«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٧٣

الحديث رقم ١٤٧٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٧٣ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ: خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ.»

بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا

إسناد حديث رقم ١٤٧٣ من صحيح البخاري

١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٧٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَلْتَفِتْ إِل يْهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْأَخْذَ مَعَ سَخَاوَةِ النَّفْسِ يُحَصِّلُ أَجْرَ الزُّهْدِ وَالْبَرَكَةَ فِي الرِّزْقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الزُّهْدَ يُحَصِّلُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِمَا لَا يَعْقِلُهُ السَّامِعُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ الْبَرَكَةُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ فَبَيَّنَ بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْبَرَكَةَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَرَبَ لَهُمُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْهَدُونَ، فَالْآكِلُ إِنَّمَا يَأْكُلُ لِيَشْبَعَ، فَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَشْبَعْ كَانَ عَنَاءً فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ لَيْسَتِ الْفَائِدَةُ فِي عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا كَثُرَ عِنْدَ الْمَرْءِ بِغَيْرِ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لِلطَّالِبِ مَا فِي مَسْأَلَتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ لِتَقَعَ مَوْعِظَتُهُ لَهُ الْمَوْقِعَ، لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِمَنْعِهِ مِنْ حَاجَتِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ ثَلَاثًا، وَجَوَازُ الْمَنْعِ فِي الرَّابِعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ سُؤَالَ الْأَعْلَى لَيْسَ بِعَارٍ، وَأَنَّ رَدَّ السَّائِلِ بَعْدَ ثَلَاثٍ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مَقْرُونٌ بِالْبَرَكَةِ. وَقَدْ زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ: فَمَاتَ حِينَ مَاتَ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا.

وَفِيهِ أَيْضًا سَبَبُ ذَلِكَ وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ أَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ دُونَ مَا أَعْطَى أَصْحَابَهُ، فَقَالَ حَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تَقْصُرَ بِي دُونَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَزَادَهُ، ثُمَّ اسْتَزَادَهُ حَتَّى رَضِيَ. فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ.

٥١ - بَاب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ: خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ.

[الحديث ١٤٧٣ - طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي تَقْدِيمُ الْآيَةِ، وَسَقَطَتْ لِلْأَكْثَرِ، وَمُطَابَقَتُهَا لِحَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَدْحِ مَنْ يُعْطِي السَّائِلَ وَغَيْرَ السَّائِلِ، وَإِذَا كَانَ الْمُعْطِي مَمْدُوحًا فَعَطِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ وَآخِذُهَا غَيْرُ مَلُومٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ فِي الْمُرَادِ بِالْمَحْرُومِ: فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخَرَ، وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ تَنْطَبِقُ التَّرْجَمَةُ. وَالْإَشْرَافُ بِالْمُعْجَمَةِ التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْرَفَ عَلَى كَذَا إِذَا تَطَاوَلَ لَهُ، وَقِيلَ: لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ شَرَفٌ لِذَلِكَ. وَتَقْدِيرُ جَوَابِ الشَّرْطِ: فَلْيَقْبَلْ، أَيْ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَعَ انْتِفَاءِ الْقَيْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلْيَقْبَلْ. وَإِنَّمَا حَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَأَوْرَدَهَا بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ وَرَدَ فِي الْإِعْطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفَقِيرِ فِي مَعْنَى الْعَطَاءِ لِلْغَنِيِّ إِذَا انْتَفَى الشَّرْطَانِ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ إِشْرَافِ النَّفْسِ فَقَالَ: بِالْقَلْبِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ مَعَ نَفْسِهِ يَبْعَثُ إِلَيَّ فَلَانٌ بِكَذَا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي الْأَحْكَامِ: حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ. وَذَكَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ) ابن شهابٍ (١) (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (٢) يُعْطِينِي العَطَاءَ) أي: بسبب العُمالة -كما في «مسلمٍ» - لا من الصَّدقات، فليست من جهة الفقر (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) عبَّر بـ «أفقر» ليفيد نكتةً حسنةً، وهي كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما؛ لأنَّه إنَّما يتحقَّق فقيرٌ وأفقرُ؛ إذا كان الفقير له شيءٌ يقلُّ ويكثر، أمَّا لو كان الفقير هو الذي لا شيء له ألبتَّة؛ لكان (٣) الفقراء كلُّهم سواءً ليس فيهم أفقر، قاله صاحب «المصابيح» (فَقَالَ) : (خُذْهُ) أي: بالشَّرط المذكور بعد، وزاد في رواية شُعيبٍ عن الزُّهريِّ في «الأحكام» [خ¦٧١٦٣]: «فتموَّله وتصدَّق به» أي: اقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدلُّ على أنَّه ليس من أموال الصَّدقات؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتَّخذه مالًا (إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ) أي: من جنس المال (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بسكون الشِّين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حاليَّةٌ، أي: غير طامعٍ، والإشراف أن يقول مع نفسه: يبعث إليَّ فلانٌ بكذا (وَلَا سَائِلٍ) أي: ولا طالبٍ له، وجواب الشَّرط في قوله: «إذا جاءك» قولُه: (فَخُذْهُ) وأطلق الأخذ أوَّلًا وعلَّقه (٤) ثانيًا بالشَّرط، فحمل المُطلَق على المُقيَّد، وهو مُقيَّدٌ أيضًا بكونه حلالًا، فلو شكَّ فيه فالاحتياط الرَّدُّ، وهو الورع نعم يجوز أخذه عملًا بالأصل، وقد رهن الشَّارع درعه عند يهوديٍّ، مع

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَلْتَفِتْ إِل يْهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْأَخْذَ مَعَ سَخَاوَةِ النَّفْسِ يُحَصِّلُ أَجْرَ الزُّهْدِ وَالْبَرَكَةَ فِي الرِّزْقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الزُّهْدَ يُحَصِّلُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِمَا لَا يَعْقِلُهُ السَّامِعُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ الْبَرَكَةُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ فَبَيَّنَ بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْبَرَكَةَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَرَبَ لَهُمُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْهَدُونَ، فَالْآكِلُ إِنَّمَا يَأْكُلُ لِيَشْبَعَ، فَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَشْبَعْ كَانَ عَنَاءً فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ لَيْسَتِ الْفَائِدَةُ فِي عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا كَثُرَ عِنْدَ الْمَرْءِ بِغَيْرِ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لِلطَّالِبِ مَا فِي مَسْأَلَتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ لِتَقَعَ مَوْعِظَتُهُ لَهُ الْمَوْقِعَ، لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِمَنْعِهِ مِنْ حَاجَتِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ ثَلَاثًا، وَجَوَازُ الْمَنْعِ فِي الرَّابِعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ سُؤَالَ الْأَعْلَى لَيْسَ بِعَارٍ، وَأَنَّ رَدَّ السَّائِلِ بَعْدَ ثَلَاثٍ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مَقْرُونٌ بِالْبَرَكَةِ. وَقَدْ زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ: فَمَاتَ حِينَ مَاتَ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا.

وَفِيهِ أَيْضًا سَبَبُ ذَلِكَ وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ أَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ دُونَ مَا أَعْطَى أَصْحَابَهُ، فَقَالَ حَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تَقْصُرَ بِي دُونَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَزَادَهُ، ثُمَّ اسْتَزَادَهُ حَتَّى رَضِيَ. فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ.

٥١ - بَاب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ: خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ.

[الحديث ١٤٧٣ - طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي تَقْدِيمُ الْآيَةِ، وَسَقَطَتْ لِلْأَكْثَرِ، وَمُطَابَقَتُهَا لِحَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَدْحِ مَنْ يُعْطِي السَّائِلَ وَغَيْرَ السَّائِلِ، وَإِذَا كَانَ الْمُعْطِي مَمْدُوحًا فَعَطِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ وَآخِذُهَا غَيْرُ مَلُومٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ فِي الْمُرَادِ بِالْمَحْرُومِ: فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخَرَ، وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ تَنْطَبِقُ التَّرْجَمَةُ. وَالْإَشْرَافُ بِالْمُعْجَمَةِ التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْرَفَ عَلَى كَذَا إِذَا تَطَاوَلَ لَهُ، وَقِيلَ: لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ شَرَفٌ لِذَلِكَ. وَتَقْدِيرُ جَوَابِ الشَّرْطِ: فَلْيَقْبَلْ، أَيْ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَعَ انْتِفَاءِ الْقَيْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلْيَقْبَلْ. وَإِنَّمَا حَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَأَوْرَدَهَا بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ وَرَدَ فِي الْإِعْطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفَقِيرِ فِي مَعْنَى الْعَطَاءِ لِلْغَنِيِّ إِذَا انْتَفَى الشَّرْطَانِ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ إِشْرَافِ النَّفْسِ فَقَالَ: بِالْقَلْبِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ مَعَ نَفْسِهِ يَبْعَثُ إِلَيَّ فَلَانٌ بِكَذَا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي الْأَحْكَامِ: حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ. وَذَكَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ) ابن شهابٍ (١) (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (٢) يُعْطِينِي العَطَاءَ) أي: بسبب العُمالة -كما في «مسلمٍ» - لا من الصَّدقات، فليست من جهة الفقر (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) عبَّر بـ «أفقر» ليفيد نكتةً حسنةً، وهي كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما؛ لأنَّه إنَّما يتحقَّق فقيرٌ وأفقرُ؛ إذا كان الفقير له شيءٌ يقلُّ ويكثر، أمَّا لو كان الفقير هو الذي لا شيء له ألبتَّة؛ لكان (٣) الفقراء كلُّهم سواءً ليس فيهم أفقر، قاله صاحب «المصابيح» (فَقَالَ) : (خُذْهُ) أي: بالشَّرط المذكور بعد، وزاد في رواية شُعيبٍ عن الزُّهريِّ في «الأحكام» [خ¦٧١٦٣]: «فتموَّله وتصدَّق به» أي: اقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدلُّ على أنَّه ليس من أموال الصَّدقات؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتَّخذه مالًا (إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ) أي: من جنس المال (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بسكون الشِّين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حاليَّةٌ، أي: غير طامعٍ، والإشراف أن يقول مع نفسه: يبعث إليَّ فلانٌ بكذا (وَلَا سَائِلٍ) أي: ولا طالبٍ له، وجواب الشَّرط في قوله: «إذا جاءك» قولُه: (فَخُذْهُ) وأطلق الأخذ أوَّلًا وعلَّقه (٤) ثانيًا بالشَّرط، فحمل المُطلَق على المُقيَّد، وهو مُقيَّدٌ أيضًا بكونه حلالًا، فلو شكَّ فيه فالاحتياط الرَّدُّ، وهو الورع نعم يجوز أخذه عملًا بالأصل، وقد رهن الشَّارع درعه عند يهوديٍّ، مع

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله