«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠٤

الحديث رقم ١٥٠٤ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صدقة الفطر على العبد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٠٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ : فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

بَابُ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ

إسناد حديث رقم ١٥٠٤ من صحيح البخاري

١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا السَّيِّدُ؟ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْبُخَارِيُّ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا إِلْحَاقًا بِالنَّفَقَةِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ أَعْسَرَ وَكَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَجَبَتْ فِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَافْتَرَقَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ مَعَ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ مُرْسَلًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ: مِمَّنْ تَمُونُونَ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الصَّغِيرِ، لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، فَوُجُوبُهَا عَلَى هَذَا فِي مَالِ الصَّغِيرِ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هِيَ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَامَ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْنِبْ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِينِ، قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُوجِبُهُ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْهُ بِالْإِيجَابِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ حَمْلِ أُمِّهِ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَبِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى صَغِيرًا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ. عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُغيْرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى.

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِيهَا، لِأَنَّهَا زَكَاةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا مَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْأَبْوَابِ الَّذي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِهَا. . . إِلَخْ) اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَرَاهَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ.

٧١ - بَاب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُخْرِجُهَا غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ، إِلَّا أَنَّ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِدُونِهَا، وَأَطْلَقَ أَبُو قِلَابَةَ الرِّقَاشِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ نَافِعٍ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ عُمَرَ

بْنِ نَافِعٍ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: لَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَرِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ تَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ نَافِعٍ: رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ طَرِيقَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ رِوَايَةِ مَالِكٍ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ فِي الْعِلَلِ الَّتِي فِي آخِرِ الْجَامِعِ: رَوَى أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ. انْتَهَى.

وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَتِهِ الْأُولَى، وَلَكِنْ لَا يُدْرَى مَنْ عَنَى بِذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: رَوَاهُ ثِقَتَانِ غَيْرُ مَالِكٍ: عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، وَالضَّحَّاكُ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا مِنْهُمْ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ. وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالْمُعَلَّى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ فِي إِشَارَتِهِ إِلَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ حَمَلَ لَفْظَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَى لَفْظِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوبَ أَيْضًا، كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ عَنْ يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، فَذَكَرَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ خَطَأٌ وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنْ أَيُّوبَ لَيْسَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِمُغَلْطَايْ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ، وَفِيهِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ تَصَانِيفَ الْبَيْهَقِيِّ فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِيمَنْ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَحَدٌ مِثْلَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَى أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ فِي زِيَادَتِهَا، وَلَيْسَ فِي الْبَاقِينَ مِثْلُ يُونُسَ، لَكِنْ فِي الرَّاوِي عَنْهُ - وَهُوَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ - مَقَالٌ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ يُخْرِجُهَا عَنْ غَيْرِهِ كَمُسْتَوْلَدَتِهِ الْمُسْلِمَةِ مَثَلًا؟ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَهَلْ يُخْرِجُهَا الْمُسْلِمُ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا، خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، فَعُمُومُ قَوْلِهِ: فِي عَبْدِهِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَوْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صِفَةٌ لِلْمُخْرِجِينَ لَا لِلْمُخْرَجِ عَنْهُمْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ لِأَنَّ فِيهِ الْعَبْدَ، وَكَذَا الصَّغِيرُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ وَهُمَا مِمَّنْ يُخْرَجُ عَنْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْإِسْلَامِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُخْرِجِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ مِقْدَارِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ فِيهِ بَيَانَ مَنْ يُخْرِجُهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمةً أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ «على» دون «عن»؛ ليطابق لفظ الحديث، وقد سقط لفظ «من المسلمين» لابن عساكر.

١٥٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (، أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) قال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: «على» بمعنى: «عن» لأنَّ العبد لا يُطالَب بأدائها، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من فرض شيءٍ على شخصٍ مطالبته به؛ بدليل الفطرة المُتحمَّلة عن غير من لزمته، والدِّية الواجبة بقتل الخطأ أو شبهه (ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أخذ بظاهره أبو حنيفة، فأوجب زكاة (٢) الفطر (٣) على الأنثى، سواءٌ كان لها زوجٌ أم لا، وذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد (٤) إلى أن المتزوِّجة تجب فطرتها على زوجها بالقياس على النَّفقة، واستأنسوا بحديث ابن عمر: «أمر رسول الله بزكاة الفطر عن (٥) الصَّغير والكبير والحرِّ والعبد ممَّن تَمُونُون»، رواه الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ، وقال: إسناده غير قويٍّ، قال في «المجموع»: والحاصل أنَّ هذه اللَّفظة: «ممَّن تمونون» ليست بثابتةٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ) فلا تجب على المسلم فطرة عبده الكافر، قال في «شرح المشكاة»: «من المسلمين» حالٌ من «العبد» وما عُطِف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان أنَّ المذكورات جاءت مزدوجةً على التَّضادِّ للاستيعاب لا للتَّخصيص؛ لئلَّا يلزم التَّداخل، فيكون المعنى فرض رسول الله على جميع النَّاس من المسلمين، أمَّا كونها فيم وجبت وعلى من وجبت، فيُعلَم من نصوصٍ أخرى، وقال في «المصابيح»: هو نصٌّ ظاهرٌ في أنَّ قوله: «من المسلمين» صفةٌ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا السَّيِّدُ؟ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْبُخَارِيُّ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا إِلْحَاقًا بِالنَّفَقَةِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ أَعْسَرَ وَكَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَجَبَتْ فِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَافْتَرَقَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ مَعَ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ مُرْسَلًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ: مِمَّنْ تَمُونُونَ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الصَّغِيرِ، لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، فَوُجُوبُهَا عَلَى هَذَا فِي مَالِ الصَّغِيرِ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هِيَ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَامَ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْنِبْ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِينِ، قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُوجِبُهُ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْهُ بِالْإِيجَابِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ حَمْلِ أُمِّهِ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَبِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى صَغِيرًا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ. عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُغيْرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى.

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِيهَا، لِأَنَّهَا زَكَاةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا مَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْأَبْوَابِ الَّذي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِهَا. . . إِلَخْ) اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَرَاهَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ.

٧١ - بَاب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُخْرِجُهَا غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ، إِلَّا أَنَّ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِدُونِهَا، وَأَطْلَقَ أَبُو قِلَابَةَ الرِّقَاشِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ نَافِعٍ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ عُمَرَ

بْنِ نَافِعٍ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: لَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَرِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ تَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ نَافِعٍ: رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ طَرِيقَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ رِوَايَةِ مَالِكٍ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ فِي الْعِلَلِ الَّتِي فِي آخِرِ الْجَامِعِ: رَوَى أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ. انْتَهَى.

وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَتِهِ الْأُولَى، وَلَكِنْ لَا يُدْرَى مَنْ عَنَى بِذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: رَوَاهُ ثِقَتَانِ غَيْرُ مَالِكٍ: عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، وَالضَّحَّاكُ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا مِنْهُمْ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ. وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالْمُعَلَّى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ فِي إِشَارَتِهِ إِلَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ حَمَلَ لَفْظَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَى لَفْظِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوبَ أَيْضًا، كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ عَنْ يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، فَذَكَرَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ خَطَأٌ وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنْ أَيُّوبَ لَيْسَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِمُغَلْطَايْ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ، وَفِيهِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ تَصَانِيفَ الْبَيْهَقِيِّ فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِيمَنْ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَحَدٌ مِثْلَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَى أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ فِي زِيَادَتِهَا، وَلَيْسَ فِي الْبَاقِينَ مِثْلُ يُونُسَ، لَكِنْ فِي الرَّاوِي عَنْهُ - وَهُوَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ - مَقَالٌ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ يُخْرِجُهَا عَنْ غَيْرِهِ كَمُسْتَوْلَدَتِهِ الْمُسْلِمَةِ مَثَلًا؟ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَهَلْ يُخْرِجُهَا الْمُسْلِمُ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا، خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، فَعُمُومُ قَوْلِهِ: فِي عَبْدِهِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَوْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صِفَةٌ لِلْمُخْرِجِينَ لَا لِلْمُخْرَجِ عَنْهُمْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ لِأَنَّ فِيهِ الْعَبْدَ، وَكَذَا الصَّغِيرُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ وَهُمَا مِمَّنْ يُخْرَجُ عَنْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْإِسْلَامِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُخْرِجِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ مِقْدَارِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ فِيهِ بَيَانَ مَنْ يُخْرِجُهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمةً أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ «على» دون «عن»؛ ليطابق لفظ الحديث، وقد سقط لفظ «من المسلمين» لابن عساكر.

١٥٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (، أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) قال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: «على» بمعنى: «عن» لأنَّ العبد لا يُطالَب بأدائها، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من فرض شيءٍ على شخصٍ مطالبته به؛ بدليل الفطرة المُتحمَّلة عن غير من لزمته، والدِّية الواجبة بقتل الخطأ أو شبهه (ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أخذ بظاهره أبو حنيفة، فأوجب زكاة (٢) الفطر (٣) على الأنثى، سواءٌ كان لها زوجٌ أم لا، وذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد (٤) إلى أن المتزوِّجة تجب فطرتها على زوجها بالقياس على النَّفقة، واستأنسوا بحديث ابن عمر: «أمر رسول الله بزكاة الفطر عن (٥) الصَّغير والكبير والحرِّ والعبد ممَّن تَمُونُون»، رواه الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ، وقال: إسناده غير قويٍّ، قال في «المجموع»: والحاصل أنَّ هذه اللَّفظة: «ممَّن تمونون» ليست بثابتةٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ) فلا تجب على المسلم فطرة عبده الكافر، قال في «شرح المشكاة»: «من المسلمين» حالٌ من «العبد» وما عُطِف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان أنَّ المذكورات جاءت مزدوجةً على التَّضادِّ للاستيعاب لا للتَّخصيص؛ لئلَّا يلزم التَّداخل، فيكون المعنى فرض رسول الله على جميع النَّاس من المسلمين، أمَّا كونها فيم وجبت وعلى من وجبت، فيُعلَم من نصوصٍ أخرى، وقال في «المصابيح»: هو نصٌّ ظاهرٌ في أنَّ قوله: «من المسلمين» صفةٌ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله