«صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٨

الحديث رقم ١٥٤٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رفع الصوت بالإهلال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر…

«صَلَّى النَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا».

سند حديث: ١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر…

يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه عما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فيقول: صلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الظهر أربع ركعات وهم بالمدينة، قبيل خروجهم للحج، وصلوا بذي الحليفة ميقات أهل المدينة العصر ركعتين قصرًا، لأنهم شرعوا في السفر وفارقوا البنيان، ثم بات عليه الصلاة والسلام بذي الحليفة حتى جاء الصباح، ثم ركب راحلته حتى استوت به على المكان المرتفع المقابل لذي الحليفة، وحمد الله وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ قارنًا بينهما، وأهل الناس الذين كانوا معه بهما اقتداءً به عليه الصلاة والسلام.
فلما قدمنا مكة أمر عليه الصلاة والسلام الناس الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم، وإنما أمرم بالفسخ وهم قارنون؛ لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج منكرةً، بناءً على ما كان في الجاهلية، فأمرهم بالتحلل؛ تحقيقًا لمخالفتهم، وتصريحًا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر، ووجوب ذلك الفسخ خاصٌّ بتلك السنة، فلما كان يوم التروية هو ثامن الحجة أهلوا بالحج من مكة، وسمي بالتروية؛ لأنهم كانوا يُرَوُّون دوابهم بالماء فيه ويحملونه إلى عرفات، ونحر النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمكة بَدَنات بيده قائمات، وهن المهداة إلى مكة، وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوم عيد الأضحى كبشين أبيضين يخالطهما سواد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الدلالة على أن من أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد.
  • أن القصر يشرع بفراق البنيان، وكونه صلى الله عليه وسلم لم يقصر حتى وصل ذا الحليفة لكونه أول منزل نزله، ولم يحضر قبله وقت صلاة.
  • وجوب الإحلال من الإحرام حال القران خاصٌّ بتلك السنة.
  • تواضع النبي صلى الله عليه وسلم حيث ذبح البدنات بيده.
  • جواز الاعتمار في الأشهر الحرم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِهْلَالِهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ الَّتِي قَبْلَهَا بِغَيْرِ شَكٍّ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَيُّوبَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.

٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ

١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِهْلَالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌّ بِهِ. وَأَمَّا أَهَلَّ الْقَوْمُ الْهِلَالَ فَأَرَى أَنَّهُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. وَسَيَأْتِي إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ - مِنْ طَرِيقِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا.

وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ مِنًى.

٢٦ - بَاب التَّلْبِيَةِ

١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.

١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ.

قوله: (باب التلبية) هي مصدر لبى؛ أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرا.

قَوْلُهُ: (لَبَّيْكَ) هُوَ لَفْظٌ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ يُونُسُ: هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ لَبًّا لَكَ، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ أَيِ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةً لَازِمَةً. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ، أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَكَ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ. وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حُبٌّ لَبَابٌ؛ أَيْ خَالِصٌ. وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ. وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ، وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فَقَدِ اسْتَجَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، انْتَهَى.

وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَفِيهِ: فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ .

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ.

قَوْلُهُ: (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) الْمَشْهُورُ فِيهِ النَّصْبُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلُّهَا لِلَّهِ؛ لأنه صَاحِبِ الْمُلْكِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ؛ وَتَقْدِيرُهُ: وَالْمُلْكُ

كَذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْدَهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ.

اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ : لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ. وَبِزِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَ: فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ .

فَذَكَرَهُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ: حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . إِلَخْ. قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ، قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ - أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَغَلِطُوا، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ، ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً.

وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرْفُوعِ أَحَبُّ، وَلَا ضِيقَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ زَادَ فَحَسَنٌ. وَحَكَى فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارِ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَهَذَا أَعْدَلُ الْوُجُوهِ، فَيُفْرِدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْلَ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

استهلَّ، وبه سُمِّي الهلال لأنَّ النَّاس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، واستبعد ابن المُنيِّر هذا الأخير من وجهين:

أحدهما: أنَّ العرب ما كانت تعتني بالأهلَّة لأنَّها لا تؤرِّخ بها، والهلال مُسمًّى (١) بذلك قبل العناية بالتَّاريخ.

الثَّاني: أنَّ جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أَوْلى لقاعدةٍ تصريفيَّةٍ؛ وهي: أنَّه إذا تعارض الأمر في اللَّفظين أيُّهما أُخِذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذَّوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلال ذاتٌ فهو الأصل، والإهلال معنًى يتعلَّق به فهو الفرع، ذكره في «المصابيح».

١٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة ثمَّ المهملة- الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ) أي: النَّاوين للقِران (٢) (يَصْرُخُونَ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) أو الضَّمير في «سمعتهم» راجعٌ إلى النَّبيِّ ومن معه من أصحابه.

وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهور في استحباب رفع الصَّوت بالتَّلبية للرَّجل بحيث لا يضرُّ بنفسه، نعم لا يُستحَبُّ رفع الصَّوت بها في ابتداء الإحرام، بل يُسمِع نفسَه فقط كما في «المجموع»، وخرج بالرَّجل: المرأةُ والخنثى فلا يرفعان صوتهما، بل يُسمِعان أنفسَهما فقط كما في قراءة الصَّلاة، فإن رفعا كُرِه، وقد روى أحمد في «مُسنَده» من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ قال: «أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال، وقال: إنَّه من شعائر الحجِّ»، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التَّلبية، وقد اختُلِف في ذلك، ومذهب الشَّافعيِّ

وأحمد: أنَّها سنَّةٌ، وفي وجهٍ حكاه الماورديُّ عن ابن خيران وابن وهبٍ وابن أبي هريرة: أنَّها واجبةٌ يجب بتركها دمٌ، وقال الحنفيَّة: إذا اقتصر على النِّيَّة ولم يلبِّ لا ينعقد إحرامه لأنَّ الحجَّ تضمَّن أشياءَ مختلفةً فعلًا وتركًا، فأشبه الصَّلاة، فلا يحصل إلَّا بالذِّكر في أوَّله، وقال المالكيَّة: ولا ينعقد إلَّا بنيَّةٍ مقرونةٍ بقولٍ أو فعلٍ متعلِّقين به كالتَّلبية والتَّوجُّه إلى الطَّريق، فلا ينعقد بمُجرَّد النِّيَّة، وقِيلَ: ينعقد، قاله سندٌ، وهو مرويٌّ (١) عن مالكٍ.

(٢٦) (بَابُ التَّلْبِيَةِ) مصدر «لبَّى» كزَكَّى تزكيةً، أي: قال: لبَّيك، وهو عند سيبويه والأكثرين: مُثنًّى لقلب ألفه ياءً مع المُظهَر، وليست تثنيته حقيقيَّةً بل هو من المُثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكثير والمبالغة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، عند من أوَّل «اليد» بالنِّعمة، ونعمه تعالى لا تُحصَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّاتٍ كثيرة، وقال يونس بن حبيبٍ: إنَّما هو اسمٌ مُفرَدٌ، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كـ «لديَّ» و «عليَّ». انتهى. والأصل: لبَّبك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءاتٍ (٢)، فأبدلوا من الثَّالثة (٣) ياءً كما قالوا من (٤) الظَّنِّ: تظنيَّت، وأصله: تظنَّنتُ، وهو منصوبٌ على المصدر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَتَّى دخل فِي الصَّباح. قَوْله: (أهلَّ) أَي: رفع صَوته بالإهلال، ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا الْمبيت لَيْسَ من سنَن الْحَج، وَإِنَّمَا هُوَ من جهو الرِّفْق بأمته ليلحق بِهِ من تَأَخّر عَنهُ فِي السّير، ويدركه من لم يُمكنهُ الْخُرُوج مَعَه، وَأما قصر صَلَاة الْعَصْر فَلِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وَإِن لم يبلغ إِلَى مَوضِع الْمَشَقَّة مِنْهُ، فَإِذا خرج عَن مصره قصر، وَظَاهر الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم إِثْر الْمَكْتُوبَة لِأَنَّهُ إِذا صلى الصُّبْح لم يرْكَع بعْدهَا للْإِحْرَام لِأَنَّهُ وَقت كَرَاهَة.

٧٤٥١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ وأحْسِبُهُ باتَ حَتَّى أصْبَحَ..

هَذَا طَرِيق آخر عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي عَن أنس. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ على هَذَا. قَوْله: قَالَ: وَأَحْسبهُ أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة: وَأَحْسبهُ، الشَّك من أبي قلَابَة، وَرِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر الْمَاضِيَة عقيب هَذَا بِغَيْر شكّ، وَسَيَأْتِي من طَرِيق أبي أَيُّوب بأتم من هَذَا.

٥٢

- (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإهْلالِ

(

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الصَّوْت بالإهلال أَي التَّلْبِيَة، وكل رَافع صَوته بِشَيْء فَهُوَ مهلَّ بِهِ.

٥٢

- (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإهْلالِ

(

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الصَّوْت بالإهلال أَي التَّلْبِيَة، وكل رَافع صَوته بِشَيْء فَهُوَ مهلَّ بِهِ.

٨٤٥١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ صلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالمَدِينَةِ الظّهْرَ أرْبَعا وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وسَمِعْتُهُمْ يَصْرَخُونَ بِهمَا جَمِيعا..

هَذَا طَرِيق آخر مَعَ زِيَادَة فِيهِ، وَفِي قَوْله: (وسمعتهم يصرخون) أَي: يرفعون أَصْوَاتهم بهما، أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة.

وَفِيه: دَلِيل على أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا. وَأَنه أفضل من التَّمَتُّع والإفراد. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا سمع أنس من قرن خَاصَّة، وَلَيْسَ فِي حَدِيثه أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْرخ بهَا، وَإِنَّمَا أخبر بذلك عَن قوم. وَقد يُمكن أَن يسمع قوما يصرخون بِحَجّ وقوما يصرخون بِعُمْرَة. قلت: هَذَا تحكم وَخُرُوج عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، فَإِن الضَّمِير فِي: يصرخون، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن مَعَه من أَصْحَابه، وَالْبَاء فِي: بهما، يتَعَلَّق: بيصرخون، فَكيف يفرق مرجع الضَّمِير إِلَى بَعضهم بِشَيْء، وَإِلَى الآخرين بِشَيْء غير ذَلِك؟ وَلَو لم يكن الصُّرَاخ بهما عَن الْكل لَكَانَ أنس فرقه، وبيَّن من يصْرخ بِالْحَجِّ وَمن يصْرخ بِعُمْرَة وَمن يصْرخ بهما، لِأَنَّهُ فِي صدد الْإِخْبَار بصورته الَّتِي وَقعت. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: يحْتَمل أَن يكون على سَبِيل التَّوْزِيع بِأَن يكون بَعضهم صَارِخًا بِالْحَجِّ، وَبَعْضهمْ بِالْعُمْرَةِ، وكل هَذَا التعسف مِنْهُمَا أَن لَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِمَا، وَمَعَ هَذَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِمَا وعَلى كل من كَانَ فِي مَذْهَبهمَا، وَلَا يُوجد فِي الرَّد عَلَيْهِم أقوى من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك بِحجَّة وَعمرَة مَعًا، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَفِيه: حجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَاب رفع الْأَصْوَات بِالتَّلْبِيَةِ، وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. مِنْهَا: حَدِيث خَلاد بن السَّائِب، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك عَن عبد الله ابْن أبي بكر وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن أبي بكر وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام عَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَتَانِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأمرنِي أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال والتلبية. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن خَالِد، أخرجه ابْن مَاجَه وَلَفظه: (جَاءَنِي جِبْرِيل، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد مر أَصْحَابك أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا من شَعَائِر الْحَج) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده)

وَلَفظه: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أَمرنِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، بِرَفْع الصَّوْت بالإهلال، وَقَالَ: إِنَّه من شَعَائِر الْحَج) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه أَحْمد أيضاعنه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إِن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَتَانِي فَأمرنِي أَن أعلن بِالتَّلْبِيَةِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، أخرجه سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ثَلَاثَة أصوات يباهي الله، عز وَجل، بِهن الْمَلَائِكَة: الْأَذَان، وَالتَّكْبِير فِي سَبِيل الله، وَرفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ) . وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ، غَرِيب من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر. وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَنْهَا، قَالَت: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا بلغنَا الروحاء حَتَّى سمعنَا عَامَّة النَّاس وَقد بحت أَصْوَاتهم) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سُئِلَ: أَي الْحَج أفضل؟ قَالَ: العج والثج) ، العج بِالْعينِ الْمُهْملَة رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، وَقد عج يعج عجا فَهُوَ عاج وعجاج، والثج، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: سيلان دم الْأَضَاحِي، يُقَال ثجه يثجه ثَجًّا. وَمِنْهَا: حَدِيث سهل بن سعد أخرجه الْحَاكِم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (مَا من ملب يلبِّي إلَاّ لبّى مَا عَن يَمِينه وشماله من شجر وَحجر حَتَّى مُنْقَطع الأَرْض من هُنَا وَهنا، يَعْنِي: عَن يَمِينه وشماله) . وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ. وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الْمطلب بن عبد الله. قَالَ: (كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تثج أَصْوَاتهم) وَقَالَ عبد الله بن عمر: (إرفعوا أَصْوَاتكُم بِالتَّلْبِيَةِ) وَعَن ابْن الزبير مثله. وَقَالَ ابْن بطال: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ مُسْتَحبّ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك، فَفِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم: لَا ترفع الْأَصْوَات بِالتَّلْبِيَةِ إلَاّ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد منى وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَوْله الْقَدِيم لَا يرفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسَاجِد الْجَمَاعَات إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد منى وَمَسْجِد عَرَفَة. وَقَوله الْجَدِيد: اسْتِحْبَابه مُطلقًا وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا أَن التَّلْبِيَة المقترنة بِالْإِحْرَامِ لَا يجْهر بهَا، صرح بِهِ الْجُوَيْنِيّ من أَصْحَابنَا.

وَأَجْمعُوا أَن الْمَرْأَة لَا ترفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَن تسمع نَفسهَا كَأَنَّهُمْ لمحوا مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن معن عَن إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة عَن دَاوُد بن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا ترفع الْمَرْأَة صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ، وَمن حَدِيث أبي الجويرية عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم مثله، وَعَن عَطاء كَذَلِك، وَمن حَدِيث عدي ابْن أبي عِيسَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر: لَيْسَ على النِّسَاء أَن يرفعن أصواتهن بِالتَّلْبِيَةِ، لَكِن يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ بِسَنَد كَالشَّمْسِ: عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه، قَالَ: خرج مُعَاوِيَة لَيْلَة النَّفر فَسمع صَوت تَلْبِيَة، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَائِشَة اعْتَمَرت من التَّنْعِيم، فَذكرت ذَلِك لعَائِشَة، فَقَالَت: لَو سَأَلَني لأخبرته. وَعند وَكِيع: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع، قَالَ: قدمت امْرَأَة أَعْجَمِيَّة فَخرجت مَعَ النَّاس وَلم تهل، إلَاّ أَنَّهَا كَانَت تذكر الله تَعَالَى، فَقَالَ عَطاء: لَا يجزيها. وَفِي (الْأَشْرَاف) لِابْنِ الْمُنْذر: وَقد روينَا عَن مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تجْهر بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتدلَّ بَعضهم على جَوَاز رفع الْمَرْأَة صَوتهَا بالإهلال بِحَدِيث رَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق أبي سعيد بن الْأَعرَابِي عَن زَيْنَب الأحمسية، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا، فِي امْرَأَة حجت مَعهَا مصمتة: قولي لَهَا تَتَكَلَّم، فَإِنَّهُ لَا حج لمن لَا يتَكَلَّم، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل لأمرين: الأول: لَا تعرض فِيهِ لِلتَّلْبِيَةِ. الثَّانِي: قَالَ ابْن الْقطَّان: لَيْسَ هُوَ خَبرا، إِنَّمَا هُوَ أثر عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعَ ذَلِك فِيهِ مَجْهُولَانِ، وَأوجب أهل الظَّاهِر رفع الصَّوْت بالإهلال، وَلَا بُد وَهُوَ فرض وَلَو مرّة، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث خَلاد ابْن السَّائِب الْمَذْكُور. قَالَ: وَفِيه أَمر، وَالْأَمر للْوُجُوب. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة، وَفِيه مَذَاهِب أَحدهَا: أَنَّهَا سنة، قَالَه الشَّافِعِي وَالْحسن بن حَيّ. الثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَة يجب بِتَرْكِهَا دم. قَالَه أَصْحَاب مَالك لِأَنَّهَا نسك، وَمن ترك نسكا أراق دَمًا. الثَّالِث: أَنَّهَا من شُرُوط الْإِحْرَام، لَا يَصح إلَاّ بهَا، قَالَه الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة، قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون محرما حَتَّى يُلَبِّي وَيذكر ويسوق هَدْيه، قَالَا: كالتكبير للصَّلَاة، لِأَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . قَالَ: الإهلال، وَعَن عَطاء وَعِكْرِمَة وطاووس: هُوَ التَّلْبِيَة. قَالَ: وَعِنْدنَا قَول: إِنَّه لَا ينْعَقد إِلَّا بهَا، لَكِن يقوم مقَامهَا سوق الْهَدْي والتقيد والتوجه مَعَه، وَفِيه رد لقَوْل أهل الظَّاهِر فِي إجازتهم تَقْصِير الصَّلَاة فِي مِقْدَار مَا بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة، وَفِي أقل من ذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا قصرهَا لِأَنَّهُ كَانَ خَارِجا إِلَى مَكَّة، فَلذَلِك قصرهَا بهَا.

٦٢ - (بابُ التَّلْبِيَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهِي مصدر من لبَّى يُلَبِّي، وَأَصله: لبب على وزن: فعلل، لَا: فعل، فقلبت الْبَاء الثَّالِثَة يَاء استثقالاً لثلاث ياءات، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقَوْلهمْ لبّى يُلَبِّي، مُشْتَقّ من لفظ: لبيْك، كَمَا قَالُوا: حمدل وحوقل. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا الصَّحِيح الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد التصريفية أَن لفظ: لبّى، مُشْتَقّ من لفظ: التَّلْبِيَة، وَقِيَاس ذَلِك على: حمدل وحوقل، فِي غَايَة الْبعد من الْقَاعِدَة، لِأَن حمدل، لَفْظَة مَبْنِيَّة من: الْحَمد لله، وحوقل من: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل فِيهِ: حولق، بِتَقْدِيم اللَّام على الْقَاف، وَمعنى التَّلْبِيَة الْإِجَابَة، فَإِذا قَالَ الرجل لمن دَعَاهُ: لبيْك، فَمَعْنَاه أجبْت لَك فِيمَا قلت: وَاخْتلف فِي لفظ: لبيْك، وَمَعْنَاهُ. أما لَفظه فتثنية عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُرَاد بهَا التكثير فِي الْعدَد وَالْعود مرّة بعد مرّة، لَا أَنَّهَا لحقيقة التَّثْنِيَة بِحَيْثُ لَا يتَنَاوَل إلَاّ فردين! وَقَالَ يُونُس: هُوَ مُفْرد، وَالْيَاء فِيهِ كالياء فِي: لديك وَعَلَيْك وَإِلَيْك، يَعْنِي فِي انقلابها يَاء، لاتصالها بالضمير. وَأما مَعْنَاهُ فَقيل: مَعْنَاهُ إِجَابَة بعد إِجَابَة أَو إِجَابَة لَازِمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمثله: حنانيك، أَي تحننا بعد تَحَنن، وَقيل: مَعْنَاهُ أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة من ألبَّ بِالْمَكَانِ كَذَا، ولبَّ بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَه. وَقيل: مَعْنَاهُ إتجاهي إِلَيْك من قَوْلهم دَاري تلب بدارك، أَي: تواجهها. وَقيل: محبتي لَك من قَوْلهم: امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لزَوجهَا أَو عاطفة على وَلَدهَا. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك، من قَوْلهم: حسب لباب، أَي: خَالص. وَقيل: قربا مِنْك من الإلباب وَهُوَ الْقرب. وَقيل: خاضعا لَك، وَالْأول مِنْهَا أظهر وَأشهر، لِأَن الْمحرم مُجيب لدعاء الله إِيَّاه فِي حج بَيته، وَعَن الْفراء: لبيْك، مَنْصُوب على الْمصدر، وَأَصله لبا لَك، فَثنى للتَّأْكِيد أَي إلبابا بعد إلباب، وَقَالَ عِيَاض: وَهَذِه إِجَابَة لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . والداعي هُوَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما دعى النَّاس إِلَى الْحَج على جبل أبي قبيس، وعَلى حجر الْمقَام. وَقيل: عِنْد ثنية كداء، وَزعم ابْن حزم أَن التَّلْبِيَة شَرِيعَة أَمر الله بهَا لَا عِلّة لَهَا إلَاّ قَوْله تَعَالَى: {وليبلوكم أَيّكُم أحسن عملا} (هود: ٧، الْملك: ٢) .

٩٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَة لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهَذِه الَّتِي رَوَاهَا ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هِيَ كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَلم يتَعَرَّض البُخَارِيّ لحكم التَّلْبِيَة، وفيهَا أَقْوَال على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه.

الأول: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: (لبيْك اللَّهُمَّ) ، يَعْنِي: يَا الله أجبناك فِيمَا دَعوتنَا. وَقيل: إِنَّهَا إِجَابَة للخليل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (لما فرغ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام من بِنَاء الْبَيْت، قيل لَهُ: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . قَالَ: رب وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَيهَا النَّاس كتب عَلَيْكُم الْحَج إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق، فَسَمعهُ من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أَفلا ترَوْنَ النَّاس يجيئون من أقْصَى الأَرْض يلبون) ؟ وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: وَفِيه: (وأجابوه بِالتَّلْبِيَةِ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء وَأول من أَجَابَهُ أهل الْيمن، فَلَيْسَ حَاج يحجّ من يَوْمئِذٍ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة إلَاّ من كَانَ أجَاب إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (إِن الْحَمد) روى بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، أما وَجه الْكسر فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام، كَأَنَّهُ لما قَالَ: لبيْك، اسْتَأْنف كلَاما آخر فَقَالَ: إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى. وَأما وَجه الْفَتْح فعلى التَّعْلِيل كَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك، لِأَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَالْكَسْر أَجود عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ثَعْلَب: لِأَن من كسر جعل مَعْنَاهُ: إِن الْحَمد لَك على كل حَال، وَمن فتح قَالَ: مَعْنَاهُ، لبيْك لهَذَا السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: لهج الْعَامَّة بِالْفَتْح، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر:

الْمَعْنى عِنْدِي وَاحِد، لِأَن من فتح أَرَادَ لبيْك لِأَن الْحَمد لَك على كل حَال، وَاعْترض عَلَيْهِ لِأَن التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَمد، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَة. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْكسر أَجود لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير معللة، وَأَن الْحَمد وَالنعْمَة لله على كل حَال، وَالْفَتْح يدل على التَّعْلِيل، فَكَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك لهَذَا السَّبَب، وَالْأول أَعم وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وَالنعْمَة لَك) الْمَشْهُور فِيهِ النصب، قَالَ عِيَاض: وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَيكون الْخَبَر محذوفا، وَالتَّقْدِير أَن الْحَمد لَك وَالنعْمَة مُسْتَقِرَّة لَك، نَقله عَن ابْن الْأَنْبَارِي. قَوْله: (وَالْملك) ، أَيْضا بِالنّصب على الْمَشْهُور، وَيجوز الرّفْع وَتَقْدِيره: وَالْملك كَذَلِك، وَالْملك بِضَم الْمِيم، وَالْفرق بَينه وَبَين الْملك بِكَسْر الْمِيم.

الْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة هِيَ التَّنْبِيه على إكرام الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، بِأَن وفودهم على بَيته إِنَّمَا كَانَ باستدعاء مِنْهُ، عز وَجل، فَإِن قلت: لِمَ قرن الْحَمد بِالنعْمَةِ وأفرد الْملك؟ قلت: لِأَن الْحَمد مُتَعَلق بِالنعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَال: الْحَمد لله على نعمه، فَجمع بَينهمَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حمد، إلَاّ لَك، لِأَنَّهُ لَا نعْمَة إلَاّ لَك وَأما الْملك، فَهُوَ معنى مُسْتَقل بِنَفسِهِ، ذكر لتحقيق: أَن النِّعْمَة كلهَا لله لِأَنَّهُ صَاحب الْملك.

الْوَجْه الثَّالِث: فِي حكم التَّلْبِيَة، فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال، قد ذَكرنَاهَا فِي أَوَاخِر الْبَاب السَّابِق.

الْوَجْه الرَّابِع: فِي الزِّيَادَة على أَلْفَاظ التَّلْبِيَة المروية عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على القَوْل بِهَذِهِ التَّلْبِيَة، وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة فِيهَا، فَقَالَ مَالك: كره الزِّيَادَة فِيهَا على تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه: لَا بَأْس أَن يُزَاد فِيهَا مَا كَانَ ابْن عمر يزِيدهُ، قلت: روى هَذِه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك، لَا شريك لَك. قَالَ: وَكَانَ عبد الله بن عمر يزِيد فِيهَا: لبيْك لبيْك، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر بيديك، لبيْك وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن، لَهُ أَن يزِيد فِيهَا مَا شَاءَ وَأحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: إِن زَاد فِي التَّلْبِيَة شَيْئا من تَعْظِيم الله تَعَالَى فَلَا بَأْس إِن شَاءَ الله، وَأحب إِلَيّ إِن يقْتَصر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول: لَا يَنْبَغِي أَن يُزَاد فِيهَا على تَلْبِيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَذْكُورَة، وَإِلَيْهِ ذهب الطَّحَاوِيّ وَاخْتَارَهُ، وَقد زَاد جمَاعَة فِي التَّلْبِيَة، مِنْهُم: ابْن عمر، وَمِنْهُم أَبوهُ عمر بن الْخطاب، زَاد هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي جَاءَت عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَلَعَلَّ عبد الله أَخذهَا من أَبِيه، فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَنهُ كَمَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَمِنْهُم ابْن مَسْعُود، فَروِيَ عَنهُ أَنه لبّى، فَقَالَ: لبيْك عدد الْحَصَى وَالتُّرَاب. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر، قَالَ: أهلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر التَّلْبِيَة، قَالَ: وَالنَّاس يزِيدُونَ: ذَا المعارج، وَنَحْوه من الْكَلَام وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع فَلَا يَقُول لَهُم شَيْئا. وروى سعيد بن الْمَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأسود بن يزِيد أَنه كَانَ يَقُول: لبيْك غفار الذُّنُوب لبيْك. وَفِي (تَارِيخ مَكَّة) للأزرقي، صفة تَلْبِيَة جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، رَوَاهُ من رِوَايَة عُثْمَان بن سَاج، قَالَ: أَخْبرنِي صَادِق أَنه بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لقد مر بفج الروحاء سَبْعُونَ نَبيا تلبيتهم شَتَّى، مِنْهُم يُونُس بن مَتى، وَكَانَ يُونُس يَقُول: لبيْك فراج الكرب لبيْك، وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لبيْك أَنا عَبدك لديك لبيْك. قَالَ: وتلبية عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا عَبدك وَابْن أمتك بنت عبديك لبيْك، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف بِعَرَفَات، فَلَمَّا قَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، قَالَ إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن يحيى بن سِيرِين عَن أنس بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لبيْك حجا حَقًا، تعبدا وَرقا. وَفِي هَذَا الحَدِيث نُكْتَة غَرِيبَة، وَهُوَ أَنه اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أخوة يروي بَعضهم عَن بعض، وَلَا يعرف هَذَا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَوْله فِي حَدِيث مُسلم وَسَعْديك، مَعْنَاهُ: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. قَوْله: وَالرغْبَاء، قَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) الرغب وَالرَّغْبَة والرغب، بِالتَّحْرِيكِ: إتساع الْإِرَادَة، ورغبت فِيهِ أوسعته إِرَادَة، وأرغبت لُغَة، والرغبى وَالرغْبَاء مثل: النعمى والنعماء، إسمان مِنْهُ إِذا فتحت مددت، وَإِذا ضممت قصرت. وَفِي (الْمُحكم) : الرغب والرغب والرغب وَالرَّغْبَة والرغبوت والرغبي والرغبا وَالرغْبَاء: الضراعة وَالْمَسْأَلَة، وَقد رغب إِلَيْهِ وَرغب إِلَيْهِ هُوَ عَن ابْن الْأَعرَابِي، ودعا الله رَغْبَة ورغبة. وَقيل: هِيَ الرغبى مثل سكرى. وَالْعَمَل فِيهِ حذف، تَقْدِيره: وَالْعَمَل إِلَيْك، أَي إِلَيْك الْقَصْد بِهِ، والانتهاء بِهِ إِلَيْك لنجازى عَلَيْهِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِهْلَالِهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ الَّتِي قَبْلَهَا بِغَيْرِ شَكٍّ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَيُّوبَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.

٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ

١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِهْلَالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌّ بِهِ. وَأَمَّا أَهَلَّ الْقَوْمُ الْهِلَالَ فَأَرَى أَنَّهُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. وَسَيَأْتِي إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ - مِنْ طَرِيقِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا.

وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ مِنًى.

٢٦ - بَاب التَّلْبِيَةِ

١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.

١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ.

قوله: (باب التلبية) هي مصدر لبى؛ أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرا.

قَوْلُهُ: (لَبَّيْكَ) هُوَ لَفْظٌ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ يُونُسُ: هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ لَبًّا لَكَ، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ أَيِ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةً لَازِمَةً. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ، أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَكَ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ. وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حُبٌّ لَبَابٌ؛ أَيْ خَالِصٌ. وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ. وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ، وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فَقَدِ اسْتَجَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، انْتَهَى.

وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَفِيهِ: فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ .

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ.

قَوْلُهُ: (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) الْمَشْهُورُ فِيهِ النَّصْبُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلُّهَا لِلَّهِ؛ لأنه صَاحِبِ الْمُلْكِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ؛ وَتَقْدِيرُهُ: وَالْمُلْكُ

كَذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْدَهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ.

اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ : لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ. وَبِزِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَ: فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ .

فَذَكَرَهُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ: حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . إِلَخْ. قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ، قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ - أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَغَلِطُوا، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ، ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً.

وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرْفُوعِ أَحَبُّ، وَلَا ضِيقَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ زَادَ فَحَسَنٌ. وَحَكَى فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارِ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَهَذَا أَعْدَلُ الْوُجُوهِ، فَيُفْرِدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْلَ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

استهلَّ، وبه سُمِّي الهلال لأنَّ النَّاس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، واستبعد ابن المُنيِّر هذا الأخير من وجهين:

أحدهما: أنَّ العرب ما كانت تعتني بالأهلَّة لأنَّها لا تؤرِّخ بها، والهلال مُسمًّى (١) بذلك قبل العناية بالتَّاريخ.

الثَّاني: أنَّ جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أَوْلى لقاعدةٍ تصريفيَّةٍ؛ وهي: أنَّه إذا تعارض الأمر في اللَّفظين أيُّهما أُخِذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذَّوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلال ذاتٌ فهو الأصل، والإهلال معنًى يتعلَّق به فهو الفرع، ذكره في «المصابيح».

١٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة ثمَّ المهملة- الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ) أي: النَّاوين للقِران (٢) (يَصْرُخُونَ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) أو الضَّمير في «سمعتهم» راجعٌ إلى النَّبيِّ ومن معه من أصحابه.

وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهور في استحباب رفع الصَّوت بالتَّلبية للرَّجل بحيث لا يضرُّ بنفسه، نعم لا يُستحَبُّ رفع الصَّوت بها في ابتداء الإحرام، بل يُسمِع نفسَه فقط كما في «المجموع»، وخرج بالرَّجل: المرأةُ والخنثى فلا يرفعان صوتهما، بل يُسمِعان أنفسَهما فقط كما في قراءة الصَّلاة، فإن رفعا كُرِه، وقد روى أحمد في «مُسنَده» من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ قال: «أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال، وقال: إنَّه من شعائر الحجِّ»، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التَّلبية، وقد اختُلِف في ذلك، ومذهب الشَّافعيِّ

وأحمد: أنَّها سنَّةٌ، وفي وجهٍ حكاه الماورديُّ عن ابن خيران وابن وهبٍ وابن أبي هريرة: أنَّها واجبةٌ يجب بتركها دمٌ، وقال الحنفيَّة: إذا اقتصر على النِّيَّة ولم يلبِّ لا ينعقد إحرامه لأنَّ الحجَّ تضمَّن أشياءَ مختلفةً فعلًا وتركًا، فأشبه الصَّلاة، فلا يحصل إلَّا بالذِّكر في أوَّله، وقال المالكيَّة: ولا ينعقد إلَّا بنيَّةٍ مقرونةٍ بقولٍ أو فعلٍ متعلِّقين به كالتَّلبية والتَّوجُّه إلى الطَّريق، فلا ينعقد بمُجرَّد النِّيَّة، وقِيلَ: ينعقد، قاله سندٌ، وهو مرويٌّ (١) عن مالكٍ.

(٢٦) (بَابُ التَّلْبِيَةِ) مصدر «لبَّى» كزَكَّى تزكيةً، أي: قال: لبَّيك، وهو عند سيبويه والأكثرين: مُثنًّى لقلب ألفه ياءً مع المُظهَر، وليست تثنيته حقيقيَّةً بل هو من المُثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكثير والمبالغة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، عند من أوَّل «اليد» بالنِّعمة، ونعمه تعالى لا تُحصَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّاتٍ كثيرة، وقال يونس بن حبيبٍ: إنَّما هو اسمٌ مُفرَدٌ، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كـ «لديَّ» و «عليَّ». انتهى. والأصل: لبَّبك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءاتٍ (٢)، فأبدلوا من الثَّالثة (٣) ياءً كما قالوا من (٤) الظَّنِّ: تظنيَّت، وأصله: تظنَّنتُ، وهو منصوبٌ على المصدر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَتَّى دخل فِي الصَّباح. قَوْله: (أهلَّ) أَي: رفع صَوته بالإهلال، ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا الْمبيت لَيْسَ من سنَن الْحَج، وَإِنَّمَا هُوَ من جهو الرِّفْق بأمته ليلحق بِهِ من تَأَخّر عَنهُ فِي السّير، ويدركه من لم يُمكنهُ الْخُرُوج مَعَه، وَأما قصر صَلَاة الْعَصْر فَلِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وَإِن لم يبلغ إِلَى مَوضِع الْمَشَقَّة مِنْهُ، فَإِذا خرج عَن مصره قصر، وَظَاهر الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم إِثْر الْمَكْتُوبَة لِأَنَّهُ إِذا صلى الصُّبْح لم يرْكَع بعْدهَا للْإِحْرَام لِأَنَّهُ وَقت كَرَاهَة.

٧٤٥١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ وأحْسِبُهُ باتَ حَتَّى أصْبَحَ..

هَذَا طَرِيق آخر عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي عَن أنس. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ على هَذَا. قَوْله: قَالَ: وَأَحْسبهُ أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة: وَأَحْسبهُ، الشَّك من أبي قلَابَة، وَرِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر الْمَاضِيَة عقيب هَذَا بِغَيْر شكّ، وَسَيَأْتِي من طَرِيق أبي أَيُّوب بأتم من هَذَا.

٥٢

- (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإهْلالِ

(

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الصَّوْت بالإهلال أَي التَّلْبِيَة، وكل رَافع صَوته بِشَيْء فَهُوَ مهلَّ بِهِ.

٥٢

- (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإهْلالِ

(

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الصَّوْت بالإهلال أَي التَّلْبِيَة، وكل رَافع صَوته بِشَيْء فَهُوَ مهلَّ بِهِ.

٨٤٥١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ صلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالمَدِينَةِ الظّهْرَ أرْبَعا وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وسَمِعْتُهُمْ يَصْرَخُونَ بِهمَا جَمِيعا..

هَذَا طَرِيق آخر مَعَ زِيَادَة فِيهِ، وَفِي قَوْله: (وسمعتهم يصرخون) أَي: يرفعون أَصْوَاتهم بهما، أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة.

وَفِيه: دَلِيل على أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا. وَأَنه أفضل من التَّمَتُّع والإفراد. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا سمع أنس من قرن خَاصَّة، وَلَيْسَ فِي حَدِيثه أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْرخ بهَا، وَإِنَّمَا أخبر بذلك عَن قوم. وَقد يُمكن أَن يسمع قوما يصرخون بِحَجّ وقوما يصرخون بِعُمْرَة. قلت: هَذَا تحكم وَخُرُوج عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، فَإِن الضَّمِير فِي: يصرخون، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن مَعَه من أَصْحَابه، وَالْبَاء فِي: بهما، يتَعَلَّق: بيصرخون، فَكيف يفرق مرجع الضَّمِير إِلَى بَعضهم بِشَيْء، وَإِلَى الآخرين بِشَيْء غير ذَلِك؟ وَلَو لم يكن الصُّرَاخ بهما عَن الْكل لَكَانَ أنس فرقه، وبيَّن من يصْرخ بِالْحَجِّ وَمن يصْرخ بِعُمْرَة وَمن يصْرخ بهما، لِأَنَّهُ فِي صدد الْإِخْبَار بصورته الَّتِي وَقعت. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: يحْتَمل أَن يكون على سَبِيل التَّوْزِيع بِأَن يكون بَعضهم صَارِخًا بِالْحَجِّ، وَبَعْضهمْ بِالْعُمْرَةِ، وكل هَذَا التعسف مِنْهُمَا أَن لَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِمَا، وَمَعَ هَذَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِمَا وعَلى كل من كَانَ فِي مَذْهَبهمَا، وَلَا يُوجد فِي الرَّد عَلَيْهِم أقوى من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك بِحجَّة وَعمرَة مَعًا، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَفِيه: حجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَاب رفع الْأَصْوَات بِالتَّلْبِيَةِ، وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. مِنْهَا: حَدِيث خَلاد بن السَّائِب، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك عَن عبد الله ابْن أبي بكر وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن أبي بكر وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام عَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَتَانِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأمرنِي أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال والتلبية. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن خَالِد، أخرجه ابْن مَاجَه وَلَفظه: (جَاءَنِي جِبْرِيل، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد مر أَصْحَابك أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا من شَعَائِر الْحَج) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده)

وَلَفظه: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أَمرنِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، بِرَفْع الصَّوْت بالإهلال، وَقَالَ: إِنَّه من شَعَائِر الْحَج) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه أَحْمد أيضاعنه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إِن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَتَانِي فَأمرنِي أَن أعلن بِالتَّلْبِيَةِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، أخرجه سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ثَلَاثَة أصوات يباهي الله، عز وَجل، بِهن الْمَلَائِكَة: الْأَذَان، وَالتَّكْبِير فِي سَبِيل الله، وَرفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ) . وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ، غَرِيب من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر. وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَنْهَا، قَالَت: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا بلغنَا الروحاء حَتَّى سمعنَا عَامَّة النَّاس وَقد بحت أَصْوَاتهم) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سُئِلَ: أَي الْحَج أفضل؟ قَالَ: العج والثج) ، العج بِالْعينِ الْمُهْملَة رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، وَقد عج يعج عجا فَهُوَ عاج وعجاج، والثج، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: سيلان دم الْأَضَاحِي، يُقَال ثجه يثجه ثَجًّا. وَمِنْهَا: حَدِيث سهل بن سعد أخرجه الْحَاكِم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (مَا من ملب يلبِّي إلَاّ لبّى مَا عَن يَمِينه وشماله من شجر وَحجر حَتَّى مُنْقَطع الأَرْض من هُنَا وَهنا، يَعْنِي: عَن يَمِينه وشماله) . وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ. وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الْمطلب بن عبد الله. قَالَ: (كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تثج أَصْوَاتهم) وَقَالَ عبد الله بن عمر: (إرفعوا أَصْوَاتكُم بِالتَّلْبِيَةِ) وَعَن ابْن الزبير مثله. وَقَالَ ابْن بطال: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ مُسْتَحبّ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك، فَفِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم: لَا ترفع الْأَصْوَات بِالتَّلْبِيَةِ إلَاّ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد منى وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَوْله الْقَدِيم لَا يرفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسَاجِد الْجَمَاعَات إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد منى وَمَسْجِد عَرَفَة. وَقَوله الْجَدِيد: اسْتِحْبَابه مُطلقًا وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا أَن التَّلْبِيَة المقترنة بِالْإِحْرَامِ لَا يجْهر بهَا، صرح بِهِ الْجُوَيْنِيّ من أَصْحَابنَا.

وَأَجْمعُوا أَن الْمَرْأَة لَا ترفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَن تسمع نَفسهَا كَأَنَّهُمْ لمحوا مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن معن عَن إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة عَن دَاوُد بن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا ترفع الْمَرْأَة صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ، وَمن حَدِيث أبي الجويرية عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم مثله، وَعَن عَطاء كَذَلِك، وَمن حَدِيث عدي ابْن أبي عِيسَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر: لَيْسَ على النِّسَاء أَن يرفعن أصواتهن بِالتَّلْبِيَةِ، لَكِن يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ بِسَنَد كَالشَّمْسِ: عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه، قَالَ: خرج مُعَاوِيَة لَيْلَة النَّفر فَسمع صَوت تَلْبِيَة، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَائِشَة اعْتَمَرت من التَّنْعِيم، فَذكرت ذَلِك لعَائِشَة، فَقَالَت: لَو سَأَلَني لأخبرته. وَعند وَكِيع: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع، قَالَ: قدمت امْرَأَة أَعْجَمِيَّة فَخرجت مَعَ النَّاس وَلم تهل، إلَاّ أَنَّهَا كَانَت تذكر الله تَعَالَى، فَقَالَ عَطاء: لَا يجزيها. وَفِي (الْأَشْرَاف) لِابْنِ الْمُنْذر: وَقد روينَا عَن مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تجْهر بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتدلَّ بَعضهم على جَوَاز رفع الْمَرْأَة صَوتهَا بالإهلال بِحَدِيث رَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق أبي سعيد بن الْأَعرَابِي عَن زَيْنَب الأحمسية، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا، فِي امْرَأَة حجت مَعهَا مصمتة: قولي لَهَا تَتَكَلَّم، فَإِنَّهُ لَا حج لمن لَا يتَكَلَّم، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل لأمرين: الأول: لَا تعرض فِيهِ لِلتَّلْبِيَةِ. الثَّانِي: قَالَ ابْن الْقطَّان: لَيْسَ هُوَ خَبرا، إِنَّمَا هُوَ أثر عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعَ ذَلِك فِيهِ مَجْهُولَانِ، وَأوجب أهل الظَّاهِر رفع الصَّوْت بالإهلال، وَلَا بُد وَهُوَ فرض وَلَو مرّة، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث خَلاد ابْن السَّائِب الْمَذْكُور. قَالَ: وَفِيه أَمر، وَالْأَمر للْوُجُوب. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة، وَفِيه مَذَاهِب أَحدهَا: أَنَّهَا سنة، قَالَه الشَّافِعِي وَالْحسن بن حَيّ. الثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَة يجب بِتَرْكِهَا دم. قَالَه أَصْحَاب مَالك لِأَنَّهَا نسك، وَمن ترك نسكا أراق دَمًا. الثَّالِث: أَنَّهَا من شُرُوط الْإِحْرَام، لَا يَصح إلَاّ بهَا، قَالَه الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة، قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون محرما حَتَّى يُلَبِّي وَيذكر ويسوق هَدْيه، قَالَا: كالتكبير للصَّلَاة، لِأَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . قَالَ: الإهلال، وَعَن عَطاء وَعِكْرِمَة وطاووس: هُوَ التَّلْبِيَة. قَالَ: وَعِنْدنَا قَول: إِنَّه لَا ينْعَقد إِلَّا بهَا، لَكِن يقوم مقَامهَا سوق الْهَدْي والتقيد والتوجه مَعَه، وَفِيه رد لقَوْل أهل الظَّاهِر فِي إجازتهم تَقْصِير الصَّلَاة فِي مِقْدَار مَا بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة، وَفِي أقل من ذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا قصرهَا لِأَنَّهُ كَانَ خَارِجا إِلَى مَكَّة، فَلذَلِك قصرهَا بهَا.

٦٢ - (بابُ التَّلْبِيَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهِي مصدر من لبَّى يُلَبِّي، وَأَصله: لبب على وزن: فعلل، لَا: فعل، فقلبت الْبَاء الثَّالِثَة يَاء استثقالاً لثلاث ياءات، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقَوْلهمْ لبّى يُلَبِّي، مُشْتَقّ من لفظ: لبيْك، كَمَا قَالُوا: حمدل وحوقل. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا الصَّحِيح الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد التصريفية أَن لفظ: لبّى، مُشْتَقّ من لفظ: التَّلْبِيَة، وَقِيَاس ذَلِك على: حمدل وحوقل، فِي غَايَة الْبعد من الْقَاعِدَة، لِأَن حمدل، لَفْظَة مَبْنِيَّة من: الْحَمد لله، وحوقل من: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل فِيهِ: حولق، بِتَقْدِيم اللَّام على الْقَاف، وَمعنى التَّلْبِيَة الْإِجَابَة، فَإِذا قَالَ الرجل لمن دَعَاهُ: لبيْك، فَمَعْنَاه أجبْت لَك فِيمَا قلت: وَاخْتلف فِي لفظ: لبيْك، وَمَعْنَاهُ. أما لَفظه فتثنية عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُرَاد بهَا التكثير فِي الْعدَد وَالْعود مرّة بعد مرّة، لَا أَنَّهَا لحقيقة التَّثْنِيَة بِحَيْثُ لَا يتَنَاوَل إلَاّ فردين! وَقَالَ يُونُس: هُوَ مُفْرد، وَالْيَاء فِيهِ كالياء فِي: لديك وَعَلَيْك وَإِلَيْك، يَعْنِي فِي انقلابها يَاء، لاتصالها بالضمير. وَأما مَعْنَاهُ فَقيل: مَعْنَاهُ إِجَابَة بعد إِجَابَة أَو إِجَابَة لَازِمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمثله: حنانيك، أَي تحننا بعد تَحَنن، وَقيل: مَعْنَاهُ أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة من ألبَّ بِالْمَكَانِ كَذَا، ولبَّ بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَه. وَقيل: مَعْنَاهُ إتجاهي إِلَيْك من قَوْلهم دَاري تلب بدارك، أَي: تواجهها. وَقيل: محبتي لَك من قَوْلهم: امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لزَوجهَا أَو عاطفة على وَلَدهَا. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك، من قَوْلهم: حسب لباب، أَي: خَالص. وَقيل: قربا مِنْك من الإلباب وَهُوَ الْقرب. وَقيل: خاضعا لَك، وَالْأول مِنْهَا أظهر وَأشهر، لِأَن الْمحرم مُجيب لدعاء الله إِيَّاه فِي حج بَيته، وَعَن الْفراء: لبيْك، مَنْصُوب على الْمصدر، وَأَصله لبا لَك، فَثنى للتَّأْكِيد أَي إلبابا بعد إلباب، وَقَالَ عِيَاض: وَهَذِه إِجَابَة لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . والداعي هُوَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما دعى النَّاس إِلَى الْحَج على جبل أبي قبيس، وعَلى حجر الْمقَام. وَقيل: عِنْد ثنية كداء، وَزعم ابْن حزم أَن التَّلْبِيَة شَرِيعَة أَمر الله بهَا لَا عِلّة لَهَا إلَاّ قَوْله تَعَالَى: {وليبلوكم أَيّكُم أحسن عملا} (هود: ٧، الْملك: ٢) .

٩٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَة لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهَذِه الَّتِي رَوَاهَا ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هِيَ كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَلم يتَعَرَّض البُخَارِيّ لحكم التَّلْبِيَة، وفيهَا أَقْوَال على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه.

الأول: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: (لبيْك اللَّهُمَّ) ، يَعْنِي: يَا الله أجبناك فِيمَا دَعوتنَا. وَقيل: إِنَّهَا إِجَابَة للخليل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (لما فرغ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام من بِنَاء الْبَيْت، قيل لَهُ: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . قَالَ: رب وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَيهَا النَّاس كتب عَلَيْكُم الْحَج إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق، فَسَمعهُ من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أَفلا ترَوْنَ النَّاس يجيئون من أقْصَى الأَرْض يلبون) ؟ وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: وَفِيه: (وأجابوه بِالتَّلْبِيَةِ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء وَأول من أَجَابَهُ أهل الْيمن، فَلَيْسَ حَاج يحجّ من يَوْمئِذٍ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة إلَاّ من كَانَ أجَاب إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (إِن الْحَمد) روى بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، أما وَجه الْكسر فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام، كَأَنَّهُ لما قَالَ: لبيْك، اسْتَأْنف كلَاما آخر فَقَالَ: إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى. وَأما وَجه الْفَتْح فعلى التَّعْلِيل كَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك، لِأَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَالْكَسْر أَجود عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ثَعْلَب: لِأَن من كسر جعل مَعْنَاهُ: إِن الْحَمد لَك على كل حَال، وَمن فتح قَالَ: مَعْنَاهُ، لبيْك لهَذَا السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: لهج الْعَامَّة بِالْفَتْح، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر:

الْمَعْنى عِنْدِي وَاحِد، لِأَن من فتح أَرَادَ لبيْك لِأَن الْحَمد لَك على كل حَال، وَاعْترض عَلَيْهِ لِأَن التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَمد، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَة. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْكسر أَجود لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير معللة، وَأَن الْحَمد وَالنعْمَة لله على كل حَال، وَالْفَتْح يدل على التَّعْلِيل، فَكَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك لهَذَا السَّبَب، وَالْأول أَعم وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وَالنعْمَة لَك) الْمَشْهُور فِيهِ النصب، قَالَ عِيَاض: وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَيكون الْخَبَر محذوفا، وَالتَّقْدِير أَن الْحَمد لَك وَالنعْمَة مُسْتَقِرَّة لَك، نَقله عَن ابْن الْأَنْبَارِي. قَوْله: (وَالْملك) ، أَيْضا بِالنّصب على الْمَشْهُور، وَيجوز الرّفْع وَتَقْدِيره: وَالْملك كَذَلِك، وَالْملك بِضَم الْمِيم، وَالْفرق بَينه وَبَين الْملك بِكَسْر الْمِيم.

الْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة هِيَ التَّنْبِيه على إكرام الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، بِأَن وفودهم على بَيته إِنَّمَا كَانَ باستدعاء مِنْهُ، عز وَجل، فَإِن قلت: لِمَ قرن الْحَمد بِالنعْمَةِ وأفرد الْملك؟ قلت: لِأَن الْحَمد مُتَعَلق بِالنعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَال: الْحَمد لله على نعمه، فَجمع بَينهمَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حمد، إلَاّ لَك، لِأَنَّهُ لَا نعْمَة إلَاّ لَك وَأما الْملك، فَهُوَ معنى مُسْتَقل بِنَفسِهِ، ذكر لتحقيق: أَن النِّعْمَة كلهَا لله لِأَنَّهُ صَاحب الْملك.

الْوَجْه الثَّالِث: فِي حكم التَّلْبِيَة، فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال، قد ذَكرنَاهَا فِي أَوَاخِر الْبَاب السَّابِق.

الْوَجْه الرَّابِع: فِي الزِّيَادَة على أَلْفَاظ التَّلْبِيَة المروية عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على القَوْل بِهَذِهِ التَّلْبِيَة، وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة فِيهَا، فَقَالَ مَالك: كره الزِّيَادَة فِيهَا على تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه: لَا بَأْس أَن يُزَاد فِيهَا مَا كَانَ ابْن عمر يزِيدهُ، قلت: روى هَذِه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك، لَا شريك لَك. قَالَ: وَكَانَ عبد الله بن عمر يزِيد فِيهَا: لبيْك لبيْك، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر بيديك، لبيْك وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن، لَهُ أَن يزِيد فِيهَا مَا شَاءَ وَأحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: إِن زَاد فِي التَّلْبِيَة شَيْئا من تَعْظِيم الله تَعَالَى فَلَا بَأْس إِن شَاءَ الله، وَأحب إِلَيّ إِن يقْتَصر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول: لَا يَنْبَغِي أَن يُزَاد فِيهَا على تَلْبِيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَذْكُورَة، وَإِلَيْهِ ذهب الطَّحَاوِيّ وَاخْتَارَهُ، وَقد زَاد جمَاعَة فِي التَّلْبِيَة، مِنْهُم: ابْن عمر، وَمِنْهُم أَبوهُ عمر بن الْخطاب، زَاد هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي جَاءَت عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَلَعَلَّ عبد الله أَخذهَا من أَبِيه، فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَنهُ كَمَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَمِنْهُم ابْن مَسْعُود، فَروِيَ عَنهُ أَنه لبّى، فَقَالَ: لبيْك عدد الْحَصَى وَالتُّرَاب. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر، قَالَ: أهلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر التَّلْبِيَة، قَالَ: وَالنَّاس يزِيدُونَ: ذَا المعارج، وَنَحْوه من الْكَلَام وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع فَلَا يَقُول لَهُم شَيْئا. وروى سعيد بن الْمَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأسود بن يزِيد أَنه كَانَ يَقُول: لبيْك غفار الذُّنُوب لبيْك. وَفِي (تَارِيخ مَكَّة) للأزرقي، صفة تَلْبِيَة جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، رَوَاهُ من رِوَايَة عُثْمَان بن سَاج، قَالَ: أَخْبرنِي صَادِق أَنه بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لقد مر بفج الروحاء سَبْعُونَ نَبيا تلبيتهم شَتَّى، مِنْهُم يُونُس بن مَتى، وَكَانَ يُونُس يَقُول: لبيْك فراج الكرب لبيْك، وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لبيْك أَنا عَبدك لديك لبيْك. قَالَ: وتلبية عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا عَبدك وَابْن أمتك بنت عبديك لبيْك، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف بِعَرَفَات، فَلَمَّا قَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، قَالَ إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن يحيى بن سِيرِين عَن أنس بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لبيْك حجا حَقًا، تعبدا وَرقا. وَفِي هَذَا الحَدِيث نُكْتَة غَرِيبَة، وَهُوَ أَنه اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أخوة يروي بَعضهم عَن بعض، وَلَا يعرف هَذَا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَوْله فِي حَدِيث مُسلم وَسَعْديك، مَعْنَاهُ: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. قَوْله: وَالرغْبَاء، قَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) الرغب وَالرَّغْبَة والرغب، بِالتَّحْرِيكِ: إتساع الْإِرَادَة، ورغبت فِيهِ أوسعته إِرَادَة، وأرغبت لُغَة، والرغبى وَالرغْبَاء مثل: النعمى والنعماء، إسمان مِنْهُ إِذا فتحت مددت، وَإِذا ضممت قصرت. وَفِي (الْمُحكم) : الرغب والرغب والرغب وَالرَّغْبَة والرغبوت والرغبي والرغبا وَالرغْبَاء: الضراعة وَالْمَسْأَلَة، وَقد رغب إِلَيْهِ وَرغب إِلَيْهِ هُوَ عَن ابْن الْأَعرَابِي، ودعا الله رَغْبَة ورغبة. وَقيل: هِيَ الرغبى مثل سكرى. وَالْعَمَل فِيهِ حذف، تَقْدِيره: وَالْعَمَل إِلَيْك، أَي إِلَيْك الْقَصْد بِهِ، والانتهاء بِهِ إِلَيْك لنجازى عَلَيْهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل