الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٢
الحديث رقم ١٤٤٢ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى فأما من أعطى واتقى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحْدَهُ، وَلَفْظُ الْأَعْمَشِ: إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. وَلَفْظُ مَنْصُورٍ: إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ.
إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كُتِبَ لَهَا أَجْرٌ وَلِزَوْجِهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا، لِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَائِشَةَ، لَيْسَ فِيهِ مَسْرُوقٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَ: إِنَّ رِوَايَةَ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ بِذِكْرِ مَسْرُوقٍ فِيهِ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (وَلَهُ مِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ أَجْرِهَا (وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَسَاوِيَهُمْ فِي الْأَجْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ حُصُولَ الْأَجْرِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ أَجْرُ الْكَاسِبِ أَوْفَرَ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ: فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ يُشْعِرُ بِالتَّسَاوِي، وَقَدْ سَبَقَ قَبْلُ بِسِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ. وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُسَاهَمَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْأَجْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مُسَاوَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْأَمَانَةِ، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ، وَطِيبُ النَّفْسِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
٢٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الْآيَةَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ أَبْوَابِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ لِيُفْهَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْخَاصَّ بِهَا التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَأنَّ ذَلِكَ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ فِي الْعَاجِلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّوَابِ الْآجِلِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَةِ وَحَذْفُ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ، وَهُوَ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِلْحُسْنَى، أَيْ: تَيْسِيرُ الْحُسْنَى لَهُ إِعْطَاءُ الْخَلَفِ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَعْطَى مِمَّا عِنْدَهُ وَاتَّقَى رَبَّهُ، وَصَدَّقَ بِالْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ حَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَقْوَالًا أُخْرَى قَالَ: وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْعَصْرِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لِلْعُسْرَى﴾ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ آخِرِهِ. وقَوْلُهُ: مُنْفِقَ مَالٍ؛ بِالْإِضَافَةِ. وَلِبَعْضِهِمْ: مُنْفِقًا مَالًا خَلَفًا، وَمَالًا مَفْعُولُ مُنْفِقَ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ وَلَوْلَاهَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَعْطَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لِلْحَضِّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ، فَنَاسَبَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سنهيِّئه في الدُّنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾) للخُلَّة التي توصله إلى اليسر والرَّاحة في الآخرة، يعني: للأعمال الصَّالحة المسبِّبة لدخول الجنَّة (﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾) بما أُمِرَ به من الإنفاق في الخيرات (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) بالدُّنيا عن العقبى (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) في الدُّنيا (﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) الآيات للخلَّة المؤدِّية إلى الشِّدَّة (١) في الآخرة، وهي الأعمال السَّيِّئة المسبِّبة لدخول النَّار (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا) بجرِ «مالٍ» على الإضافة، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» «منفقًا مالًا خلفًا» بنصب «مالًا»، مفعول: «منفق» بدليل رواية الإضافة، إذ لولاها لاحتمل أن يكون مفعولَ «أعط»، والأوَّل أَوْلى من جهةٍ أخرى، وهي أنَّ سياق الحديث للحضِّ على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعولَ «منفق» (٢)، وأمَّا الخلف فإبهامه أَوْلى؛ ليتناول المال والثَّواب، فكم من منفق مالٍ قلَّ أن يقع له الخُلْفُ الماليُّ، فيكون خُلْفَه الثَّوابُ (٣) المُعَدُّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السُّوء ما يقابل ذلك، قاله في «فتح الباري (٤)»، وهمزة «أَعطِ» قطعٌ، والجملة عطفٌ على «قول الله» بحذف حرف العطف، ذكره على سبيل البيان لـ «لحسنى»، فكأنَّه يشير إلى أنَّ قول الله تعالى مُبيَّنٌ بالحديث، يعني: تيسير اليسرى له إعطاء الخُلْف له، قاله الكِرمانيُّ.
١٤٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ، اسمه عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة (٥) وكسر الرَّاء المُشدَّدة، آخره دالٌ مهملتين، واسمه عبد الرَّحمن (عَنْ) عمِّه (أَبِي الحُبَابِ)
بضمِّ الحاء المهملة وبمُوحَّدتين بينهما ألفٌ، مُخفَّفًا (١)، سعيد بن يسارٍ، ضدَّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ) ينزل فيه أحدٌ (إِلَّا مَلَكَانِ) فـ «ما» بمعنى: ليس، و «يومٍ» اسمه، و «من» زائدةٌ، و «يصبح العباد» صفةُ «يومٍ»، و «ملكان» مستثنى من محذوفٌ، هو خبر «ما» أي: ليس يومٌ موصوفٌ بهذا الوصف ينزل فيه أحدٌ إلَّا ملكان-كما مرَّ- فحُذِف المُستثنَى منه، ودلَّ عليه بوصف الملكين (يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع همزة «أَعطِ» (مُنْفِقًا) مالَه في طاعتك (خَلَفًا) بفتح اللَّام، أي: عوضًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله: «ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك» [خ¦٥٣٥٢] (وَيَقُولُ) الملك (الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) زاد ابن أبي حاتمٍ من طريق قتادة عن أبي الدَّرداء: فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وقوله: «اللَّهم أعط ممسكًا تلفًا» هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ التَّلف ليس بعطيَّةٍ، وظاهره -كما قال (٢) القرطبيُّ- يعمُّ الواجبات والمندوبات، لكنَّ الممسك عن المندوبات لا يستحقُّ الدُّعاء بالتَّلف، نعم إذا غلب عليه البخل المذموم؛ بحيث لا تطيب نفسه بإخراج ما أُمِرَ به إذا أخرجه.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وكذا أخرجه من حديث أبي الدَّرداء أحمدُ وابنُ حبَّان في «صحيحه»، والحاكم وصحَّحه (٣)، والبيهقيُّ من طريق الحاكم بلفظ: «ما من يومٍ طلعت فيه شمسُه إلَّا وكان بجنبتيها (٤) ملكان يناديان نداءً يسمعه ما (٥) خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم، إنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ ممَّا كَثُرَ وألهى، ولا آبَتِ (٦) الشَّمس إلَّا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداءً يسمعه خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: اللَّهمُّ أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا». وأنزل الله في ذلك قرآنًا في
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحْدَهُ، وَلَفْظُ الْأَعْمَشِ: إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. وَلَفْظُ مَنْصُورٍ: إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ.
إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كُتِبَ لَهَا أَجْرٌ وَلِزَوْجِهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا، لِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَائِشَةَ، لَيْسَ فِيهِ مَسْرُوقٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَ: إِنَّ رِوَايَةَ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ بِذِكْرِ مَسْرُوقٍ فِيهِ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (وَلَهُ مِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ أَجْرِهَا (وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَسَاوِيَهُمْ فِي الْأَجْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ حُصُولَ الْأَجْرِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ أَجْرُ الْكَاسِبِ أَوْفَرَ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ: فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ يُشْعِرُ بِالتَّسَاوِي، وَقَدْ سَبَقَ قَبْلُ بِسِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ. وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُسَاهَمَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْأَجْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مُسَاوَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْأَمَانَةِ، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ، وَطِيبُ النَّفْسِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
٢٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الْآيَةَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ أَبْوَابِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ لِيُفْهَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْخَاصَّ بِهَا التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَأنَّ ذَلِكَ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ فِي الْعَاجِلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّوَابِ الْآجِلِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَةِ وَحَذْفُ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ، وَهُوَ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِلْحُسْنَى، أَيْ: تَيْسِيرُ الْحُسْنَى لَهُ إِعْطَاءُ الْخَلَفِ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَعْطَى مِمَّا عِنْدَهُ وَاتَّقَى رَبَّهُ، وَصَدَّقَ بِالْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ حَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَقْوَالًا أُخْرَى قَالَ: وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْعَصْرِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لِلْعُسْرَى﴾ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ آخِرِهِ. وقَوْلُهُ: مُنْفِقَ مَالٍ؛ بِالْإِضَافَةِ. وَلِبَعْضِهِمْ: مُنْفِقًا مَالًا خَلَفًا، وَمَالًا مَفْعُولُ مُنْفِقَ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ وَلَوْلَاهَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَعْطَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لِلْحَضِّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ، فَنَاسَبَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سنهيِّئه في الدُّنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾) للخُلَّة التي توصله إلى اليسر والرَّاحة في الآخرة، يعني: للأعمال الصَّالحة المسبِّبة لدخول الجنَّة (﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾) بما أُمِرَ به من الإنفاق في الخيرات (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) بالدُّنيا عن العقبى (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) في الدُّنيا (﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) الآيات للخلَّة المؤدِّية إلى الشِّدَّة (١) في الآخرة، وهي الأعمال السَّيِّئة المسبِّبة لدخول النَّار (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا) بجرِ «مالٍ» على الإضافة، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» «منفقًا مالًا خلفًا» بنصب «مالًا»، مفعول: «منفق» بدليل رواية الإضافة، إذ لولاها لاحتمل أن يكون مفعولَ «أعط»، والأوَّل أَوْلى من جهةٍ أخرى، وهي أنَّ سياق الحديث للحضِّ على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعولَ «منفق» (٢)، وأمَّا الخلف فإبهامه أَوْلى؛ ليتناول المال والثَّواب، فكم من منفق مالٍ قلَّ أن يقع له الخُلْفُ الماليُّ، فيكون خُلْفَه الثَّوابُ (٣) المُعَدُّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السُّوء ما يقابل ذلك، قاله في «فتح الباري (٤)»، وهمزة «أَعطِ» قطعٌ، والجملة عطفٌ على «قول الله» بحذف حرف العطف، ذكره على سبيل البيان لـ «لحسنى»، فكأنَّه يشير إلى أنَّ قول الله تعالى مُبيَّنٌ بالحديث، يعني: تيسير اليسرى له إعطاء الخُلْف له، قاله الكِرمانيُّ.
١٤٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ، اسمه عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة (٥) وكسر الرَّاء المُشدَّدة، آخره دالٌ مهملتين، واسمه عبد الرَّحمن (عَنْ) عمِّه (أَبِي الحُبَابِ)
بضمِّ الحاء المهملة وبمُوحَّدتين بينهما ألفٌ، مُخفَّفًا (١)، سعيد بن يسارٍ، ضدَّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ) ينزل فيه أحدٌ (إِلَّا مَلَكَانِ) فـ «ما» بمعنى: ليس، و «يومٍ» اسمه، و «من» زائدةٌ، و «يصبح العباد» صفةُ «يومٍ»، و «ملكان» مستثنى من محذوفٌ، هو خبر «ما» أي: ليس يومٌ موصوفٌ بهذا الوصف ينزل فيه أحدٌ إلَّا ملكان-كما مرَّ- فحُذِف المُستثنَى منه، ودلَّ عليه بوصف الملكين (يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع همزة «أَعطِ» (مُنْفِقًا) مالَه في طاعتك (خَلَفًا) بفتح اللَّام، أي: عوضًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله: «ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك» [خ¦٥٣٥٢] (وَيَقُولُ) الملك (الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) زاد ابن أبي حاتمٍ من طريق قتادة عن أبي الدَّرداء: فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وقوله: «اللَّهم أعط ممسكًا تلفًا» هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ التَّلف ليس بعطيَّةٍ، وظاهره -كما قال (٢) القرطبيُّ- يعمُّ الواجبات والمندوبات، لكنَّ الممسك عن المندوبات لا يستحقُّ الدُّعاء بالتَّلف، نعم إذا غلب عليه البخل المذموم؛ بحيث لا تطيب نفسه بإخراج ما أُمِرَ به إذا أخرجه.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وكذا أخرجه من حديث أبي الدَّرداء أحمدُ وابنُ حبَّان في «صحيحه»، والحاكم وصحَّحه (٣)، والبيهقيُّ من طريق الحاكم بلفظ: «ما من يومٍ طلعت فيه شمسُه إلَّا وكان بجنبتيها (٤) ملكان يناديان نداءً يسمعه ما (٥) خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم، إنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ ممَّا كَثُرَ وألهى، ولا آبَتِ (٦) الشَّمس إلَّا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداءً يسمعه خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: اللَّهمُّ أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا». وأنزل الله في ذلك قرآنًا في