«بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٦

الحديث رقم ١٤٤٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قدر كم يعطى من الزكاة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٤٦ في صحيح البخاري

«بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ. فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.»

بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ

إسناد حديث رقم ١٤٤٦ من صحيح البخاري

١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ

⦗١١٦⦘

قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَدَبَ إِلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ، أَيْ: مِنْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ فَتَرْكُ الشَّرِّ، وَذَلِكَ آخِرُ الْمَرَاتِبِ. قَالَ: وَمَعْنَى الشَّرِّ هُنَا مَا مَنَعَهُ الشَّرْعُ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعَاجِزِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبَاتِ إِذَا كَانَ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ. قُلْتُ: وَأَشَارَ بِالصَّلَاةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لَا يُكَمِّلُ مِنْهَا مَا يَخْتَلُّ مِنَ الْفَرْضِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُكَمِّلُ الصَّلَاةَ وَلَا الْعَكْسُ. فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ الصَّدَقَتَيْنِ.

وَاسْتُشْكِلَ الْحَدِيثُ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَكَيْفَ تُجْزِئُ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى وَهِيَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ؟ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْأَمْرِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ، فَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ، وَكَأَنَّ فِي كَلَامِهِ هُوَ زِيَادَةٌ فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تَقُومُ مَقَامَ الثَّلَاثِمَائَةِ وَسِتِّينَ حَسَنَةً الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِهَا كُلَّ يَوْمٍ لِيُعْتِقَ مَفَاصِلَهُ الَّتِي هِيَ بِعَدَدِهَا، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تُغْنِي عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ، فَتَتَحَرَّكُ الْمَفَاصِلُ كُلُّهَا فِيهَا بِالْعِبَادَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ تَشْتَمِلَانِ عَلَى ثَلَاثِمَائِةٍ وَسِتِّينَ مَا بَيْنَ قَوْلٍ وَفِعْلٍ إِذَا جَعَلْتَ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَثَلًا صَدَقَةً، وَكَأَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ تَطَوُّعَاتِ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَرْضِ وَرَاتِبَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى أَنَّ صَدَقَةَ السُّلَامَى نَهَارِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَيُمْسِي وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تَجْرِي عَلَى الْغَالِبِ، لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ الْمَأْمُورَ بِصَرْفِهَا، وَقَدْ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ.

وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّكَسُّبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ، وَتَقْدِيمُ النَّفْسِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُ الشَّخْصِ وَمَا يَلْزَمُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - بَاب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً

١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَدْرُ كَمْ يُعْطِي مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي إِهْدَائِهَا الشَّاةَ الَّتِي تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهَا، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَطْفُ الصَّدَقَةَ عَلَى الزَّكَاةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، إِذْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الزَّكَاةِ لَأَفْهَمَ أَنَّ غَيْرَهَا بِخِلَافِهَا، وَحَذَفَ مَفْعُولَ يُعْطِي اخْتِصَارًا لِكَوْنِهِمْ ثَمَانِيَةَ أَصْنَافٍ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ قَدْرَ النِّصَابِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا بَأْسَ بِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَفْظُ الصَّدَقَةِ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ لَكِنَّهَا لَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى الْمَفْرُوضِ دُونَ التَّطَوُّعِ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَفْظُ الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْفَرْضِ مُرَادِفُ الزَّكَاةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقِ عَلَى النَّفْلِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ لَفْظُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَفْرُوضَةِ، وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ التَّفْرِقَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

موجودٍ أو بمقدور التَّحصيل أو بغير مالٍ، وذلك إمَّا فعلٌ، وهو الإعانة، أو تركٌ، وهو الإمساك عن الشَّرِّ، لكن قال ابن المُنيِّر: إنَّ حصول ذلك للممسك إنَّما يكون مع نيَّة القربة به، وفيه تنبيهٌ على أنَّ التَّرك فعلٌ، ولذا جعل الإمساك والكفَّ صدقةً، ولا خلاف أنَّ الصَّدقة فعلٌ، فقد صَدَقَ على التَّرك أنَّه فعلٌ.

ورواة هذا الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وشعبة فواسطيٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة ورواية الابن عن أبيه عن جدِّه، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

(٣١) (بابٌ) بالتَّنوين (قَدْرُ كَمْ يُعْطي) المزكِّي (مِنَ الزَّكَاةِ) المفروضة؟ (وَ) كم يعطي المتصدِّق من (الصَّدَقَةِ) المسنونة؟ وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَ) حكم (مَنْ أَعْطَى شَاةً) في الزَّكاة، ولأبي ذرٍّ: «أُعْطِي» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول.

١٤٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط، بفتح الحاء المهملة والنُّون (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بفتح الحاء (١) المهملة والذَّال المعجمة المُشدَّدة، ممدودًا (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أمِّ الهذيل الأنصاريَّة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة () أنَّها (قَالَتْ: بُعِثَ) بضمِّ المُوحَّدة وكسر العين مبنيًّا للمفعول (إِلَى

نُسَيْبَةَ) أمِّ عطيَّة (الأَنْصَارِيَّةِ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين مُصغَّرًا، غير منصرفٍ (١)، وللمُستملي: «نَسِيبة» بفتح النُّون وكسر السِّين، غير مُصغَّرٍ (بِشَاةٍ) من الصَّدقة (فَأَرْسَلَتْ) نسيبة (إِلَى عَائِشَةَ ) وقد كان مقتضى الظَّاهر أن تقول: «بُعِثَ إليَّ» بضمير المتكلِّم المجرور، لكنَّها عبَّرت عن نفسها بالظَّاهر، حيث قالت: «إلى (٢) نسيبة» موضع المُضمَر الذي هو ضمير المتكلِّم المجرور، إمَّا على سبيل الالتفات، أو جرَّدت من نفسها ذاتًا تُسمَّى نسيبة، وليست أمُّ عطيَّة غير نسيبة، بل هي هي، ولخوف هذا التَّوهُّم زاد ابن السَّكن هنا عن الفَِرَبْريِّ: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: نسيبة هي أمُّ عطيَّة» وفي نسخةٍ (٣) وهي رواية أبي ذرٍّ (٤): «بَعَثَ» (٥) بفتحاتٍ مبنيًّا للفاعل «إلى نسيبة بشاةٍ، فأرسلتُ» أي (٦): نسيبة «إلى عائشة »، ولمسلمٍ عن أمِّ عطيَّة قالت: بعث إليَّ رسول الله بشاةٍ من الصَّدقة، فبعثتُ إلى عائشة منها بشيءٍ (٧) … الحديث، وهو يدلُّ على أنَّ الباعثَ الرَّسولُ ، ولغير أبي ذَرٍّ: «بَعَثَتْ» بفتحاتٍ وسكون تاء التَّأنيث «إليَّ» بتشديد المُثنَّاة «نسيبةُ» بالرَّفع على الفاعليَّة «بشاةٍ، فأرسلْتُ» بسكون اللَّام (٨) «إلى عائشة » (مِنْهَا) أي: من الشَّاة (فَقَالَ النَّبِيُّ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ) ولمسلمٍ: «هل عندكم شيءٌ؟» قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت»: (لَا) شيء عندنا (إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ) أمُّ عطيَّة (نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَدَبَ إِلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ، أَيْ: مِنْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ فَتَرْكُ الشَّرِّ، وَذَلِكَ آخِرُ الْمَرَاتِبِ. قَالَ: وَمَعْنَى الشَّرِّ هُنَا مَا مَنَعَهُ الشَّرْعُ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعَاجِزِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبَاتِ إِذَا كَانَ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ. قُلْتُ: وَأَشَارَ بِالصَّلَاةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لَا يُكَمِّلُ مِنْهَا مَا يَخْتَلُّ مِنَ الْفَرْضِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُكَمِّلُ الصَّلَاةَ وَلَا الْعَكْسُ. فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ الصَّدَقَتَيْنِ.

وَاسْتُشْكِلَ الْحَدِيثُ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَكَيْفَ تُجْزِئُ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى وَهِيَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ؟ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْأَمْرِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ، فَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ، وَكَأَنَّ فِي كَلَامِهِ هُوَ زِيَادَةٌ فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تَقُومُ مَقَامَ الثَّلَاثِمَائَةِ وَسِتِّينَ حَسَنَةً الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِهَا كُلَّ يَوْمٍ لِيُعْتِقَ مَفَاصِلَهُ الَّتِي هِيَ بِعَدَدِهَا، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تُغْنِي عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ، فَتَتَحَرَّكُ الْمَفَاصِلُ كُلُّهَا فِيهَا بِالْعِبَادَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ تَشْتَمِلَانِ عَلَى ثَلَاثِمَائِةٍ وَسِتِّينَ مَا بَيْنَ قَوْلٍ وَفِعْلٍ إِذَا جَعَلْتَ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَثَلًا صَدَقَةً، وَكَأَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ تَطَوُّعَاتِ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَرْضِ وَرَاتِبَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى أَنَّ صَدَقَةَ السُّلَامَى نَهَارِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَيُمْسِي وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تَجْرِي عَلَى الْغَالِبِ، لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ الْمَأْمُورَ بِصَرْفِهَا، وَقَدْ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ.

وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّكَسُّبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ، وَتَقْدِيمُ النَّفْسِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُ الشَّخْصِ وَمَا يَلْزَمُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - بَاب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً

١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَدْرُ كَمْ يُعْطِي مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي إِهْدَائِهَا الشَّاةَ الَّتِي تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهَا، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَطْفُ الصَّدَقَةَ عَلَى الزَّكَاةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، إِذْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الزَّكَاةِ لَأَفْهَمَ أَنَّ غَيْرَهَا بِخِلَافِهَا، وَحَذَفَ مَفْعُولَ يُعْطِي اخْتِصَارًا لِكَوْنِهِمْ ثَمَانِيَةَ أَصْنَافٍ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ قَدْرَ النِّصَابِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا بَأْسَ بِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَفْظُ الصَّدَقَةِ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ لَكِنَّهَا لَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى الْمَفْرُوضِ دُونَ التَّطَوُّعِ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَفْظُ الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْفَرْضِ مُرَادِفُ الزَّكَاةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقِ عَلَى النَّفْلِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ لَفْظُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَفْرُوضَةِ، وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ التَّفْرِقَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

موجودٍ أو بمقدور التَّحصيل أو بغير مالٍ، وذلك إمَّا فعلٌ، وهو الإعانة، أو تركٌ، وهو الإمساك عن الشَّرِّ، لكن قال ابن المُنيِّر: إنَّ حصول ذلك للممسك إنَّما يكون مع نيَّة القربة به، وفيه تنبيهٌ على أنَّ التَّرك فعلٌ، ولذا جعل الإمساك والكفَّ صدقةً، ولا خلاف أنَّ الصَّدقة فعلٌ، فقد صَدَقَ على التَّرك أنَّه فعلٌ.

ورواة هذا الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وشعبة فواسطيٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة ورواية الابن عن أبيه عن جدِّه، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

(٣١) (بابٌ) بالتَّنوين (قَدْرُ كَمْ يُعْطي) المزكِّي (مِنَ الزَّكَاةِ) المفروضة؟ (وَ) كم يعطي المتصدِّق من (الصَّدَقَةِ) المسنونة؟ وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَ) حكم (مَنْ أَعْطَى شَاةً) في الزَّكاة، ولأبي ذرٍّ: «أُعْطِي» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول.

١٤٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط، بفتح الحاء المهملة والنُّون (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بفتح الحاء (١) المهملة والذَّال المعجمة المُشدَّدة، ممدودًا (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أمِّ الهذيل الأنصاريَّة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة () أنَّها (قَالَتْ: بُعِثَ) بضمِّ المُوحَّدة وكسر العين مبنيًّا للمفعول (إِلَى

نُسَيْبَةَ) أمِّ عطيَّة (الأَنْصَارِيَّةِ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين مُصغَّرًا، غير منصرفٍ (١)، وللمُستملي: «نَسِيبة» بفتح النُّون وكسر السِّين، غير مُصغَّرٍ (بِشَاةٍ) من الصَّدقة (فَأَرْسَلَتْ) نسيبة (إِلَى عَائِشَةَ ) وقد كان مقتضى الظَّاهر أن تقول: «بُعِثَ إليَّ» بضمير المتكلِّم المجرور، لكنَّها عبَّرت عن نفسها بالظَّاهر، حيث قالت: «إلى (٢) نسيبة» موضع المُضمَر الذي هو ضمير المتكلِّم المجرور، إمَّا على سبيل الالتفات، أو جرَّدت من نفسها ذاتًا تُسمَّى نسيبة، وليست أمُّ عطيَّة غير نسيبة، بل هي هي، ولخوف هذا التَّوهُّم زاد ابن السَّكن هنا عن الفَِرَبْريِّ: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: نسيبة هي أمُّ عطيَّة» وفي نسخةٍ (٣) وهي رواية أبي ذرٍّ (٤): «بَعَثَ» (٥) بفتحاتٍ مبنيًّا للفاعل «إلى نسيبة بشاةٍ، فأرسلتُ» أي (٦): نسيبة «إلى عائشة »، ولمسلمٍ عن أمِّ عطيَّة قالت: بعث إليَّ رسول الله بشاةٍ من الصَّدقة، فبعثتُ إلى عائشة منها بشيءٍ (٧) … الحديث، وهو يدلُّ على أنَّ الباعثَ الرَّسولُ ، ولغير أبي ذَرٍّ: «بَعَثَتْ» بفتحاتٍ وسكون تاء التَّأنيث «إليَّ» بتشديد المُثنَّاة «نسيبةُ» بالرَّفع على الفاعليَّة «بشاةٍ، فأرسلْتُ» بسكون اللَّام (٨) «إلى عائشة » (مِنْهَا) أي: من الشَّاة (فَقَالَ النَّبِيُّ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ) ولمسلمٍ: «هل عندكم شيءٌ؟» قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت»: (لَا) شيء عندنا (إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ) أمُّ عطيَّة (نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد