«مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٣

الحديث رقم ١٤٤٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مثل المتصدق والبخيل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٤٣ في صحيح البخاري

«مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ»

١٤٤٣ (م) - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ: فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ: فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ». تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الْجُبَّتَيْنِ.

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.

بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ

إسناد حديث رقم ١٤٤٣ من صحيح البخاري

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَام هُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَلَكَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ. وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ: النَّاحِيَةُ. وَقَوْلُهُ: خَلَفًا؛ أَيْ: عِوَضًا.

قَوْلُهُ: (أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ. وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٨ - بَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ.

[الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤ - ٢٩١٧، ٥٢٦٩، ٥٧٩٧]

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَامَ التَّمْثِيلُ فِي خَبَرِ الْبَابِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ، فَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُضَمِّنَ التَّرْجَمَةَ مَقَاصِدَ الْخَبَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَابْنُ طَاوُسٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِلَهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ: مِنْ حَدِيدٍ، وَالْجُنَّةُ فِي الْأَصْلِ الْحِصْنُ، وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْعُ لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبَهَا أَيْ: تُحَصِّنُهُ، وَالْجُبَّةُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا مَانِعَ مِنَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ ثُدَيِّهِمَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَدْيٍ، وَ (تَرَاقِيهِمَا) بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَبَغَتْ) أَيْ: امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ وَفَرَتْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنَ الْوُفُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: انْبَسَطَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ) أَيْ: تَسْتُرُ أَصَابِعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: حَتَّى تُجِنَّ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي، وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، وَبَنَانُهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ: الْإِصْبَعُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: ثِيَابُهُ بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَتَّى تُغَشِّيَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَعْفُو أَثَرَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ: تَسْتُرُ أَثَرَهُ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ: عَفَتِ الدَّارُ إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ الَّذِي يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (لَزِقَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: انْقَبَضَتْ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: غَاصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَلَصَتْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُفَادُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَةِ الضِّيقِ وَالْأَخِيرَةِ نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسَهَا، وَالدُّرُوعُ أَوَّلُ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَانُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ؛ أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَجُعِلَ الْبَخِيلُ كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسَهَا اجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَتَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: قَلَصَتْ؛ أَيْ: تَضَامَّتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسُهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قول الملكين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم في سورة يونس: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وأنزل الله في قولهما: «اللَّهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠]»، وقوله: «بجنبتيها»، تثنية: جَنْبةٍ، بفتح الجيم وسكون النُّون، وهي النَّاحية.

(٢٨) (بابُ مَثَلِ (١) المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ) (٢).

١٤٤٣ - ١٤٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم، أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦٢٩١٧] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان -بالمُوحَّدة- من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته اتَّسعت (٤) عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٥): (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ،

عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا (١) بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٤٤] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت (٢)

(-أَوْ وَفَرَتْ-) بتخفيف الفاء (١)، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين، الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ» بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ، كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة (٢) والمُثلَّثة، و «تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة (٣)، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار (٤) إذا درست، وعفاها الرِّيحُ إذا طمسها ودرست (٥)، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها، يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت (٦) جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: «فلا تتَّسع» بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦٥٧٩٧].

(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٧] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق (١) عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.

(٢٩) (باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) أي: من التِّجارة الحلال، كما أخرجه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ومن طيِّبات ما أخرجنا لكم (٣) من الحبوب والثِّمار والمعادن، فحُذِف المضاف لتقدُّم ذكره (إِلَى قَوْلِه: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: غنيٌّ (٤) عن إنفاقكم، وإنَّما يأمركم به لإنفاعكم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ «﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾»، ولم يذكر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَام هُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَلَكَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ. وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ: النَّاحِيَةُ. وَقَوْلُهُ: خَلَفًا؛ أَيْ: عِوَضًا.

قَوْلُهُ: (أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ. وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٨ - بَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ

١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ.

تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ.

[الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤ - ٢٩١٧، ٥٢٦٩، ٥٧٩٧]

١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَامَ التَّمْثِيلُ فِي خَبَرِ الْبَابِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ، فَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُضَمِّنَ التَّرْجَمَةَ مَقَاصِدَ الْخَبَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَابْنُ طَاوُسٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِلَهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ: مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ: مِنْ حَدِيدٍ، وَالْجُنَّةُ فِي الْأَصْلِ الْحِصْنُ، وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْعُ لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبَهَا أَيْ: تُحَصِّنُهُ، وَالْجُبَّةُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا مَانِعَ مِنَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ ثُدَيِّهِمَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَدْيٍ، وَ (تَرَاقِيهِمَا) بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَبَغَتْ) أَيْ: امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ وَفَرَتْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنَ الْوُفُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: انْبَسَطَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ) أَيْ: تَسْتُرُ أَصَابِعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: حَتَّى تُجِنَّ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي، وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، وَبَنَانُهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ: الْإِصْبَعُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: ثِيَابُهُ بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ: حَتَّى تُغَشِّيَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَعْفُو أَثَرَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ: تَسْتُرُ أَثَرَهُ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ: عَفَتِ الدَّارُ إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ الَّذِي يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (لَزِقَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: انْقَبَضَتْ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: غَاصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَلَصَتْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُفَادُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَةِ الضِّيقِ وَالْأَخِيرَةِ نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسَهَا، وَالدُّرُوعُ أَوَّلُ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَانُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ؛ أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَجُعِلَ الْبَخِيلُ كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسَهَا اجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَتَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: قَلَصَتْ؛ أَيْ: تَضَامَّتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسُهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قول الملكين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم في سورة يونس: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وأنزل الله في قولهما: «اللَّهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠]»، وقوله: «بجنبتيها»، تثنية: جَنْبةٍ، بفتح الجيم وسكون النُّون، وهي النَّاحية.

(٢٨) (بابُ مَثَلِ (١) المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ) (٢).

١٤٤٣ - ١٤٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم، أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦٢٩١٧] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان -بالمُوحَّدة- من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته اتَّسعت (٤) عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٥): (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ،

عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا (١) بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٤٤] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت (٢)

(-أَوْ وَفَرَتْ-) بتخفيف الفاء (١)، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين، الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ» بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ، كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة (٢) والمُثلَّثة، و «تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة (٣)، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار (٤) إذا درست، وعفاها الرِّيحُ إذا طمسها ودرست (٥)، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها، يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت (٦) جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: «فلا تتَّسع» بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦٥٧٩٧].

(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٧] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق (١) عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ : جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.

(٢٩) (باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) أي: من التِّجارة الحلال، كما أخرجه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ومن طيِّبات ما أخرجنا لكم (٣) من الحبوب والثِّمار والمعادن، فحُذِف المضاف لتقدُّم ذكره (إِلَى قَوْلِه: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: غنيٌّ (٤) عن إنفاقكم، وإنَّما يأمركم به لإنفاعكم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ «﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾»، ولم يذكر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد