«حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٩٠

الحديث رقم ١٤٩٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يشتري الرجل صدقته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٩٠ في صحيح البخاري

«حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِي، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ.»

بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ

إسناد حديث رقم ١٤٩٠ من صحيح البخاري

١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٩٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ - وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ - فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِي وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ.

[الحديث ١٤٩٠ - أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ: هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ؟) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ، لِأَنَّ تَنْزِيلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى سَبَبِهِ يَضْعُفُ مَعَهُ تَعْمِيمُ الْمَنْعِ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ بِالشِّرَاءِ بِدُونِ الْقِيمَةِ لِقَوْلِهِ: وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ. وَكَذَا إِطْلَاقُ الشَّارِعِ الْعَوْدَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى رُجُوعِ بَعْضِهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، قَالَ: وَقُصِدَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ شِرَاءِ الرَّجُلِ صَدَقَتَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا دَقِيقٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا لِلنَّهْيِ الثَّابِتِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ الْبَيْعِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةَ غَيْرِهِ) قَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا ذُكِرَ، وَمُرَادُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: لَا تَعُدْ. وَقَوْلُهُ: الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَعْمِيمَ الْمَنْعِ لَقَالَ: لَا تَشْتَرُوا الصَّدَقَةَ مَثَلًا، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ إِذَا حُوِّلَتِ الصَّدَقَةُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَصَدُّقِهِ بِالْفَرَسِ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَسِيَاقُ الْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْأُولَى، لَكِنْ حَيْثُ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ فَهِيَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ) أَيْ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَّكَهُ لَهُ، وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ بَيْعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ، وَإِنَّمَا سَاغَ لِلرَّجُلِ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ هُزَالٌ، عَجَزَ لِأَجْلِهِ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ، وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ، وَانْتَهَى إِلَى حَالَةِ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمْلُ تَمْلِيكٍ قَوْلُهُ: وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ. وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَعَلَّة بِهِ.

وقَوْلُهُ فِيهَا: فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ. أَيْ بِتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَلَفِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَالَ فِي الْأُولَى: فَوَجَدَهُ يُبَاعُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي رُخْصِهِ، وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى شِرَائِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَعُدْ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: وَلَا تَعُودَنَّ وَسَمَّى شِرَاءَهُ بِرُخْصٍ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِرُخْصٍ فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ عَرَضَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي بَيْعَ مِثْلِ ذَلِكَ بِرُخْصٍ لِغَيْرِ الْمُتَصَدِّقِ، فَكَيْفَ بِالْمُتَصَدِّقِ فَيَصِيرُ رَاجِعًا فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ) أَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْفَرَسِ الْوَرْدُ، وَأَنَّهُ كَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ ، فَأَعْطَاهُ لِعُمَرَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً لِكَوْنِ الْقَيْءِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْكَفَّارَةُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُرُبَاتِ. وَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ فَلَا كَرَاهَةَ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً. كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَلَى حَرْفِ لَا تَضْبِيبٌ وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ. وَبِإِثْبَاتِ النَّفْيِ يَتِمُّ الْمَعْنَى أَيْ كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أنسٍ» (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أسلم المخضرم، مولى عمر، المُتوفَّى سنة ستِّين، وهو ابن أربع عشرة (١) ومئة سنةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( يَقُولُ: حَمَلْتُ) رجلًا (عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: جعلته حمولةَ من لم تكن له حمولةٌ من المجاهدين (٢)، ملَّكه إيَّاه، وكان اسم الفرس فيما ذكره ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: الورد، وكان لتميمٍ الدَّاريِّ، فأهداه للنَّبيِّ فأعطاه لعمر، ولم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسم الرَّجل (فَأَضَاعَهُ) الرَّجل (الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسَّقي وإرساله للرَّعي حتَّى صار كالشَّيء الهالك (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فظَنَنْتُ) وفي نسخةٍ: «وظننت» بالواو بدل الفاء (أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ) عن ذلك (فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ) بحذف ضمير (٣) المفعول، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا تشتره» بإثباته، ولابن عساكر: «لا تشتريه» بإشباع كسرة الرَّاء والياء، وظاهر النَّهي التَّحريمُ، لكنَّ الجمهور على أنَّه للتَّنزيه، فيُكرَه لمن تصدَّق بشيءٍ أو أخرجه في زكاةٍ أو كفَّارةٍ أو نذرٍ و (٤) نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممَّن دفعه هو إليه أو يتَّهبه أو يتملَّكه باختياره منه، فأمَّا إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالثٍ ثمَّ اشتراه منه المتصدِّق فلا كراهة، وحكى الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ»: كراهة شرائه من ثالثٍ انتقل إليه من المُتصدِّق به عليه عن بعضهم؛ لرجوعه فيما تركه لله، كما حَرُم على المهاجرين سكنى مكَّة بعد هجرتهم منها لله تعالى، وأشار إلى العلَّة في نهيه عن الابتياع بقوله: (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أي: لا تَعُدْ في صدقتك بطريق الابتياع ولا غيره، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) متعلِّقٌ بقوله: «لا تشتره»

أي: لا ترغب فيه (١) ألبتَّة، ولا تنظر إلى رخصه، ولكن انظر إلى أنَّه صدقتك، وقد أورد ابن المُنيِّر هنا سؤالًا، وهو أن الإغياء في النَّهي عادته أن يكون بالأخفِّ أو الأدنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا خفاء بأنَّ (٢) إعطاءه إيَّاه بدرهمٍ أقرب إلى الرُّجوع في الصَّدقة ممَّا إذا باعه بقيمته، وكلام الرَّسول هو الحجَّة في الفصاحة، وأجاب بأنَّ المراد: لا تغلِّب (٣) الدُّنيا على الآخرة وإن وفَّرها معطيها، فإذا زهد فيها وهي مُوفَّرةٌ، فلأن (٤) يزهد فيها وهي مُقتَّرةٌ أَحْرى وأَوْلى، فهذا على وفق القاعدة (٥). انتهى. (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) الفاء للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل كذلك يقبح أن يتصدَّق بشيءٍ، ثمَّ يجرَّه إلى نفسه بوجهٍ من الوجوه، وفي روايةٍ للشَّيخين (٦): «كالكلب يعود في قيئه» [خ¦٢٦٢٣] فشُبِّه بأخسِّ الحيوان في أخسِّ أحواله تصويرًا للتَّهجين وتنفيرًا منه، قال في «المصابيح»: وفي ذلك دليلٌ على المنع من الرُّجوع في الصَّدقة؛ لما اشتمل عليه من التَّنفير الشَّديد؛ من حيث شبَّه الرَّاجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء، والرُّجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه. انتهى. وجزم بعضهم بالحرمة، قال قتادة: لا نعلم القيء إلَّا حرامًا (٧)، والصَّحيح أنَّه للتَّنزيه؛ لأنَّ فعل الكلب لا يُوصَف بتحريمٍ؛ إذ لا تكليف عليه، فالمراد: التَّنفيرُ من العَوْد بتشبيهه (٨) بهذا المستقذر (٩).

(٦٠) (بابٌ مَا يُذْكَرُ) من الحرمة (فِي الصَّدَقَةِ) مطلقًا الفرض والتَّطوُّع (لِلنَّبِيِّ ) وهل تحريم الصَّدقة عليه من خصائصه دون الأنبياء أو الحكم شاملٌ لهم أيضًا؟ ولأبي ذرٍّ زيادة: «وآله» أي: تحرم عليهم الصَّدقة أيضًا؛ لأنَّها مطهِّرةٌ، كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولمسلمٍ: «إنَّ هذه الصَّدقات إنَّما هي أوساخ النَّاس، وإنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّدٍ»، وآل محمَّدٍ مُنزَّهون عن أوساخ النَّاس، وصيانةً لمنصبه الشَّريف؛ لأنَّها تنبئ عن ذلِّ الآخذ وعزِّ المأخوذ منه؛ لقوله : «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» [خ¦١٤٢٧] وأبدل بها الفيء الذي يُؤخَذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عزِّ (١) الآخذ وذلِّ المأخوذ منه، وتَعقَّب ابن المُنيِّر التَّعليل بأنَّها مذلَّةٌ بأنَّ مقتضاه تحريم الهبة عليهم، ولا قائل به؛ ولأنَّ الواهب أيضًا له اليد العليا، وقد جاء في بعض الطُّرق: «اليد العليا هي المعطية»، ولم يقل: المتصدِّقة، فتدخل الهبات، والأصحُّ عند أصحابنا أنَّ المُحرَّم على الآل الفرضُ دون التَّطوُّع؛ لقول جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه: أنَّه كان يشرب من سقاياتٍ بين مكَّة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصَّدقة؟ فقال: «إنَّما حُرِّم علينا الصَّدقة المفروضة»، رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وهو الصَّحيح عند الحنابلة، وبه قال الحنفيَّة (٢) وأصبغ عن ابن القاسم في «العتبيَّة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ - وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ - فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِي وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ.

[الحديث ١٤٩٠ - أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ: هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ؟) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ، لِأَنَّ تَنْزِيلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى سَبَبِهِ يَضْعُفُ مَعَهُ تَعْمِيمُ الْمَنْعِ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ بِالشِّرَاءِ بِدُونِ الْقِيمَةِ لِقَوْلِهِ: وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ. وَكَذَا إِطْلَاقُ الشَّارِعِ الْعَوْدَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى رُجُوعِ بَعْضِهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، قَالَ: وَقُصِدَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ شِرَاءِ الرَّجُلِ صَدَقَتَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا دَقِيقٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا لِلنَّهْيِ الثَّابِتِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ الْبَيْعِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةَ غَيْرِهِ) قَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا ذُكِرَ، وَمُرَادُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: لَا تَعُدْ. وَقَوْلُهُ: الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَعْمِيمَ الْمَنْعِ لَقَالَ: لَا تَشْتَرُوا الصَّدَقَةَ مَثَلًا، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ إِذَا حُوِّلَتِ الصَّدَقَةُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَصَدُّقِهِ بِالْفَرَسِ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَسِيَاقُ الْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْأُولَى، لَكِنْ حَيْثُ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ فَهِيَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ) أَيْ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَّكَهُ لَهُ، وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ بَيْعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ، وَإِنَّمَا سَاغَ لِلرَّجُلِ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ هُزَالٌ، عَجَزَ لِأَجْلِهِ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ، وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ، وَانْتَهَى إِلَى حَالَةِ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمْلُ تَمْلِيكٍ قَوْلُهُ: وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ. وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَعَلَّة بِهِ.

وقَوْلُهُ فِيهَا: فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ. أَيْ بِتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَلَفِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَالَ فِي الْأُولَى: فَوَجَدَهُ يُبَاعُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي رُخْصِهِ، وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى شِرَائِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَعُدْ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: وَلَا تَعُودَنَّ وَسَمَّى شِرَاءَهُ بِرُخْصٍ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِرُخْصٍ فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ عَرَضَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي بَيْعَ مِثْلِ ذَلِكَ بِرُخْصٍ لِغَيْرِ الْمُتَصَدِّقِ، فَكَيْفَ بِالْمُتَصَدِّقِ فَيَصِيرُ رَاجِعًا فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ) أَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْفَرَسِ الْوَرْدُ، وَأَنَّهُ كَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ ، فَأَعْطَاهُ لِعُمَرَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً لِكَوْنِ الْقَيْءِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْكَفَّارَةُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُرُبَاتِ. وَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ فَلَا كَرَاهَةَ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً. كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَلَى حَرْفِ لَا تَضْبِيبٌ وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ. وَبِإِثْبَاتِ النَّفْيِ يَتِمُّ الْمَعْنَى أَيْ كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أنسٍ» (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أسلم المخضرم، مولى عمر، المُتوفَّى سنة ستِّين، وهو ابن أربع عشرة (١) ومئة سنةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( يَقُولُ: حَمَلْتُ) رجلًا (عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: جعلته حمولةَ من لم تكن له حمولةٌ من المجاهدين (٢)، ملَّكه إيَّاه، وكان اسم الفرس فيما ذكره ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: الورد، وكان لتميمٍ الدَّاريِّ، فأهداه للنَّبيِّ فأعطاه لعمر، ولم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسم الرَّجل (فَأَضَاعَهُ) الرَّجل (الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسَّقي وإرساله للرَّعي حتَّى صار كالشَّيء الهالك (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فظَنَنْتُ) وفي نسخةٍ: «وظننت» بالواو بدل الفاء (أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ) عن ذلك (فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ) بحذف ضمير (٣) المفعول، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا تشتره» بإثباته، ولابن عساكر: «لا تشتريه» بإشباع كسرة الرَّاء والياء، وظاهر النَّهي التَّحريمُ، لكنَّ الجمهور على أنَّه للتَّنزيه، فيُكرَه لمن تصدَّق بشيءٍ أو أخرجه في زكاةٍ أو كفَّارةٍ أو نذرٍ و (٤) نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممَّن دفعه هو إليه أو يتَّهبه أو يتملَّكه باختياره منه، فأمَّا إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالثٍ ثمَّ اشتراه منه المتصدِّق فلا كراهة، وحكى الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ»: كراهة شرائه من ثالثٍ انتقل إليه من المُتصدِّق به عليه عن بعضهم؛ لرجوعه فيما تركه لله، كما حَرُم على المهاجرين سكنى مكَّة بعد هجرتهم منها لله تعالى، وأشار إلى العلَّة في نهيه عن الابتياع بقوله: (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أي: لا تَعُدْ في صدقتك بطريق الابتياع ولا غيره، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) متعلِّقٌ بقوله: «لا تشتره»

أي: لا ترغب فيه (١) ألبتَّة، ولا تنظر إلى رخصه، ولكن انظر إلى أنَّه صدقتك، وقد أورد ابن المُنيِّر هنا سؤالًا، وهو أن الإغياء في النَّهي عادته أن يكون بالأخفِّ أو الأدنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا خفاء بأنَّ (٢) إعطاءه إيَّاه بدرهمٍ أقرب إلى الرُّجوع في الصَّدقة ممَّا إذا باعه بقيمته، وكلام الرَّسول هو الحجَّة في الفصاحة، وأجاب بأنَّ المراد: لا تغلِّب (٣) الدُّنيا على الآخرة وإن وفَّرها معطيها، فإذا زهد فيها وهي مُوفَّرةٌ، فلأن (٤) يزهد فيها وهي مُقتَّرةٌ أَحْرى وأَوْلى، فهذا على وفق القاعدة (٥). انتهى. (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) الفاء للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل كذلك يقبح أن يتصدَّق بشيءٍ، ثمَّ يجرَّه إلى نفسه بوجهٍ من الوجوه، وفي روايةٍ للشَّيخين (٦): «كالكلب يعود في قيئه» [خ¦٢٦٢٣] فشُبِّه بأخسِّ الحيوان في أخسِّ أحواله تصويرًا للتَّهجين وتنفيرًا منه، قال في «المصابيح»: وفي ذلك دليلٌ على المنع من الرُّجوع في الصَّدقة؛ لما اشتمل عليه من التَّنفير الشَّديد؛ من حيث شبَّه الرَّاجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء، والرُّجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه. انتهى. وجزم بعضهم بالحرمة، قال قتادة: لا نعلم القيء إلَّا حرامًا (٧)، والصَّحيح أنَّه للتَّنزيه؛ لأنَّ فعل الكلب لا يُوصَف بتحريمٍ؛ إذ لا تكليف عليه، فالمراد: التَّنفيرُ من العَوْد بتشبيهه (٨) بهذا المستقذر (٩).

(٦٠) (بابٌ مَا يُذْكَرُ) من الحرمة (فِي الصَّدَقَةِ) مطلقًا الفرض والتَّطوُّع (لِلنَّبِيِّ ) وهل تحريم الصَّدقة عليه من خصائصه دون الأنبياء أو الحكم شاملٌ لهم أيضًا؟ ولأبي ذرٍّ زيادة: «وآله» أي: تحرم عليهم الصَّدقة أيضًا؛ لأنَّها مطهِّرةٌ، كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولمسلمٍ: «إنَّ هذه الصَّدقات إنَّما هي أوساخ النَّاس، وإنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّدٍ»، وآل محمَّدٍ مُنزَّهون عن أوساخ النَّاس، وصيانةً لمنصبه الشَّريف؛ لأنَّها تنبئ عن ذلِّ الآخذ وعزِّ المأخوذ منه؛ لقوله : «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» [خ¦١٤٢٧] وأبدل بها الفيء الذي يُؤخَذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عزِّ (١) الآخذ وذلِّ المأخوذ منه، وتَعقَّب ابن المُنيِّر التَّعليل بأنَّها مذلَّةٌ بأنَّ مقتضاه تحريم الهبة عليهم، ولا قائل به؛ ولأنَّ الواهب أيضًا له اليد العليا، وقد جاء في بعض الطُّرق: «اليد العليا هي المعطية»، ولم يقل: المتصدِّقة، فتدخل الهبات، والأصحُّ عند أصحابنا أنَّ المُحرَّم على الآل الفرضُ دون التَّطوُّع؛ لقول جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه: أنَّه كان يشرب من سقاياتٍ بين مكَّة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصَّدقة؟ فقال: «إنَّما حُرِّم علينا الصَّدقة المفروضة»، رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وهو الصَّحيح عند الحنابلة، وبه قال الحنفيَّة (٢) وأصبغ عن ابن القاسم في «العتبيَّة».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده