«مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٣

الحديث رقم ١٤٤٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مثل المتصدق والبخيل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما…

«مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ»

١٤٤٣ (م) - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ: فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ: فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ». تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الْجُبَّتَيْنِ.

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

سند حديث: ١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا…

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما…

ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للبخيل والمنفق، وصفهما برجلين على كل واحد منهما درع يستره ويقيه من الثدي إلى الترقوة -وهي العظم الذي في أعلى الصدر-، فأمَّا المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجر وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطواته، وأمَّا البخيل فكرجل ضاق عليه درعه حتى غُلت يده إلى عنقه كلما أراد توسيعها اجتمعت ولزمت ترقوته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قيام التمثيل مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل.
  • الصدقة تكفر الخطايا.
  • بشارة المتصدق الكريم بحصول البركة والعون والستر والحفظ من البلاء بعون الله -تعالى-.
  • الكريم إذا هم بالصدقة انشرح لها صدره وطابت نفسه وعكسه البخيل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَام هُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَلَكَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ. وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ: النَّاحِيَةُ. وَقَوْلُهُ: خَلَفًا؛ أَيْ: عِوَضًا.

قَوْلُهُ: (أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ. وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٨ - بَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ.

[الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤ - ٢٩١٧، ٥٢٦٩، ٥٧٩٧]

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَامَ التَّمْثِيلُ فِي خَبَرِ الْبَابِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ، فَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُضَمِّنَ التَّرْجَمَةَ مَقَاصِدَ الْخَبَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَابْنُ طَاوُسٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِلَهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ: مِنْ حَدِيدٍ، وَالْجُنَّةُ فِي الْأَصْلِ الْحِصْنُ، وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْعُ لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبَهَا أَيْ: تُحَصِّنُهُ، وَالْجُبَّةُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا مَانِعَ مِنَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ ثُدَيِّهِمَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَدْيٍ، وَ (تَرَاقِيهِمَا) بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَبَغَتْ) أَيْ: امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ وَفَرَتْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنَ الْوُفُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: انْبَسَطَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ) أَيْ: تَسْتُرُ أَصَابِعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: حَتَّى تُجِنَّ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي، وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، وَبَنَانُهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ: الْإِصْبَعُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: ثِيَابُهُ بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَتَّى تُغَشِّيَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَعْفُو أَثَرَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ: تَسْتُرُ أَثَرَهُ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ: عَفَتِ الدَّارُ إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ الَّذِي يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (لَزِقَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: انْقَبَضَتْ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: غَاصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَلَصَتْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُفَادُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَةِ الضِّيقِ وَالْأَخِيرَةِ نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسَهَا، وَالدُّرُوعُ أَوَّلُ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَانُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ؛ أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَجُعِلَ الْبَخِيلُ كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسَهَا اجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَتَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: قَلَصَتْ؛ أَيْ: تَضَامَّتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسُهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قول الملكين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم في سورة يونس: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وأنزل الله في قولهما: «اللَّهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠]»، وقوله: «بجنبتيها»، تثنية: جَنْبةٍ، بفتح الجيم وسكون النُّون، وهي النَّاحية.

(٢٨) (بابُ مَثَلِ (١) المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ) (٢).

١٤٤٣ - ١٤٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم، أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦٢٩١٧] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان -بالمُوحَّدة- من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته اتَّسعت (٤) عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٥): (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ،

عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا (١) بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٤٤] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت (٢)

(-أَوْ وَفَرَتْ-) بتخفيف الفاء (١)، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين، الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ» بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ، كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة (٢) والمُثلَّثة، و «تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة (٣)، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار (٤) إذا درست، وعفاها الرِّيحُ إذا طمسها ودرست (٥)، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها، يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت (٦) جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: «فلا تتَّسع» بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦٥٧٩٧].

(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٧] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق (١) عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.

(٢٩) (باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) أي: من التِّجارة الحلال، كما أخرجه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ومن طيِّبات ما أخرجنا لكم (٣) من الحبوب والثِّمار والمعادن، فحُذِف المضاف لتقدُّم ذكره (إِلَى قَوْلِه: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: غنيٌّ (٤) عن إنفاقكم، وإنَّما يأمركم به لإنفاعكم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ «﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾»، ولم يذكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الزَّاي وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: واسْمه عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، واسْمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين عَم مُعَاوِيَة الْمَذْكُور. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن أَخِيه. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن نصر، وَفِي الْمَلَائِكَة عَن عَبَّاس بن مُحَمَّد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من من يَوْم) ، وَفِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (مَا من يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس إلَاّ وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلَاّ الثقلَيْن: يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم إِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى، وَلَا غربت شمسه إلَاّ وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأَرْض إلَاّ الثقلَيْن: أللهم أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا مَالا تلفا) . رَوَاهُ أَحْمد. قَوْله: (بجنبتيها) تَثْنِيَة: جنبة، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون وَهِي: النَّاحِيَة. قَوْله: (مَا من يَوْم) يَعْنِي: لَيْسَ من يَوْم، وَكلمَة: من، زَائِدَة، و: يَوْم، اسْمه. وَقَوله: (يصبح الْعباد فِيهِ) صفة يَوْم. وَقَوله: (إلَاّ ملكان) مُسْتَثْنى من مُتَعَلق مَحْذُوف، وَهُوَ خبر: مَا، الْمَعْنى: لَيْسَ يَوْم مَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف ينزل فِيهِ أحد إلَاّ ملكان يَقُولَانِ كَيْت وَكَيْت، فَحذف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَدلّ عَلَيْهِ بِوَصْف: الْملكَانِ ينزلان، وَنَظِيره فِي مَجِيء الْمَوْصُوف مَعَ الصّفة بُعد إلَاّ فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ، قَوْلك: مَا أخْبرت مِنْكُم أحدا إلَاّ رَفِيقًا. قَوْله: (خلفا) بِفَتْح اللَّام أَي: عوضا. يُقَال أخلف الله عَلَيْك خلفا أَي: عوضا أَي: أبدلك بِمَا ذهب مِنْك. قَوْله: (أعطِ ممسكا تلفا) التَّعْبِير بِالْعَطِيَّةِ هُنَا من قبيل المشاكلة، لِأَن التّلف لَيْسَ بعطية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه مُوَافق لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه} (سبإ: ٩٣) . وَلقَوْله: (ابْن آدم أنْفق أنْفق عَلَيْك) ، وَهَذَا يعم الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب. وَفِيه: أَن الممسك يسْتَحق تلف مَاله، وَيُرَاد بِهِ الْإِمْسَاك عَن الْوَاجِبَات دون المندوبات، فَإِنَّهُ قد لَا يسْتَحق هَذَا الدُّعَاء، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن يغلب عَلَيْهِ الْبُخْل بهَا، وَإِن قلت فِي نَفسهَا كالحبة واللقمة وَنَحْوهمَا. وَفِيه: الحض على الْإِنْفَاق فِي الْوَاجِبَات كَالنَّفَقَةِ على الْأَهْل وصلَة الرَّحِم، وَيدخل فِيهِ صَدَقَة التَّطَوُّع وَالْفَرْض. وَفِيه: دُعَاء الْمَلَائِكَة، وَمَعْلُوم أَنه مجاب بِدَلِيل قَوْله: (من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) .

٨٢ - (بابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مثل الْمُتَصَدّق والبخيل، وَمثل الْمُتَصَدّق كَلَام إضافي مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مَحْذُوف، حذفه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِذكرِهِ فِي حَدِيث الْبَاب.

٣٤٤١ - حدَّثنا مُوسى اقال حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة جُزْء من الحَدِيث وَهُوَ ظَاهر.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.

قَوْله: (مثل الْبَخِيل والمنفق) ، وَوَقع عِنْد مُسلم من طَرِيق سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد: (مثل الْمُنفق والمتصدق) ، قَالَ عِيَاض: هُوَ وهم، وَيُمكن أَنه حذف مُقَابِله لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقع فِي بَاقِي الرِّوَايَات: مثل الْبَخِيل والمتصدق، وَقد يحْتَمل أَن صِحَة رِوَايَة الْمُنفق والمتصدق أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِير: مثل الْمُنفق والمتصدق وقسيمهما هُوَ الْبَخِيل، وَحذف الْبَخِيل لدلَالَة الْمُنفق والمتصدق عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) . أَي: وَالْبرد، حذف الْبرد لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ. قيل: رَوَاهُ الْحميدِي وَأحمد وَابْن أبي عَمْرو وَغَيرهم فِي مسانيدهم عَن ابْن عُيَيْنَة، فَقَالُوا فِي رواياتهم: (مثل الْمُنفق والبخيل) ، كَمَا فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد، وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْله: والمتصدق)

وَقع فِي بعض الْأُصُول: الْمُتَصَدّق، بِالتَّاءِ وَفِي بَعْضهَا بِحَذْف التَّاء وَتَشْديد الصَّاد، هما صَحِيحَانِ، قَالَه النَّوَوِيّ قلت: وَجه هَذَا أَن التَّاء لَا تحذف بل تقلب صادا، ثمَّ تُدْغَم الصَّاد فِي الصَّاد، وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَاعِدَة. قَوْله: (كَمثل رجلَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة عَمْرو: رجل، بِالْإِفْرَادِ وَكَأَنَّهُ تَغْيِير من بعض الروَاة، وَصَوَابه: رجلَيْنِ. قَوْله: (جبتان) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (كَمثل رجل عَلَيْهِ جبتان أَو جنتان) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما جبتان أَو جنتان فَالْأول بِالْبَاء وَالثَّانِي بالنُّون، وَوَقع فِي بعض الْأُصُول عَكسه، وَقَالَ ابْن قرقول: وَالنُّون أصوب بِلَا شكّ، وَهِي الدرْع، يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث نَفسه: (لزقت كل حَلقَة) ، وَفِي لفظ: (فَأخذت كل حَلقَة موضعهَا) . وَكَذَا قَوْله: (من حَدِيد) . قلت: وَرَوَاهُ حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي عَن طَاوُوس، بالنُّون، كَمَا يَجِيء عَن قريب، ورجحت هَذِه الرِّوَايَة بِمَا قَالَه ابْن قرقول، وَالْجنَّة هِيَ الْحصن فِي الأَصْل، وَسميت بهَا الدرْع لِأَنَّهَا تجن صَاحبهَا أَي: تحصنه، والجبة بِالْبَاء الْمُوَحدَة هِيَ الثَّوْب الْمعِين، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا مَانع من اطلاقه على الدرْع. قلت: الْمَانِع مَوْجُود، لِأَن الْجُبَّة بِالْبَاء لَا تحصن مثل الْجنَّة بالنُّون، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : جنتان، بالنُّون. فِي هَذَا الْموضع بِلَا شكّ، وَلَا اخْتِلَاف. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ الْأَنْسَب، لِأَن الدرْع لَا يُسمى جُبَّة بِالْبَاء بل بالنُّون.

وحدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إلَى تَرَاقِيهِمَا فأمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلَاّ سَبَغَتْ أوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تَخْفِي بَنَانَهُ وَتَعْفُو أثَرَهُ وَأمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئا إلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهْوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

هَذَا طَرِيق آخر أتم من الأول، رَوَاهُ عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون، عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل الْبَخِيل والمنفق) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مثل الْمُنفق والمتصدق كَمثل رجل عَلَيْهِ جنتان أَو جبتان) ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقع فِي هَذَا الحَدِيث أَوْهَام كَثِيرَة من الروَاة تَصْحِيف وتحريف وَتَقْدِيم وَتَأْخِير، فَمِنْهُ: مثل الْمُنفق والمتصدق، وَمِنْه: كَمثل رجل، وَصَوَابه رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان، وَمِنْه قَوْله: (جبتان أَو جنتان) ، بالنُّون بِالشَّكِّ وَالصَّوَاب: جنتان، بالنُّون بِلَا شكّ. قَوْله: (من ثديهما) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الدَّال، كَذَا فِي رِوَايَة أبي الْحسن جمع ثدي، نَحْو الْفُلُوس والفلس، فعلى هَذَا أَصله: ثدوي، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: ثدي، بِضَم الدَّال ثمَّ أبدلت الضمة كسرة لأجل الْيَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيصِح نصب الثَّاء، وَفِي رِوَايَة: ثدييهما، بالتثنية وَفِي (الْمُجْمل) : الثدي، بِالْفَتْح للْمَرْأَة وَالْجمع الثدي، يذكر وَيُؤَنث. وَفِي (الْمُخَصّص) : وَالْجمع أثد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الثدي للرجل وَالْمَرْأَة، وَالْجمع أثد وثدي، على فعول، وثدي بِكَسْر الثَّاء. قَوْله: (إِلَى تراقيهما) جمع ترقوة، وَيُقَال: الترائق أَيْضا على الْقلب، وَقَالَ ثَابت فِي (خلق الْإِنْسَان) : الترقوتان هما العظمان المشرفان فِي أَعلَى الصَّدْر من رَأس الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى طرف ثغرة النَّحْر، وَهِي اللهزمة الَّتِي بَينهمَا. وَفِي (الْمُخَصّص) : هِيَ من رقى يرقى. فَإِن قلت: لِمَ لَا تقلب الْوَاو ألفا؟ قلت: لِئَلَّا يخْتل الْبناء كَمَا فِي سرو، وَفِي (الصِّحَاح) لَا تقل: ترقوة بِالضَّمِّ. قَوْله: (إلَاّ سبغت) أَي: امتدت وغطت، وَقيل: كملت وتمت، وَضَبطه الْأصيلِيّ بِضَم التَّاء وَهُوَ شَيْء لَا يعرف. قَوْله: (أَو وقرت) ، شكّ من الرَّاوِي، من الوفور بِمَعْنى: كملت. وَفِي (التَّلْوِيح) : سبغت أَو مرت على جلد، كَذَا فِي النّسخ: مرت، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقيل صَوَابه، يَعْنِي فِي مُسلم مدت بِالدَّال، بِمَعْنى: سبغت كَمَا فِي الحَدِيث الآخر: (انبسطت) . وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي بعض نسخ البُخَارِيّ: مادت، بدال مُخَفّفَة من ماد إِذا مَال، وَرَوَاهُ بَعضهم: مارت، وَمَعْنَاهُ: سَالَتْ عَلَيْهِ وامتدت. قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ تردّدت وَذَهَبت وَجَاءَت بكمالها. قَوْله: (حَتَّى تجن) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَتَشْديد النُّون، هَذَا فِي رِوَايَة الْحميدِي وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تستر، من أجن إِذا ستر، وَكَذَلِكَ جن بِمَعْنَاهُ: ويروى حق يخفى

وَقَالَ ابْن التِّين رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَان حَتَّى تجربانه وَقَالَ النَّوَوِيّ وَرَوَاهُ بَعضهم يحز بحاء وزاي وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب تجن بجيم وَنون قَوْله (بنانه) أَي أَصَابِعه وَهُوَ رِوَايَة الْجُمْهُور كَمَا فِي الحَدِيث الآخر أنامله ويروى ثِيَابه بثاء مُثَلّثَة وَهُوَ وهموقد وَقع فِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم حَتَّى تغشى بالغين والشين المعجمتين قَوْله (وتعفوا أَثَره) أَي يمحوا أَثَره وَهُوَ يَجِيء لَازِما ومتعدياً فَهُنَا مُتَعَدٍّ لِأَنَّهُ نصب أَثَره وأثره بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء مَعْنَاهُ تمحو أثر مَشْيه بسبوغها وكمالها وَقَالَ الدَّاودِيّ بعفى أثر صَاحبه إِذا مَشى بمرور الذيل عَلَيْهِ لِأَن الْمُنفق إِذا أنْفق طَال ذَلِك اللبَاس الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى يجره بِالْأَرْضِ قَوْله (لزقت) أَي التصقت وَفِي رِوَايَة مُسلم (انقبضت) وَفِي رِوَايَة همام (عضت كل حَلقَة مَكَانهَا) وي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد مُسلم (قلصت) وَكَذَا فِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم عِنْد البُخَارِيّ وَزعم ابْن التِّين أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْبَخِيل يكوى بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة قَوْله (فَهُوَ يوسعها وَلَا تتسع) وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة (فَهُوَ يوسعها وَلَا يَتَّسِع) (فَإِن قلت) هَذَا يَوْم أَنه مدرج (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَقد وَقع التَّصْرِيح بِرَفْع هَذِه الْجُمْلَة فِي طَرِيق طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي رِوَايَة ابْن طَاوُوس عِنْد البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد فَسمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (فيجتهدان يوسعها وَلَا تتسع) وَفِي رِوَايَة لمُسلم (فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكره وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم عِنْدهَا (فَأَنا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول بإصبعه هَكَذَا فِي جيبه فَلَو رَأَيْته يوسعها وَلَا تتسع وَعند أَحْمد من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن أبي الزِّنَاد فِي هَذَا الحَدِيث وَأما الْبَخِيل فَإِنَّهَا لَا تزداد عَلَيْهِ إِلَّا استحكاماً وَهَذَا بِالْمَعْنَى وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا مثل ضربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للجواد الْبَخِيل شبهما برجلَيْن أَرَادَ كل مِنْهُمَا أَن يلبس درعا يستجن بهَا والدرع أول مَا يلبس إِنَّمَا يَقع على مَوضِع الصَّدْر والثديين إِلَى أَن يسْلك لَابسهَا يَدَيْهِ فِي كميه، وَيُرْسل ذيلها على أَسْفَل بدنه فيستمر سفلاً، فَجعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الْمُنفق مثل من لبس درعا سابغة فاسترسلت عَلَيْهِ حَتَّى سترت جَمِيع بدنه وخصته، وَجعل الْبَخِيل كَرجل يَدَاهُ مغلولتان مَا بَين دون صَدره فَإِذا أَرَادَ لبس الدرْع حَالَتْ يَدَاهُ بَينهَا وَبَين أَن تمر سفلاً على الْبدن، وَاجْتمعت فِي عُنُقه فلزمت ترقوته، فَكَانَت ثقلاً ووبالاً عَلَيْهِ من غير وقاية لَهُ وتحصين لبدنه، وَحَاصِله أَن الْجواد إِذا هم بِالنَّفَقَةِ اتَّسع لذَلِك صَدره وطاوعت يَدَاهُ فامتدتا بالعطاء، وَأَن الْبَخِيل يضيق صَدره وتنقبض يَده عَن الْإِنْفَاق. وَقيل: ضرب الْمثل بهما لِأَن الْمُنفق يستره الله بِنَفَقَتِهِ وَيسْتر عوراته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كستر هَذِه الْجُبَّة لَابسهَا، والبخيل كمن لبس جُبَّة إِلَى ثدييه فَيبقى مكشوفا ظَاهر الْعَوْرَة مفتضحا فِي الدَّاريْنِ. وَقَالَ ابْن بطال: يُرِيد أَن الْمُنفق إِذا أنْفق كفرت الصَّدَقَة ذنُوبه ومحتها، كَمَا أَن الْجُبَّة إِذا أسبغت عَلَيْهِ سترته وَوَقته، والبخيل لَا تطاوعه نَفسه على الْبَذْل فَيبقى غير مكفر عَنهُ الآثام، كَمَا أَن الْجُبَّة تبقي من بدنه مَا لَا تستره، فَيكون معرض الْآفَات. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: شبه السخي إِذا قصد التَّصَدُّق يسهل عَلَيْهِ بِمن عَلَيْهِ الْجُبَّة وَيَده تحتهَا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُخرجهَا مِنْهَا يسهل عَلَيْهِ، والبخيل على عَكسه، والأسلوب من التَّشْبِيه المفرق. قَالَ: وَقيد الْمُشبه بِهِ بالحديد إعلاما بِأَن الْقَبْض والشدة جبلة الْإِنْسَان، وأوقع الْمُتَصَدّق مَوضِع السخي مَعَ أَن مُقَابل الْبَخِيل هُوَ السخي لَا الْمُتَصَدّق إشعارا بِأَن السخاوة هِيَ مَا أَمر بِهِ الشَّرْع وَندب إِلَيْهِ من الْإِنْفَاق إلَاّ مَا يتعاناه المبذرون. وَقَالَ الْمُهلب: المُرَاد أَن الله يسر الْمُنفق فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة، بِخِلَاف الْبَخِيل فَإِنَّهُ يَفْضَحهُ، وَمعنى: تَعْفُو أَثَره، تمحو خطاياه، وَاعْترض عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض بِأَن الْخَبَر جَاءَ على التَّمْثِيل لَا على الْإِخْبَار عَن كَائِن، وَقيل: هُوَ تَمْثِيل لنماء المَال بِالصَّدَقَةِ، وَالْبخل بضده، وَقيل: تَمْثِيل لِكَثْرَة الْجُود وَالْبخل، وَأَن الْمُعْطِي إِذا أعْطى انبسطت يَدَاهُ بالعطاء، وتعود ذَلِك، فَإِذا أمسك صَار ذَلِك عَادَة.

تَابَعَهُ الحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طَاوُسٍ فِي الجُبتَيْنِ

أَي: تَابع ابْن طَاوُوس الْحسن بن مُسلم بن يناق فِي رِوَايَته عَن طَاوُوس فِي الجبتين بِالْبَاء، وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب جيب الْقَمِيص من عِنْد الصَّدْر. وَغَيره، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد أخبرنَا أَبُو عَامر أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع عَن الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (ضرب رَسُول الله، صلى الله

عَلَيْهِ وَسلم، مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان من حَدِيد) الحَدِيث، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تَابعه ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه.

وَقَالَ حَنْظَلَة عَن طَاوُوس جنتان

أَي قَالَ حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان فِي رِوَايَته عَن طَاوُوس جنتان بالنُّون وَهَذَا تَعْلِيق ذكره البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي كتاب اللبَاس مُعَلّقا حَيْثُ قَالَ وَقَالَ حَنْظَلَة سَمِعت طَاوُوس سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِسْحَاق الْأَزْرَقِيّ عَن حنطلة.

وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرٌ عنِ ابنِ هُرْمُزَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَنَّتَانِ

أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن الْأَعْرَج، ذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَخلف: أَن البُخَارِيّ علقه أَيْضا فِي الصَّلَاة.

٩٢ - (بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَدَقَة الْكسْب وَالتِّجَارَة، وَالْحَاصِل أَنه أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الصَّدَقَة إِنَّمَا يعْتد بهَا إِذا كَانَت من كسب حَلَال أَو تِجَارَة من الْحَلَال، وَلم يذكر فِيهَا حَدِيثا إكتفاء بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْآيَة الْكَرِيمَة، فَإِنَّهَا تَأمر بِالصَّدَقَةِ من الْجلَال وتنهى عَن الصَّدَقَة من الْحَرَام على مَا يذكرهُ.

لِقَوْلِهِ تَعالى {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسِبْتُمْ} إلَى قَولهِ: {أنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدُ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) .

بَين مَا أَرَادَهُ من هَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة على طَرِيق التَّعْلِيل بقوله لقَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ وأعلموا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . إِن الله يَأْمر عباده الْمُؤمنِينَ بِالْإِنْفَاقِ، وَالْمرَاد بِهِ الصَّدَقَة هَهُنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: من طَيّبَات من رزقهم من الْأَمْوَال الَّتِي اكتسبوها. وَقَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي التِّجَارَة بتيسيره إِيَّاهَا لَهُم. وَقَالَ عَليّ وَالسُّديّ: من طَيّبَات مَا كسبتم يَعْنِي: الذَّهَب وَالْفِضَّة وَمن الثِّمَار وَالزَّرْع الَّتِي أنبتها الله تَعَالَى من الأَرْض. قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمرهم بِالْإِنْفَاقِ من أطيب المَال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عَن التَّصَدُّق برذالة المَال ورديئه وَهُوَ خبيثه، فَإِن الله طيب لَا يقبل إلَاّ الطّيب. وَلِهَذَا قَالَ: {وَلَا تيمموا الْخَبيث} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: لَا تقصدوا {الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: لَو أعطيتموه مَا أخذتموه إلَاّ أَن تتعلموا فِيهِ، وَالله أغْنى عَنهُ مِنْكُم، فَلَا تجْعَلُوا لله مَا تَكْرَهُونَ. وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تعدلوا عَن المَال الْحَلَال وتقصدوا إِلَى الْحَرَام فتجعلوا نفقتكم مِنْهُ، وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم، وَإِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لَا يحب، وَلَا يُعْطي الدّين إلَاّ من أحب، فَمن أعطَاهُ الدّين فقد أحبه، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم عبد حَتَّى يسلم قلبه وَلسَانه، وَلَا يُؤمن حَتَّى يَأْمَن مَا جَاره بوائقه. قَالُوا: وَمَا بوائقه؟ قَالَ: غشمته وظلمته، وَلَا يكْسب عبد مَالا من حرَام فينفق مِنْهُ فيبارك لَهُ فِيهِ، وَلَا يتَصَدَّق بِهِ فَيقبل مِنْهُ، وَلَا يتْركهُ خلف ظَهره إلَاّ إِذا كَانَ راده إِلَى النَّار إِن الله لَا يمحو السيء بالسيء، وَلَكِن يمحو السيء بالْحسنِ، إِن الْخَبيث لَا يمحو الْخَبيث) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي الْحسن بن عَمْرو الْعَنْبَري حَدثنِي أبي عَن أَسْبَاط عَن السّديّ عَن عدي بن ثَابت عَن الْبَراء بن عَازِب فِي قَول الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم ... } (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . الْآيَة، قَالَ: نزلت فِي الْأَنْصَار، كَانَت الْأَنْصَار إِذا كَانَ أَيَّام جذاذ النّخل أخرجت من حيطانها أقناء الْبُسْر فعلقوه على حَبل بَين الأسطوانتين فِي مَسْجِد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيأكل فُقَرَاء الْمُهَاجِرين مِنْهُ، فيعمد الرجل إِلَى الحشف فيدخله مَعَ أقناء الْبُسْر، يظنّ أَن ذَلِك جَائِز، فَأنْزل الله فِيمَن فعل ذَلِك {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا يحيى بن الْمُغيرَة حَدثنَا جرير عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله بن مُغفل فِي هَذِه الْآيَة: {وَلَا تيمموا

الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: كسب الْمُسلم لَا يكون خبيثا، وَلَكِن لَا يتَصَدَّق بالحشف وَالدِّرْهَم الزيف وَمَا لَا خير فِيهِ، وَقَالَ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (أُتِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بضب فَلم يَأْكُلهُ، وَلم ينْه عَنهُ. قلت: يَا رَسُول الله نطعمه الْمَسَاكِين؟ قَالَ: لَا تطعموهم مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ) . وَقَالَ عُبَيْدَة: سَأَلت عليا عَن قَوْله: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَا قَالَ السّديّ قَالَ عُبَيْدَة وَسَأَلَهُ عَن قَوْله (وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض) قَالَ من قَالَ: من الْحبّ وَالثَّمَر كل شَيْء عَلَيْهِ زَكَاة، وَقَالَ مُجَاهِد: من النّخل، وَلَا تيمموا، قَالَ الطَّبَرِيّ: لَا تقصدوا وتعمدوا، وَفِي قِرَاءَة عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا تَمُوتُوا من أممت، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ. وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ: عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أنزلت هَذِه الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، كَانَ الرجل يعمد إِلَى التَّمْر فيصرمه فيعزل الْجيد نَاحيَة، فَإِذا جَاءَ صَاحب الصَّدَقَة أعطَاهُ من الرَّدِيء، فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ ابْن زيد: الْخَبيث هُنَا هُوَ الْحَرَام. وَقَالَ الثَّوْريّ: عَن السّديّ عَن أبي مَالك، واسْمه عزوان عَن الْبَراء: {ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لرجل على رجل دين فَأعْطَاهُ ذَلِك لم يَأْخُذهُ إلَاّ أَن يرى أَنه قد نَقصه من حَقه، رَوَاهُ ابْن جرير، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: {ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لكم على أحد حق فجاءكم بِحَق دون حقكم لم تأخذوه بِحِسَاب الْجيد حَتَّى تنقصوه، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْله: {إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . فَكيف ترْضونَ لي مَا لَا ترْضونَ لأنفسكم، وحقي عَلَيْكُم من أطيب أَمْوَالكُم وأنفسها؟) . رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير، وَزَاد قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . قَوْله: {وَاعْلَمُوا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: وَإِن أَمركُم بالصدقات وبالطيب مِنْهَا فَهُوَ غَنِي عَنْهَا، حميد فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وشرعه وَقدره لَا إلاه إلاص هُوَ وَلَا رب سواهُ.

٠٣ - (بابٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ صَدَقَةٌ فَمَنْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ على كل مُسلم صَدَقَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) من التَّرْجَمَة أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة فليعمل بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل، والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات.

٥٤٤١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فقالُوا يَا نَبِيَّ الله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنفَعُ نَفْسَهُ وَيَتصَدَّقُ قَالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ قالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ولْيُمْسِكْ عنِ الشَّرِّ فإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.

(الحَدِيث ٥٤٤١ طرفه فِي ٢٢٠٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الأول بِعَيْنِه وللجزء الثَّانِي فِي قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سعيد بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو بردة عَامر. الْخَامِس: جد سعيد وَهُوَ: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه عَن جده.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على كل مُسلم صَدَقَة) قَالَ بَعضهم: أَي على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب المتأكد. قلت: كلمة: على، تنَافِي هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره الْوُجُوب، لَكِن خففه، عز وَجل، حَيْثُ جعل مَا خَفِي من المندوبات مسْقطًا لَهُ لطفا مِنْهُ وتفضلاً، قلت: يُمكن أَن يحمل ظَاهر الْوُجُوب على كل مُسلم رأى مُحْتَاجا عَاجِزا عَن التكسب، وَقد أشرف على الْهَلَاك فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ إحْيَاء لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أطلق الصَّدَقَة هُنَا وَبَينهَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، بقوله: (فِي كل يَوْم) ، وَهَذَا أخرجه مُسلم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَام هُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَلَكَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ. وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ: النَّاحِيَةُ. وَقَوْلُهُ: خَلَفًا؛ أَيْ: عِوَضًا.

قَوْلُهُ: (أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ. وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٨ - بَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ.

[الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤ - ٢٩١٧، ٥٢٦٩، ٥٧٩٧]

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَامَ التَّمْثِيلُ فِي خَبَرِ الْبَابِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ، فَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُضَمِّنَ التَّرْجَمَةَ مَقَاصِدَ الْخَبَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَابْنُ طَاوُسٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِلَهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ: مِنْ حَدِيدٍ، وَالْجُنَّةُ فِي الْأَصْلِ الْحِصْنُ، وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْعُ لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبَهَا أَيْ: تُحَصِّنُهُ، وَالْجُبَّةُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا مَانِعَ مِنَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ ثُدَيِّهِمَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَدْيٍ، وَ (تَرَاقِيهِمَا) بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَبَغَتْ) أَيْ: امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ وَفَرَتْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنَ الْوُفُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: انْبَسَطَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ) أَيْ: تَسْتُرُ أَصَابِعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: حَتَّى تُجِنَّ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي، وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، وَبَنَانُهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ: الْإِصْبَعُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: ثِيَابُهُ بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَتَّى تُغَشِّيَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَعْفُو أَثَرَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ: تَسْتُرُ أَثَرَهُ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ: عَفَتِ الدَّارُ إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ الَّذِي يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (لَزِقَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: انْقَبَضَتْ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: غَاصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَلَصَتْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُفَادُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَةِ الضِّيقِ وَالْأَخِيرَةِ نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسَهَا، وَالدُّرُوعُ أَوَّلُ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَانُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ؛ أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَجُعِلَ الْبَخِيلُ كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسَهَا اجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَتَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: قَلَصَتْ؛ أَيْ: تَضَامَّتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسُهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قول الملكين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم في سورة يونس: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وأنزل الله في قولهما: «اللَّهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠]»، وقوله: «بجنبتيها»، تثنية: جَنْبةٍ، بفتح الجيم وسكون النُّون، وهي النَّاحية.

(٢٨) (بابُ مَثَلِ (١) المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ) (٢).

١٤٤٣ - ١٤٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم، أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦٢٩١٧] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان -بالمُوحَّدة- من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته اتَّسعت (٤) عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٥): (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ،

عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا (١) بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٤٤] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت (٢)

(-أَوْ وَفَرَتْ-) بتخفيف الفاء (١)، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين، الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ» بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ، كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة (٢) والمُثلَّثة، و «تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة (٣)، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار (٤) إذا درست، وعفاها الرِّيحُ إذا طمسها ودرست (٥)، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها، يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت (٦) جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: «فلا تتَّسع» بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦٥٧٩٧].

(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٧] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق (١) عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.

(٢٩) (باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) أي: من التِّجارة الحلال، كما أخرجه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ومن طيِّبات ما أخرجنا لكم (٣) من الحبوب والثِّمار والمعادن، فحُذِف المضاف لتقدُّم ذكره (إِلَى قَوْلِه: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: غنيٌّ (٤) عن إنفاقكم، وإنَّما يأمركم به لإنفاعكم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ «﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾»، ولم يذكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الزَّاي وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: واسْمه عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، واسْمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين عَم مُعَاوِيَة الْمَذْكُور. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن أَخِيه. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن نصر، وَفِي الْمَلَائِكَة عَن عَبَّاس بن مُحَمَّد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من من يَوْم) ، وَفِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (مَا من يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس إلَاّ وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلَاّ الثقلَيْن: يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم إِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى، وَلَا غربت شمسه إلَاّ وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأَرْض إلَاّ الثقلَيْن: أللهم أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا مَالا تلفا) . رَوَاهُ أَحْمد. قَوْله: (بجنبتيها) تَثْنِيَة: جنبة، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون وَهِي: النَّاحِيَة. قَوْله: (مَا من يَوْم) يَعْنِي: لَيْسَ من يَوْم، وَكلمَة: من، زَائِدَة، و: يَوْم، اسْمه. وَقَوله: (يصبح الْعباد فِيهِ) صفة يَوْم. وَقَوله: (إلَاّ ملكان) مُسْتَثْنى من مُتَعَلق مَحْذُوف، وَهُوَ خبر: مَا، الْمَعْنى: لَيْسَ يَوْم مَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف ينزل فِيهِ أحد إلَاّ ملكان يَقُولَانِ كَيْت وَكَيْت، فَحذف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَدلّ عَلَيْهِ بِوَصْف: الْملكَانِ ينزلان، وَنَظِيره فِي مَجِيء الْمَوْصُوف مَعَ الصّفة بُعد إلَاّ فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ، قَوْلك: مَا أخْبرت مِنْكُم أحدا إلَاّ رَفِيقًا. قَوْله: (خلفا) بِفَتْح اللَّام أَي: عوضا. يُقَال أخلف الله عَلَيْك خلفا أَي: عوضا أَي: أبدلك بِمَا ذهب مِنْك. قَوْله: (أعطِ ممسكا تلفا) التَّعْبِير بِالْعَطِيَّةِ هُنَا من قبيل المشاكلة، لِأَن التّلف لَيْسَ بعطية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه مُوَافق لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه} (سبإ: ٩٣) . وَلقَوْله: (ابْن آدم أنْفق أنْفق عَلَيْك) ، وَهَذَا يعم الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب. وَفِيه: أَن الممسك يسْتَحق تلف مَاله، وَيُرَاد بِهِ الْإِمْسَاك عَن الْوَاجِبَات دون المندوبات، فَإِنَّهُ قد لَا يسْتَحق هَذَا الدُّعَاء، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن يغلب عَلَيْهِ الْبُخْل بهَا، وَإِن قلت فِي نَفسهَا كالحبة واللقمة وَنَحْوهمَا. وَفِيه: الحض على الْإِنْفَاق فِي الْوَاجِبَات كَالنَّفَقَةِ على الْأَهْل وصلَة الرَّحِم، وَيدخل فِيهِ صَدَقَة التَّطَوُّع وَالْفَرْض. وَفِيه: دُعَاء الْمَلَائِكَة، وَمَعْلُوم أَنه مجاب بِدَلِيل قَوْله: (من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) .

٨٢ - (بابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مثل الْمُتَصَدّق والبخيل، وَمثل الْمُتَصَدّق كَلَام إضافي مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مَحْذُوف، حذفه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِذكرِهِ فِي حَدِيث الْبَاب.

٣٤٤١ - حدَّثنا مُوسى اقال حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة جُزْء من الحَدِيث وَهُوَ ظَاهر.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.

قَوْله: (مثل الْبَخِيل والمنفق) ، وَوَقع عِنْد مُسلم من طَرِيق سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد: (مثل الْمُنفق والمتصدق) ، قَالَ عِيَاض: هُوَ وهم، وَيُمكن أَنه حذف مُقَابِله لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقع فِي بَاقِي الرِّوَايَات: مثل الْبَخِيل والمتصدق، وَقد يحْتَمل أَن صِحَة رِوَايَة الْمُنفق والمتصدق أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِير: مثل الْمُنفق والمتصدق وقسيمهما هُوَ الْبَخِيل، وَحذف الْبَخِيل لدلَالَة الْمُنفق والمتصدق عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) . أَي: وَالْبرد، حذف الْبرد لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ. قيل: رَوَاهُ الْحميدِي وَأحمد وَابْن أبي عَمْرو وَغَيرهم فِي مسانيدهم عَن ابْن عُيَيْنَة، فَقَالُوا فِي رواياتهم: (مثل الْمُنفق والبخيل) ، كَمَا فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد، وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْله: والمتصدق)

وَقع فِي بعض الْأُصُول: الْمُتَصَدّق، بِالتَّاءِ وَفِي بَعْضهَا بِحَذْف التَّاء وَتَشْديد الصَّاد، هما صَحِيحَانِ، قَالَه النَّوَوِيّ قلت: وَجه هَذَا أَن التَّاء لَا تحذف بل تقلب صادا، ثمَّ تُدْغَم الصَّاد فِي الصَّاد، وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَاعِدَة. قَوْله: (كَمثل رجلَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة عَمْرو: رجل، بِالْإِفْرَادِ وَكَأَنَّهُ تَغْيِير من بعض الروَاة، وَصَوَابه: رجلَيْنِ. قَوْله: (جبتان) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (كَمثل رجل عَلَيْهِ جبتان أَو جنتان) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما جبتان أَو جنتان فَالْأول بِالْبَاء وَالثَّانِي بالنُّون، وَوَقع فِي بعض الْأُصُول عَكسه، وَقَالَ ابْن قرقول: وَالنُّون أصوب بِلَا شكّ، وَهِي الدرْع، يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث نَفسه: (لزقت كل حَلقَة) ، وَفِي لفظ: (فَأخذت كل حَلقَة موضعهَا) . وَكَذَا قَوْله: (من حَدِيد) . قلت: وَرَوَاهُ حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي عَن طَاوُوس، بالنُّون، كَمَا يَجِيء عَن قريب، ورجحت هَذِه الرِّوَايَة بِمَا قَالَه ابْن قرقول، وَالْجنَّة هِيَ الْحصن فِي الأَصْل، وَسميت بهَا الدرْع لِأَنَّهَا تجن صَاحبهَا أَي: تحصنه، والجبة بِالْبَاء الْمُوَحدَة هِيَ الثَّوْب الْمعِين، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا مَانع من اطلاقه على الدرْع. قلت: الْمَانِع مَوْجُود، لِأَن الْجُبَّة بِالْبَاء لَا تحصن مثل الْجنَّة بالنُّون، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : جنتان، بالنُّون. فِي هَذَا الْموضع بِلَا شكّ، وَلَا اخْتِلَاف. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ الْأَنْسَب، لِأَن الدرْع لَا يُسمى جُبَّة بِالْبَاء بل بالنُّون.

وحدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إلَى تَرَاقِيهِمَا فأمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلَاّ سَبَغَتْ أوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تَخْفِي بَنَانَهُ وَتَعْفُو أثَرَهُ وَأمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئا إلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهْوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

هَذَا طَرِيق آخر أتم من الأول، رَوَاهُ عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون، عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل الْبَخِيل والمنفق) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مثل الْمُنفق والمتصدق كَمثل رجل عَلَيْهِ جنتان أَو جبتان) ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقع فِي هَذَا الحَدِيث أَوْهَام كَثِيرَة من الروَاة تَصْحِيف وتحريف وَتَقْدِيم وَتَأْخِير، فَمِنْهُ: مثل الْمُنفق والمتصدق، وَمِنْه: كَمثل رجل، وَصَوَابه رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان، وَمِنْه قَوْله: (جبتان أَو جنتان) ، بالنُّون بِالشَّكِّ وَالصَّوَاب: جنتان، بالنُّون بِلَا شكّ. قَوْله: (من ثديهما) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الدَّال، كَذَا فِي رِوَايَة أبي الْحسن جمع ثدي، نَحْو الْفُلُوس والفلس، فعلى هَذَا أَصله: ثدوي، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: ثدي، بِضَم الدَّال ثمَّ أبدلت الضمة كسرة لأجل الْيَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيصِح نصب الثَّاء، وَفِي رِوَايَة: ثدييهما، بالتثنية وَفِي (الْمُجْمل) : الثدي، بِالْفَتْح للْمَرْأَة وَالْجمع الثدي، يذكر وَيُؤَنث. وَفِي (الْمُخَصّص) : وَالْجمع أثد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الثدي للرجل وَالْمَرْأَة، وَالْجمع أثد وثدي، على فعول، وثدي بِكَسْر الثَّاء. قَوْله: (إِلَى تراقيهما) جمع ترقوة، وَيُقَال: الترائق أَيْضا على الْقلب، وَقَالَ ثَابت فِي (خلق الْإِنْسَان) : الترقوتان هما العظمان المشرفان فِي أَعلَى الصَّدْر من رَأس الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى طرف ثغرة النَّحْر، وَهِي اللهزمة الَّتِي بَينهمَا. وَفِي (الْمُخَصّص) : هِيَ من رقى يرقى. فَإِن قلت: لِمَ لَا تقلب الْوَاو ألفا؟ قلت: لِئَلَّا يخْتل الْبناء كَمَا فِي سرو، وَفِي (الصِّحَاح) لَا تقل: ترقوة بِالضَّمِّ. قَوْله: (إلَاّ سبغت) أَي: امتدت وغطت، وَقيل: كملت وتمت، وَضَبطه الْأصيلِيّ بِضَم التَّاء وَهُوَ شَيْء لَا يعرف. قَوْله: (أَو وقرت) ، شكّ من الرَّاوِي، من الوفور بِمَعْنى: كملت. وَفِي (التَّلْوِيح) : سبغت أَو مرت على جلد، كَذَا فِي النّسخ: مرت، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقيل صَوَابه، يَعْنِي فِي مُسلم مدت بِالدَّال، بِمَعْنى: سبغت كَمَا فِي الحَدِيث الآخر: (انبسطت) . وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي بعض نسخ البُخَارِيّ: مادت، بدال مُخَفّفَة من ماد إِذا مَال، وَرَوَاهُ بَعضهم: مارت، وَمَعْنَاهُ: سَالَتْ عَلَيْهِ وامتدت. قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ تردّدت وَذَهَبت وَجَاءَت بكمالها. قَوْله: (حَتَّى تجن) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَتَشْديد النُّون، هَذَا فِي رِوَايَة الْحميدِي وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تستر، من أجن إِذا ستر، وَكَذَلِكَ جن بِمَعْنَاهُ: ويروى حق يخفى

وَقَالَ ابْن التِّين رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَان حَتَّى تجربانه وَقَالَ النَّوَوِيّ وَرَوَاهُ بَعضهم يحز بحاء وزاي وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب تجن بجيم وَنون قَوْله (بنانه) أَي أَصَابِعه وَهُوَ رِوَايَة الْجُمْهُور كَمَا فِي الحَدِيث الآخر أنامله ويروى ثِيَابه بثاء مُثَلّثَة وَهُوَ وهموقد وَقع فِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم حَتَّى تغشى بالغين والشين المعجمتين قَوْله (وتعفوا أَثَره) أَي يمحوا أَثَره وَهُوَ يَجِيء لَازِما ومتعدياً فَهُنَا مُتَعَدٍّ لِأَنَّهُ نصب أَثَره وأثره بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء مَعْنَاهُ تمحو أثر مَشْيه بسبوغها وكمالها وَقَالَ الدَّاودِيّ بعفى أثر صَاحبه إِذا مَشى بمرور الذيل عَلَيْهِ لِأَن الْمُنفق إِذا أنْفق طَال ذَلِك اللبَاس الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى يجره بِالْأَرْضِ قَوْله (لزقت) أَي التصقت وَفِي رِوَايَة مُسلم (انقبضت) وَفِي رِوَايَة همام (عضت كل حَلقَة مَكَانهَا) وي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد مُسلم (قلصت) وَكَذَا فِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم عِنْد البُخَارِيّ وَزعم ابْن التِّين أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْبَخِيل يكوى بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة قَوْله (فَهُوَ يوسعها وَلَا تتسع) وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة (فَهُوَ يوسعها وَلَا يَتَّسِع) (فَإِن قلت) هَذَا يَوْم أَنه مدرج (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَقد وَقع التَّصْرِيح بِرَفْع هَذِه الْجُمْلَة فِي طَرِيق طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي رِوَايَة ابْن طَاوُوس عِنْد البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد فَسمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (فيجتهدان يوسعها وَلَا تتسع) وَفِي رِوَايَة لمُسلم (فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكره وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُسلم عِنْدهَا (فَأَنا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول بإصبعه هَكَذَا فِي جيبه فَلَو رَأَيْته يوسعها وَلَا تتسع وَعند أَحْمد من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن أبي الزِّنَاد فِي هَذَا الحَدِيث وَأما الْبَخِيل فَإِنَّهَا لَا تزداد عَلَيْهِ إِلَّا استحكاماً وَهَذَا بِالْمَعْنَى وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا مثل ضربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للجواد الْبَخِيل شبهما برجلَيْن أَرَادَ كل مِنْهُمَا أَن يلبس درعا يستجن بهَا والدرع أول مَا يلبس إِنَّمَا يَقع على مَوضِع الصَّدْر والثديين إِلَى أَن يسْلك لَابسهَا يَدَيْهِ فِي كميه، وَيُرْسل ذيلها على أَسْفَل بدنه فيستمر سفلاً، فَجعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل الْمُنفق مثل من لبس درعا سابغة فاسترسلت عَلَيْهِ حَتَّى سترت جَمِيع بدنه وخصته، وَجعل الْبَخِيل كَرجل يَدَاهُ مغلولتان مَا بَين دون صَدره فَإِذا أَرَادَ لبس الدرْع حَالَتْ يَدَاهُ بَينهَا وَبَين أَن تمر سفلاً على الْبدن، وَاجْتمعت فِي عُنُقه فلزمت ترقوته، فَكَانَت ثقلاً ووبالاً عَلَيْهِ من غير وقاية لَهُ وتحصين لبدنه، وَحَاصِله أَن الْجواد إِذا هم بِالنَّفَقَةِ اتَّسع لذَلِك صَدره وطاوعت يَدَاهُ فامتدتا بالعطاء، وَأَن الْبَخِيل يضيق صَدره وتنقبض يَده عَن الْإِنْفَاق. وَقيل: ضرب الْمثل بهما لِأَن الْمُنفق يستره الله بِنَفَقَتِهِ وَيسْتر عوراته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كستر هَذِه الْجُبَّة لَابسهَا، والبخيل كمن لبس جُبَّة إِلَى ثدييه فَيبقى مكشوفا ظَاهر الْعَوْرَة مفتضحا فِي الدَّاريْنِ. وَقَالَ ابْن بطال: يُرِيد أَن الْمُنفق إِذا أنْفق كفرت الصَّدَقَة ذنُوبه ومحتها، كَمَا أَن الْجُبَّة إِذا أسبغت عَلَيْهِ سترته وَوَقته، والبخيل لَا تطاوعه نَفسه على الْبَذْل فَيبقى غير مكفر عَنهُ الآثام، كَمَا أَن الْجُبَّة تبقي من بدنه مَا لَا تستره، فَيكون معرض الْآفَات. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: شبه السخي إِذا قصد التَّصَدُّق يسهل عَلَيْهِ بِمن عَلَيْهِ الْجُبَّة وَيَده تحتهَا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُخرجهَا مِنْهَا يسهل عَلَيْهِ، والبخيل على عَكسه، والأسلوب من التَّشْبِيه المفرق. قَالَ: وَقيد الْمُشبه بِهِ بالحديد إعلاما بِأَن الْقَبْض والشدة جبلة الْإِنْسَان، وأوقع الْمُتَصَدّق مَوضِع السخي مَعَ أَن مُقَابل الْبَخِيل هُوَ السخي لَا الْمُتَصَدّق إشعارا بِأَن السخاوة هِيَ مَا أَمر بِهِ الشَّرْع وَندب إِلَيْهِ من الْإِنْفَاق إلَاّ مَا يتعاناه المبذرون. وَقَالَ الْمُهلب: المُرَاد أَن الله يسر الْمُنفق فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة، بِخِلَاف الْبَخِيل فَإِنَّهُ يَفْضَحهُ، وَمعنى: تَعْفُو أَثَره، تمحو خطاياه، وَاعْترض عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض بِأَن الْخَبَر جَاءَ على التَّمْثِيل لَا على الْإِخْبَار عَن كَائِن، وَقيل: هُوَ تَمْثِيل لنماء المَال بِالصَّدَقَةِ، وَالْبخل بضده، وَقيل: تَمْثِيل لِكَثْرَة الْجُود وَالْبخل، وَأَن الْمُعْطِي إِذا أعْطى انبسطت يَدَاهُ بالعطاء، وتعود ذَلِك، فَإِذا أمسك صَار ذَلِك عَادَة.

تَابَعَهُ الحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طَاوُسٍ فِي الجُبتَيْنِ

أَي: تَابع ابْن طَاوُوس الْحسن بن مُسلم بن يناق فِي رِوَايَته عَن طَاوُوس فِي الجبتين بِالْبَاء، وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب جيب الْقَمِيص من عِنْد الصَّدْر. وَغَيره، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد أخبرنَا أَبُو عَامر أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع عَن الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (ضرب رَسُول الله، صلى الله

عَلَيْهِ وَسلم، مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان من حَدِيد) الحَدِيث، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تَابعه ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه.

وَقَالَ حَنْظَلَة عَن طَاوُوس جنتان

أَي قَالَ حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان فِي رِوَايَته عَن طَاوُوس جنتان بالنُّون وَهَذَا تَعْلِيق ذكره البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي كتاب اللبَاس مُعَلّقا حَيْثُ قَالَ وَقَالَ حَنْظَلَة سَمِعت طَاوُوس سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِسْحَاق الْأَزْرَقِيّ عَن حنطلة.

وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرٌ عنِ ابنِ هُرْمُزَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَنَّتَانِ

أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن الْأَعْرَج، ذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَخلف: أَن البُخَارِيّ علقه أَيْضا فِي الصَّلَاة.

٩٢ - (بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَدَقَة الْكسْب وَالتِّجَارَة، وَالْحَاصِل أَنه أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الصَّدَقَة إِنَّمَا يعْتد بهَا إِذا كَانَت من كسب حَلَال أَو تِجَارَة من الْحَلَال، وَلم يذكر فِيهَا حَدِيثا إكتفاء بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْآيَة الْكَرِيمَة، فَإِنَّهَا تَأمر بِالصَّدَقَةِ من الْجلَال وتنهى عَن الصَّدَقَة من الْحَرَام على مَا يذكرهُ.

لِقَوْلِهِ تَعالى {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسِبْتُمْ} إلَى قَولهِ: {أنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدُ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) .

بَين مَا أَرَادَهُ من هَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة على طَرِيق التَّعْلِيل بقوله لقَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ وأعلموا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . إِن الله يَأْمر عباده الْمُؤمنِينَ بِالْإِنْفَاقِ، وَالْمرَاد بِهِ الصَّدَقَة هَهُنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: من طَيّبَات من رزقهم من الْأَمْوَال الَّتِي اكتسبوها. وَقَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي التِّجَارَة بتيسيره إِيَّاهَا لَهُم. وَقَالَ عَليّ وَالسُّديّ: من طَيّبَات مَا كسبتم يَعْنِي: الذَّهَب وَالْفِضَّة وَمن الثِّمَار وَالزَّرْع الَّتِي أنبتها الله تَعَالَى من الأَرْض. قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمرهم بِالْإِنْفَاقِ من أطيب المَال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عَن التَّصَدُّق برذالة المَال ورديئه وَهُوَ خبيثه، فَإِن الله طيب لَا يقبل إلَاّ الطّيب. وَلِهَذَا قَالَ: {وَلَا تيمموا الْخَبيث} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: لَا تقصدوا {الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: لَو أعطيتموه مَا أخذتموه إلَاّ أَن تتعلموا فِيهِ، وَالله أغْنى عَنهُ مِنْكُم، فَلَا تجْعَلُوا لله مَا تَكْرَهُونَ. وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تعدلوا عَن المَال الْحَلَال وتقصدوا إِلَى الْحَرَام فتجعلوا نفقتكم مِنْهُ، وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم، وَإِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لَا يحب، وَلَا يُعْطي الدّين إلَاّ من أحب، فَمن أعطَاهُ الدّين فقد أحبه، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم عبد حَتَّى يسلم قلبه وَلسَانه، وَلَا يُؤمن حَتَّى يَأْمَن مَا جَاره بوائقه. قَالُوا: وَمَا بوائقه؟ قَالَ: غشمته وظلمته، وَلَا يكْسب عبد مَالا من حرَام فينفق مِنْهُ فيبارك لَهُ فِيهِ، وَلَا يتَصَدَّق بِهِ فَيقبل مِنْهُ، وَلَا يتْركهُ خلف ظَهره إلَاّ إِذا كَانَ راده إِلَى النَّار إِن الله لَا يمحو السيء بالسيء، وَلَكِن يمحو السيء بالْحسنِ، إِن الْخَبيث لَا يمحو الْخَبيث) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي الْحسن بن عَمْرو الْعَنْبَري حَدثنِي أبي عَن أَسْبَاط عَن السّديّ عَن عدي بن ثَابت عَن الْبَراء بن عَازِب فِي قَول الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم ... } (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . الْآيَة، قَالَ: نزلت فِي الْأَنْصَار، كَانَت الْأَنْصَار إِذا كَانَ أَيَّام جذاذ النّخل أخرجت من حيطانها أقناء الْبُسْر فعلقوه على حَبل بَين الأسطوانتين فِي مَسْجِد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيأكل فُقَرَاء الْمُهَاجِرين مِنْهُ، فيعمد الرجل إِلَى الحشف فيدخله مَعَ أقناء الْبُسْر، يظنّ أَن ذَلِك جَائِز، فَأنْزل الله فِيمَن فعل ذَلِك {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا يحيى بن الْمُغيرَة حَدثنَا جرير عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله بن مُغفل فِي هَذِه الْآيَة: {وَلَا تيمموا

الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: كسب الْمُسلم لَا يكون خبيثا، وَلَكِن لَا يتَصَدَّق بالحشف وَالدِّرْهَم الزيف وَمَا لَا خير فِيهِ، وَقَالَ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (أُتِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بضب فَلم يَأْكُلهُ، وَلم ينْه عَنهُ. قلت: يَا رَسُول الله نطعمه الْمَسَاكِين؟ قَالَ: لَا تطعموهم مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ) . وَقَالَ عُبَيْدَة: سَأَلت عليا عَن قَوْله: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَا قَالَ السّديّ قَالَ عُبَيْدَة وَسَأَلَهُ عَن قَوْله (وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض) قَالَ من قَالَ: من الْحبّ وَالثَّمَر كل شَيْء عَلَيْهِ زَكَاة، وَقَالَ مُجَاهِد: من النّخل، وَلَا تيمموا، قَالَ الطَّبَرِيّ: لَا تقصدوا وتعمدوا، وَفِي قِرَاءَة عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا تَمُوتُوا من أممت، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ. وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ: عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أنزلت هَذِه الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، كَانَ الرجل يعمد إِلَى التَّمْر فيصرمه فيعزل الْجيد نَاحيَة، فَإِذا جَاءَ صَاحب الصَّدَقَة أعطَاهُ من الرَّدِيء، فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ ابْن زيد: الْخَبيث هُنَا هُوَ الْحَرَام. وَقَالَ الثَّوْريّ: عَن السّديّ عَن أبي مَالك، واسْمه عزوان عَن الْبَراء: {ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لرجل على رجل دين فَأعْطَاهُ ذَلِك لم يَأْخُذهُ إلَاّ أَن يرى أَنه قد نَقصه من حَقه، رَوَاهُ ابْن جرير، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: {ولستم بآخذيه إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . يَقُول: لَو كَانَ لكم على أحد حق فجاءكم بِحَق دون حقكم لم تأخذوه بِحِسَاب الْجيد حَتَّى تنقصوه، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْله: {إلَاّ أَن تغمضوا فِيهِ} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . فَكيف ترْضونَ لي مَا لَا ترْضونَ لأنفسكم، وحقي عَلَيْكُم من أطيب أَمْوَالكُم وأنفسها؟) . رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير، وَزَاد قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . قَوْله: {وَاعْلَمُوا أَن الله غَنِي حميد} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: وَإِن أَمركُم بالصدقات وبالطيب مِنْهَا فَهُوَ غَنِي عَنْهَا، حميد فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وشرعه وَقدره لَا إلاه إلاص هُوَ وَلَا رب سواهُ.

٠٣ - (بابٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ صَدَقَةٌ فَمَنْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ على كل مُسلم صَدَقَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) من التَّرْجَمَة أَي: فَمن لم يقدر على الصَّدَقَة فليعمل بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل، والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات.

٥٤٤١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فقالُوا يَا نَبِيَّ الله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنفَعُ نَفْسَهُ وَيَتصَدَّقُ قَالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ قالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ولْيُمْسِكْ عنِ الشَّرِّ فإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.

(الحَدِيث ٥٤٤١ طرفه فِي ٢٢٠٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الأول بِعَيْنِه وللجزء الثَّانِي فِي قَوْله: (فليعمل بِالْمَعْرُوفِ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سعيد بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو بردة عَامر. الْخَامِس: جد سعيد وَهُوَ: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه عَن جده.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على كل مُسلم صَدَقَة) قَالَ بَعضهم: أَي على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب المتأكد. قلت: كلمة: على، تنَافِي هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره الْوُجُوب، لَكِن خففه، عز وَجل، حَيْثُ جعل مَا خَفِي من المندوبات مسْقطًا لَهُ لطفا مِنْهُ وتفضلاً، قلت: يُمكن أَن يحمل ظَاهر الْوُجُوب على كل مُسلم رأى مُحْتَاجا عَاجِزا عَن التكسب، وَقد أشرف على الْهَلَاك فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ إحْيَاء لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أطلق الصَّدَقَة هُنَا وَبَينهَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، بقوله: (فِي كل يَوْم) ، وَهَذَا أخرجه مُسلم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله