السَّائِلِ إِذَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَثْقُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقِيلَ: عَفْوٌ مِنْ جِهَةِ السَّائِلِ أَيْ مَعْذِرَةٌ مِنْهُ لِلْمَسْئُولِ لِكَوْنِهِ رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْبُطُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى بَعْدَ أَنْ تَقَعَ سَالِمَةً، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ قَبُولَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عُدِمَ الشَّرْطُ فَعُدِمَ الْمَشْرُوطُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِبْطَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ دَلَّ قَوْلُهُ: لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ

مِنْ غُلُولٍ أَنَّ الْغَالَّ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إِلَّا بِرَدِّ الْغُلُولِ إِلَى أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ (١) إِذَا جَهِلَهُمْ مَثَلًا، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْغَانِمِينَ، فَلَوْ جُهِلَتْ أَعْيَانُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: وَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ

الصَّدَقَةُ - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَرُ اللَّهِ إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْتَ الْكَمَالِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَلُوَّهُ أَوْ مُهْرَهُ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ: مُهْرَهُ أَوْ رَضِيعَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ: فَصِيلَهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَشِبْهُهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَكَنَّى عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ، وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ، وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ:

تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ

أَيْ هُوَ مُؤَهَّلٌ لِلْمَجْدِ وَالشَّرَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَارِحَةَ (١)، وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْيَمِينِ عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ، إِذِ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ يَمِينُ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ مِلْكٍ وَاخْتِصَاصٍ لِوَضْعِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي يَمِينِ الْآخِذِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ سُرْعَةُ الْقَبُولِ، وَقِيلَ: حُسْنُهُ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبِيتِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقِهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيقَ الْمَحْسُوسَاتِ، أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّيَ لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ، لَا أَنَّ التَّنَاوُلَ كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ، وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ بِهِ جَارِحَةٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلَا نَتَوَهَّمُ فِيهَا تَشْبِيهًا وَلَا نَقُولُ كَيْفَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ. وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ. يَعْنِي التَّمْرَةَ. وَهِيَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، قَالَ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: فَتَصَدَّقُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) أَيْ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَسَاقَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً فِي اللَّفْظِ يَسِيرَةً، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَفِظَهُ فَلِسُلَيْمَانَ فِيهِ شَيْخَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ فَسَوَّى بَيْنَ رِوَايَتَيِ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَرْقَاءُ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ، فَجَعَلَ شَيْخَ ابْنِ دِينَارٍ فِيهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ بَدَلَ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ مَوْصُولَةً، وَقَدْ أَشَارَ الدَّاوُدِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التي تُتقبَّل لا تكون من جنس الممحوق. انتهى. وقال (١) الكِرمانيُّ: لفظ «الصَّدقات» وإن كان أعمَّ من أن يكون من الكسب الطَّيِّب ومن غيره، لكنَّه مُقيَّدٌ بالصَّدقات التي هي (٢) من الكسب الطَّيِّب بقرينة السياق: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبهذا تحصل المناسبة بين قوله: «لا تقبل الصَّدقة إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ» وهذه الآية، والجواب عن قول ابن التِّين: أنَّ تكثير أجر الصَّدقة ليس علَّةً؛ لكون الصَّدقة من كسبٍ طيِّبٍ، وكان الأبين أن يستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].

١٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَِدْلِ تَمْرَةٍ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وسكون الميم، و «العَدل» عند الجمهور بفتح العين: المثل، وبالكسر: الحِمل -بكسر الحاء- أي: بقيمة تمرة (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) حلالٍ (وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جملةٌ معترضةٌ بين الشَّرط والجزاء؛ تأكيدًا لتقرير المطلوب في النَّفقة (وَإِنَّ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت: «فإنَّ الله» (يَتَقَبَّلُهَا) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة (بِيَمِينِهِ) قال الخطَّابيُّ: ذكر اليمين لأنَّها في العُرف لِما عَزَّ، والأخرى لِما هان، وقال ابن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادةً، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب

تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتبة التَّخصيص لِما ظهر عنها، فنورُ الفضل باليمين، ونورُ العدل باليد الأخرى، والله سبحانه يتعالى (١) عن الجارحة، وعند (٢) البزَّار من حديث عائشة: «فيتلقَّاها الرَّحمن بيده». (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لصاحبها» بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكميَّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وفتح الواو المُشدَّدة، المُهْر حين يُفطَم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأمِّ، والذي في «اليونينيَّة»: «فَلْوَه» بفتح الفاء وسكون اللَّام وفتح الواو (حَتَّى تَكُونَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، أي: حتَّى تكون التَّمرة (مِثْلَ الجَبَلِ) لتثقل في ميزانه، أو المراد: الثَّواب، وفي رواية القاسم عند التِّرمذيِّ: «حتَّى أنَّ اللَّقمة لتَصير مثل أُحُدٍ»، وضرب المَثَل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادةً بيِّنةً، ولأنَّ الصَّدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النِّتاج إلى التَّربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به. انتهى. إلى حدِّ الكمال، وكذلك الصَّدقة، فإنَّ العبد إذا تصدَّق من كسبٍ طيِّبٍ لا يزال نظرُ اللهِ إليها يُكسبها نعت الكمال حتَّى تنتهي بالتَّضعيف إلى نصابٍ تقع (٣) المناسبة بينه وبين ما قدَّم نسبةَ ما بين التَّمرة إلى الجبل، كما قاله في «الفتح».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الرَّحمن (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله، وهذه المتابعة ذكرها المصنِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٠] لكن بمخالفةٍ يسيرةٍ في اللَّفظ، ووصلها أبو عَوانة وغيره.

(وَقَالَ) ممَّا وقع له مذاكرةً (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) وقد خالف ورقاءُ عبدَ الرَّحمن بن سليمان (٤)، فجعل شيخ ابن دينارٍ فيه سعيد بن يسارٍ بدل أبي صالحٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة، وقال العينيُّ: وصلها البيهقيُّ في «سننه» من رواية أبي

النَّضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، (١) وقال الزَّين (٢) العراقيُّ: رويناه في الجزء الرَّابع من فوائد أبي بكرٍ الشَّافعيِّ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ -يعني: ابن غالبٍ-: حدَّثنا عبد الصَّمد: حدَّثنا ورقاء.

وقال الحافظ ابن حجرٍ في «كتاب التَّوحيد» من «فتحه» [خ¦٧٤٣٠]: وقد ذكرت في (٣) الزَّكاة أنِّي لم أقف على رواية ورقاء هذه المُعلَّقة، ثمَّ وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا، فقد وصلها البيهقيُّ (٤).

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلَمِيُّ المدنيُّ، ممَّا وصله القاضي يوسف بن يعقوب في «كتاب الزَّكاة» له (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ) ممَّا وصله عنهما مسلمٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله في التَّرجمة: «ولا تُقبَل إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ لقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾» أي: كلامٌ حسنٌ وردٌّ جميلٌ، «﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ﴾» عن إنفاق كلِّ منفقٍ «﴿حَلِيمٌ﴾» لا يعجِّل بالعقوبة، «باب فضل الصَّدقة من كسبٍ» أي: مكسوبٍ، والمراد: ما هو أعمُّ من تعاطي التَّكسُّب فيدخل الميراث، وذكر الكسب؛ لأنَّه الغالب في تحصيل المال «طيِّبٍ» حلالٍ «لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾»، وذكر بقيَّة الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجرٍ الباب والتَّرجمة للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعلى هذا فتخلو ترجمة: «لا تُقبَل صدقةٌ من غلولٍ» من حديثٍ، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في التَّرجمة كما وقع التَّنبيه عليه.

(٩) (باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ) ممَّن يريد المتصدِّق أن يتصدَّق عليه؛ لاستغنائه بما تخرجه الأرض من كنوزها.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ وَرْقاءُ عنِ ابنِ دِينَارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ وَرْقَاء بن عمر بن كُلَيْب الْيَشْكُرِي: عَن عبد الله بن دِينَار عَن سعيد بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وورقاء هَذَا قد خَالف سُلَيْمَان حَيْثُ جعل شيخ ابْن دِينَار فِيهِ: سعيد بن يسَار بدل أبي صَالح، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا وهم لتوارد الروَاة عَن أبي صَالح دون سعيد بن يسَار، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ مَحْفُوظ عَن سعيد بن يسَار من وَجه آخر كَمَا أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن يسَار أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا تصدق أحد بِصَدقَة من طيب وَلَا يقبل الله إلَاّ الطَّيِّب إلَاّ أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ وَإِن كَانَت تَمْرَة فتربو فِي كف الرَّحْمَن حَتَّى تكون أعظم من الْجَبَل كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة إِلَى آخِره نَحوه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أَقف على رِوَايَة وَرْقَاء هَذِه مَوْصُولَة. قلت: قد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم: حَدثنَا وَرْقَاء، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ورويناه أَيْضا فِي الْجُزْء الرَّابِع من (فَوَائِد أبي بكر الشَّافِعِي) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد يَعْنِي: ابْن غَالب: حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا وَرْقَاء.

ورَوَاهُ مُسْلِمُ بنُ أبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بنُ أسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُسلم بن أبي مَرْيَم السّلمِيّ الْمدنِي، وَوصل يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي فِي كتاب الزَّكَاة رِوَايَة مُسلم هَذِه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي حَدثنَا سعيد بن سَلمَة هُوَ ابْن أبي الحسام عَنهُ بِهِ. قَوْله: (وَزيد بن أسلم) ، عطف على مُسلم، وَوصل رِوَايَته مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الطَّاهِر، وَقَالَ: أخبرنَا عبد الله بن وهب قَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن سعيد عَن زيد بن أسلم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو حَدِيث يَعْقُوب عَن سُهَيْل، ونذكره الْآن. قَوْله: (وَسُهيْل) ، عطف على زيد بن أسلم، وَوصل رِوَايَته أَيْضا مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي: ابْن عبد الرَّحْمَن الْقَارِي، عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يتَصَدَّق أحد بتمرة من كسب طيب إلَاّ أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو قلوصه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل أَو أعظم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ قَالَ أَولا تَابِعَة، وَثَانِيا: قَالَ وَرْقَاء، وثالثا: قَالَ رَوَاهُ، مَعَ أَن الثَّالِث أَيْضا فِيهِ مُتَابعَة، لِأَن الثَّلَاثَة تابعوا ابْن دِينَار فِي الرِّوَايَة عَن أبي صَالح؟ قلت: الأول: مُتَابعَة لِأَن اللَّفْظ فِيهِ بِعَيْنِه لَفظه، وَالثَّالِث: رِوَايَة لَا مُتَابعَة لاخْتِلَاف اللَّفْظ وَإِن اتَّحد الْمَعْنى فيهمَا. وَالثَّانِي: لما لم يكن على سَبِيل النَّقْل وَالرِّوَايَة، بل على سَبِيل المذاكرة، قَالَ بِلَفْظ القَوْل.

٩ - (بابُ الصَّدَقَةِ قبل الرَّدِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي التحريض على إِعْطَاء الصَّدَقَة قبل رد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ بهَا، وَالْمَقْصُود من هَذِه التَّرْجَمَة المسارعة إِلَى الصَّدَقَة والتحذير عَن تسويفها، لِأَن التسويف قد يكون ذَرِيعَة إِلَى أَن لَا يجد من يقبلهَا. وَقد أخبر الشَّارِع أَنه سيقع فقد الْفُقَرَاء المحتاجين إِلَى الصَّدَقَة وَيخرج الْغَنِيّ صدقته فَلَا يجد من يقبلهَا، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب (يَقُول الرجل: لَو جِئْت بهَا بالْأَمْس لقبلتها، فَأَما الْيَوْم فَلَا حَاجَة لي فِيهَا) .

١١٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مَعْبَدُ بنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حارِثَةَ بنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَصَدَّقُوا فإنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا فأمَّا اليَوْمَ فَلَا حاجَةَ لِي بِهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، ومعبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن خَالِد الجدلي، بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة المفتوحتين: الْكُوفِي الْقَاص، بتَشْديد الصَّاد: العابد وَكَانَ من القانتين، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وحارثة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبكسر الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن وهب الْخُزَاعِيّ أَخُو عبيد الله بن عمر بن الْخطاب لأمه، لَهُ صُحْبَة، يعد فِي الْكُوفِيّين.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين، وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه عسقلاني وَشعْبَة واسطي ومعبد كُوفِي والْحَدِيث من الرباعيات.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَأخرجه فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبيد الله بن نمير.

قَوْله: (يَقُول الرجل) أَي: الرجل الَّذِي يُرِيد الْمُتَصَدّق أَن يُعْطِيهِ إِيَّاهَا. قَوْله: (فَلَا حَاجَة لي بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِيهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان كَثْرَة المَال وفيضه قرب السَّاعَة. قلت: هَذَا كَلَام ابْن بطال، وَلكنه غير مُتبع لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان تظهر كنوز الأَرْض الَّذِي هُوَ من جملَة أَشْرَاط السَّاعَة.

وَفِيه: حث على الصَّدَقَة وَالتَّرْغِيب مَا وجد أَهلهَا المستحقون لَهَا خشيَة أَن يَأْتِي الزَّمن الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ من يَأْخُذهَا، وَهُوَ الزَّمَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا.

٢١٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ المَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ لَا أرَبَ لِي فِيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج.

قَوْله: (فيفيض) ، من فاض الْإِنَاء إِذا امْتَلَأَ، وأفاضه ملأَهُ، واشتقاقه من الْفَيْض. وَفِي (الْمغرب) : فاض المَاء إِذا انصب على امتلائه، وأفاض المَاء صبه عَن كَثْرَة. قَوْله: (حَتَّى يهم) بِفَتْح الْيَاء وَضم الْهَاء من: الْهم، بِفَتْح الْهَاء، وَهُوَ مَا يشغل الْقلب من أَمر يهم بِهِ. قَوْله: (رب المَال) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يهم. وَقَوله: (من يقبل) فَاعله من: همه الشَّيْء أحزنه، ويروى: يهم، بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء من: أهمه الْأَمر إِذا أقلقه، فعلى هَذَا أَيْضا الْإِعْرَاب مثل الأول، لِأَن كلا من: يهم، بِفَتْح الْيَاء، و: يهم، بضَمهَا، متعدٍ. يُقَال: همه الْأَمر وأهمه، وَقَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح مُسلم) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ضبطوه بِوَجْهَيْنِ أشهرهما بِضَم أَوله وَكسر الْهَاء، و: رب المَال، مفعول، وَالْفَاعِل: من يقبل أَي يحزنهُ، وَالثَّانِي بِفَتْح أَوله وَضم الْهَاء، وَرب المَال فَاعل، و: من مَفْعُوله أَي: يقْصد. انْتهى. قلت: فهم من ذَلِك أَنهم فرقوا بَين الْبَابَيْنِ، فَجعلُوا الأول مُتَعَدِّيا من الإهمام وَالثَّانِي مُتَعَدِّيا من الْهم بِمَعْنى الْقَصْد، فَجعلُوا رب المَال مَفْعُولا فِي الأول، وفاعلاً فِي الثَّانِي. قَوْله: (لَا أرب لي فِيهِ) ، أَي: لَا حَاجَة لي فِيهِ، وَهُوَ بِفتْحَتَيْنِ لَا غير. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَأَنَّهُ سقط كلمة: فِيهِ، من الْكتاب؟ قلت: السقط كَأَنَّهُ كَانَ فِي نسخته، وَهُوَ مَوْجُود فِي النّسخ. وَقَالَ أَيْضا: وَقد وجدت فِي أَيَّام الصَّحَابَة هَذِه الْحَال، كَانَت تعرض عَلَيْهِم الصَّدَقَة فيأبون قبُولهَا. قلت: كَانَ هَذَا لزهدهم وإعراضهم عَن الدُّنْيَا وَلم يكن لفيض من المَال، وَكَانُوا يعرضون عَنْهَا مَعَ قلَّة المَال وَكَثْرَة الإحتياج.

١٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل قَالَ أخبرنَا سَعْدَان بن بشر قَالَ حَدثنَا أَبُو مُجَاهِد قَالَ حَدثنَا مَحل بن خَليفَة الطَّائِي قَالَ سَمِعت عدي بن حَاتِم رَضِي الله عَنهُ يَقُول كنت عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَجَاءَهُ رجلَانِ أَحدهمَا يشكو الْعيلَة وَالْآخر يشكو قطع

السَّبِيل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أما قطع السَّبِيل فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْك إِلَّا قَلِيل حَتَّى تخرج العير إِلَى مَكَّة بِغَيْر خفير وَأما الْعيلَة فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ثمَّ ليقفن أحدكُم بَين يَدي الله لَيْسَ بَينه وَبَينه حجاب وَلَا ترجمان يترجم لَهُ ثمَّ ليَقُولن لَهُ أم أوتك مَالا فليقولن بلَى ثمَّ ليَقُولن ألم أرسل إِلَيْك رَسُولا فليقولن بلَى فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إِلَّا النَّار ثمَّ ينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إِلَّا النَّار فليتقين أحدكُم النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِن لم يجد فبكلمة طيبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَقد مر. الثَّانِي أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الملقب بالنبيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث سَعْدَان بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْجُهَنِيّ. الرَّابِع أَبُو مُجَاهِد اسْمه سعد الطَّائِي. الْخَامِس مَحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام ابْن خَليفَة الطَّائِي. السَّادِس عدي بن حَاتِم الطَّائِي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بخاري وَمن أَفْرَاده وَفِيه أَن شيخ شَيْخه شَيْخه أَيْضا لِأَنَّهُ روى عَنهُ وَأَنه بَصرِي وَأَن سَعْدَان من أَفْرَاده وَأَنه كُوفِي وَأَن لفظ سَعْدَان لقبه واسْمه سعدوان أَبَا مُجَاهِد أَيْضا من أَفْرَاده وَأَنه طائي وَأَن مَحل بن خَليفَة كُوفِي وَأَنه من أَفْرَاده قَالَ الْكرْمَانِي وجده عدي بن حَاتِم ثمَّ قَالَ وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة طائيون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن النَّضر بن شُمَيْل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن نضر بن عَليّ الْجَهْضَمِي مُخْتَصرا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يشكو الْعيلَة " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة أَي الْفقر من عَال إِذا افْتقر قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال عَال يعيل عيلة وعيولا إِذا افْتقر قَالَ تَعَالَى {وَإِن خِفْتُمْ عيلة} وَهُوَ عائل وَقوم عيلة وَترك أَوْلَاده يتامى عيلى أَي فُقَرَاء وَذكره فِي الأجوف اليائي وَأما عَال عِيَاله عولا وعيالة أَي قاتهم ومأنهم وَأنْفق عَلَيْهِم فَهُوَ من الأجوف الواوي وَقَالَ ابْن قرقول وَأَصله من الْعَوْل وَهُوَ الْقُوت وَمِنْه قَوْله " وابدأ بِمن تعول " أَي بِمن تقوت قَوْله " قطع السَّبِيل " هُوَ من فَسَاد السراق واللصوص كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَفِيه نظر لِأَن قطع السَّبِيل لَا يكون إِلَّا من قطاع الطَّرِيق جَهرا وَالسَّارِق لَا يَأْخُذ جَهرا وَكَذَلِكَ اللص قَوْله " العير " بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة وَفِي الْمطَالع العير الْقَافِلَة وَهِي الْإِبِل وَالدَّوَاب تحمل الطَّعَام وَغَيره من التِّجَارَة وَلَا تسمى عيرًا إِلَّا إِذا كَانَت كَذَلِك وَقَالَ ابْن الْأَثِير العير الْإِبِل بأحمالها فعل من عَار يعير إِذا سَار وَقيل هِيَ قافلة الْحمير فكثرت حَتَّى سميت بهَا كل قافلة كَأَنَّهَا جمع عير وَكَانَ قياسها أَن يكون فعلا بِالضَّمِّ كسقف فِي سقف إِلَّا أَنه حوفظ على الْيَاء بالكسرة نَحْو عين قَوْله " خفير " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ المجير الَّذِي يكون الْقَوْم فِي ضَمَانه وذمته وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالْمرَاد مِنْهُ حَتَّى تخرج الْقَافِلَة من الشَّام وَالْعراق وَنَحْوهمَا إِلَى مَكَّة بِغَيْر البدرقة وَفِي الصِّحَاح خفرت الرجل أخفره بِالْكَسْرِ خفرا إِذا آجرته وَكنت لَهُ خفيرا تَمنعهُ قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَذَلِكَ خفرته تخفيرا وأخفرته إِذا نقضت عَهده وغدرت بِهِ قَوْله " بَين يَدي الله " هُوَ من المتشابهات وَالْأمة فِي أَمْثَالهَا كاليمين وَنَحْوه طَائِفَتَانِ المفوضة والمؤولة بِمَا يُنَاسِبهَا قَوْله " وَلَا ترجمان " بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَالْجِيم مَضْمُومَة فيهمَا وَالتَّاء فِيهِ أَصْلِيَّة وَقَالَ الْجَوْهَرِي زَائِدَة وَقَالَ هُوَ نَحْو الزَّعْفَرَان فالجيم مَفْتُوحَة هَذَا على جِهَة التَّمْثِيل ليفهم الْخطاب أَن الله تَعَالَى لَا يُحِيط بِهِ شَيْء وَلَا يَحْجُبهُ حجاب وَإِنَّمَا يسْتَتر تَعَالَى عَن أبصارنا بِمَا وضع فِيهَا من الْحجب للعجز عَن الْإِدْرَاك فِي الدُّنْيَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ - إلى قوله - وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ" تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَقَالَ وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ "

[الحديث ١٤١٠ - طرفه في: ٧٤٣٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ سَبَقَ بَاقِيهِ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي كَامِلٍ أَحَدِ مَشَايِخِ مُسْلِمٍ فِيهِ بِلَفْظِ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، الْآتِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: حَلِيمٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَمَّا تَبِعَتْهَا سَيِّئَةُ الْأَذَى بَطَلَتْ، وَالْغُلُولُ أَذًى إِنْ قَارَنَ الصَّدَقَةَ أَبْطَلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْصِيَةَ اللَّاحِقَةَ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِهَا تُبْطِلُ الطَّاعَةَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَيْنِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْغَالَّ فِي دَفْعِهِ الْمَالَ إِلَى الْفَقِيرِ غَاصِبٌ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَكَيْفَ تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ طَاعَةً مُعْتَبَرَةً وَقَدْ أَبْطَلَتِ الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةَ الْمُحَقَّقَةَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا؟ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَذَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوِ إِيذَائِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْغُلُولِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَقَدْ لَا يُسَلَّمُ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ لِبُعْدِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ لِلسَّائِلِ، فَإِنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَنِّ وَجُمِعَ مَعَهُ بِالْوَاوِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ غُلُولٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ نَحْوُهُ تَأَذَّى بِذَلِكَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، كَمَا قَاءَ أَبُو بَكْرٍ اللَّبَنَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ أَنَّهُ مُؤْذٍ لَهُ بِتَعْرِيضِهِ لِكُلِّ مَا لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فَسَّرَهُ بِالرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: عَفْوٌ عَنِ السَّائِلِ إِذَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَثْقُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقِيلَ: عَفْوٌ مِنْ جِهَةِ السَّائِلِ أَيْ مَعْذِرَةٌ مِنْهُ لِلْمَسْئُولِ لِكَوْنِهِ رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْبُطُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى بَعْدَ أَنْ تَقَعَ سَالِمَةً، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ قَبُولَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عُدِمَ الشَّرْطُ فَعُدِمَ الْمَشْرُوطُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِبْطَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ دَلَّ قَوْلُهُ: لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ

مِنْ غُلُولٍ أَنَّ الْغَالَّ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إِلَّا بِرَدِّ الْغُلُولِ إِلَى أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ (١) إِذَا جَهِلَهُمْ مَثَلًا، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْغَانِمِينَ، فَلَوْ جُهِلَتْ أَعْيَانُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: وَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ

الصَّدَقَةُ - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَرُ اللَّهِ إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْتَ الْكَمَالِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَلُوَّهُ أَوْ مُهْرَهُ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ: مُهْرَهُ أَوْ رَضِيعَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ: فَصِيلَهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَشِبْهُهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَكَنَّى عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ، وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ، وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ:

تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ

أَيْ هُوَ مُؤَهَّلٌ لِلْمَجْدِ وَالشَّرَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَارِحَةَ (١)، وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْيَمِينِ عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ، إِذِ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ يَمِينُ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ مِلْكٍ وَاخْتِصَاصٍ لِوَضْعِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي يَمِينِ الْآخِذِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ سُرْعَةُ الْقَبُولِ، وَقِيلَ: حُسْنُهُ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبِيتِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقِهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيقَ الْمَحْسُوسَاتِ، أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّيَ لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ، لَا أَنَّ التَّنَاوُلَ كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ، وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ بِهِ جَارِحَةٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلَا نَتَوَهَّمُ فِيهَا تَشْبِيهًا وَلَا نَقُولُ كَيْفَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ. وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ. يَعْنِي التَّمْرَةَ. وَهِيَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، قَالَ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: فَتَصَدَّقُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) أَيْ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَسَاقَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً فِي اللَّفْظِ يَسِيرَةً، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَفِظَهُ فَلِسُلَيْمَانَ فِيهِ شَيْخَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ فَسَوَّى بَيْنَ رِوَايَتَيِ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَرْقَاءُ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ، فَجَعَلَ شَيْخَ ابْنِ دِينَارٍ فِيهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ بَدَلَ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ مَوْصُولَةً، وَقَدْ أَشَارَ الدَّاوُدِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التي تُتقبَّل لا تكون من جنس الممحوق. انتهى. وقال (١) الكِرمانيُّ: لفظ «الصَّدقات» وإن كان أعمَّ من أن يكون من الكسب الطَّيِّب ومن غيره، لكنَّه مُقيَّدٌ بالصَّدقات التي هي (٢) من الكسب الطَّيِّب بقرينة السياق: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبهذا تحصل المناسبة بين قوله: «لا تقبل الصَّدقة إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ» وهذه الآية، والجواب عن قول ابن التِّين: أنَّ تكثير أجر الصَّدقة ليس علَّةً؛ لكون الصَّدقة من كسبٍ طيِّبٍ، وكان الأبين أن يستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].

١٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَِدْلِ تَمْرَةٍ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وسكون الميم، و «العَدل» عند الجمهور بفتح العين: المثل، وبالكسر: الحِمل -بكسر الحاء- أي: بقيمة تمرة (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) حلالٍ (وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جملةٌ معترضةٌ بين الشَّرط والجزاء؛ تأكيدًا لتقرير المطلوب في النَّفقة (وَإِنَّ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت: «فإنَّ الله» (يَتَقَبَّلُهَا) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة (بِيَمِينِهِ) قال الخطَّابيُّ: ذكر اليمين لأنَّها في العُرف لِما عَزَّ، والأخرى لِما هان، وقال ابن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادةً، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب

تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتبة التَّخصيص لِما ظهر عنها، فنورُ الفضل باليمين، ونورُ العدل باليد الأخرى، والله سبحانه يتعالى (١) عن الجارحة، وعند (٢) البزَّار من حديث عائشة: «فيتلقَّاها الرَّحمن بيده». (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لصاحبها» بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكميَّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وفتح الواو المُشدَّدة، المُهْر حين يُفطَم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأمِّ، والذي في «اليونينيَّة»: «فَلْوَه» بفتح الفاء وسكون اللَّام وفتح الواو (حَتَّى تَكُونَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، أي: حتَّى تكون التَّمرة (مِثْلَ الجَبَلِ) لتثقل في ميزانه، أو المراد: الثَّواب، وفي رواية القاسم عند التِّرمذيِّ: «حتَّى أنَّ اللَّقمة لتَصير مثل أُحُدٍ»، وضرب المَثَل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادةً بيِّنةً، ولأنَّ الصَّدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النِّتاج إلى التَّربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به. انتهى. إلى حدِّ الكمال، وكذلك الصَّدقة، فإنَّ العبد إذا تصدَّق من كسبٍ طيِّبٍ لا يزال نظرُ اللهِ إليها يُكسبها نعت الكمال حتَّى تنتهي بالتَّضعيف إلى نصابٍ تقع (٣) المناسبة بينه وبين ما قدَّم نسبةَ ما بين التَّمرة إلى الجبل، كما قاله في «الفتح».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الرَّحمن (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله، وهذه المتابعة ذكرها المصنِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٠] لكن بمخالفةٍ يسيرةٍ في اللَّفظ، ووصلها أبو عَوانة وغيره.

(وَقَالَ) ممَّا وقع له مذاكرةً (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) وقد خالف ورقاءُ عبدَ الرَّحمن بن سليمان (٤)، فجعل شيخ ابن دينارٍ فيه سعيد بن يسارٍ بدل أبي صالحٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة، وقال العينيُّ: وصلها البيهقيُّ في «سننه» من رواية أبي

النَّضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، (١) وقال الزَّين (٢) العراقيُّ: رويناه في الجزء الرَّابع من فوائد أبي بكرٍ الشَّافعيِّ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ -يعني: ابن غالبٍ-: حدَّثنا عبد الصَّمد: حدَّثنا ورقاء.

وقال الحافظ ابن حجرٍ في «كتاب التَّوحيد» من «فتحه» [خ¦٧٤٣٠]: وقد ذكرت في (٣) الزَّكاة أنِّي لم أقف على رواية ورقاء هذه المُعلَّقة، ثمَّ وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا، فقد وصلها البيهقيُّ (٤).

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلَمِيُّ المدنيُّ، ممَّا وصله القاضي يوسف بن يعقوب في «كتاب الزَّكاة» له (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ) ممَّا وصله عنهما مسلمٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله في التَّرجمة: «ولا تُقبَل إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ لقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾» أي: كلامٌ حسنٌ وردٌّ جميلٌ، «﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ﴾» عن إنفاق كلِّ منفقٍ «﴿حَلِيمٌ﴾» لا يعجِّل بالعقوبة، «باب فضل الصَّدقة من كسبٍ» أي: مكسوبٍ، والمراد: ما هو أعمُّ من تعاطي التَّكسُّب فيدخل الميراث، وذكر الكسب؛ لأنَّه الغالب في تحصيل المال «طيِّبٍ» حلالٍ «لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾»، وذكر بقيَّة الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجرٍ الباب والتَّرجمة للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعلى هذا فتخلو ترجمة: «لا تُقبَل صدقةٌ من غلولٍ» من حديثٍ، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في التَّرجمة كما وقع التَّنبيه عليه.

(٩) (باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ) ممَّن يريد المتصدِّق أن يتصدَّق عليه؛ لاستغنائه بما تخرجه الأرض من كنوزها.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ وَرْقاءُ عنِ ابنِ دِينَارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ وَرْقَاء بن عمر بن كُلَيْب الْيَشْكُرِي: عَن عبد الله بن دِينَار عَن سعيد بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وورقاء هَذَا قد خَالف سُلَيْمَان حَيْثُ جعل شيخ ابْن دِينَار فِيهِ: سعيد بن يسَار بدل أبي صَالح، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا وهم لتوارد الروَاة عَن أبي صَالح دون سعيد بن يسَار، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ مَحْفُوظ عَن سعيد بن يسَار من وَجه آخر كَمَا أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن يسَار أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا تصدق أحد بِصَدقَة من طيب وَلَا يقبل الله إلَاّ الطَّيِّب إلَاّ أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ وَإِن كَانَت تَمْرَة فتربو فِي كف الرَّحْمَن حَتَّى تكون أعظم من الْجَبَل كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة إِلَى آخِره نَحوه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أَقف على رِوَايَة وَرْقَاء هَذِه مَوْصُولَة. قلت: قد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم: حَدثنَا وَرْقَاء، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ورويناه أَيْضا فِي الْجُزْء الرَّابِع من (فَوَائِد أبي بكر الشَّافِعِي) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد يَعْنِي: ابْن غَالب: حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا وَرْقَاء.

ورَوَاهُ مُسْلِمُ بنُ أبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بنُ أسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُسلم بن أبي مَرْيَم السّلمِيّ الْمدنِي، وَوصل يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي فِي كتاب الزَّكَاة رِوَايَة مُسلم هَذِه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي حَدثنَا سعيد بن سَلمَة هُوَ ابْن أبي الحسام عَنهُ بِهِ. قَوْله: (وَزيد بن أسلم) ، عطف على مُسلم، وَوصل رِوَايَته مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الطَّاهِر، وَقَالَ: أخبرنَا عبد الله بن وهب قَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن سعيد عَن زيد بن أسلم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو حَدِيث يَعْقُوب عَن سُهَيْل، ونذكره الْآن. قَوْله: (وَسُهيْل) ، عطف على زيد بن أسلم، وَوصل رِوَايَته أَيْضا مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي: ابْن عبد الرَّحْمَن الْقَارِي، عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يتَصَدَّق أحد بتمرة من كسب طيب إلَاّ أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو قلوصه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل أَو أعظم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ قَالَ أَولا تَابِعَة، وَثَانِيا: قَالَ وَرْقَاء، وثالثا: قَالَ رَوَاهُ، مَعَ أَن الثَّالِث أَيْضا فِيهِ مُتَابعَة، لِأَن الثَّلَاثَة تابعوا ابْن دِينَار فِي الرِّوَايَة عَن أبي صَالح؟ قلت: الأول: مُتَابعَة لِأَن اللَّفْظ فِيهِ بِعَيْنِه لَفظه، وَالثَّالِث: رِوَايَة لَا مُتَابعَة لاخْتِلَاف اللَّفْظ وَإِن اتَّحد الْمَعْنى فيهمَا. وَالثَّانِي: لما لم يكن على سَبِيل النَّقْل وَالرِّوَايَة، بل على سَبِيل المذاكرة، قَالَ بِلَفْظ القَوْل.

٩ - (بابُ الصَّدَقَةِ قبل الرَّدِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي التحريض على إِعْطَاء الصَّدَقَة قبل رد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ بهَا، وَالْمَقْصُود من هَذِه التَّرْجَمَة المسارعة إِلَى الصَّدَقَة والتحذير عَن تسويفها، لِأَن التسويف قد يكون ذَرِيعَة إِلَى أَن لَا يجد من يقبلهَا. وَقد أخبر الشَّارِع أَنه سيقع فقد الْفُقَرَاء المحتاجين إِلَى الصَّدَقَة وَيخرج الْغَنِيّ صدقته فَلَا يجد من يقبلهَا، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب (يَقُول الرجل: لَو جِئْت بهَا بالْأَمْس لقبلتها، فَأَما الْيَوْم فَلَا حَاجَة لي فِيهَا) .

١١٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مَعْبَدُ بنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حارِثَةَ بنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَصَدَّقُوا فإنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا فأمَّا اليَوْمَ فَلَا حاجَةَ لِي بِهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، ومعبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن خَالِد الجدلي، بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة المفتوحتين: الْكُوفِي الْقَاص، بتَشْديد الصَّاد: العابد وَكَانَ من القانتين، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وحارثة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبكسر الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن وهب الْخُزَاعِيّ أَخُو عبيد الله بن عمر بن الْخطاب لأمه، لَهُ صُحْبَة، يعد فِي الْكُوفِيّين.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين، وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه عسقلاني وَشعْبَة واسطي ومعبد كُوفِي والْحَدِيث من الرباعيات.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَأخرجه فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبيد الله بن نمير.

قَوْله: (يَقُول الرجل) أَي: الرجل الَّذِي يُرِيد الْمُتَصَدّق أَن يُعْطِيهِ إِيَّاهَا. قَوْله: (فَلَا حَاجَة لي بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِيهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان كَثْرَة المَال وفيضه قرب السَّاعَة. قلت: هَذَا كَلَام ابْن بطال، وَلكنه غير مُتبع لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك يَقع فِي زمَان تظهر كنوز الأَرْض الَّذِي هُوَ من جملَة أَشْرَاط السَّاعَة.

وَفِيه: حث على الصَّدَقَة وَالتَّرْغِيب مَا وجد أَهلهَا المستحقون لَهَا خشيَة أَن يَأْتِي الزَّمن الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ من يَأْخُذهَا، وَهُوَ الزَّمَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا.

٢١٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ المَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ لَا أرَبَ لِي فِيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج.

قَوْله: (فيفيض) ، من فاض الْإِنَاء إِذا امْتَلَأَ، وأفاضه ملأَهُ، واشتقاقه من الْفَيْض. وَفِي (الْمغرب) : فاض المَاء إِذا انصب على امتلائه، وأفاض المَاء صبه عَن كَثْرَة. قَوْله: (حَتَّى يهم) بِفَتْح الْيَاء وَضم الْهَاء من: الْهم، بِفَتْح الْهَاء، وَهُوَ مَا يشغل الْقلب من أَمر يهم بِهِ. قَوْله: (رب المَال) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يهم. وَقَوله: (من يقبل) فَاعله من: همه الشَّيْء أحزنه، ويروى: يهم، بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء من: أهمه الْأَمر إِذا أقلقه، فعلى هَذَا أَيْضا الْإِعْرَاب مثل الأول، لِأَن كلا من: يهم، بِفَتْح الْيَاء، و: يهم، بضَمهَا، متعدٍ. يُقَال: همه الْأَمر وأهمه، وَقَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح مُسلم) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ضبطوه بِوَجْهَيْنِ أشهرهما بِضَم أَوله وَكسر الْهَاء، و: رب المَال، مفعول، وَالْفَاعِل: من يقبل أَي يحزنهُ، وَالثَّانِي بِفَتْح أَوله وَضم الْهَاء، وَرب المَال فَاعل، و: من مَفْعُوله أَي: يقْصد. انْتهى. قلت: فهم من ذَلِك أَنهم فرقوا بَين الْبَابَيْنِ، فَجعلُوا الأول مُتَعَدِّيا من الإهمام وَالثَّانِي مُتَعَدِّيا من الْهم بِمَعْنى الْقَصْد، فَجعلُوا رب المَال مَفْعُولا فِي الأول، وفاعلاً فِي الثَّانِي. قَوْله: (لَا أرب لي فِيهِ) ، أَي: لَا حَاجَة لي فِيهِ، وَهُوَ بِفتْحَتَيْنِ لَا غير. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَأَنَّهُ سقط كلمة: فِيهِ، من الْكتاب؟ قلت: السقط كَأَنَّهُ كَانَ فِي نسخته، وَهُوَ مَوْجُود فِي النّسخ. وَقَالَ أَيْضا: وَقد وجدت فِي أَيَّام الصَّحَابَة هَذِه الْحَال، كَانَت تعرض عَلَيْهِم الصَّدَقَة فيأبون قبُولهَا. قلت: كَانَ هَذَا لزهدهم وإعراضهم عَن الدُّنْيَا وَلم يكن لفيض من المَال، وَكَانُوا يعرضون عَنْهَا مَعَ قلَّة المَال وَكَثْرَة الإحتياج.

١٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل قَالَ أخبرنَا سَعْدَان بن بشر قَالَ حَدثنَا أَبُو مُجَاهِد قَالَ حَدثنَا مَحل بن خَليفَة الطَّائِي قَالَ سَمِعت عدي بن حَاتِم رَضِي الله عَنهُ يَقُول كنت عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَجَاءَهُ رجلَانِ أَحدهمَا يشكو الْعيلَة وَالْآخر يشكو قطع

السَّبِيل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أما قطع السَّبِيل فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْك إِلَّا قَلِيل حَتَّى تخرج العير إِلَى مَكَّة بِغَيْر خفير وَأما الْعيلَة فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ثمَّ ليقفن أحدكُم بَين يَدي الله لَيْسَ بَينه وَبَينه حجاب وَلَا ترجمان يترجم لَهُ ثمَّ ليَقُولن لَهُ أم أوتك مَالا فليقولن بلَى ثمَّ ليَقُولن ألم أرسل إِلَيْك رَسُولا فليقولن بلَى فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إِلَّا النَّار ثمَّ ينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إِلَّا النَّار فليتقين أحدكُم النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِن لم يجد فبكلمة طيبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَإِن السَّاعَة لَا تقوم حَتَّى يطوف أحدكُم بِصَدَقَتِهِ لَا يجد من يقبلهَا مِنْهُ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَقد مر. الثَّانِي أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الملقب بالنبيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث سَعْدَان بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْجُهَنِيّ. الرَّابِع أَبُو مُجَاهِد اسْمه سعد الطَّائِي. الْخَامِس مَحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام ابْن خَليفَة الطَّائِي. السَّادِس عدي بن حَاتِم الطَّائِي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بخاري وَمن أَفْرَاده وَفِيه أَن شيخ شَيْخه شَيْخه أَيْضا لِأَنَّهُ روى عَنهُ وَأَنه بَصرِي وَأَن سَعْدَان من أَفْرَاده وَأَنه كُوفِي وَأَن لفظ سَعْدَان لقبه واسْمه سعدوان أَبَا مُجَاهِد أَيْضا من أَفْرَاده وَأَنه طائي وَأَن مَحل بن خَليفَة كُوفِي وَأَنه من أَفْرَاده قَالَ الْكرْمَانِي وجده عدي بن حَاتِم ثمَّ قَالَ وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة طائيون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن النَّضر بن شُمَيْل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن نضر بن عَليّ الْجَهْضَمِي مُخْتَصرا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يشكو الْعيلَة " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة أَي الْفقر من عَال إِذا افْتقر قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال عَال يعيل عيلة وعيولا إِذا افْتقر قَالَ تَعَالَى {وَإِن خِفْتُمْ عيلة} وَهُوَ عائل وَقوم عيلة وَترك أَوْلَاده يتامى عيلى أَي فُقَرَاء وَذكره فِي الأجوف اليائي وَأما عَال عِيَاله عولا وعيالة أَي قاتهم ومأنهم وَأنْفق عَلَيْهِم فَهُوَ من الأجوف الواوي وَقَالَ ابْن قرقول وَأَصله من الْعَوْل وَهُوَ الْقُوت وَمِنْه قَوْله " وابدأ بِمن تعول " أَي بِمن تقوت قَوْله " قطع السَّبِيل " هُوَ من فَسَاد السراق واللصوص كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَفِيه نظر لِأَن قطع السَّبِيل لَا يكون إِلَّا من قطاع الطَّرِيق جَهرا وَالسَّارِق لَا يَأْخُذ جَهرا وَكَذَلِكَ اللص قَوْله " العير " بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة وَفِي الْمطَالع العير الْقَافِلَة وَهِي الْإِبِل وَالدَّوَاب تحمل الطَّعَام وَغَيره من التِّجَارَة وَلَا تسمى عيرًا إِلَّا إِذا كَانَت كَذَلِك وَقَالَ ابْن الْأَثِير العير الْإِبِل بأحمالها فعل من عَار يعير إِذا سَار وَقيل هِيَ قافلة الْحمير فكثرت حَتَّى سميت بهَا كل قافلة كَأَنَّهَا جمع عير وَكَانَ قياسها أَن يكون فعلا بِالضَّمِّ كسقف فِي سقف إِلَّا أَنه حوفظ على الْيَاء بالكسرة نَحْو عين قَوْله " خفير " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ المجير الَّذِي يكون الْقَوْم فِي ضَمَانه وذمته وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالْمرَاد مِنْهُ حَتَّى تخرج الْقَافِلَة من الشَّام وَالْعراق وَنَحْوهمَا إِلَى مَكَّة بِغَيْر البدرقة وَفِي الصِّحَاح خفرت الرجل أخفره بِالْكَسْرِ خفرا إِذا آجرته وَكنت لَهُ خفيرا تَمنعهُ قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَذَلِكَ خفرته تخفيرا وأخفرته إِذا نقضت عَهده وغدرت بِهِ قَوْله " بَين يَدي الله " هُوَ من المتشابهات وَالْأمة فِي أَمْثَالهَا كاليمين وَنَحْوه طَائِفَتَانِ المفوضة والمؤولة بِمَا يُنَاسِبهَا قَوْله " وَلَا ترجمان " بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَالْجِيم مَضْمُومَة فيهمَا وَالتَّاء فِيهِ أَصْلِيَّة وَقَالَ الْجَوْهَرِي زَائِدَة وَقَالَ هُوَ نَحْو الزَّعْفَرَان فالجيم مَفْتُوحَة هَذَا على جِهَة التَّمْثِيل ليفهم الْخطاب أَن الله تَعَالَى لَا يُحِيط بِهِ شَيْء وَلَا يَحْجُبهُ حجاب وَإِنَّمَا يسْتَتر تَعَالَى عَن أبصارنا بِمَا وضع فِيهَا من الْحجب للعجز عَن الْإِدْرَاك فِي الدُّنْيَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد