الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٣
الحديث رقم ١٤٣ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وضع الماء عند الخلاء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
دخل النبي صلى الله عليه وسلم يومًا الخلاء، وهو المكان الذي تُقضى فيه الحاجة، فوضع عبد الله بن عباس ماءً ليتوضأ به النبي، فسأل عليه الصلاة والسلام عن الذي وضع الماء، من هو؟ فأخبرته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث وهي خالة ابن عباس بذلك؛ لأنه كان في بيتها، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يُفقِّهْهُ ويُفهمه الله في الدين، ومناسبة الدعاء له بالفقه في الدين حسن تصرفه الذي يدل على ذكائه، فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع وكذا كان.
وفي رواية أن النبي دعا له أيضًا بأن يُعلمه الله التأويل، وهو التفسير؛ لذا كان ترجمان القرآن رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْإِفْرَادِ، وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْعِ، أَيْ: مِنَ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ وَمِنَ الشَّيْءِ الْمَذْمُومِ، أَوْ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ. وَكَانَ ﷺ يَسْتَعِيذُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ، وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ.
وَقَدْ رَوَى الْعُمَرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ بِلَفْظِ الْأَمْرِ قَالَ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْخَلَاءَ فَقُولُوا: بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ. وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ زِيَادَةُ التَّسْمِيَةِ وَلَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ) اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غُنْدَرٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارِ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِ إِذَا دَخَلَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حَمَّادٍ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي عن عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ، وَطَرِيقُ مُوسَى هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ قَالَ. . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَبْيِينَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ: كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ بِقَرِينَةِ الدُّخُولِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رِوَايَةُ إِذَا أَتَى أَعَمُّ لِشُمُولِهَا، انْتَهَى. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الذِّكْرُ بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي السُّنَنِ، أَوْ يَشْمَلُ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا فِي جَانِبِ الْبَيْتِ؟ الْأَصَحُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: مَتَى يَقُولُ ذَلِكَ؟ فَمَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصِّلُ: أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُهُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ مَثَلًا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَالُوا فِيمَنْ نَسِيَ: يَسْتَعِيذُ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ. وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ): سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أَتَى بِالرِّوَايَةِ الْمُبَيِّنَةِ صَدُوقٌ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي حِفْظِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
١٠ - بَاب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ) هُوَ بِالْمَدِّ، وَحَقِيقَتُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (وَرْقَاءُ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ أَبِي يَزِيدَ) مَكِّيٌّ ثِقَةٌ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَاءً لِيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاوَلَهُ إِيَّاهُ لِيَسْتَنْجِيَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَأُخْبِرَ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ الْمُخْبِرَةُ بِذَلِكَ، قَالَ التَّيْمِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُكَافَأَةِ بِالدُّعَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الدُّعَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّفَقُّهِ عَلَى وَضْعِهِ الْمَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَلَاءِ، أَوْ يَضَعَهُ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عنِّي الأذى وعافاني»، وحديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيِّ مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عنِّي ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني»، ولابن عساكر بعد قوله: إذا أراد أن يدخل: «قال أبو عبد الله» يعني (١): البخاريَّ: «ويقال: الخبْث» يعني: بسكون المُوحَّدَة، والله تعالى أعلم (٢).
(١٠) هذا (بابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ) ليستعمله المتوضِّئ بعد خروجه.
١٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ) أبو النَّضر -بالضَّاد المُعجَمَة- التَّميميُّ (٣) اللَّيثيُّ الكنانيُّ الخراسانيُّ، المُلقَّب بقيصرَ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بإسكان الرَّاء مع المدِّ، ابن عمر اليشكريُّ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنِ أَبِي يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة، المكيِّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو، أي: ماءً ليتوضَّأ (٤) به، وقِيلَ: ناوله إيَّاه ليستنجيَ به، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ بعد أن خرج من الخلاء، وفي رواية ابن عساكر: «فقال»: (مَنْ) استفهاميَّةٌ مُبتَدأٌ، خبره: (وَضَعَ هَذَا) الوَضوء؟ (فَأُخْبِرَ) على صيغة المجهول عُطِف على السَّابق، وقد جوَّزوا عطف الفعليَّة على الاسميَّة، والعكس، أي: أُخبِر النَّبيُّ ﷺ أنَّه ابن عبَّاسٍ، والمُخبِر: خالته ميمونةُ بنت الحارث لأنَّ ذلك كان في بيتها (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) إنَّما دعا له لِما تفرَّس فيه من الذَّكاء مع صِغَرِ سنِّه بوضعه الوَضوء عند الخلاء؛ لأنَّه
أيسر له ﵊، إذ لو وضعه في مكانٍ بعيدٍ منه لاقتضى مشقَّة ما في طلبه الماء، ولو دخل به إليه لكان تعريضًا للاطِّلاع عليه وهو يقضي حاجته، ولمَّا كان وضع الماء فيه إعانةٌ على الدِّين ناسبَ أن يدعوَ له بالتَّفقُّه فيه؛ لِيطَّلِعَ به على أسرار الفقه في الدِّين ليحصل النَّفع به، وكذا كان.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة، من «يَستقبِل» مبنيًّا للفاعل (١)، و «القبلةَ»: نصبٌ على المفعوليَّة، وفي لام «يستقبلُ» الضَّمُّ على أنَّ «لا» نافيةٌ، والكسر على أنَّها ناهيةٌ، ويجوز في «يُستقبَل» ضمُّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٢) وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، ورفع «القبلةُ» مفعولٌ (٣) ناب عن الفاعل، قال في «الفتح»: وهي روايتنا، وكِلا الوجهين بفرع «اليونينيَّة»، وفي رواية ابن عساكر: «لا يستقبل القبلة بغائطٍ ولا بولٍ» (إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ) بالجرِّ بدلٌ من «البناء» (أَوْ نَحْوِهِ) كالسَّواري والأساطين (٤) والخشب والأحجار الكبار، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «أو غيرِه» بدلٌ أو نحوه، وهما متقاربان (٥)، والباء في قوله: «بغائطٍ»: ظرفيَّةٌ، و «الغائط»: هو المكان المطمئنُّ من الأرض في الفضاء، كان يُقصَد لقضاء الحاجة فيه، ثمَّ كُنِّي به عن العذرة نفسِها كراهةً (٦) لذكرها بخاصِّ اسمِها، ومن عادة العرب استعمال الكنايات صونًا للألسنة عمَّا تُصَان الأبصار والأسماع عنه، فصار حقيقةً عرفيَّةً غلبت على الحقيقة اللُّغويَّة، وليس في حديث الباب ما يدلُّ على الاستثناء الذي ذكره، فقِيلَ: إنَّه أراد بـ «الغائط» معناه اللُّغويَّ، وحينئذٍ يصحُّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الطوسي قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب حسن لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن يُوسُف بن أبي بردة وَلَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت قَوْله غَرِيب مَرْدُود بِمَا ذكرنَا من تَصْحِيحه وَيُمكن أَن تكون الغرابة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي لَا إِلَى الحَدِيث إِذْ الغرابة وَالْحسن فِي الْمَتْن لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِن قلت غرابة السَّنَد بتفرد إِسْرَائِيل وغرابة الْمَتْن لكَونه لَا يعرف غَيره قلت إِسْرَائِيل مُتَّفق على إِخْرَاج حَدِيثه عِنْد الشَّيْخَيْنِ والثقة إِذا انْفَرد بِحَدِيث وَلم يُتَابع عَلَيْهِ لَا ينقص عَن دَرَجَة الْحسن وَإِن لم يرتق إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وقولهما لَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة لَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِيهِ أَحَادِيث وَإِن كَانَت ضَعِيفَة مِنْهَا حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ ابْن ماجة قَالَ كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ مثله أخرجه النَّسَائِيّ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعا الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي وَأمْسك عَليّ مَا يَنْفَعنِي. وَمِنْهَا حَدِيث سهل ابْن أبي خَيْثَمَة نَحوه وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وابقى عَليّ قوته وأذهب عني أَذَاهُ فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله غفرانك إِذا خرج من الْخَلَاء قلت قد ذكرُوا فِيهِ أوجها وأحسنها أَنه إِنَّمَا يسْتَغْفر من تَركه ذكر الله تَعَالَى مُدَّة مكثه فِي الْخَلَاء وَيقرب مِنْهُ مَا قيل أَنه لشكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم عَلَيْهِ بهَا إِذْ أطْعمهُ وهضمه فَحق على من خرج سالما مِمَّا استعاذه مِنْهُ أَن يُؤَدِّي شكر النِّعْمَة فِي إعاذته وَإجَابَة سُؤَاله وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى خوفًا أَن لَا يُؤَدِّي شكر تِلْكَ النعم
(بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء ليستعمله المتوضىء بعد خُرُوجه مِنْهَا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن كل مَا فيهمَا مِمَّا يسْتَعْمل عِنْد الْخَلَاء
٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضُوءًا قَالَ من وضع هَذَا فَأخْبر فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان. الثَّانِي هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة التَّمِيمِي اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي الْخُرَاسَانِي نزل بَغْدَاد وتلقب بقيصر وَهُوَ حَافظ ثِقَة صَاحب سنة كَانَ أهل بَغْدَاد يفتخرون بِهِ مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة هَاشم بن الْقَاسِم سواهُ وَفِي ابْن ماجة وَحده هَاشم بن الْقَاسِم الْحَرَّانِي شَيْخه وَلَا ثَالِث فيهمَا سواهُمَا. الثَّالِث وَرْقَاء مؤنث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي الْكُوفِي أَبُو بشر وَيُقَال أَصله من خوارزم سكن الْمَدَائِن قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ قَالَ لي شُعْبَة عَلَيْك بورقاء فَإنَّك لن ترى عَيْنَاك مثله روى عَن عبيد الله هَذَا وَغَيره وَعنهُ الْفرْيَابِيّ. وَيحيى بن آدم صَدُوق صَالح قيل مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَرْقَاء غَيره. الرَّابِع عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ مولى آل قارظ بِالْقَافِ وبالراء وبالظاء الْمُعْجَمَة من حلفاء بني زهرَة كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبيد الله بن أبي يزِيد غَيره نعم فِي النَّسَائِيّ عبيد الله بن يزِيد الطَّائِفِي روى عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني عبيد الله بن أبي زَائِدَة وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح ابْن أبي يزِيد وَلَا يعرف اسْمه. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومكي: وَمِنْهَا أَنه على شَرط السِّتَّة خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ من رِجَاله وَرِجَال التِّرْمِذِيّ فَقَط. وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح ابْن عَبَّاس فِيهَا بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس عَن
زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي النَّضر كِلَاهُمَا عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن وَرْقَاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أبي بكر بن أبي النَّضر بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله وضوأ بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ وبالضم الْمصدر وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول كتاب الْوضُوء قَوْله فقهه فِي الدّين من الْفِقْه وَهُوَ فِي اللُّغَة الْفَهم تَقول فقه الرجل بِالْكَسْرِ وَفُلَان لَا يفقه وَلَا يفقه ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وفقهه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله دخل الْخَلَاء جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله فَوضعت لَهُ جملَة معطوفة على الْجُمْلَة السَّابِقَة قَوْله وضوأ نصب بقوله فَوضعت قَوْله من استفهامية مُبْتَدأ وَقَوله وضع هَذَا خَبره قَوْله فَأخْبر على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على مَا قبله وَقد علم أَن فِي عطف الاسمية على الفعلية وَالْعَكْس أقوالا وَالْمَفْهُوم من كَلَام النُّحَاة جَوَاز ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله اللَّهُمَّ أَصله يَا الله فَحذف حرف النداء وَعوض عَنْهَا الْمِيم قَوْله فقهه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ أَنْت المستكن فِيهِ وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَوله فِي الدّين يتَعَلَّق بِهِ. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله قَالَ من وضع هَذَا أَي قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد الْخُرُوج من الْخَلَاء من وضع الْوضُوء قَوْله فَأخْبر أَي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث خَالَة ابْن عَبَّاس هِيَ المخبرة بذلك لِأَن وضع ابْن عَبَّاس الْوضُوء للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم كَانَ فِي بَيتهَا قَوْله اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين مُنَاسبَة دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِابْنِ عَبَّاس بالتفقه فِي الدّين لأجل وَضعه الْوضُوء لَهُ لكَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تفرس فِيهِ الذكاء والفطنة فالمناسبة أَن يَدعِي لَهُ بالتفقه فِي الدّين ليطلع بِهِ على أسرار الْفِقْه فِي الدّين فينتفع وينفع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَضعه عِنْد الْخَلَاء لِأَنَّهُ كَانَ أيسر لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ لَو وَضعه فِي مَكَان بعيد مِنْهُ كَانَ يحْتَاج إِلَى طلب المَاء وَفِيه مشقة مَا وَلَو دخل بِهِ إِلَيْهِ كَانَ تعرضا للاطلاع على حَاله وَهُوَ يقْضِي حَاجته فَلَمَّا رأى ابْن عَبَّاس هَذِه الْحَالة أوفق وأيسر اسْتدلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على غَايَة ذكائه مَعَ صغر سنه فَدَعَا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز خدمَة الْعَالم بِغَيْر أمره ومراعاته حَتَّى حَال دُخُوله الْخَلَاء. الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ. الثَّالِث قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ دلَالَة على أَنه رُبمَا لَا يستنجي عِنْدَمَا يَأْتِي الْخَلَاء ليَكُون ذَلِك سنة لِأَنَّهُ لم يَأْمر بِوَضْع المَاء وَقد اتبعهُ عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَو استنجيت كلما أتيت الْخَلَاء لَكَانَ سنة وَفِيه نظر وَمَا اسْتشْهد بِهِ حَدِيث ضَعِيف. الرَّابِع قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن حمل الْخَادِم المَاء إِلَى المغتسل غير مَكْرُوه وَأَن الْأَدَب فِيهِ أَن يَلِيهِ الأصاغر من الخدم دون الأكابر. الْخَامِس فِيهِ دَلِيل قَاطع على إِجَابَة دُعَاء الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ صَار فَقِيها أَي فَقِيه. السَّادِس قَالَ ابْن بطال مَعْلُوم أَن وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء إِنَّمَا هُوَ للاستنجاء بِهِ عِنْد الْحَدث وَفِيه رد على من يُنكر الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ إِنَّمَا ذَلِك وضوء النِّسَاء وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الرِّجَال يتمسحون بِالْحِجَارَةِ وَنقل ابْن التِّين فِي شَرحه عَن مَالك أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم لم يسْتَنْج عمره بِالْمَاءِ وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ وَقد عقد البُخَارِيّ قَرِيبا بَابا للاستنجاء بِالْمَاءِ وَذكر فِيهِ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام استنجى على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من غَائِط قطّ إِلَّا مس مَاء وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيثهَا أَيْضا أَنَّهَا قَالَت مرن أزواجكن أَن يغسلوا أثر الْغَائِط وَالْبَوْل فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَفْعَله ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى حَاجته ثمَّ استنجى من تور وَقَالَ ابْن بطال أَن مَالِكًا روى فِي موطئِهِ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وضوأ لما تَحت الْإِزَار قَالَ مَالك يُرِيد الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ الْخطابِيّ فِي الحَدِيث اسْتِحْبَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَإِن كَانَت الْحِجَارَة مجزئة وَكره قوم من السّلف الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن المَاء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذَلِك وَكَانَ بعض الْقُرَّاء يكره الْوضُوء فِي مشارع الْمِيَاه الْجَارِيَة وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤْخَذ لَهُ المَاء فِي ركوة وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ
لم يبلغهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ على نهر أَو مشرع فِي مَاء جَار قَالَ وَهَذَا عِنْدِي من أجل أَنه لم يكن بِحَضْرَتِهِ الْمِيَاه الْجَارِيَة والأنهار فَأَما من كَانَ بَين ظهراني مياه جَارِيَة فَأَرَادَ أَن يشرع فِيهَا وَيتَوَضَّأ مِنْهَا كَانَ لَهُ ذَلِك من غير حرج وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف فِي الْمَسْأَلَة فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر فيستعمل الْحجر أَولا لتخف النَّجَاسَة وتقل مباشرتها بِيَدِهِ ثمَّ يسْتَعْمل المَاء فَإِن أَرَادَ الِاقْتِصَار على أَحدهمَا جَازَ وَسَوَاء وجد الآخر أَو لم يجده فَإِن اقْتصر فالماء أفضل من الْحجر لِأَن المَاء يطهر الْمحل طَهَارَة حَقِيقِيَّة وَأما الْحجر فَلَا يطهر وَإِنَّمَا يُخَفف النَّجَاسَة ويبيح الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة المعفو عَنْهَا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحجر أفضل وَرُبمَا أوهم كَلَام بَعضهم أَن المَاء لَا يجزىء وَقَالَ ابْن حبيب الْمَالِكِي لَا يجزىء الْحجر إِلَّا لمن عدم المَاء السَّابِع اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن الْمُسْتَحبّ أَن يتَوَضَّأ من الْأَوَانِي دون المشارع والبرك وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هَذَا لَا أصل لَهُ وَلم ينْقل أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وجدهَا فَعدل عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي وَالله تَعَالَى أعلم
(بَاب لَا تسْتَقْبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل إِلَّا عِنْد الْبناء جِدَار أَو نَحوه)
أَي هَذَا بَاب فباب مَرْفُوع على الخبرية منون لعدم صِحَة الْإِضَافَة قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون تسْتَقْبل بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَوله الْقبْلَة مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَالْآخر أَن يكون يسْتَقْبل بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي لَا يسْتَقْبل قَاضِي حَاجته الْقبْلَة والقبلة مَنْصُوب بِهِ وَلَام يسْتَقْبل يجوز فِيهَا وَجْهَان أَيْضا أَحدهمَا الضَّم على أَن تكون لَا نَافِيَة وَالْآخر الْكسر على أَن تكون ناهية قَوْله بغائط الْبَاء فِيهِ ظرفية وَفِي الْمُحكم الْغَائِط والغوط المتسع من الأَرْض مَعَ طمأنينة وَجمعه أغواط وغياط وغيطان وكل مَا انحدر من الأَرْض فقد غاط وَمن بواطن الأَرْض المنبتة الْغِيطَان الْوَاحِد مِنْهَا غَائِط وَزَعَمُوا أَن الْغَائِط رُبمَا كَانَ فرسخا وَالْغَائِط اسْم للعذرة نَفسهَا لأَنهم كَانُوا يلقونها بالغيطان وَقيل لأَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا ذَلِك أَتَوا الْغَائِط وتغوط الرجل كِنَايَة عَن الخرأة والغوط أغمض من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي الصِّحَاح وَجمع الْغَائِط غوط وَفِي الْمُخَصّص الْغَائِط أَصله المطمئن من الأَرْض وسمى المتوضأ غائطا لأَنهم كَانُوا يأتونه لقَضَاء الْحَاجة ثمَّ سمى الشَّيْء بِعَيْنِه غائطا وَقِرَاءَة الزُّهْرِيّ (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الغيط) مُخَفّفَة الْيَاء وَأَصله الغوط وَقيل لكل من قضى حَاجته قد أَتَى الْغَائِط يكنى بِهِ عَن الْعذرَة وَقَالَ الْخطابِيّ أَصله المطمئن من الأَرْض كَانُوا يأتونه للْحَاجة فكنوا بِهِ عَن نفس الْحَدث كَرَاهَة لذكره بخاص اسْمه وَمن عَادَة الْعَرَب التعفف فِي ألفاظها وَاسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِي كَلَامهَا وصون الْأَلْسِنَة عَمَّا تصان الْأَبْصَار والأسماع عَنهُ قلت الْحَاصِل أَنه اسْتعْمل للْخَارِج وَغلب على الْحَقِيقَة الوضعية فَصَارَ حَقِيقَة عرفية لَكِن لَا يقْصد بِهِ إِلَّا الْخَارِج من الدبر فَقَط للتفرقة فِي الحَدِيث بَينهمَا فِي قَوْله بغائط أَو بَوْل وَقد يقْصد بِهِ مَا يخرج من الْقبل أَيْضا فَإِن الحكم عَام وَفِي الْعباب غاط فِي الشَّيْء يغوط ويغيط غوطا وغيطا دخل فِيهِ يُقَال هَذَا رمل تغوط فِيهِ الْأَقْدَام وتغيط والغوط وَالْغَائِط المطمئن من الأَرْض الْوَاسِع. وَقَالَ ابْن دُرَيْد الغوط أَشد انحطاطا من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي قصَّة نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام انسدت ينابيع الغوط الْأَكْبَر وأبواب السَّمَاء وَالْجمع غوط وأغواط وغياط صَارَت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا وَالْغَائِط أَيْضا الغوط من الأَرْض والغوطة الوهدة فِي الأَرْض المطمئنة والتركيب يدل على اطمئنان وغور قَوْله إِلَّا عِنْد الْبناء اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على الِاسْتِثْنَاء الَّذِي ذكره ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِمَا حَاصله أَنه أَرَادَ بالغائط مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ لَا مَعْنَاهُ الْعرفِيّ فَحِينَئِذٍ يَصح اسْتثِْنَاء الْأَبْنِيَة مِنْهُ وَقَالَ بَعضهم هَذَا قوي الْأَجْوِبَة قلت لَيْسَ كَذَلِك لأَنهم لما استعملوه للْخَارِج وَغلب هَذَا الْمَعْنى على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ صَار حَقِيقَة عرفية غلبت على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة فهجرت حَقِيقَته اللُّغَوِيَّة فَكيف ترَاد بعد ذَلِك وَقَالَ ابْن بطال هَذَا الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ مأخوذا من الحَدِيث وَلَكِن لما علم من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا اسْتثِْنَاء الْبيُوت بوب بِهِ لِأَن حَدِيثه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كُله كَأَنَّهُ شَيْء وَاحِد وَإِن اخْتلفت طرقه كَمَا أَن الْقُرْآن كُله كالآية الْوَاحِدَة وَإِن كثر وَتَبعهُ ابْن الْمُنِير فِي شَرحه وَاسْتَحْسنهُ بعض الشَّارِحين قلت فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الْبَاب عقيب حَدِيث أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي
يحْتَمل أَن يكون أَي الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور مأخوذا من هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي أَيُّوب إِذْ لفظ الْغَائِط مشْعر بِأَن الحَدِيث ورد فِي شَأْن الصحارى إِذْ الاطمئنان أَي الانخفاض والارتفاع إِنَّمَا يكون فِي الْأَرَاضِي الصحراوية لَا فِي الْأَبْنِيَة قلت الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب وَقَالَ ابْن الْمُنِير أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الفضاء وَأما الْجِدَار والأبنية فَإِنَّهَا إِذا اسْتقْبلت أضيف إِلَيْهَا الِاسْتِقْبَال عرفا قلت كل من توجه إِلَى نَحْو الْكَعْبَة يُطلق عَلَيْهِ أَنه مُسْتَقْبل الْكَعْبَة سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْأَبْنِيَة فَإِن كَانَ فِي الْأَبْنِيَة فالحائل بَينه وَبَين الْقبْلَة هُوَ الْأَبْنِيَة وَإِن كَانَ فِي الصَّحرَاء فَهُوَ الْجبَال والتلال وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَن الحَدِيث عِنْده عَام مَخْصُوص وَعَلِيهِ يُوَجه الِاسْتِثْنَاء قَوْله جِدَار بِالْجَرِّ بدل من الْبناء قَوْله أَو نَحوه أَي نَحْو الْجِدَار كالأحجار الْكِبَار والسواري والأساطين وَنَحْو ذَلِك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَو غَيره وهما متقاربان. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر
١٠ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يولها ظَهره شرقوا أَو غربوا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الْمُسْتَثْنى مِنْهَا ظَاهِرَة وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة للمستثنى على مَا ذكرنَا وَمَا يطابقه هُوَ حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ الْآن عَن ابْن بطال فَمن هَذَا قَالَ صَاحب التَّلْوِيح فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على عكس مَا قَالَه البُخَارِيّ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَاوِي الحَدِيث فهم مِنْهُ غير مَا ذكره البُخَارِيّ وَهُوَ تَعْمِيم النَّهْي والتسوية فِي ذَلِك بَين الصَّحَارِي والأبنية بَين ذَلِك بقوله فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة فَكُنَّا ننحرف عَنْهَا ونستغفر الله تَعَالَى وَفِي حَدِيث مَالك قَالَ أَبُو أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض بنيت قبل الْكَعْبَة فننحرف ونستغفر الله تَعَالَى وَعَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء سَمِعت أَبَا أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَفِي حَدِيث مَالك للنسائي عَن أبي أَيُّوب أَنه قَالَ وَالله مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهَذِهِ الكرابيس وَقد قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول آدم ابْن أبي إِيَاس وَقد تكَرر ذكره الثَّانِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب هِشَام الْمدنِي العامري وَقد مر الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَبُو يزِيد عَطاء بن يزِيد من الزِّيَادَة اللَّيْثِيّ ثمَّ الجندعي بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة الْمدنِي وَيُقَال الشَّامي التَّابِعِيّ لِأَنَّهُ سكن رَملَة الشَّام مَاتَ سنة سبع وَقيل خمس وَمِائَة عَن اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة الْخَامِس أَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف بن غنم الْأنْصَارِيّ النجاري شهد بَدْرًا والعقبة الثَّانِيَة وَعَلِيهِ نزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قدم الْمَدِينَة شهرا وَهُوَ من نجباء الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم روى لَهُ مائَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حروبه مَاتَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ غازيا سنة خمسين وَذَلِكَ مَعَ يزِيد بن مُعَاوِيَة خرج مَعَه فَمَرض فَلَمَّا ثقل عَلَيْهِ الْمَرَض قَالَ لأَصْحَابه إِذا أَنا مت فاحملوني فَإِذا صافقتم الْعَدو فادفنوني تَحت أقدامكم فَفَعَلُوا فقبره قريب من سورها مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم مُعظم فيستسقون بِهِ فيسقون وَأَبُو أَيُّوب فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة هَذَا أَجلهم وثانيهم يماني لَهُ رِوَايَة وثالثهم روى لَهُ عَن عَليّ بن مسْهر عَن الأفريقي عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب فَلَعَلَّهُ الأول وَأَيوب يشْتَبه بأثوب بِسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَهُوَ أثوب بن عتبَة صَحَابِيّ روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الديك الْأَبْيَض خليلي إِسْنَاده لَا يثبت رَوَاهُ عبد الْبَاقِي بن قَانِع حَدثنَا حُسَيْن حَدثنَا عَليّ بن بَحر حَدثنَا ملاذ بن عَمْرو عَن هَارُون بن نجيد عَن جَابر عَن أثوب بن عتبَة قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والْحَارث ابْن أثوب تَابِعِيّ قَالَه عبد الْغَنِيّ وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَالصَّوَاب ثوب بِضَم الثَّاء وَفتح الْوَاو وأثوب بن أَزْهَر زوج قيلة بنت مخرمَة الصحابية رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم فَإِنَّهُ أَيْضا دخل إِلَيْهَا
وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير وَأَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن مُسَدّد وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب) قَوْله إِذا أَتَى من الْإِتْيَان وَهُوَ الْمَجِيء وَقد أتيه أَتَيَا وأتوتة وأتوة لُغَة فِيهِ وَكلمَة إِذا للشّرط وَلِهَذَا دخلت الْفَاء فِي جوابها وَهُوَ قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة قَوْله الْغَائِط مَنْصُوب بقوله أَتَى قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون نهيا فَتكون اللَّام مَكْسُورَة لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ وَالْآخر أَن يكون نفيا فَتكون اللَّام مَضْمُومَة قَوْله وَلَا يولها نهى وَلِهَذَا حذفت مِنْهُ الْيَاء وَأَصله وَلَا يوليها من ولاه الشَّيْء إِذا استقبله وَفِي الْمطَالع وَقد يكون التولي بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال {فأينما توَلّوا فثم وَجه الله} أَي توَلّوا وُجُوهكُم وَالْهَاء مَفْعُوله الأول وظهره مَفْعُوله الثَّانِي وَهُوَ يَسْتَدْعِي مفعولين وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلكُل وجهة هُوَ موليها} أَي موليها وَجهه فَحذف أحد المفعولين وَقَالَ الْجَوْهَرِي {وَلكُل وجهة هُوَ موليها} أَي يستقبلها بِوَجْهِهِ وَهَهُنَا أَيْضا الْمَعْنى لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة بظهره وَحَاصِل الْمَعْنى لَا يستدبر الْقبْلَة بظهره أَو لَا يَجْعَلهَا مُقَابل ظَهره قَوْله شرقوا جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَكَذَلِكَ أَو غربوا من التَّشْرِيق وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمشرق والتغريب وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمغرب. يُقَال شتان بَين مشرق ومغرب (بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ تَقْيِيد الْفِعْل بِالشّرطِ وَقد علم الْفرق بَين تَقْيِيده بِأَن وَبَين تَقْيِيده بإذا بِأَن أصل أَن عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط وأصل إِذا الْجَزْم بِوُقُوعِهِ وَغلب لفظ الْمَاضِي بإذا على الْمُسْتَقْبل لِأَن لفظ الْمَاضِي أنسب إِلَى مَدْلُول إِذا من لفظ الْمُسْتَقْبل لكَون الْمَاضِي أقرب إِلَى الْقطع بالوقوع من الْمُسْتَقْبل نظرا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى فَإِنَّهُ يدل على الِاسْتِقْبَال لوُقُوعه فِي سِيَاق الشَّرْط وَفِيه أسلوب الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَإِذا وَقع الْكَلَام على أساليب مُخْتَلفَة يزْدَاد رونقا وبهجة وحسنا سِيمَا هُوَ من كَلَام أفْصح النَّاس وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله شرقوا أَو غربوا خطاب لأهل الْمَدِينَة وَلمن كَانَت قبلته على ذَلِك السمت وَأما من قبلته إِلَى جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ لَا يشرق وَلَا يغرب وَقَالَ الدَّاودِيّ اخْتلف فِي قَوْله شرقوا أَو غربوا فَقيل إِنَّمَا ذَلِك فِي الْمَدِينَة وَمَا أشبههَا كَأَهل الشَّام واليمن وَأما من كَانَت قبلته من جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ يتيامن أَو يتشاءم وَقَالَ بَعضهم الْبَيْت قبْلَة لمن فِي الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد قبْلَة لأهل مَكَّة وَمَكَّة قبْلَة لأهل الْحرم وَالْحرم قبْلَة لسَائِر أهل الأَرْض وَقَالُوا فِي قَوْله مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة فِيمَا يُحَاذِي الْكَعْبَة أَنه يُصَلِّي إِلَيْهِ من الْجِهَتَيْنِ وَلَا يشرق وَلَا يغرب يُحَاذِي كل طَائِفَة الْأُخْرَى فِي هَذَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كرم الْبَيْت وَجعله مصلى يصلى إِلَيْهِ من كل جِهَة (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول احْتج أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على عدم جَوَاز اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها بالبول وَالْغَائِط سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْبُنيان أخذا فِي ذَلِك بِعُمُوم الحَدِيث هُوَ مَذْهَب مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي ثَوْر وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَذْهَب الرَّاوِي أَيْضا وَهُوَ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان فالجواز فِي الْبُنيان إِن كَانَ لوُجُود الْحَائِل فَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء فِي الْبِلَاد النائية لِأَن بَينهَا وَبَين الْكَعْبَة جبالا وأودية وَغير ذَلِك لَا سِيمَا عِنْد من يَقُول بكروية الأَرْض فَإِنَّهُ لَا موازاة إِذْ ذَاك بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا ورد من قَول الشّعبِيّ أَنه علل ذَلِك بِأَن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم وَأَنه لَا يُوجد فِي الْأَبْنِيَة فَهُوَ تَعْلِيل فِي مُقَابلَة النَّص وَلَهُم فِي ذَلِك أَحَادِيث أُخْرَى كلهَا عَامَّة فِي النَّهْي مِنْهَا حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء أَنا أول من سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا يبولن أحدكُم مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَنا أول من حدث النَّاس بذلك فَإِن قلت قَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول قلت لَا الْتِفَات إِلَى قَوْله هَذَا فَإِن ابْن حبَان قد صَححهُ. وَمِنْهَا
حَدِيث معقل بن أبي معقل نهى رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن تسْتَقْبل الْقبْلَتَيْنِ ببول أَو غَائِط أخرجه ابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَأَرَادَ بالقبلتين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس وَيحْتَمل أَن يكون على معنى الاحترام لبيت الْمُقَدّس إِذْ كَانَ مرّة قبْلَة لنا وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك من أجل استدبار الْكَعْبَة لِأَن من استقبله فقد استدبر الْكَعْبَة وَمِنْهَا حَدِيث سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لقد نَهَانَا أَن نستقبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل الحَدِيث أخرجه مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد أعلمكُم فَإِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَإِن قلت حَدِيث أبي أَيُّوب فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة عَن أبي أَيُّوب وَقيل عَن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن رجل عَن أبي أَيُّوب وَرَوَاهُ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة عَن الزُّهْرِيّ عَن رجلَيْنِ لم يسمهما عَن أبي أَيُّوب وأرسله نَافِع بن عمر الجُمَحِي عَن الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت رَوَاهُ عَن أبي أَيُّوب جمَاعَة مِنْهُم رَافع بن إِسْحَق وَعمر بن ثَابت وَأَبُو الْأَحْوَص وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة وَعَن الزُّهْرِيّ ابْن أبي ذِئْب وَمعمر وَيُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ والنعمان بن رَاشد وَسليمَان بن كثير وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَق وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَيزِيد بن أبي حبيب وَعقيل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْقَوْل قَول ابْن أبي ذِئْب وَمن تَابعه وَفِي مُسْند الْحميدِي تَصْرِيح الزُّهْرِيّ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من عَطاء وَعَطَاء من أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ثمَّ اعْلَم أَن حَاصِل مَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك أَرْبَعَة مَذَاهِب. أَحدهَا الْمَنْع الْمُطلق وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِي الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ قَول عُرْوَة بن الزبير وَرَبِيعَة الرَّأْي وَدَاوُد وَرَأى أَي هَؤُلَاءِ أَن حَدِيث أبي أَيُّوب مَنْسُوخ وَزَعَمُوا أَن ناسخه حَدِيث مُجَاهِد عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نَهَانَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن نستقبل الْقبْلَة أَو نستدبرها ببول ثمَّ رَأَيْته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَزعم أَنه صَحِيح على شَرط مُسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب قلت قَول الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم غير صَحِيح لِأَن أبان رَاوِيه عَن مُجَاهِد عَن جَابر لم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا والْحَدِيث حَدِيثه وَعَلِيهِ يَدُور نعم صَححهُ البُخَارِيّ فِيمَا سَأَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فَقَالَ حَدِيث صَحِيح ذكره فِي الخلافيات للبيهقي وتقريب المدارك فِي الْكَلَام على موطأ مَالك فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث ضَعِيف لِأَنَّهُ رَوَاهُ أبان بن صَالح وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُور قلت هَذَا مَرْدُود بتصحيح البُخَارِيّ وَغَيره وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَيَعْقُوب بن شيبَة وَالْعجلِي أبان بن صَالح ثِقَة وَقَالَ النَّسَائِيّ كَانَ حَاكما بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بِهِ بَأْس فَأَي شهرة أرفع من هَذِه وَقَالَ الْبَزَّار هَذَا حَدِيث لَا نعرفه ويروى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد فَإِن قلت قَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد رد أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ هَذَا وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح فيعرج عَلَيْهِ لِأَن أبان ضَعِيف قلت إِن أَرَادَ بقوله رده أَحْمد الْعَمَل بِهِ فمحتمل وَإِن أَرَادَ بِهِ الرَّد الصناعي فَغير مُسلم لثُبُوته فِي مُسْنده لم يضْرب عَلَيْهِ كعادته فِيمَا لَيْسَ بِصَحِيح عِنْده أَو مَرْدُود على مَا بَينه الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي خَصَائِص مُسْنده وَأما تَضْعِيفه الحَدِيث بِأَبَان فَغير موجه لثُبُوت توثيقه من الْجَمَاعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ وَأما قَول التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب فَهُوَ وَإِن كَانَ جمعا بَين الضدين بِحَسب الظَّاهِر وَلكنه لَعَلَّه أَرَادَ تفرد بعض رُوَاته وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن أبان هُوَ الْمُنْفَرد بِهِ فِيمَا أرى وَالله أعلم. وَأما دَعْوَى النّسخ الْمَذْكُور فَلَيْسَتْ بظاهرة بل هُوَ اسْتِدْلَال ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْجمع وَهُوَ مُمكن كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن حَدِيث جَابر مَحْمُول على أَنه رَآهُ فِي بِنَاء أَو نَحوه لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَعْهُود من حَال النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لمبالغته فِي التستر. الْمَذْهَب الثَّالِث أَنه لَا يجوز الِاسْتِقْبَال فِي الْأَبْنِيَة والصحراء وَيجوز الاستدبار فيهمَا وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أَنه يحرم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء دون الْبُنيان وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا الْآتِي ذكره عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَشْهُورَة عَن الْعلمَاء وَلم يذكر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمَذْهَب غَيرهَا وَكَذَلِكَ عَامَّة شرَّاح البُخَارِيّ وَهَهُنَا ثَلَاثَة مَذَاهِب أُخْرَى. مِنْهَا جَوَاز الاستدبار
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْإِفْرَادِ، وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْعِ، أَيْ: مِنَ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ وَمِنَ الشَّيْءِ الْمَذْمُومِ، أَوْ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ. وَكَانَ ﷺ يَسْتَعِيذُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ، وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ.
وَقَدْ رَوَى الْعُمَرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ بِلَفْظِ الْأَمْرِ قَالَ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْخَلَاءَ فَقُولُوا: بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ. وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ زِيَادَةُ التَّسْمِيَةِ وَلَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ) اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غُنْدَرٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارِ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِ إِذَا دَخَلَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حَمَّادٍ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي عن عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ، وَطَرِيقُ مُوسَى هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ قَالَ. . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَبْيِينَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ: كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ بِقَرِينَةِ الدُّخُولِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رِوَايَةُ إِذَا أَتَى أَعَمُّ لِشُمُولِهَا، انْتَهَى. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الذِّكْرُ بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي السُّنَنِ، أَوْ يَشْمَلُ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا فِي جَانِبِ الْبَيْتِ؟ الْأَصَحُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: مَتَى يَقُولُ ذَلِكَ؟ فَمَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصِّلُ: أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُهُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ مَثَلًا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَالُوا فِيمَنْ نَسِيَ: يَسْتَعِيذُ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ. وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ): سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أَتَى بِالرِّوَايَةِ الْمُبَيِّنَةِ صَدُوقٌ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي حِفْظِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
١٠ - بَاب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ) هُوَ بِالْمَدِّ، وَحَقِيقَتُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (وَرْقَاءُ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ أَبِي يَزِيدَ) مَكِّيٌّ ثِقَةٌ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَاءً لِيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاوَلَهُ إِيَّاهُ لِيَسْتَنْجِيَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَأُخْبِرَ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ الْمُخْبِرَةُ بِذَلِكَ، قَالَ التَّيْمِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُكَافَأَةِ بِالدُّعَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الدُّعَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّفَقُّهِ عَلَى وَضْعِهِ الْمَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَلَاءِ، أَوْ يَضَعَهُ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عنِّي الأذى وعافاني»، وحديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيِّ مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عنِّي ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني»، ولابن عساكر بعد قوله: إذا أراد أن يدخل: «قال أبو عبد الله» يعني (١): البخاريَّ: «ويقال: الخبْث» يعني: بسكون المُوحَّدَة، والله تعالى أعلم (٢).
(١٠) هذا (بابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ) ليستعمله المتوضِّئ بعد خروجه.
١٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ) أبو النَّضر -بالضَّاد المُعجَمَة- التَّميميُّ (٣) اللَّيثيُّ الكنانيُّ الخراسانيُّ، المُلقَّب بقيصرَ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بإسكان الرَّاء مع المدِّ، ابن عمر اليشكريُّ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنِ أَبِي يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة، المكيِّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو، أي: ماءً ليتوضَّأ (٤) به، وقِيلَ: ناوله إيَّاه ليستنجيَ به، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ بعد أن خرج من الخلاء، وفي رواية ابن عساكر: «فقال»: (مَنْ) استفهاميَّةٌ مُبتَدأٌ، خبره: (وَضَعَ هَذَا) الوَضوء؟ (فَأُخْبِرَ) على صيغة المجهول عُطِف على السَّابق، وقد جوَّزوا عطف الفعليَّة على الاسميَّة، والعكس، أي: أُخبِر النَّبيُّ ﷺ أنَّه ابن عبَّاسٍ، والمُخبِر: خالته ميمونةُ بنت الحارث لأنَّ ذلك كان في بيتها (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) إنَّما دعا له لِما تفرَّس فيه من الذَّكاء مع صِغَرِ سنِّه بوضعه الوَضوء عند الخلاء؛ لأنَّه
أيسر له ﵊، إذ لو وضعه في مكانٍ بعيدٍ منه لاقتضى مشقَّة ما في طلبه الماء، ولو دخل به إليه لكان تعريضًا للاطِّلاع عليه وهو يقضي حاجته، ولمَّا كان وضع الماء فيه إعانةٌ على الدِّين ناسبَ أن يدعوَ له بالتَّفقُّه فيه؛ لِيطَّلِعَ به على أسرار الفقه في الدِّين ليحصل النَّفع به، وكذا كان.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة، من «يَستقبِل» مبنيًّا للفاعل (١)، و «القبلةَ»: نصبٌ على المفعوليَّة، وفي لام «يستقبلُ» الضَّمُّ على أنَّ «لا» نافيةٌ، والكسر على أنَّها ناهيةٌ، ويجوز في «يُستقبَل» ضمُّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٢) وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، ورفع «القبلةُ» مفعولٌ (٣) ناب عن الفاعل، قال في «الفتح»: وهي روايتنا، وكِلا الوجهين بفرع «اليونينيَّة»، وفي رواية ابن عساكر: «لا يستقبل القبلة بغائطٍ ولا بولٍ» (إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ) بالجرِّ بدلٌ من «البناء» (أَوْ نَحْوِهِ) كالسَّواري والأساطين (٤) والخشب والأحجار الكبار، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «أو غيرِه» بدلٌ أو نحوه، وهما متقاربان (٥)، والباء في قوله: «بغائطٍ»: ظرفيَّةٌ، و «الغائط»: هو المكان المطمئنُّ من الأرض في الفضاء، كان يُقصَد لقضاء الحاجة فيه، ثمَّ كُنِّي به عن العذرة نفسِها كراهةً (٦) لذكرها بخاصِّ اسمِها، ومن عادة العرب استعمال الكنايات صونًا للألسنة عمَّا تُصَان الأبصار والأسماع عنه، فصار حقيقةً عرفيَّةً غلبت على الحقيقة اللُّغويَّة، وليس في حديث الباب ما يدلُّ على الاستثناء الذي ذكره، فقِيلَ: إنَّه أراد بـ «الغائط» معناه اللُّغويَّ، وحينئذٍ يصحُّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الطوسي قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب حسن لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن يُوسُف بن أبي بردة وَلَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت قَوْله غَرِيب مَرْدُود بِمَا ذكرنَا من تَصْحِيحه وَيُمكن أَن تكون الغرابة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي لَا إِلَى الحَدِيث إِذْ الغرابة وَالْحسن فِي الْمَتْن لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِن قلت غرابة السَّنَد بتفرد إِسْرَائِيل وغرابة الْمَتْن لكَونه لَا يعرف غَيره قلت إِسْرَائِيل مُتَّفق على إِخْرَاج حَدِيثه عِنْد الشَّيْخَيْنِ والثقة إِذا انْفَرد بِحَدِيث وَلم يُتَابع عَلَيْهِ لَا ينقص عَن دَرَجَة الْحسن وَإِن لم يرتق إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وقولهما لَا يعرف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة لَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِيهِ أَحَادِيث وَإِن كَانَت ضَعِيفَة مِنْهَا حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ ابْن ماجة قَالَ كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ مثله أخرجه النَّسَائِيّ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعا الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي وَأمْسك عَليّ مَا يَنْفَعنِي. وَمِنْهَا حَدِيث سهل ابْن أبي خَيْثَمَة نَحوه وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وابقى عَليّ قوته وأذهب عني أَذَاهُ فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله غفرانك إِذا خرج من الْخَلَاء قلت قد ذكرُوا فِيهِ أوجها وأحسنها أَنه إِنَّمَا يسْتَغْفر من تَركه ذكر الله تَعَالَى مُدَّة مكثه فِي الْخَلَاء وَيقرب مِنْهُ مَا قيل أَنه لشكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم عَلَيْهِ بهَا إِذْ أطْعمهُ وهضمه فَحق على من خرج سالما مِمَّا استعاذه مِنْهُ أَن يُؤَدِّي شكر النِّعْمَة فِي إعاذته وَإجَابَة سُؤَاله وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى خوفًا أَن لَا يُؤَدِّي شكر تِلْكَ النعم
(بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء ليستعمله المتوضىء بعد خُرُوجه مِنْهَا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لِأَن كل مَا فيهمَا مِمَّا يسْتَعْمل عِنْد الْخَلَاء
٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضُوءًا قَالَ من وضع هَذَا فَأخْبر فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان. الثَّانِي هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة التَّمِيمِي اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي الْخُرَاسَانِي نزل بَغْدَاد وتلقب بقيصر وَهُوَ حَافظ ثِقَة صَاحب سنة كَانَ أهل بَغْدَاد يفتخرون بِهِ مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة هَاشم بن الْقَاسِم سواهُ وَفِي ابْن ماجة وَحده هَاشم بن الْقَاسِم الْحَرَّانِي شَيْخه وَلَا ثَالِث فيهمَا سواهُمَا. الثَّالِث وَرْقَاء مؤنث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي الْكُوفِي أَبُو بشر وَيُقَال أَصله من خوارزم سكن الْمَدَائِن قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ قَالَ لي شُعْبَة عَلَيْك بورقاء فَإنَّك لن ترى عَيْنَاك مثله روى عَن عبيد الله هَذَا وَغَيره وَعنهُ الْفرْيَابِيّ. وَيحيى بن آدم صَدُوق صَالح قيل مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَرْقَاء غَيره. الرَّابِع عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ مولى آل قارظ بِالْقَافِ وبالراء وبالظاء الْمُعْجَمَة من حلفاء بني زهرَة كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبيد الله بن أبي يزِيد غَيره نعم فِي النَّسَائِيّ عبيد الله بن يزِيد الطَّائِفِي روى عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني عبيد الله بن أبي زَائِدَة وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح ابْن أبي يزِيد وَلَا يعرف اسْمه. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومكي: وَمِنْهَا أَنه على شَرط السِّتَّة خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ من رِجَاله وَرِجَال التِّرْمِذِيّ فَقَط. وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح ابْن عَبَّاس فِيهَا بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس عَن
زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي النَّضر كِلَاهُمَا عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن وَرْقَاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أبي بكر بن أبي النَّضر بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله وضوأ بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ وبالضم الْمصدر وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول كتاب الْوضُوء قَوْله فقهه فِي الدّين من الْفِقْه وَهُوَ فِي اللُّغَة الْفَهم تَقول فقه الرجل بِالْكَسْرِ وَفُلَان لَا يفقه وَلَا يفقه ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وفقهه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم. (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله دخل الْخَلَاء جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله فَوضعت لَهُ جملَة معطوفة على الْجُمْلَة السَّابِقَة قَوْله وضوأ نصب بقوله فَوضعت قَوْله من استفهامية مُبْتَدأ وَقَوله وضع هَذَا خَبره قَوْله فَأخْبر على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على مَا قبله وَقد علم أَن فِي عطف الاسمية على الفعلية وَالْعَكْس أقوالا وَالْمَفْهُوم من كَلَام النُّحَاة جَوَاز ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله اللَّهُمَّ أَصله يَا الله فَحذف حرف النداء وَعوض عَنْهَا الْمِيم قَوْله فقهه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ أَنْت المستكن فِيهِ وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَوله فِي الدّين يتَعَلَّق بِهِ. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله قَالَ من وضع هَذَا أَي قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد الْخُرُوج من الْخَلَاء من وضع الْوضُوء قَوْله فَأخْبر أَي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث خَالَة ابْن عَبَّاس هِيَ المخبرة بذلك لِأَن وضع ابْن عَبَّاس الْوضُوء للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم كَانَ فِي بَيتهَا قَوْله اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين مُنَاسبَة دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِابْنِ عَبَّاس بالتفقه فِي الدّين لأجل وَضعه الْوضُوء لَهُ لكَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تفرس فِيهِ الذكاء والفطنة فالمناسبة أَن يَدعِي لَهُ بالتفقه فِي الدّين ليطلع بِهِ على أسرار الْفِقْه فِي الدّين فينتفع وينفع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَضعه عِنْد الْخَلَاء لِأَنَّهُ كَانَ أيسر لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ لَو وَضعه فِي مَكَان بعيد مِنْهُ كَانَ يحْتَاج إِلَى طلب المَاء وَفِيه مشقة مَا وَلَو دخل بِهِ إِلَيْهِ كَانَ تعرضا للاطلاع على حَاله وَهُوَ يقْضِي حَاجته فَلَمَّا رأى ابْن عَبَّاس هَذِه الْحَالة أوفق وأيسر اسْتدلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على غَايَة ذكائه مَعَ صغر سنه فَدَعَا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز خدمَة الْعَالم بِغَيْر أمره ومراعاته حَتَّى حَال دُخُوله الْخَلَاء. الثَّانِي فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ. الثَّالِث قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ دلَالَة على أَنه رُبمَا لَا يستنجي عِنْدَمَا يَأْتِي الْخَلَاء ليَكُون ذَلِك سنة لِأَنَّهُ لم يَأْمر بِوَضْع المَاء وَقد اتبعهُ عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَو استنجيت كلما أتيت الْخَلَاء لَكَانَ سنة وَفِيه نظر وَمَا اسْتشْهد بِهِ حَدِيث ضَعِيف. الرَّابِع قَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن حمل الْخَادِم المَاء إِلَى المغتسل غير مَكْرُوه وَأَن الْأَدَب فِيهِ أَن يَلِيهِ الأصاغر من الخدم دون الأكابر. الْخَامِس فِيهِ دَلِيل قَاطع على إِجَابَة دُعَاء الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ صَار فَقِيها أَي فَقِيه. السَّادِس قَالَ ابْن بطال مَعْلُوم أَن وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء إِنَّمَا هُوَ للاستنجاء بِهِ عِنْد الْحَدث وَفِيه رد على من يُنكر الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ إِنَّمَا ذَلِك وضوء النِّسَاء وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الرِّجَال يتمسحون بِالْحِجَارَةِ وَنقل ابْن التِّين فِي شَرحه عَن مَالك أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم لم يسْتَنْج عمره بِالْمَاءِ وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ وَقد عقد البُخَارِيّ قَرِيبا بَابا للاستنجاء بِالْمَاءِ وَذكر فِيهِ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام استنجى على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من غَائِط قطّ إِلَّا مس مَاء وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيثهَا أَيْضا أَنَّهَا قَالَت مرن أزواجكن أَن يغسلوا أثر الْغَائِط وَالْبَوْل فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَفْعَله ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى حَاجته ثمَّ استنجى من تور وَقَالَ ابْن بطال أَن مَالِكًا روى فِي موطئِهِ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وضوأ لما تَحت الْإِزَار قَالَ مَالك يُرِيد الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَقَالَ الْخطابِيّ فِي الحَدِيث اسْتِحْبَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَإِن كَانَت الْحِجَارَة مجزئة وَكره قوم من السّلف الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن المَاء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذَلِك وَكَانَ بعض الْقُرَّاء يكره الْوضُوء فِي مشارع الْمِيَاه الْجَارِيَة وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤْخَذ لَهُ المَاء فِي ركوة وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ
لم يبلغهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ على نهر أَو مشرع فِي مَاء جَار قَالَ وَهَذَا عِنْدِي من أجل أَنه لم يكن بِحَضْرَتِهِ الْمِيَاه الْجَارِيَة والأنهار فَأَما من كَانَ بَين ظهراني مياه جَارِيَة فَأَرَادَ أَن يشرع فِيهَا وَيتَوَضَّأ مِنْهَا كَانَ لَهُ ذَلِك من غير حرج وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف فِي الْمَسْأَلَة فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر فيستعمل الْحجر أَولا لتخف النَّجَاسَة وتقل مباشرتها بِيَدِهِ ثمَّ يسْتَعْمل المَاء فَإِن أَرَادَ الِاقْتِصَار على أَحدهمَا جَازَ وَسَوَاء وجد الآخر أَو لم يجده فَإِن اقْتصر فالماء أفضل من الْحجر لِأَن المَاء يطهر الْمحل طَهَارَة حَقِيقِيَّة وَأما الْحجر فَلَا يطهر وَإِنَّمَا يُخَفف النَّجَاسَة ويبيح الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة المعفو عَنْهَا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحجر أفضل وَرُبمَا أوهم كَلَام بَعضهم أَن المَاء لَا يجزىء وَقَالَ ابْن حبيب الْمَالِكِي لَا يجزىء الْحجر إِلَّا لمن عدم المَاء السَّابِع اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن الْمُسْتَحبّ أَن يتَوَضَّأ من الْأَوَانِي دون المشارع والبرك وَقَالَ القَاضِي عِيَاض هَذَا لَا أصل لَهُ وَلم ينْقل أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وجدهَا فَعدل عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي وَالله تَعَالَى أعلم
(بَاب لَا تسْتَقْبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل إِلَّا عِنْد الْبناء جِدَار أَو نَحوه)
أَي هَذَا بَاب فباب مَرْفُوع على الخبرية منون لعدم صِحَة الْإِضَافَة قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون تسْتَقْبل بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَوله الْقبْلَة مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَالْآخر أَن يكون يسْتَقْبل بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي لَا يسْتَقْبل قَاضِي حَاجته الْقبْلَة والقبلة مَنْصُوب بِهِ وَلَام يسْتَقْبل يجوز فِيهَا وَجْهَان أَيْضا أَحدهمَا الضَّم على أَن تكون لَا نَافِيَة وَالْآخر الْكسر على أَن تكون ناهية قَوْله بغائط الْبَاء فِيهِ ظرفية وَفِي الْمُحكم الْغَائِط والغوط المتسع من الأَرْض مَعَ طمأنينة وَجمعه أغواط وغياط وغيطان وكل مَا انحدر من الأَرْض فقد غاط وَمن بواطن الأَرْض المنبتة الْغِيطَان الْوَاحِد مِنْهَا غَائِط وَزَعَمُوا أَن الْغَائِط رُبمَا كَانَ فرسخا وَالْغَائِط اسْم للعذرة نَفسهَا لأَنهم كَانُوا يلقونها بالغيطان وَقيل لأَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا ذَلِك أَتَوا الْغَائِط وتغوط الرجل كِنَايَة عَن الخرأة والغوط أغمض من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي الصِّحَاح وَجمع الْغَائِط غوط وَفِي الْمُخَصّص الْغَائِط أَصله المطمئن من الأَرْض وسمى المتوضأ غائطا لأَنهم كَانُوا يأتونه لقَضَاء الْحَاجة ثمَّ سمى الشَّيْء بِعَيْنِه غائطا وَقِرَاءَة الزُّهْرِيّ (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الغيط) مُخَفّفَة الْيَاء وَأَصله الغوط وَقيل لكل من قضى حَاجته قد أَتَى الْغَائِط يكنى بِهِ عَن الْعذرَة وَقَالَ الْخطابِيّ أَصله المطمئن من الأَرْض كَانُوا يأتونه للْحَاجة فكنوا بِهِ عَن نفس الْحَدث كَرَاهَة لذكره بخاص اسْمه وَمن عَادَة الْعَرَب التعفف فِي ألفاظها وَاسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِي كَلَامهَا وصون الْأَلْسِنَة عَمَّا تصان الْأَبْصَار والأسماع عَنهُ قلت الْحَاصِل أَنه اسْتعْمل للْخَارِج وَغلب على الْحَقِيقَة الوضعية فَصَارَ حَقِيقَة عرفية لَكِن لَا يقْصد بِهِ إِلَّا الْخَارِج من الدبر فَقَط للتفرقة فِي الحَدِيث بَينهمَا فِي قَوْله بغائط أَو بَوْل وَقد يقْصد بِهِ مَا يخرج من الْقبل أَيْضا فَإِن الحكم عَام وَفِي الْعباب غاط فِي الشَّيْء يغوط ويغيط غوطا وغيطا دخل فِيهِ يُقَال هَذَا رمل تغوط فِيهِ الْأَقْدَام وتغيط والغوط وَالْغَائِط المطمئن من الأَرْض الْوَاسِع. وَقَالَ ابْن دُرَيْد الغوط أَشد انحطاطا من الْغَائِط وَأبْعد وَفِي قصَّة نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام انسدت ينابيع الغوط الْأَكْبَر وأبواب السَّمَاء وَالْجمع غوط وأغواط وغياط صَارَت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا وَالْغَائِط أَيْضا الغوط من الأَرْض والغوطة الوهدة فِي الأَرْض المطمئنة والتركيب يدل على اطمئنان وغور قَوْله إِلَّا عِنْد الْبناء اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على الِاسْتِثْنَاء الَّذِي ذكره ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِمَا حَاصله أَنه أَرَادَ بالغائط مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ لَا مَعْنَاهُ الْعرفِيّ فَحِينَئِذٍ يَصح اسْتثِْنَاء الْأَبْنِيَة مِنْهُ وَقَالَ بَعضهم هَذَا قوي الْأَجْوِبَة قلت لَيْسَ كَذَلِك لأَنهم لما استعملوه للْخَارِج وَغلب هَذَا الْمَعْنى على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ صَار حَقِيقَة عرفية غلبت على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة فهجرت حَقِيقَته اللُّغَوِيَّة فَكيف ترَاد بعد ذَلِك وَقَالَ ابْن بطال هَذَا الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ مأخوذا من الحَدِيث وَلَكِن لما علم من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا اسْتثِْنَاء الْبيُوت بوب بِهِ لِأَن حَدِيثه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كُله كَأَنَّهُ شَيْء وَاحِد وَإِن اخْتلفت طرقه كَمَا أَن الْقُرْآن كُله كالآية الْوَاحِدَة وَإِن كثر وَتَبعهُ ابْن الْمُنِير فِي شَرحه وَاسْتَحْسنهُ بعض الشَّارِحين قلت فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الْبَاب عقيب حَدِيث أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي
يحْتَمل أَن يكون أَي الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور مأخوذا من هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي أَيُّوب إِذْ لفظ الْغَائِط مشْعر بِأَن الحَدِيث ورد فِي شَأْن الصحارى إِذْ الاطمئنان أَي الانخفاض والارتفاع إِنَّمَا يكون فِي الْأَرَاضِي الصحراوية لَا فِي الْأَبْنِيَة قلت الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب وَقَالَ ابْن الْمُنِير أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الفضاء وَأما الْجِدَار والأبنية فَإِنَّهَا إِذا اسْتقْبلت أضيف إِلَيْهَا الِاسْتِقْبَال عرفا قلت كل من توجه إِلَى نَحْو الْكَعْبَة يُطلق عَلَيْهِ أَنه مُسْتَقْبل الْكَعْبَة سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْأَبْنِيَة فَإِن كَانَ فِي الْأَبْنِيَة فالحائل بَينه وَبَين الْقبْلَة هُوَ الْأَبْنِيَة وَإِن كَانَ فِي الصَّحرَاء فَهُوَ الْجبَال والتلال وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَن الحَدِيث عِنْده عَام مَخْصُوص وَعَلِيهِ يُوَجه الِاسْتِثْنَاء قَوْله جِدَار بِالْجَرِّ بدل من الْبناء قَوْله أَو نَحوه أَي نَحْو الْجِدَار كالأحجار الْكِبَار والسواري والأساطين وَنَحْو ذَلِك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَو غَيره وهما متقاربان. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر
١٠ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يولها ظَهره شرقوا أَو غربوا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الْمُسْتَثْنى مِنْهَا ظَاهِرَة وَلَيْسَ لَهُ مُطَابقَة للمستثنى على مَا ذكرنَا وَمَا يطابقه هُوَ حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ الْآن عَن ابْن بطال فَمن هَذَا قَالَ صَاحب التَّلْوِيح فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على عكس مَا قَالَه البُخَارِيّ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَاوِي الحَدِيث فهم مِنْهُ غير مَا ذكره البُخَارِيّ وَهُوَ تَعْمِيم النَّهْي والتسوية فِي ذَلِك بَين الصَّحَارِي والأبنية بَين ذَلِك بقوله فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة فَكُنَّا ننحرف عَنْهَا ونستغفر الله تَعَالَى وَفِي حَدِيث مَالك قَالَ أَبُو أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض بنيت قبل الْكَعْبَة فننحرف ونستغفر الله تَعَالَى وَعَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء سَمِعت أَبَا أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَفِي حَدِيث مَالك للنسائي عَن أبي أَيُّوب أَنه قَالَ وَالله مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهَذِهِ الكرابيس وَقد قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الحَدِيث (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول آدم ابْن أبي إِيَاس وَقد تكَرر ذكره الثَّانِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب هِشَام الْمدنِي العامري وَقد مر الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَبُو يزِيد عَطاء بن يزِيد من الزِّيَادَة اللَّيْثِيّ ثمَّ الجندعي بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة الْمدنِي وَيُقَال الشَّامي التَّابِعِيّ لِأَنَّهُ سكن رَملَة الشَّام مَاتَ سنة سبع وَقيل خمس وَمِائَة عَن اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة الْخَامِس أَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف بن غنم الْأنْصَارِيّ النجاري شهد بَدْرًا والعقبة الثَّانِيَة وَعَلِيهِ نزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قدم الْمَدِينَة شهرا وَهُوَ من نجباء الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم روى لَهُ مائَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حروبه مَاتَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ غازيا سنة خمسين وَذَلِكَ مَعَ يزِيد بن مُعَاوِيَة خرج مَعَه فَمَرض فَلَمَّا ثقل عَلَيْهِ الْمَرَض قَالَ لأَصْحَابه إِذا أَنا مت فاحملوني فَإِذا صافقتم الْعَدو فادفنوني تَحت أقدامكم فَفَعَلُوا فقبره قريب من سورها مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم مُعظم فيستسقون بِهِ فيسقون وَأَبُو أَيُّوب فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة هَذَا أَجلهم وثانيهم يماني لَهُ رِوَايَة وثالثهم روى لَهُ عَن عَليّ بن مسْهر عَن الأفريقي عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب فَلَعَلَّهُ الأول وَأَيوب يشْتَبه بأثوب بِسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَهُوَ أثوب بن عتبَة صَحَابِيّ روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الديك الْأَبْيَض خليلي إِسْنَاده لَا يثبت رَوَاهُ عبد الْبَاقِي بن قَانِع حَدثنَا حُسَيْن حَدثنَا عَليّ بن بَحر حَدثنَا ملاذ بن عَمْرو عَن هَارُون بن نجيد عَن جَابر عَن أثوب بن عتبَة قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والْحَارث ابْن أثوب تَابِعِيّ قَالَه عبد الْغَنِيّ وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَالصَّوَاب ثوب بِضَم الثَّاء وَفتح الْوَاو وأثوب بن أَزْهَر زوج قيلة بنت مخرمَة الصحابية رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَمِنْهَا أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا آدم فَإِنَّهُ أَيْضا دخل إِلَيْهَا
وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير وَأَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن مُسَدّد وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه (بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب) قَوْله إِذا أَتَى من الْإِتْيَان وَهُوَ الْمَجِيء وَقد أتيه أَتَيَا وأتوتة وأتوة لُغَة فِيهِ وَكلمَة إِذا للشّرط وَلِهَذَا دخلت الْفَاء فِي جوابها وَهُوَ قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة قَوْله الْغَائِط مَنْصُوب بقوله أَتَى قَوْله فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يكون نهيا فَتكون اللَّام مَكْسُورَة لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ وَالْآخر أَن يكون نفيا فَتكون اللَّام مَضْمُومَة قَوْله وَلَا يولها نهى وَلِهَذَا حذفت مِنْهُ الْيَاء وَأَصله وَلَا يوليها من ولاه الشَّيْء إِذا استقبله وَفِي الْمطَالع وَقد يكون التولي بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال {فأينما توَلّوا فثم وَجه الله} أَي توَلّوا وُجُوهكُم وَالْهَاء مَفْعُوله الأول وظهره مَفْعُوله الثَّانِي وَهُوَ يَسْتَدْعِي مفعولين وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلكُل وجهة هُوَ موليها} أَي موليها وَجهه فَحذف أحد المفعولين وَقَالَ الْجَوْهَرِي {وَلكُل وجهة هُوَ موليها} أَي يستقبلها بِوَجْهِهِ وَهَهُنَا أَيْضا الْمَعْنى لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة بظهره وَحَاصِل الْمَعْنى لَا يستدبر الْقبْلَة بظهره أَو لَا يَجْعَلهَا مُقَابل ظَهره قَوْله شرقوا جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَكَذَلِكَ أَو غربوا من التَّشْرِيق وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمشرق والتغريب وَهُوَ الْأَخْذ فِي نَاحيَة الْمغرب. يُقَال شتان بَين مشرق ومغرب (بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ تَقْيِيد الْفِعْل بِالشّرطِ وَقد علم الْفرق بَين تَقْيِيده بِأَن وَبَين تَقْيِيده بإذا بِأَن أصل أَن عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط وأصل إِذا الْجَزْم بِوُقُوعِهِ وَغلب لفظ الْمَاضِي بإذا على الْمُسْتَقْبل لِأَن لفظ الْمَاضِي أنسب إِلَى مَدْلُول إِذا من لفظ الْمُسْتَقْبل لكَون الْمَاضِي أقرب إِلَى الْقطع بالوقوع من الْمُسْتَقْبل نظرا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى فَإِنَّهُ يدل على الِاسْتِقْبَال لوُقُوعه فِي سِيَاق الشَّرْط وَفِيه أسلوب الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَإِذا وَقع الْكَلَام على أساليب مُخْتَلفَة يزْدَاد رونقا وبهجة وحسنا سِيمَا هُوَ من كَلَام أفْصح النَّاس وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله شرقوا أَو غربوا خطاب لأهل الْمَدِينَة وَلمن كَانَت قبلته على ذَلِك السمت وَأما من قبلته إِلَى جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ لَا يشرق وَلَا يغرب وَقَالَ الدَّاودِيّ اخْتلف فِي قَوْله شرقوا أَو غربوا فَقيل إِنَّمَا ذَلِك فِي الْمَدِينَة وَمَا أشبههَا كَأَهل الشَّام واليمن وَأما من كَانَت قبلته من جِهَة الْمشرق أَو الْمغرب فَإِنَّهُ يتيامن أَو يتشاءم وَقَالَ بَعضهم الْبَيْت قبْلَة لمن فِي الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد قبْلَة لأهل مَكَّة وَمَكَّة قبْلَة لأهل الْحرم وَالْحرم قبْلَة لسَائِر أهل الأَرْض وَقَالُوا فِي قَوْله مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة فِيمَا يُحَاذِي الْكَعْبَة أَنه يُصَلِّي إِلَيْهِ من الْجِهَتَيْنِ وَلَا يشرق وَلَا يغرب يُحَاذِي كل طَائِفَة الْأُخْرَى فِي هَذَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كرم الْبَيْت وَجعله مصلى يصلى إِلَيْهِ من كل جِهَة (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول احْتج أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على عدم جَوَاز اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها بالبول وَالْغَائِط سَوَاء كَانَ فِي الصَّحرَاء أَو فِي الْبُنيان أخذا فِي ذَلِك بِعُمُوم الحَدِيث هُوَ مَذْهَب مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي ثَوْر وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَذْهَب الرَّاوِي أَيْضا وَهُوَ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان فالجواز فِي الْبُنيان إِن كَانَ لوُجُود الْحَائِل فَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء فِي الْبِلَاد النائية لِأَن بَينهَا وَبَين الْكَعْبَة جبالا وأودية وَغير ذَلِك لَا سِيمَا عِنْد من يَقُول بكروية الأَرْض فَإِنَّهُ لَا موازاة إِذْ ذَاك بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا ورد من قَول الشّعبِيّ أَنه علل ذَلِك بِأَن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم وَأَنه لَا يُوجد فِي الْأَبْنِيَة فَهُوَ تَعْلِيل فِي مُقَابلَة النَّص وَلَهُم فِي ذَلِك أَحَادِيث أُخْرَى كلهَا عَامَّة فِي النَّهْي مِنْهَا حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء أَنا أول من سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا يبولن أحدكُم مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَنا أول من حدث النَّاس بذلك فَإِن قلت قَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول قلت لَا الْتِفَات إِلَى قَوْله هَذَا فَإِن ابْن حبَان قد صَححهُ. وَمِنْهَا
حَدِيث معقل بن أبي معقل نهى رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن تسْتَقْبل الْقبْلَتَيْنِ ببول أَو غَائِط أخرجه ابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَأَرَادَ بالقبلتين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس وَيحْتَمل أَن يكون على معنى الاحترام لبيت الْمُقَدّس إِذْ كَانَ مرّة قبْلَة لنا وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك من أجل استدبار الْكَعْبَة لِأَن من استقبله فقد استدبر الْكَعْبَة وَمِنْهَا حَدِيث سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لقد نَهَانَا أَن نستقبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل الحَدِيث أخرجه مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد أعلمكُم فَإِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَإِن قلت حَدِيث أبي أَيُّوب فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة عَن أبي أَيُّوب وَقيل عَن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن رجل عَن أبي أَيُّوب وَرَوَاهُ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة عَن الزُّهْرِيّ عَن رجلَيْنِ لم يسمهما عَن أبي أَيُّوب وأرسله نَافِع بن عمر الجُمَحِي عَن الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت رَوَاهُ عَن أبي أَيُّوب جمَاعَة مِنْهُم رَافع بن إِسْحَق وَعمر بن ثَابت وَأَبُو الْأَحْوَص وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن حَارِثَة وَعَن الزُّهْرِيّ ابْن أبي ذِئْب وَمعمر وَيُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ والنعمان بن رَاشد وَسليمَان بن كثير وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَق وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَيزِيد بن أبي حبيب وَعقيل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْقَوْل قَول ابْن أبي ذِئْب وَمن تَابعه وَفِي مُسْند الْحميدِي تَصْرِيح الزُّهْرِيّ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من عَطاء وَعَطَاء من أبي أَيُّوب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ثمَّ اعْلَم أَن حَاصِل مَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك أَرْبَعَة مَذَاهِب. أَحدهَا الْمَنْع الْمُطلق وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِي الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ قَول عُرْوَة بن الزبير وَرَبِيعَة الرَّأْي وَدَاوُد وَرَأى أَي هَؤُلَاءِ أَن حَدِيث أبي أَيُّوب مَنْسُوخ وَزَعَمُوا أَن ناسخه حَدِيث مُجَاهِد عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نَهَانَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن نستقبل الْقبْلَة أَو نستدبرها ببول ثمَّ رَأَيْته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَزعم أَنه صَحِيح على شَرط مُسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب قلت قَول الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم غير صَحِيح لِأَن أبان رَاوِيه عَن مُجَاهِد عَن جَابر لم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا والْحَدِيث حَدِيثه وَعَلِيهِ يَدُور نعم صَححهُ البُخَارِيّ فِيمَا سَأَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فَقَالَ حَدِيث صَحِيح ذكره فِي الخلافيات للبيهقي وتقريب المدارك فِي الْكَلَام على موطأ مَالك فَإِن قلت قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث ضَعِيف لِأَنَّهُ رَوَاهُ أبان بن صَالح وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُور قلت هَذَا مَرْدُود بتصحيح البُخَارِيّ وَغَيره وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَيَعْقُوب بن شيبَة وَالْعجلِي أبان بن صَالح ثِقَة وَقَالَ النَّسَائِيّ كَانَ حَاكما بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بِهِ بَأْس فَأَي شهرة أرفع من هَذِه وَقَالَ الْبَزَّار هَذَا حَدِيث لَا نعرفه ويروى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد فَإِن قلت قَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد رد أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ هَذَا وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح فيعرج عَلَيْهِ لِأَن أبان ضَعِيف قلت إِن أَرَادَ بقوله رده أَحْمد الْعَمَل بِهِ فمحتمل وَإِن أَرَادَ بِهِ الرَّد الصناعي فَغير مُسلم لثُبُوته فِي مُسْنده لم يضْرب عَلَيْهِ كعادته فِيمَا لَيْسَ بِصَحِيح عِنْده أَو مَرْدُود على مَا بَينه الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي خَصَائِص مُسْنده وَأما تَضْعِيفه الحَدِيث بِأَبَان فَغير موجه لثُبُوت توثيقه من الْجَمَاعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ وَأما قَول التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب فَهُوَ وَإِن كَانَ جمعا بَين الضدين بِحَسب الظَّاهِر وَلكنه لَعَلَّه أَرَادَ تفرد بعض رُوَاته وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن أبان هُوَ الْمُنْفَرد بِهِ فِيمَا أرى وَالله أعلم. وَأما دَعْوَى النّسخ الْمَذْكُور فَلَيْسَتْ بظاهرة بل هُوَ اسْتِدْلَال ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْجمع وَهُوَ مُمكن كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن حَدِيث جَابر مَحْمُول على أَنه رَآهُ فِي بِنَاء أَو نَحوه لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَعْهُود من حَال النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لمبالغته فِي التستر. الْمَذْهَب الثَّالِث أَنه لَا يجوز الِاسْتِقْبَال فِي الْأَبْنِيَة والصحراء وَيجوز الاستدبار فيهمَا وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع أَنه يحرم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء دون الْبُنيان وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا الْآتِي ذكره عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَشْهُورَة عَن الْعلمَاء وَلم يذكر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمَذْهَب غَيرهَا وَكَذَلِكَ عَامَّة شرَّاح البُخَارِيّ وَهَهُنَا ثَلَاثَة مَذَاهِب أُخْرَى. مِنْهَا جَوَاز الاستدبار