«فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠٣

الحديث رقم ١٥٠٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فرض صدقة الفطر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٠٣ في صحيح البخاري

«فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ».

بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

إسناد حديث رقم ١٥٠٣ من صحيح البخاري

١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٠٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ وَسْمِ الْإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ) ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ. وَسَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَآهُ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا، وَيَأْتِي هُنَاكَ النَّهْيُ عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ: (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو عَمْرٍو هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَفِي يَدِهِ الْمِيسَمُ) بِوَزْنِ مِفْعَلٍ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ، وَأَصْلُهُ مِوْسَمٌ لِأَنَّ فَاءَهُ وَاوٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا سُكِّنَتْ وَكُسِرَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ يَاءً، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُوسَمُ بِهَا، أَيْ يُعَلَّمُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخَاتَمِ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ تَمْيِيزُهَا، وَلِيَرُدَّهَا مَنْ أَخَذَهَا وَمَنِ الْتَقَطَهَا، وَلِيَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا فَلَا يَشْتَرِيَهَا إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا مَثَلًا لِئَلَّا يَعُودَ فِي صَدَقَتِهِ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِمَا كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى مِيسَمِ النَّبِيِّ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ نَقَلَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ (١) في مِيسَمِ الزَّكَاةِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةٌ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْوَسْمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمِيسَمِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنَ الْعُمُومِ الْمَذْكُورِ لِلْحَاجَةِ كَالْخِتَانِ لِلْآدَمِيِّ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ مِيسَمًا، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا نَظِيرَهُ، وَهُوَ كَالْخَاتَمِ، وَفِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِأَمْوَالِ الصَّدَقَةِ وَتَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ جَوَازُ إِيلَامِ الْحَيَوَانِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ قَصْدُ أَهْلِ الْفَضْلِ لِتَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ (٢) وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا لَوْ عُجِّلَتْ لَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَسْمِ. وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ أَعْمَالِ الْمِهْنَةِ وَتَرْكُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا لِلرَّغْبَةِ فِي زِيَادَةِ الْأَجْرِ وَنَفْيِ الْكِبْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٠ - بَاب فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً

١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.

[الحديث ١٥٠٣ - أطرافه في: ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى بَابٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ: كِتَابٌ بَدَلَ بَابٍ، وَأُضِيفَتِ الصَّدَقَةُ لِلْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي: زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الْآخَرِينَ. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِمْ صَرَّحُوا بِفَرْضِيَّتِهَا، وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ

يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ. وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ مَعَ ذَلِكَ نَظَرٌ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ عُلَيَّةَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ كَيْسَانَ الْأَصَمَّ قَالَا: إِنَّ وُجُوبَهَا نُسِخَ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضٍ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضٍ آخَرَ. وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: فَرَضَ. فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى قَدَّرَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِلَى الْوُجُوبِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ تَسْمِيَتُهَا زَكَاةً، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ.

وَالتَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ بِهَا فِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ، وَلِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا الزَّكَاةَ، فَبَيَّنَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وَثَبَتَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الْفَلَاحِ لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي الْآيَةِ: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فَيَلْزَمُ وُجُوبُ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَرَجَ بِدَلِيلِ عُمُومِ: هُنَّ خَمْسٌ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بِالْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ جَعْفَرٍ، وَعُمَرُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقَزَعِ.

قَوْلُهُ: (زَكَاةَ الْفِطْرِ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: مِنْ رَمَضَانَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: وَقْتُ وُجُوبِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفِطْرُ الْحَقِيقِيُّ بِالْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي سَائِرِ الشَّهْرِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ بِالْغُرُوبِ، أَوِ الْفِطْرُ الطَّارِئُ بَعْدُ، فَيَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحُكْمِ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْفِطْرِ لَا تَدُلُّ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ، بَلْ تَقْتَضِي إِضَافَةَ هَذِهِ الزَّكَاةِ إِلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَيُطْلَبُ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ.

قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) انْتَصَبَ صَاعًا عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ نَافِعٍ، فَزَادَ فِيهِ: السُّلْتَ وَالزَّبِيبَ، فَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ: نَوْعٌ مِنَ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ، وَسَنَذْكُرُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) ظَاهِرُهُ إِخْرَاجُ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا دَاوُدُ فَقَالَ: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُمَكِّنَ الْعَبْدَ مِنَ الِاكْتِسَابِ لَهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَالنَّاسُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ الْبُخَارِيِّ قَرِيبًا بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ،، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى السَّيِّدِ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفرض، وهو مقتضى قاعدتهم في أنَّ الواجب ما ثبت بدليلٍ ظنِّيٍّ، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وهي واجبةٌ، وتُسمَّى أيضًا فرضًا نصًّا، ونقل المالكيَّة عن أشهب: أنَّها سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، قال بهرام: ورُوِي ذلك عن مالكٍ، وهو قول بعض أهل الظَّاهر وابن اللَّبَّان من الشَّافعيَّة، وحملوا «فَرَضَ» في الحديث [خ¦١٥٠٣] على التَّقدير؛ كقولهم: فرض القاضي نفقة اليتيم، وهو ضعيفٌ مخالفٌ للظَّاهر، وقال إبراهيم ابن عُلَيَّة وأبو بكر بن كيسان الأصمُّ: نُسِخَ وجوبُها، واستُدِلَّ لهما بحديث النَّسائيِّ عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «أمرنا رسول الله بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزَّكاة، فلمَّا نزلت الزَّكاة؛ لم يأمرنا ولم ينهَنا، ونحن نفعله» لكن في إسناده راوٍ مجهولٌ، وعلى تقدير الصِّحَّة، فلا دليل (١) فيه على النَّسخ؛ لأنَّ الزِّيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أنَّ محلَّ سائر الزَّكوات الأموالُ، ومحلَّ زكاة الفطر الرِّقابُ؛ كما نبَّه عليه الخطَّابيُّ.

١٥٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ) بفتح السِّين والكاف، آخره نونٌ، البزَّار -بالزَّاي المعجمة ثمَّ الرَّاء المهملة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بفتح الجيم والضَّاد المعجمة، بينهما هاءٌ ساكنةٌ آخره ميمٌ، ابن عبد الله الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ أَبِيهِ) نافعٍ مولى عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: فَرَضَ) أي: أوجب (رَسُولُ اللهِ ) وما أوجبه فبأمر الله،

وما كان ينطق عن الهوى (زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان، ووقتُ وجوبها غروبُ الشَّمس ليلة العيد؛ لكونه أضافها إلى الفطر، وذلك وقت الفطر، وهذا قول الشَّافعيِّ في (١) الجديد، وأحمد ابن حنبل، وإحدى الرِّوايتين عن مالكٍ، وقال أبو حنيفة: طلوع الفجر يوم العيد، وهو قولُ الشَّافعيِّ في القديم (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) بنصب «صاعًا» على التَّمييز، أو هو (٢) مفعولٌ ثانٍ، وهو خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وهذا (٣) مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وعلماء الحجاز، وهو مئةٌ وثلاثون درهمًا على الأصحِّ عند الرَّافعيِّ، ومئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا (٤) وأربعة أسباع درهمٍ على الأصحِّ عند النَّوويِّ، فالصَّاع على الأوَّل: ستُّ مئةِ درهمٍ وثلاثةٌ وتسعون درهمًا وثلث درهمٍ، وعلى الثَّاني: ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٌ وثمانون درهمًا وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، والأصل الكيل، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال في «الرَّوضة»: وقد يشكل (٥) ضبط الصَّاع بالأرطال، فإنَّ الصَّاع المُخرَج به في زمن النَّبيِّ مكيالٌ معروفٌ، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج، كالذُّرة والحمُّص وغيرهما (٦)، والصَّواب ما قاله الدَّارميُّ: إنَّ الاعتماد على الكيل بصاعٍ مُعايَرٍ بالصَّاع الذي كان يُخرَج به في عصر النَّبيِّ ، ومن لم يجده لزمه إخراج قدرٍ يُتيقَّن أنَّه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتَّقدير بخمسة أرطالٍ وثُلثٍ تقريبٌ، وقال جماعةٌ من العلماء: الصَّاع: أربع حفناتٍ بكفَّي رجلٍ معتدل الكفَّين، حكاه النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وذهب أبو حنيفة ومحمَّدٌ إلى أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ بالرَّطل المذكور، وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثمَّ رجع إلى قول الجمهور لمَّا تناظر مع (٧) مالكٍ بالمدينة، فأراه الصِّيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من (٨) زمن النَّبيِّ (أَوْ

صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ظاهره أنَّه يُخرِج من أيِّهما شاء صاعًا، ولا يجزئ غيرهما، وبذلك قال ابن حزمٍ، لكن ورد في رواياتٍ أخرى ذكرُ أجناسٍ أُخَر، تأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٠٦] (عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ) وظاهره أنَّ العبد يُخرِج عن نفسه، وهو قول داود الظَّاهريِّ منفردًا به، ويردُّه قوله : «ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلَّا صدقة الفطر»، وذلك يقتضي أنَّها ليست عليه، بل على سيِّده، وقال القاضي البيضاويُّ: وجعل وجوب زكاة الفطر على السَّيِّد كالوجوب على العبد مجازًا، إذ ليس هو أهلًا لأن (١) يُكلَّف بالواجبات الماليَّة، ويؤيِّد ذلك عطف «الصَّغير» عليه (وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى) والخنثى (وَالصَّغِيرِ) أي: وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمَّد بن الحسن وزُفَر (وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ) دون الكفَّار؛ لأنَّها طهرةٌ والكفَّار ليسوا من أهلها، نعم؛ لا زكاة على أربعةٍ: من لا يفضل عن منزله، وخادمٌ يحتاج إليهما ويليقان به، وعن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومَه ما يخرجه فيها، وامرأةٌ غنيَّةٌ لها زوجٌ معسرٌ وهي في طاعته، فلا يلزمها إخراج فطرتها، بخلاف ما إذا لم تكن في طاعته، وبخلاف الأَمَة فإنَّ فطرتها تلزم سيِّدها، والفرق تسليم الحرَّة نفسها، بخلاف الأمة؛ بدليل أنَّ لسيِّدها أن يسافر بها ويستخدمها، والمكاتب لا تجب فطرته عليه لضعف ملكه، ولا على سيِّده؛ لأنَّه معه كالأجنبيِّ والمغصوب أو الآبق؛ لتعطُّل فائدتهما على السَّيِّد؛ لكنَّ الأصحَّ وجوبُ الإخراج عليه عنهما تبعًا لنفقتهما، وعن منقطع الخبر إذا لم تمضِ مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لأنَّ الأصل بقاؤه حيًّا، فإن مضت مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لم تجب فطرته، ويُستثنَى أيضًا عبد بيت المال، والعبد الموقوف فلا تجب فطرتهما؛ إذ ليس لهما مالكٌ مُعيَّنٌ يُلزَم بها (وَأَمَرَ) (بِهَا) أي بالفطرة (أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد.

تنبيهٌ: قوله: «من المسلمين» ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مالكًا تفرَّد بها من بين الثِّقات، وفيه نظرٌ، فقد رواها جماعةٌ ممَّن يُعتمَد على حفظهم، منهم: عمر بن نافعٍ، والضَّحَّاك بن عثمان، وكثير ابن فَرْقَدٍ، والمُعلَّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريُّ، وأخوه عبيد الله بن عمر، وأيُّوب السَّختيانيُّ على اختلافٍ عنهما في زيادتها، فأمَّا رواية عمر بن نافعٍ؛ فأخرجها البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦١٥٠٣] وأمَّا رواية الضَّحَّاك بن عثمان؛ فأخرجها مسلمٌ في «صحيحه»، وأمَّا رواية كثير بن فَرْقَدٍ؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «سننه» والحاكم، وأمَّا رواية المُعلَّى

بن إسماعيل؛ فرواها ابن حبَّان في «صحيحه»، وأمَّا رواية يونس بن يزيد؛ فرواها الطَّحاويُّ في «بيان المشكل»، وأمَّا رواية ابن أبي ليلى وعبد الله بن عمر العمريِّ وأخيه عبيد الله التي فيها بزيادة قوله: «من المسلمين»؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «السُّنن» (١)، وأمَّا رواية أيُّوب السَّختيانيِّ؛ فذكرها الدَّارقطنيُّ، وهذه الزِّيادة تدلُّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضى ذلك أنَّه لا تجب على الكافر زكاة الفطر (٢) لا عن نفسه ولا عن غيره، فأمَّا عن نفسه؛ فمتَّفَقٌ عليه، وأمَّا عن غيره من عبدٍ (٣) وقريبٍ؛ فمُختلَفٌ فيه، وللشَّافعيَّة وجهان مبنيَّان على أنَّها تجب على المؤدِّي ابتداءً أو على المُؤدَّىَ عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، والأصحُّ الوجوب بناءً على الأصحِّ، وهو وجوبها على المُؤدَّى عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، وهو المحكيُّ عن أحمد، أمَّا عكسه -وهو إخراج المسلم عن قريبه وعبده الكافرين- فلا تجب عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقال أبو حنيفة بالوجوب.

وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ (٤) حسنٌ صحيحٌ.

(٧١) (بابُ) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ) اختُلِف: هل تجب على العبد ابتداءً ثمَّ يتحمَّلها السَّيِّد عنه، أو تجب على السَّيِّد ابتداءً؟ وجهان للشَّافعيَّة، وإلى الأوَّل نحا البخاريُّ، قاله في «الفتح»، وقال ابن بطَّالٍ: إنَّه يقول بمذهب أهل الظَّاهر في (٥) أنَّها تلزم العبد في نفسه، وعلى سيِّده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ البخاريَّ لم يُرِدْ هذا، وإنَّما أراد التَّنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تُؤدَّى عنه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ وَسْمِ الْإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ) ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ. وَسَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَآهُ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا، وَيَأْتِي هُنَاكَ النَّهْيُ عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ: (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو عَمْرٍو هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَفِي يَدِهِ الْمِيسَمُ) بِوَزْنِ مِفْعَلٍ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ، وَأَصْلُهُ مِوْسَمٌ لِأَنَّ فَاءَهُ وَاوٌ، لَكِنَّهَا لَمَّا سُكِّنَتْ وَكُسِرَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ يَاءً، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُوسَمُ بِهَا، أَيْ يُعَلَّمُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخَاتَمِ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ تَمْيِيزُهَا، وَلِيَرُدَّهَا مَنْ أَخَذَهَا وَمَنِ الْتَقَطَهَا، وَلِيَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا فَلَا يَشْتَرِيَهَا إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا مَثَلًا لِئَلَّا يَعُودَ فِي صَدَقَتِهِ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِمَا كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى مِيسَمِ النَّبِيِّ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ نَقَلَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ (١) في مِيسَمِ الزَّكَاةِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةٌ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْوَسْمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمِيسَمِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنَ الْعُمُومِ الْمَذْكُورِ لِلْحَاجَةِ كَالْخِتَانِ لِلْآدَمِيِّ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ مِيسَمًا، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا نَظِيرَهُ، وَهُوَ كَالْخَاتَمِ، وَفِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِأَمْوَالِ الصَّدَقَةِ وَتَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ جَوَازُ إِيلَامِ الْحَيَوَانِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ قَصْدُ أَهْلِ الْفَضْلِ لِتَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ (٢) وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا لَوْ عُجِّلَتْ لَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَسْمِ. وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ أَعْمَالِ الْمِهْنَةِ وَتَرْكُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا لِلرَّغْبَةِ فِي زِيَادَةِ الْأَجْرِ وَنَفْيِ الْكِبْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٠ - بَاب فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً

١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.

[الحديث ١٥٠٣ - أطرافه في: ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى بَابٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ: كِتَابٌ بَدَلَ بَابٍ، وَأُضِيفَتِ الصَّدَقَةُ لِلْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي: زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الْآخَرِينَ. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِمْ صَرَّحُوا بِفَرْضِيَّتِهَا، وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ

يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ. وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ مَعَ ذَلِكَ نَظَرٌ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ عُلَيَّةَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ كَيْسَانَ الْأَصَمَّ قَالَا: إِنَّ وُجُوبَهَا نُسِخَ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضٍ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضٍ آخَرَ. وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: فَرَضَ. فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى قَدَّرَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِلَى الْوُجُوبِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ تَسْمِيَتُهَا زَكَاةً، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ.

وَالتَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ بِهَا فِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ، وَلِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا الزَّكَاةَ، فَبَيَّنَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وَثَبَتَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الْفَلَاحِ لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي الْآيَةِ: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فَيَلْزَمُ وُجُوبُ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَرَجَ بِدَلِيلِ عُمُومِ: هُنَّ خَمْسٌ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بِالْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ جَعْفَرٍ، وَعُمَرُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقَزَعِ.

قَوْلُهُ: (زَكَاةَ الْفِطْرِ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: مِنْ رَمَضَانَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: وَقْتُ وُجُوبِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفِطْرُ الْحَقِيقِيُّ بِالْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي سَائِرِ الشَّهْرِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ بِالْغُرُوبِ، أَوِ الْفِطْرُ الطَّارِئُ بَعْدُ، فَيَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحُكْمِ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْفِطْرِ لَا تَدُلُّ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ، بَلْ تَقْتَضِي إِضَافَةَ هَذِهِ الزَّكَاةِ إِلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَيُطْلَبُ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ.

قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) انْتَصَبَ صَاعًا عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ نَافِعٍ، فَزَادَ فِيهِ: السُّلْتَ وَالزَّبِيبَ، فَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ: نَوْعٌ مِنَ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ، وَسَنَذْكُرُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) ظَاهِرُهُ إِخْرَاجُ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا دَاوُدُ فَقَالَ: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُمَكِّنَ الْعَبْدَ مِنَ الِاكْتِسَابِ لَهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَالنَّاسُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ الْبُخَارِيِّ قَرِيبًا بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ،، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى السَّيِّدِ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفرض، وهو مقتضى قاعدتهم في أنَّ الواجب ما ثبت بدليلٍ ظنِّيٍّ، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وهي واجبةٌ، وتُسمَّى أيضًا فرضًا نصًّا، ونقل المالكيَّة عن أشهب: أنَّها سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، قال بهرام: ورُوِي ذلك عن مالكٍ، وهو قول بعض أهل الظَّاهر وابن اللَّبَّان من الشَّافعيَّة، وحملوا «فَرَضَ» في الحديث [خ¦١٥٠٣] على التَّقدير؛ كقولهم: فرض القاضي نفقة اليتيم، وهو ضعيفٌ مخالفٌ للظَّاهر، وقال إبراهيم ابن عُلَيَّة وأبو بكر بن كيسان الأصمُّ: نُسِخَ وجوبُها، واستُدِلَّ لهما بحديث النَّسائيِّ عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «أمرنا رسول الله بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزَّكاة، فلمَّا نزلت الزَّكاة؛ لم يأمرنا ولم ينهَنا، ونحن نفعله» لكن في إسناده راوٍ مجهولٌ، وعلى تقدير الصِّحَّة، فلا دليل (١) فيه على النَّسخ؛ لأنَّ الزِّيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أنَّ محلَّ سائر الزَّكوات الأموالُ، ومحلَّ زكاة الفطر الرِّقابُ؛ كما نبَّه عليه الخطَّابيُّ.

١٥٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ) بفتح السِّين والكاف، آخره نونٌ، البزَّار -بالزَّاي المعجمة ثمَّ الرَّاء المهملة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بفتح الجيم والضَّاد المعجمة، بينهما هاءٌ ساكنةٌ آخره ميمٌ، ابن عبد الله الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ أَبِيهِ) نافعٍ مولى عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: فَرَضَ) أي: أوجب (رَسُولُ اللهِ ) وما أوجبه فبأمر الله،

وما كان ينطق عن الهوى (زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان، ووقتُ وجوبها غروبُ الشَّمس ليلة العيد؛ لكونه أضافها إلى الفطر، وذلك وقت الفطر، وهذا قول الشَّافعيِّ في (١) الجديد، وأحمد ابن حنبل، وإحدى الرِّوايتين عن مالكٍ، وقال أبو حنيفة: طلوع الفجر يوم العيد، وهو قولُ الشَّافعيِّ في القديم (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) بنصب «صاعًا» على التَّمييز، أو هو (٢) مفعولٌ ثانٍ، وهو خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وهذا (٣) مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وعلماء الحجاز، وهو مئةٌ وثلاثون درهمًا على الأصحِّ عند الرَّافعيِّ، ومئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا (٤) وأربعة أسباع درهمٍ على الأصحِّ عند النَّوويِّ، فالصَّاع على الأوَّل: ستُّ مئةِ درهمٍ وثلاثةٌ وتسعون درهمًا وثلث درهمٍ، وعلى الثَّاني: ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٌ وثمانون درهمًا وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، والأصل الكيل، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال في «الرَّوضة»: وقد يشكل (٥) ضبط الصَّاع بالأرطال، فإنَّ الصَّاع المُخرَج به في زمن النَّبيِّ مكيالٌ معروفٌ، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج، كالذُّرة والحمُّص وغيرهما (٦)، والصَّواب ما قاله الدَّارميُّ: إنَّ الاعتماد على الكيل بصاعٍ مُعايَرٍ بالصَّاع الذي كان يُخرَج به في عصر النَّبيِّ ، ومن لم يجده لزمه إخراج قدرٍ يُتيقَّن أنَّه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتَّقدير بخمسة أرطالٍ وثُلثٍ تقريبٌ، وقال جماعةٌ من العلماء: الصَّاع: أربع حفناتٍ بكفَّي رجلٍ معتدل الكفَّين، حكاه النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وذهب أبو حنيفة ومحمَّدٌ إلى أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ بالرَّطل المذكور، وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثمَّ رجع إلى قول الجمهور لمَّا تناظر مع (٧) مالكٍ بالمدينة، فأراه الصِّيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من (٨) زمن النَّبيِّ (أَوْ

صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ظاهره أنَّه يُخرِج من أيِّهما شاء صاعًا، ولا يجزئ غيرهما، وبذلك قال ابن حزمٍ، لكن ورد في رواياتٍ أخرى ذكرُ أجناسٍ أُخَر، تأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٠٦] (عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ) وظاهره أنَّ العبد يُخرِج عن نفسه، وهو قول داود الظَّاهريِّ منفردًا به، ويردُّه قوله : «ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلَّا صدقة الفطر»، وذلك يقتضي أنَّها ليست عليه، بل على سيِّده، وقال القاضي البيضاويُّ: وجعل وجوب زكاة الفطر على السَّيِّد كالوجوب على العبد مجازًا، إذ ليس هو أهلًا لأن (١) يُكلَّف بالواجبات الماليَّة، ويؤيِّد ذلك عطف «الصَّغير» عليه (وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى) والخنثى (وَالصَّغِيرِ) أي: وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمَّد بن الحسن وزُفَر (وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ) دون الكفَّار؛ لأنَّها طهرةٌ والكفَّار ليسوا من أهلها، نعم؛ لا زكاة على أربعةٍ: من لا يفضل عن منزله، وخادمٌ يحتاج إليهما ويليقان به، وعن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومَه ما يخرجه فيها، وامرأةٌ غنيَّةٌ لها زوجٌ معسرٌ وهي في طاعته، فلا يلزمها إخراج فطرتها، بخلاف ما إذا لم تكن في طاعته، وبخلاف الأَمَة فإنَّ فطرتها تلزم سيِّدها، والفرق تسليم الحرَّة نفسها، بخلاف الأمة؛ بدليل أنَّ لسيِّدها أن يسافر بها ويستخدمها، والمكاتب لا تجب فطرته عليه لضعف ملكه، ولا على سيِّده؛ لأنَّه معه كالأجنبيِّ والمغصوب أو الآبق؛ لتعطُّل فائدتهما على السَّيِّد؛ لكنَّ الأصحَّ وجوبُ الإخراج عليه عنهما تبعًا لنفقتهما، وعن منقطع الخبر إذا لم تمضِ مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لأنَّ الأصل بقاؤه حيًّا، فإن مضت مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لم تجب فطرته، ويُستثنَى أيضًا عبد بيت المال، والعبد الموقوف فلا تجب فطرتهما؛ إذ ليس لهما مالكٌ مُعيَّنٌ يُلزَم بها (وَأَمَرَ) (بِهَا) أي بالفطرة (أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد.

تنبيهٌ: قوله: «من المسلمين» ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مالكًا تفرَّد بها من بين الثِّقات، وفيه نظرٌ، فقد رواها جماعةٌ ممَّن يُعتمَد على حفظهم، منهم: عمر بن نافعٍ، والضَّحَّاك بن عثمان، وكثير ابن فَرْقَدٍ، والمُعلَّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريُّ، وأخوه عبيد الله بن عمر، وأيُّوب السَّختيانيُّ على اختلافٍ عنهما في زيادتها، فأمَّا رواية عمر بن نافعٍ؛ فأخرجها البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦١٥٠٣] وأمَّا رواية الضَّحَّاك بن عثمان؛ فأخرجها مسلمٌ في «صحيحه»، وأمَّا رواية كثير بن فَرْقَدٍ؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «سننه» والحاكم، وأمَّا رواية المُعلَّى

بن إسماعيل؛ فرواها ابن حبَّان في «صحيحه»، وأمَّا رواية يونس بن يزيد؛ فرواها الطَّحاويُّ في «بيان المشكل»، وأمَّا رواية ابن أبي ليلى وعبد الله بن عمر العمريِّ وأخيه عبيد الله التي فيها بزيادة قوله: «من المسلمين»؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «السُّنن» (١)، وأمَّا رواية أيُّوب السَّختيانيِّ؛ فذكرها الدَّارقطنيُّ، وهذه الزِّيادة تدلُّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضى ذلك أنَّه لا تجب على الكافر زكاة الفطر (٢) لا عن نفسه ولا عن غيره، فأمَّا عن نفسه؛ فمتَّفَقٌ عليه، وأمَّا عن غيره من عبدٍ (٣) وقريبٍ؛ فمُختلَفٌ فيه، وللشَّافعيَّة وجهان مبنيَّان على أنَّها تجب على المؤدِّي ابتداءً أو على المُؤدَّىَ عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، والأصحُّ الوجوب بناءً على الأصحِّ، وهو وجوبها على المُؤدَّى عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، وهو المحكيُّ عن أحمد، أمَّا عكسه -وهو إخراج المسلم عن قريبه وعبده الكافرين- فلا تجب عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقال أبو حنيفة بالوجوب.

وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ (٤) حسنٌ صحيحٌ.

(٧١) (بابُ) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ) اختُلِف: هل تجب على العبد ابتداءً ثمَّ يتحمَّلها السَّيِّد عنه، أو تجب على السَّيِّد ابتداءً؟ وجهان للشَّافعيَّة، وإلى الأوَّل نحا البخاريُّ، قاله في «الفتح»، وقال ابن بطَّالٍ: إنَّه يقول بمذهب أهل الظَّاهر في (٥) أنَّها تلزم العبد في نفسه، وعلى سيِّده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ البخاريَّ لم يُرِدْ هذا، وإنَّما أراد التَّنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تُؤدَّى عنه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل