الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٩١
الحديث رقم ١٤٩١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يذكر في الصدقة للنبي ﷺ وآله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ
⦗١٢٨⦘
أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِذَا اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ لَا يَتْرُكُهُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا لَا لِمَنْ يَرُدُّهَا صَدَقَةً. وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَفَضْلُ الْحَمْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْغَزْوِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْحَمْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْلِيكٌ، وَأَنَّ لِلْمَحْمُولِ بَيْعَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِثَمَنِهِ. وَسَيَأْتِي تَكْمِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْهِبَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٠ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنَ الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ) لَمْ يُعَيِّنِ الْحُكْمَ لِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَوَّلُهَا الْمُرَادُ بِالْآلِ هُنَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ فِي أَبْوَابِ الْخُمُسِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَشْرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ غَيْرَهُمْ، وَتِلْكَ الْعَطِيَّةُ عِوَضٌ عُوِّضُوهُ بَدَلًا عَمَّا حُرِمُوهُ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ رِوَايَتَانِ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا بَيْنَ هَاشِمٍ، وَغَالِبِ بْنِ فِهْرٍ قَوْلَانِ، فَعَنْ أَصْبَغَ مِنْهُمْ هُمْ بَنُو قُصَيٍّ، وَعَنْ غَيْرِهِ بَنُو غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
ثَانِيهَا: كَانَ يَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ، كَمَا نَقَلَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْخَطَّابِيُّ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّطَوُّعِ قَوْلًا، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: لَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ، وَالصَّدَقَةُ يَصْرِفُهَا الرَّجُلُ عَلَى مُحْتَاجٍ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا، أَلَيْسَ يُقَالُ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَيْسَ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِوَاضِحِ الدَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ كَالْقَرْضِ وَالْهَدِيَّةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ مُتَقَوِّمًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْعَامَّةُ كَمِيَاهِ الْآبَارِ وَكَالْمَسَاجِدِ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا فِي اللُّقَطَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ؟
ثَالِثُهَا: هَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ آلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ. كَذَا قَالَ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْجَوَازَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ لَهُمْ إِذَا حَرَّمُوا سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ الْأَبْهَرِيِّ مِنْهُمْ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ: الْجَوَازُ، الْمَنْعُ، جَوَازُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ، عَكْسُهُ، وَأَدِلَّةُ الْمَنْعِ ظَاهِرَةٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وَلَوْ أَحَلَّهَا لِآلِهِ لَأَوْشَكَ أَنْ يَطْعَنُوا فِيهِ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ. كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَازُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَقَالُوا: إِنَّ الْوَاجِبَ حَقٌّ لَازِمٌ لَا يَلْحَقُ بِآخِذِهِ ذِلَّةٌ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مُوجِبَ الْمَنْعِ رَفْعُ يَدِ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، فَأَمَّا الْأَعْلَى عَلَى مِثْلِهِ فَلَا، وَلَمْ أَرَ لِمَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا دَلِيلًا إِلَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٤٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الجمحيُّ مولاهم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) زاد أبو مسلمٍ الكجِّيُّ: فلم يفطن له النَّبيُّ ﷺ حتَّى قام ولعابه يسيل، فضرب النَّبيُّ ﷺ شدقه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَِخٍ، كَِخٍ، لِيَطْرَحَهَا) بفتح الكاف وكسرها وبسكون الخاء المعجمة (١)، مُثقَّلًا ومُخفَّفًا، وبكسرها مُنوَّنةً وغير مُنوَّنةٍ، فهي ستُّ لغاتٍ، ورواية أبي ذرٍّ: «كِخْ كِخْ» بكسر الكاف وسكون الخاء مُخفَّفةً، وقال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: إنَّها (٢) من أسماء الأفعال، وفي «التُّحفة»: إنَّها من أسماء الأصوات، وبه قطع ابن هشامٍ في حواشيه على «التَّسهيل»، وقِيلَ: هي عربيَّةٌ، وقِيلَ: عجميَّةٌ، وزعم الدَّاوديُّ أنَّها مُعرَّبةٌ، وأوردها البخاريُّ في «باب من تكلَّم بالفارسيَّة» في آخر «الجهاد» [خ¦٣٠٧٢] والثَّانية تأكيدٌ للأولى، وهي كلمةٌ تُقال عند زجر الصَّبيِّ عن تناول شيءٍ وعند التَّقذُّر من شيءٍ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ له (٣): (أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) لحرمتها علينا لما ذُكِر.
(٦١) (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ) أي: عتقائهنَّ.
١٤٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ) لم تُسَمَّ هذه المولاة، وهمزة «أُعطِيتها» مضمومةٌ، مبنيًّا (١) لما لم يُسَمَّ فاعله، و «مولاةٌ» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: عتيقةٌ (لِمَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (٢) (مِنَ الصَّدَقَةِ) متعلِّقٌ (٣) بـ «أُعطِيت» أو (٤) صفةٌ لـ «شاةً»، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ مولاة ميمونة أُعطِيت صدقةً، فلم ينكر عليها النَّبيُّ ﷺ، فدلَّ على أنَّ موالي أزواجه ﵊ تحلُّ لهم الصَّدقة كهنَّ؛ لأنَّهنَّ لسن من جملة الآل، ونقل ابن بطَّالٍ الاتِّفاق عليه؛ لكن فيه نظرٌ، فقد روى الخلَّال فيما ذكره ابن قدامة من طريق ابن أبي مُليكة عن عائشة ﵂ قالت: إنَّا -آلَ محمَّدٍ- لا تحلُّ لنا الصَّدقة، قال ابن قدامة: وهذا يدلُّ على تحريمها، وإسناده حسنٌ، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥)، نعم هي حرامٌ على مواليه صلوات الله وسلامه عليه وموالي آله، وهم بنو هاشمٍ وبنو المطَّلب؛ لأنَّه ﷺ لمَّا سُئِل عن ذلك قال: «إنَّ الصَّدقة لا تحلُّ لنا، وإنَّ مولى القوم من أنفسهم»، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وإنَّما لم يترجم المؤلِّف لأزواجه؛ لأنَّه لم يَثبت عنده في ذلك شيءٌ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) أي: اللَّحم حرامٌ لا الجلدُ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِذَا اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ لَا يَتْرُكُهُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا لَا لِمَنْ يَرُدُّهَا صَدَقَةً. وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَفَضْلُ الْحَمْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْغَزْوِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْحَمْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْلِيكٌ، وَأَنَّ لِلْمَحْمُولِ بَيْعَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِثَمَنِهِ. وَسَيَأْتِي تَكْمِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْهِبَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٠ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنَ الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ) لَمْ يُعَيِّنِ الْحُكْمَ لِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَوَّلُهَا الْمُرَادُ بِالْآلِ هُنَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ فِي أَبْوَابِ الْخُمُسِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَشْرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ غَيْرَهُمْ، وَتِلْكَ الْعَطِيَّةُ عِوَضٌ عُوِّضُوهُ بَدَلًا عَمَّا حُرِمُوهُ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ رِوَايَتَانِ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا بَيْنَ هَاشِمٍ، وَغَالِبِ بْنِ فِهْرٍ قَوْلَانِ، فَعَنْ أَصْبَغَ مِنْهُمْ هُمْ بَنُو قُصَيٍّ، وَعَنْ غَيْرِهِ بَنُو غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
ثَانِيهَا: كَانَ يَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ، كَمَا نَقَلَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْخَطَّابِيُّ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّطَوُّعِ قَوْلًا، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: لَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ، وَالصَّدَقَةُ يَصْرِفُهَا الرَّجُلُ عَلَى مُحْتَاجٍ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا، أَلَيْسَ يُقَالُ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَيْسَ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِوَاضِحِ الدَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ كَالْقَرْضِ وَالْهَدِيَّةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ مُتَقَوِّمًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْعَامَّةُ كَمِيَاهِ الْآبَارِ وَكَالْمَسَاجِدِ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا فِي اللُّقَطَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ؟
ثَالِثُهَا: هَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ آلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ. كَذَا قَالَ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْجَوَازَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ لَهُمْ إِذَا حَرَّمُوا سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ الْأَبْهَرِيِّ مِنْهُمْ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ: الْجَوَازُ، الْمَنْعُ، جَوَازُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ، عَكْسُهُ، وَأَدِلَّةُ الْمَنْعِ ظَاهِرَةٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وَلَوْ أَحَلَّهَا لِآلِهِ لَأَوْشَكَ أَنْ يَطْعَنُوا فِيهِ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ. كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَازُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَقَالُوا: إِنَّ الْوَاجِبَ حَقٌّ لَازِمٌ لَا يَلْحَقُ بِآخِذِهِ ذِلَّةٌ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مُوجِبَ الْمَنْعِ رَفْعُ يَدِ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، فَأَمَّا الْأَعْلَى عَلَى مِثْلِهِ فَلَا، وَلَمْ أَرَ لِمَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا دَلِيلًا إِلَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٤٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الجمحيُّ مولاهم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) زاد أبو مسلمٍ الكجِّيُّ: فلم يفطن له النَّبيُّ ﷺ حتَّى قام ولعابه يسيل، فضرب النَّبيُّ ﷺ شدقه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَِخٍ، كَِخٍ، لِيَطْرَحَهَا) بفتح الكاف وكسرها وبسكون الخاء المعجمة (١)، مُثقَّلًا ومُخفَّفًا، وبكسرها مُنوَّنةً وغير مُنوَّنةٍ، فهي ستُّ لغاتٍ، ورواية أبي ذرٍّ: «كِخْ كِخْ» بكسر الكاف وسكون الخاء مُخفَّفةً، وقال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: إنَّها (٢) من أسماء الأفعال، وفي «التُّحفة»: إنَّها من أسماء الأصوات، وبه قطع ابن هشامٍ في حواشيه على «التَّسهيل»، وقِيلَ: هي عربيَّةٌ، وقِيلَ: عجميَّةٌ، وزعم الدَّاوديُّ أنَّها مُعرَّبةٌ، وأوردها البخاريُّ في «باب من تكلَّم بالفارسيَّة» في آخر «الجهاد» [خ¦٣٠٧٢] والثَّانية تأكيدٌ للأولى، وهي كلمةٌ تُقال عند زجر الصَّبيِّ عن تناول شيءٍ وعند التَّقذُّر من شيءٍ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ له (٣): (أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) لحرمتها علينا لما ذُكِر.
(٦١) (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ) أي: عتقائهنَّ.
١٤٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ) لم تُسَمَّ هذه المولاة، وهمزة «أُعطِيتها» مضمومةٌ، مبنيًّا (١) لما لم يُسَمَّ فاعله، و «مولاةٌ» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: عتيقةٌ (لِمَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (٢) (مِنَ الصَّدَقَةِ) متعلِّقٌ (٣) بـ «أُعطِيت» أو (٤) صفةٌ لـ «شاةً»، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ مولاة ميمونة أُعطِيت صدقةً، فلم ينكر عليها النَّبيُّ ﷺ، فدلَّ على أنَّ موالي أزواجه ﵊ تحلُّ لهم الصَّدقة كهنَّ؛ لأنَّهنَّ لسن من جملة الآل، ونقل ابن بطَّالٍ الاتِّفاق عليه؛ لكن فيه نظرٌ، فقد روى الخلَّال فيما ذكره ابن قدامة من طريق ابن أبي مُليكة عن عائشة ﵂ قالت: إنَّا -آلَ محمَّدٍ- لا تحلُّ لنا الصَّدقة، قال ابن قدامة: وهذا يدلُّ على تحريمها، وإسناده حسنٌ، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥)، نعم هي حرامٌ على مواليه صلوات الله وسلامه عليه وموالي آله، وهم بنو هاشمٍ وبنو المطَّلب؛ لأنَّه ﷺ لمَّا سُئِل عن ذلك قال: «إنَّ الصَّدقة لا تحلُّ لنا، وإنَّ مولى القوم من أنفسهم»، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وإنَّما لم يترجم المؤلِّف لأزواجه؛ لأنَّه لم يَثبت عنده في ذلك شيءٌ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) أي: اللَّحم حرامٌ لا الجلدُ.