الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٨١
الحديث رقم ١٤٨١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خرص الثمر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
فَلَمَّا قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: هَذِهِ طَابَةُ فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي
⦗١٢٦⦘
سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا»
١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو: ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ
١٤٨٢ (م) - وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ.
بَابُ الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِقْبَالِ أَوْ بِالْقَبُولِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِقْبَالًا أَيْ سَعْدُ. عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ أَتُقَابِلُنِي قُبَالًا بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ؟ وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ﷺ كَرِهَ مِنْهُ إِلْحَاحَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَشْفُوعَ لَهُ تَرَكَ السُّؤَالَ فَمُدِحَ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَسَنِ الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْإِيمَانِ، وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيرَادِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَةِ الْغَرِيبَةِ إِذَا وَافَقَ مَا فِي الْحَدِيثِ مَا فِي الْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: (غَيْرَ وَاقِعٍ) أَيْ: لَازِمًا وَ (إِذَا وَقَعَ) أَيْ: إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ النَّوَادِرِ حَيْثُ كَانَ الثُّلَاثِيُّ مُتَعَدِّيًا، وَالْمَزِيدُ فِيهِ لَازِمًا عَكْسُ الْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَلِفُ أُكَبُّ لِلصَّيْرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَكْبَرُ عنَ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي فِي السِّنِّ، وَمِثْلُ هَذَا جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ أَسَنَّ مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَأَمَّا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، وَقِيلَ: قَبْلَهَا. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ سِنًّا (١) تَعَقَبُّوهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ يَعْنِي أَدْرَكَ السَّمَاعَ مِنْهُ، وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَمُخْتَلَفٌ فِي لُقِيِّهِ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنِ ابْنِهِ سَالِمٍ عَنْهُ، وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا مِنَ ابْنِ عُمَرَ ثَبَتَ ذِكْرُ سَالِمٍ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّالُّ عَلَى ذَمِّ السُّؤَالِ وَمَدْحِ الِاكْتِسَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تُحْمَدُ مَعَ الْعِفَّةِ عَنِ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَحُسْنُ الْإِرْشَادِ لِوَضْعِ الصَّدَقَةِ، وَأَنْ يَتَحَرَّى وَضْعَهَا فِيمَنْ صِفَتُهُ التَّعَفُّفُ دُونَ الْإِلْحَاحِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ، وَأَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ لَكِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَعَكَسَ آخَرُونَ فَقَالُوا: الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّعَفُّفِ وَعَدَمِ الْإِلْحَافِ فِي السُّؤَالِ، لَكِنْ قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَافِ، بَلْ هِيَ كَقَوْلِهِ: أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَا قَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٤ - بَاب خَرْصِ التمَرِ
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على أرباب الثِّمار في التَّناول منها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأنَّ في منعهم منها تضييقًا لا يخفى، وخرج بالتَّمر الحبُّ لاستتاره (١)، ولأنَّه يُؤكَل غالبًا رطبًا (٢) بخلاف التَّمر.
١٤٨١ - ١٤٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الكاف، أبو بِشْرٍ الدَّارميُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (٣)، المازنيِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بتشديد المُوحَّدة، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن سهل (السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) المنذر أو عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيِّ) ﵁ (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ) غير
منصرفٍ، وكانت في رجب سنة تسعٍ (فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى) بضمِّ القاف: مدينةٌ قديمةٌ بين المدينة والشَّام (إِذَا امْرَأَةٌ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمها (فِي حَدِيقَةٍ لَهَا) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: لا يمتنع الابتداء بالنَّكرة المحضة (١) على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدةٌ، نحو: رجلٌ يتكلَّم، إذ لا تخلو الدُّنيا من رجلٍ متكلِّمٍ، فلو اقترن بالنَّكرة قرينةٌ تحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها، ومن تلك القرائن الاعتمادُ على «إذا» الفجائيَّة، نحو: انطلقت فإذا سبعٌ في الطَّريق، والحَديقة: بفتح الحاء المهملة والقاف، قال ابن سِيْدَه: هي من (٢) الرِّياض، كلُّ أرضٍ استدارت، وقِيلَ: البستان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا) بضمِّ الرَّاء، زاد سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: فخرصنا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على اسم من خرص منهم (وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا (٣): أَحْصِي) بفتح الهمزة، من الإحصاء، وهو العدُّ، احفظي (٤) قدر (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كيلًا (فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ) ﵊: (أَمَا) بتخفيف الميم (إِنَّهَا) بكسر الهمزة إن جعلت «أَمَا» بمعنى: حقًّا، وبفتحها إن جُعِلت استفتاحيَّةً (سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ) زاد سليمان: «عليكم» (رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ) منكم (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ) أي: يشدَّه بالعقال، وهو الحبل (فَعَقَلْنَاهَا) ولغير أبي ذرٍّ: «ففعلنا» من الفعل (وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) بتشديد الياء، بعدها همزةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «جبلي» بالتَّثنية، واسم
أحدهما: أَجَأٌ، بفتح الهمزة والجيم ثمَّ همزةٌ، على وزن «فَعَل» (١)، وقد لا يُهمَز، فيكون بوزن «عصا» واسم الآخر: سلمى (٢). (وَأَهْدَى) يُوحَنَّا -بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- ابن رُوبة، واسم أمِّه: العَلْماء بفتح العين وسكون اللَّام وبالمدِّ (مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بعدها لامٌ مفتوحةٌ: بلدةٌ قديمةٌ بساحل البحر (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) واسمها -كما جزم به النَّوويُّ-: دُلْدُل، وقال: لكنَّ ظاهر اللَّفظ هنا أنَّه أهداها للنَّبيِّ ﷺ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسعٍ من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند النَّبيِّ (٣) ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حُنَينٍ كما هو مشهورٌ في الحديث، وكانت حُنَينٌ عقب فتح مكَّة سنة ثمانٍ، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنَّه كان له ﷺ بغلةٌ غيرها، فيُحمَل قوله على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي التَّرتيب. انتهى كلام النَّوويِّ. وتعقَّبه الجلال البلقينيُّ بأنَّ البغلة التي كان عليها يوم حُنَيْنٍ غير هذه، ففي «مسلمٍ»: أنَّه كان ﵊ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فَروة الجُذاميُّ، وهذا يدلُّ على المغايرة، قال: وفيما قاله القاضي من التَّوحيد نظرٌ، فقد قِيلَ: إنَّه كان له من البغال دُلْدُلُ وفضَّةُ والتي أهداها له (٤) ابن العَلْماء والأيليَّة، وبغلةٌ أهداها له كِسْرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النَّجاشيِّ، كذا في «السِّيرة» لمغلطاي، قال: وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العَلْماء والأيليَّة، فإنَّ ابن العَلْماء هو صاحب أَيْلَة، ونقص ذكر البغلة التي
أهداها له (١) فَروة الجُذاميُّ. (وَكَسَاهُ) النَّبيُّ ﷺ (بُرْدًا) الضَّمير المنصوب عائدٌ على (٢) ملك أيلة، وهو المكسوُّ (وَكَتَبَ) ﵊ (لَهُ) أي: لملك أَيْلَة (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، والمراد: أهل بحرهم؛ لأنَّهم كانوا سكَّانًا بساحل البحر، والمعنى أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، ولفظ الكتاب كما ذكره ابن إسحاق بعد البسملة: هذه أمنةٌ من الله، ومحمَّدٍ النَّبيِّ رسولِ الله ليوحَنَّا (٣) بن رُوبة، وأهلِ أيلةَ أساقفِتهم وسائرِهم (٤) في البرِّ والبحر لهم ذمَّة الله وذمَّة النَّبيِّ، ومن كان معه من أهل الشَّام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا؛ فإنَّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنَّه طيِّبٌ لمن أخذه من النَّاس، وإنَّه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يردونه من برٍّ أو بحرٍ (٥)، هذا كتاب جهيم بن الصَّلت وشُرَحْبيلَ بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ. (فَلَمَّا أَتَى) النَّبيُّ ﷺ (وَادِيَ القُرَى) المدينة السَّابق ذكرُها قريبًا (قَالَ لِلْمَرْأَةِ) صاحبة الحديقة المذكورة قبل: (كَمْ جَاءَت) وفي نسخةٍ: «جاء» بإسقاط تاء التَّأنيث، و «جاء» هنا بمعنى: «كان» أي: كم كان (حَدِيقَتُكِ) أي: ثمرها (٦)؟ ولمسلمٍ: فسأل المرأة عن حديقتها: «كم بلغ ثمرها»؟ (قَالَتْ: عَشَرَةَُ أَوْسُقٍ) بنصب «عشرةَ» على نزع الخافض، أي: بمقدار عشرة أوسقٍ، أو على الحال، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس المعنى على أنَّ ثمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسقٍ، بل لا معنى له أصلًا. انتهى. (خَرْصَُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) مصدرٌ منصوبٌ بدلٌ من «عشرة أوسق» (٧)، أو عطف بيانٍ لها، ولأبي ذرٍّ: «خرصُ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي خرصُ، ويجوز رفع «عشرةُ»، و «خرصُ» على تقدير: الحاصلُ عشرةُ أوسق، وهو (٨) خرص رسول الله ﷺ، كذا قاله الكِرمانيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه مُنَافٍ لتقديره أوَّلًا: جاءت بمقدار عشرة أوسقٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ) إليها (مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ) وفي تعليق سليمان بن بلالٍ الآتي قريبًا [خ¦١٤٨٢] الموصول عند أبي عليِّ بن خزيمة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُرَابٍ؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى، قال في «الفتح»: ففيه بيان قوله: «إنِّي متعجِّلٌ إلى المدينة» أي: إنِّي سالكٌ الطَّريق القريبة، فمن أراد فليأتِ معي؛ يعني: ممَّن له اقتدارٌ على ذلك دون بقيَّة الجيش، قال ابن بكَّارٍ شيخ المؤلِّف: (فَلَمَّا) بالفاء وتشديد الميم، قال المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً) مقول ابن بكَّار (١)، ولأبي ذرٍّ: «كلمةٌ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (مَعْنَاهَا) ولأبي ذرٍّ: «معناه»: (أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: (هَذِهِ طَابَةُ) غير منصرفةٍ (فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هذا جُبَيْلٌ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وللأربعة: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حقيقةً، ولا يُنكَر وصفُ الجماد أنَّه يحبُّ الرَّسول، كما حنَّت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتَّى سمع القوم حنينها حتَّى سكَّنها [خ¦٣٥٨٣] وكما أخبر أنَّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، فلا يُنكَر أن يكون جبل أُحدٍ وجميع أجزاء المدينة تحبُّه، وتحنُّ إلى لقائه حال مفارقته إيَّاها، وقال الخطَّابيُّ: أراد به أهل المدينة وسكَّانها، كقوله (٢) تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلَها، فيكون على حذف مضافٍ، وأهل المدينة الأنصار، ثمَّ قال ﵊ لمن كان معه من أصحابه: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟) «ألا» للتَّنبيه، و «دور»: جمعُ دارٍ، يريد (٣) بها: القبائل الذين يسكنون الدُّور، وهي المَحَالّ (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنا (قَالَ) ﵊: خيرُهم (دُورُ بَنِي النَّجَّارِ) بفتح النُّون والجيم المُشدَّدة، تيم (٤) بن ثعلبة، وسُمِّي بالنَّجار -فيما قِيلَ- لأنَّه اختتن بَقُدومٍ (ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين
المعجمة وفتح الهاء، بعدها لامٌ (١) (ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر العين المهملة (أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بفتح الخاء وسكون الزَّاي المعجمتين، وفتح الرَّاء، بعدها جيمٌ (وَفِي كُلِّ دُورِ (٢) الأَنْصَارِ -يَعْنِي- خَيْرًا) أي: كأنَّ لفظ «خيرًا» محذوفٌ من كلام الرَّسول ﷺ، وهو مرادٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «خيرٌ» بالرَّفع. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) يعني: ابن يحيى، المازنيُّ، بالسَّند المذكور، وهو موصولٌ في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٩١]: (ثُمَّ دَارُ بَنِي (٣) الحَارِثِ ثُمَّ) دار (٤) (بَنِي سَاعِدَةَ) فقدَّم بني الحارث على بني ساعدة. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ المذكور أيضًا، ممَّا وصله أبو عليِّ بن خزيمة في «فوائده»: (عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ) بسكون العين في الأوَّل (٥)، الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ) بفتح المعجمة وكسر الزَّاي وتشديد التَّحتيَّة، وعُمَارة بضمِّ العين (٦) وتخفيف الميم، المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بالمُوحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) فخالف عُمَارة بن غزيَّة (٧) عمرو بن يحيى في إسناد (٨) الحديث فقال: عمرٌو عن عبَّاسٍ عن أبي حُمَيْدٍ، كما سبق أوَّلًا، وقال: عُمَارة عن عبَّاسٍ عن أبيه، فيحتمل -كما قاله في «الفتح» - أن يسلك طريق الجمع، بأن يكون عبَّاسٌ أخذ القَدْر المذكور - «وهو أُحدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» - عن أبيه وعن أبي حُمَيْدٍ معًا، أو حَمَلَ الحديث عنهما معًا، أو كلُّه عن أبي حُمَيْدٍ ومعظمه عن أبيه، وكان
يحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وفي نسخةٍ: «وقال أبو عُبيدٍ» بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وعليها شرح الحافظ ابن حجرٍ، وقال كغيره: إنَّه القاسم بن سلامٍ الإمام المشهور صاحب «الغريب» مفسِّرًا لما سبق من قوله: «الحديقةُ»: (كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَقُلْ) فيه: (حَدِيقَةٌ) وقال في «القاموس»: الحديقة: الرَّوضة ذات الشَّجر، أو القطعة من النَّخل.
وفي هذا الحديث مشروعيَّة الخرص، واختُلِف: هل يختصّ بالنَّخل، أو يُلحَق به العنب، أو يعمُّ كلَّ ما يُنتفَع به رطبًا وجافًّا؟ فقال بالأوَّل شُرَيْحٌ القاضي وبعض أهل الظَّاهر، وبالثَّاني الجمهور، وإلى الثَّالث نحا البخاريُّ، وهل يكفي خارصٌ واحدٌ أهلٌ للشَّهادات (١) عارفٌ بالخرص أو لا بدَّ من اثنين؟ قولان للشَّافعيِّ، والجمهور على الأوَّل؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ: أنَّه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصًا.
وفي حديث الباب التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٢٢] وفي «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩١] ببعضه، ومسلمٌ في «فضل النَّبيِّ ﷺ» و «الحجِّ»، وأبو داود في «الخراج».
(٥٥) (بابُ) أخذ (العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ) وهو المطر (وَبِالمَاءِ الجَارِي) كماء العيون والآبار، ولفظ «سنن أبي داود»: «فيما سقت السَّماء والأنهار والعيون»، ولأبي ذرٍّ: «والماء الجاري» بإسقاط المُوحَّدة (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ (فِي العَسَلِ شَيْئًا) من الزَّكاة، وهذا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ قال: جاء كتابٌ من عمر بن عبد العزيز
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِقْبَالِ أَوْ بِالْقَبُولِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِقْبَالًا أَيْ سَعْدُ. عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ أَتُقَابِلُنِي قُبَالًا بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ؟ وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ﷺ كَرِهَ مِنْهُ إِلْحَاحَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَشْفُوعَ لَهُ تَرَكَ السُّؤَالَ فَمُدِحَ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَسَنِ الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْإِيمَانِ، وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيرَادِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَةِ الْغَرِيبَةِ إِذَا وَافَقَ مَا فِي الْحَدِيثِ مَا فِي الْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: (غَيْرَ وَاقِعٍ) أَيْ: لَازِمًا وَ (إِذَا وَقَعَ) أَيْ: إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ النَّوَادِرِ حَيْثُ كَانَ الثُّلَاثِيُّ مُتَعَدِّيًا، وَالْمَزِيدُ فِيهِ لَازِمًا عَكْسُ الْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَلِفُ أُكَبُّ لِلصَّيْرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَكْبَرُ عنَ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي فِي السِّنِّ، وَمِثْلُ هَذَا جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ أَسَنَّ مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَأَمَّا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، وَقِيلَ: قَبْلَهَا. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ سِنًّا (١) تَعَقَبُّوهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ يَعْنِي أَدْرَكَ السَّمَاعَ مِنْهُ، وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَمُخْتَلَفٌ فِي لُقِيِّهِ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنِ ابْنِهِ سَالِمٍ عَنْهُ، وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا مِنَ ابْنِ عُمَرَ ثَبَتَ ذِكْرُ سَالِمٍ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّالُّ عَلَى ذَمِّ السُّؤَالِ وَمَدْحِ الِاكْتِسَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تُحْمَدُ مَعَ الْعِفَّةِ عَنِ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَحُسْنُ الْإِرْشَادِ لِوَضْعِ الصَّدَقَةِ، وَأَنْ يَتَحَرَّى وَضْعَهَا فِيمَنْ صِفَتُهُ التَّعَفُّفُ دُونَ الْإِلْحَاحِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ، وَأَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ لَكِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَعَكَسَ آخَرُونَ فَقَالُوا: الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّعَفُّفِ وَعَدَمِ الْإِلْحَافِ فِي السُّؤَالِ، لَكِنْ قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَافِ، بَلْ هِيَ كَقَوْلِهِ: أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَا قَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٤ - بَاب خَرْصِ التمَرِ
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على أرباب الثِّمار في التَّناول منها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأنَّ في منعهم منها تضييقًا لا يخفى، وخرج بالتَّمر الحبُّ لاستتاره (١)، ولأنَّه يُؤكَل غالبًا رطبًا (٢) بخلاف التَّمر.
١٤٨١ - ١٤٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الكاف، أبو بِشْرٍ الدَّارميُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (٣)، المازنيِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بتشديد المُوحَّدة، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن سهل (السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) المنذر أو عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيِّ) ﵁ (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ) غير
منصرفٍ، وكانت في رجب سنة تسعٍ (فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى) بضمِّ القاف: مدينةٌ قديمةٌ بين المدينة والشَّام (إِذَا امْرَأَةٌ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمها (فِي حَدِيقَةٍ لَهَا) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: لا يمتنع الابتداء بالنَّكرة المحضة (١) على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدةٌ، نحو: رجلٌ يتكلَّم، إذ لا تخلو الدُّنيا من رجلٍ متكلِّمٍ، فلو اقترن بالنَّكرة قرينةٌ تحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها، ومن تلك القرائن الاعتمادُ على «إذا» الفجائيَّة، نحو: انطلقت فإذا سبعٌ في الطَّريق، والحَديقة: بفتح الحاء المهملة والقاف، قال ابن سِيْدَه: هي من (٢) الرِّياض، كلُّ أرضٍ استدارت، وقِيلَ: البستان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا) بضمِّ الرَّاء، زاد سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: فخرصنا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على اسم من خرص منهم (وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا (٣): أَحْصِي) بفتح الهمزة، من الإحصاء، وهو العدُّ، احفظي (٤) قدر (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كيلًا (فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ) ﵊: (أَمَا) بتخفيف الميم (إِنَّهَا) بكسر الهمزة إن جعلت «أَمَا» بمعنى: حقًّا، وبفتحها إن جُعِلت استفتاحيَّةً (سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ) زاد سليمان: «عليكم» (رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ) منكم (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ) أي: يشدَّه بالعقال، وهو الحبل (فَعَقَلْنَاهَا) ولغير أبي ذرٍّ: «ففعلنا» من الفعل (وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) بتشديد الياء، بعدها همزةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «جبلي» بالتَّثنية، واسم
أحدهما: أَجَأٌ، بفتح الهمزة والجيم ثمَّ همزةٌ، على وزن «فَعَل» (١)، وقد لا يُهمَز، فيكون بوزن «عصا» واسم الآخر: سلمى (٢). (وَأَهْدَى) يُوحَنَّا -بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- ابن رُوبة، واسم أمِّه: العَلْماء بفتح العين وسكون اللَّام وبالمدِّ (مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بعدها لامٌ مفتوحةٌ: بلدةٌ قديمةٌ بساحل البحر (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) واسمها -كما جزم به النَّوويُّ-: دُلْدُل، وقال: لكنَّ ظاهر اللَّفظ هنا أنَّه أهداها للنَّبيِّ ﷺ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسعٍ من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند النَّبيِّ (٣) ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حُنَينٍ كما هو مشهورٌ في الحديث، وكانت حُنَينٌ عقب فتح مكَّة سنة ثمانٍ، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنَّه كان له ﷺ بغلةٌ غيرها، فيُحمَل قوله على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي التَّرتيب. انتهى كلام النَّوويِّ. وتعقَّبه الجلال البلقينيُّ بأنَّ البغلة التي كان عليها يوم حُنَيْنٍ غير هذه، ففي «مسلمٍ»: أنَّه كان ﵊ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فَروة الجُذاميُّ، وهذا يدلُّ على المغايرة، قال: وفيما قاله القاضي من التَّوحيد نظرٌ، فقد قِيلَ: إنَّه كان له من البغال دُلْدُلُ وفضَّةُ والتي أهداها له (٤) ابن العَلْماء والأيليَّة، وبغلةٌ أهداها له كِسْرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النَّجاشيِّ، كذا في «السِّيرة» لمغلطاي، قال: وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العَلْماء والأيليَّة، فإنَّ ابن العَلْماء هو صاحب أَيْلَة، ونقص ذكر البغلة التي
أهداها له (١) فَروة الجُذاميُّ. (وَكَسَاهُ) النَّبيُّ ﷺ (بُرْدًا) الضَّمير المنصوب عائدٌ على (٢) ملك أيلة، وهو المكسوُّ (وَكَتَبَ) ﵊ (لَهُ) أي: لملك أَيْلَة (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، والمراد: أهل بحرهم؛ لأنَّهم كانوا سكَّانًا بساحل البحر، والمعنى أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، ولفظ الكتاب كما ذكره ابن إسحاق بعد البسملة: هذه أمنةٌ من الله، ومحمَّدٍ النَّبيِّ رسولِ الله ليوحَنَّا (٣) بن رُوبة، وأهلِ أيلةَ أساقفِتهم وسائرِهم (٤) في البرِّ والبحر لهم ذمَّة الله وذمَّة النَّبيِّ، ومن كان معه من أهل الشَّام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا؛ فإنَّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنَّه طيِّبٌ لمن أخذه من النَّاس، وإنَّه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يردونه من برٍّ أو بحرٍ (٥)، هذا كتاب جهيم بن الصَّلت وشُرَحْبيلَ بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ. (فَلَمَّا أَتَى) النَّبيُّ ﷺ (وَادِيَ القُرَى) المدينة السَّابق ذكرُها قريبًا (قَالَ لِلْمَرْأَةِ) صاحبة الحديقة المذكورة قبل: (كَمْ جَاءَت) وفي نسخةٍ: «جاء» بإسقاط تاء التَّأنيث، و «جاء» هنا بمعنى: «كان» أي: كم كان (حَدِيقَتُكِ) أي: ثمرها (٦)؟ ولمسلمٍ: فسأل المرأة عن حديقتها: «كم بلغ ثمرها»؟ (قَالَتْ: عَشَرَةَُ أَوْسُقٍ) بنصب «عشرةَ» على نزع الخافض، أي: بمقدار عشرة أوسقٍ، أو على الحال، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس المعنى على أنَّ ثمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسقٍ، بل لا معنى له أصلًا. انتهى. (خَرْصَُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) مصدرٌ منصوبٌ بدلٌ من «عشرة أوسق» (٧)، أو عطف بيانٍ لها، ولأبي ذرٍّ: «خرصُ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي خرصُ، ويجوز رفع «عشرةُ»، و «خرصُ» على تقدير: الحاصلُ عشرةُ أوسق، وهو (٨) خرص رسول الله ﷺ، كذا قاله الكِرمانيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه مُنَافٍ لتقديره أوَّلًا: جاءت بمقدار عشرة أوسقٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ) إليها (مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ) وفي تعليق سليمان بن بلالٍ الآتي قريبًا [خ¦١٤٨٢] الموصول عند أبي عليِّ بن خزيمة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُرَابٍ؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى، قال في «الفتح»: ففيه بيان قوله: «إنِّي متعجِّلٌ إلى المدينة» أي: إنِّي سالكٌ الطَّريق القريبة، فمن أراد فليأتِ معي؛ يعني: ممَّن له اقتدارٌ على ذلك دون بقيَّة الجيش، قال ابن بكَّارٍ شيخ المؤلِّف: (فَلَمَّا) بالفاء وتشديد الميم، قال المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً) مقول ابن بكَّار (١)، ولأبي ذرٍّ: «كلمةٌ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (مَعْنَاهَا) ولأبي ذرٍّ: «معناه»: (أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: (هَذِهِ طَابَةُ) غير منصرفةٍ (فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هذا جُبَيْلٌ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وللأربعة: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حقيقةً، ولا يُنكَر وصفُ الجماد أنَّه يحبُّ الرَّسول، كما حنَّت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتَّى سمع القوم حنينها حتَّى سكَّنها [خ¦٣٥٨٣] وكما أخبر أنَّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، فلا يُنكَر أن يكون جبل أُحدٍ وجميع أجزاء المدينة تحبُّه، وتحنُّ إلى لقائه حال مفارقته إيَّاها، وقال الخطَّابيُّ: أراد به أهل المدينة وسكَّانها، كقوله (٢) تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلَها، فيكون على حذف مضافٍ، وأهل المدينة الأنصار، ثمَّ قال ﵊ لمن كان معه من أصحابه: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟) «ألا» للتَّنبيه، و «دور»: جمعُ دارٍ، يريد (٣) بها: القبائل الذين يسكنون الدُّور، وهي المَحَالّ (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنا (قَالَ) ﵊: خيرُهم (دُورُ بَنِي النَّجَّارِ) بفتح النُّون والجيم المُشدَّدة، تيم (٤) بن ثعلبة، وسُمِّي بالنَّجار -فيما قِيلَ- لأنَّه اختتن بَقُدومٍ (ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين
المعجمة وفتح الهاء، بعدها لامٌ (١) (ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر العين المهملة (أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بفتح الخاء وسكون الزَّاي المعجمتين، وفتح الرَّاء، بعدها جيمٌ (وَفِي كُلِّ دُورِ (٢) الأَنْصَارِ -يَعْنِي- خَيْرًا) أي: كأنَّ لفظ «خيرًا» محذوفٌ من كلام الرَّسول ﷺ، وهو مرادٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «خيرٌ» بالرَّفع. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) يعني: ابن يحيى، المازنيُّ، بالسَّند المذكور، وهو موصولٌ في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٩١]: (ثُمَّ دَارُ بَنِي (٣) الحَارِثِ ثُمَّ) دار (٤) (بَنِي سَاعِدَةَ) فقدَّم بني الحارث على بني ساعدة. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ المذكور أيضًا، ممَّا وصله أبو عليِّ بن خزيمة في «فوائده»: (عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ) بسكون العين في الأوَّل (٥)، الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ) بفتح المعجمة وكسر الزَّاي وتشديد التَّحتيَّة، وعُمَارة بضمِّ العين (٦) وتخفيف الميم، المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بالمُوحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) فخالف عُمَارة بن غزيَّة (٧) عمرو بن يحيى في إسناد (٨) الحديث فقال: عمرٌو عن عبَّاسٍ عن أبي حُمَيْدٍ، كما سبق أوَّلًا، وقال: عُمَارة عن عبَّاسٍ عن أبيه، فيحتمل -كما قاله في «الفتح» - أن يسلك طريق الجمع، بأن يكون عبَّاسٌ أخذ القَدْر المذكور - «وهو أُحدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» - عن أبيه وعن أبي حُمَيْدٍ معًا، أو حَمَلَ الحديث عنهما معًا، أو كلُّه عن أبي حُمَيْدٍ ومعظمه عن أبيه، وكان
يحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وفي نسخةٍ: «وقال أبو عُبيدٍ» بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وعليها شرح الحافظ ابن حجرٍ، وقال كغيره: إنَّه القاسم بن سلامٍ الإمام المشهور صاحب «الغريب» مفسِّرًا لما سبق من قوله: «الحديقةُ»: (كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَقُلْ) فيه: (حَدِيقَةٌ) وقال في «القاموس»: الحديقة: الرَّوضة ذات الشَّجر، أو القطعة من النَّخل.
وفي هذا الحديث مشروعيَّة الخرص، واختُلِف: هل يختصّ بالنَّخل، أو يُلحَق به العنب، أو يعمُّ كلَّ ما يُنتفَع به رطبًا وجافًّا؟ فقال بالأوَّل شُرَيْحٌ القاضي وبعض أهل الظَّاهر، وبالثَّاني الجمهور، وإلى الثَّالث نحا البخاريُّ، وهل يكفي خارصٌ واحدٌ أهلٌ للشَّهادات (١) عارفٌ بالخرص أو لا بدَّ من اثنين؟ قولان للشَّافعيِّ، والجمهور على الأوَّل؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ: أنَّه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصًا.
وفي حديث الباب التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٢٢] وفي «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩١] ببعضه، ومسلمٌ في «فضل النَّبيِّ ﷺ» و «الحجِّ»، وأبو داود في «الخراج».
(٥٥) (بابُ) أخذ (العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ) وهو المطر (وَبِالمَاءِ الجَارِي) كماء العيون والآبار، ولفظ «سنن أبي داود»: «فيما سقت السَّماء والأنهار والعيون»، ولأبي ذرٍّ: «والماء الجاري» بإسقاط المُوحَّدة (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ (فِي العَسَلِ شَيْئًا) من الزَّكاة، وهذا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ قال: جاء كتابٌ من عمر بن عبد العزيز