الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٨
الحديث رقم ١٥٤٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب رفع الصوت بالإهلال.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ التَّلْبِيَةِ
١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِهْلَالِهِ ﷺ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ الَّتِي قَبْلَهَا بِغَيْرِ شَكٍّ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَيُّوبَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.
٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ
١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِهْلَالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌّ بِهِ. وَأَمَّا أَهَلَّ الْقَوْمُ الْهِلَالَ فَأَرَى أَنَّهُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابِ.
قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. وَسَيَأْتِي إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ - مِنْ طَرِيقِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا.
وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ مِنًى.
٢٦ - بَاب التَّلْبِيَةِ
١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ.
قوله: (باب التلبية) هي مصدر لبى؛ أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرا.
قَوْلُهُ: (لَبَّيْكَ) هُوَ لَفْظٌ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ يُونُسُ: هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ لَبًّا لَكَ، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ أَيِ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةً لَازِمَةً. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ، أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَكَ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ. وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حُبٌّ لَبَابٌ؛ أَيْ خَالِصٌ. وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ. وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ، وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فَقَدِ اسْتَجَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، انْتَهَى.
وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَفِيهِ: فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ ﷾.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) الْمَشْهُورُ فِيهِ النَّصْبُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلُّهَا لِلَّهِ؛ لأنه صَاحِبِ الْمُلْكِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ؛ وَتَقْدِيرُهُ: وَالْمُلْكُ
كَذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْدَهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ.
اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ. وَبِزِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَذَكَرَهُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ: حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . إِلَخْ. قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ ﷺ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ، قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ - أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَغَلِطُوا، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ، ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً.
وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرْفُوعِ أَحَبُّ، وَلَا ضِيقَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ زَادَ فَحَسَنٌ. وَحَكَى فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارِ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَهَذَا أَعْدَلُ الْوُجُوهِ، فَيُفْرِدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْلَ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
استهلَّ، وبه سُمِّي الهلال لأنَّ النَّاس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، واستبعد ابن المُنيِّر هذا الأخير من وجهين:
أحدهما: أنَّ العرب ما كانت تعتني بالأهلَّة لأنَّها لا تؤرِّخ بها، والهلال مُسمًّى (١) بذلك قبل العناية بالتَّاريخ.
الثَّاني: أنَّ جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أَوْلى لقاعدةٍ تصريفيَّةٍ؛ وهي: أنَّه إذا تعارض الأمر في اللَّفظين أيُّهما أُخِذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذَّوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلال ذاتٌ فهو الأصل، والإهلال معنًى يتعلَّق به فهو الفرع، ذكره في «المصابيح».
١٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة ثمَّ المهملة- الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ) أي: النَّاوين للقِران (٢) (يَصْرُخُونَ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) أو الضَّمير في «سمعتهم» راجعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ومن معه من أصحابه.
وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهور في استحباب رفع الصَّوت بالتَّلبية للرَّجل بحيث لا يضرُّ بنفسه، نعم لا يُستحَبُّ رفع الصَّوت بها في ابتداء الإحرام، بل يُسمِع نفسَه فقط كما في «المجموع»، وخرج بالرَّجل: المرأةُ والخنثى فلا يرفعان صوتهما، بل يُسمِعان أنفسَهما فقط كما في قراءة الصَّلاة، فإن رفعا كُرِه، وقد روى أحمد في «مُسنَده» من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال، وقال: إنَّه من شعائر الحجِّ»، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التَّلبية، وقد اختُلِف في ذلك، ومذهب الشَّافعيِّ
وأحمد: أنَّها سنَّةٌ، وفي وجهٍ حكاه الماورديُّ عن ابن خيران وابن وهبٍ وابن أبي هريرة: أنَّها واجبةٌ يجب بتركها دمٌ، وقال الحنفيَّة: إذا اقتصر على النِّيَّة ولم يلبِّ لا ينعقد إحرامه لأنَّ الحجَّ تضمَّن أشياءَ مختلفةً فعلًا وتركًا، فأشبه الصَّلاة، فلا يحصل إلَّا بالذِّكر في أوَّله، وقال المالكيَّة: ولا ينعقد إلَّا بنيَّةٍ مقرونةٍ بقولٍ أو فعلٍ متعلِّقين به كالتَّلبية والتَّوجُّه إلى الطَّريق، فلا ينعقد بمُجرَّد النِّيَّة، وقِيلَ: ينعقد، قاله سندٌ، وهو مرويٌّ (١) عن مالكٍ.
(٢٦) (بَابُ التَّلْبِيَةِ) مصدر «لبَّى» كزَكَّى تزكيةً، أي: قال: لبَّيك، وهو عند سيبويه والأكثرين: مُثنًّى لقلب ألفه ياءً مع المُظهَر، وليست تثنيته حقيقيَّةً بل هو من المُثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكثير والمبالغة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، عند من أوَّل «اليد» بالنِّعمة، ونعمه تعالى لا تُحصَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّاتٍ كثيرة، وقال يونس بن حبيبٍ: إنَّما هو اسمٌ مُفرَدٌ، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كـ «لديَّ» و «عليَّ». انتهى. والأصل: لبَّبك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءاتٍ (٢)، فأبدلوا من الثَّالثة (٣) ياءً كما قالوا من (٤) الظَّنِّ: تظنيَّت، وأصله: تظنَّنتُ، وهو منصوبٌ على المصدر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِهْلَالِهِ ﷺ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ الَّتِي قَبْلَهَا بِغَيْرِ شَكٍّ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَيُّوبَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.
٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ
١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِهْلَالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌّ بِهِ. وَأَمَّا أَهَلَّ الْقَوْمُ الْهِلَالَ فَأَرَى أَنَّهُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابِ.
قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. وَسَيَأْتِي إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ - مِنْ طَرِيقِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا.
وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ مِنًى.
٢٦ - بَاب التَّلْبِيَةِ
١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ.
قوله: (باب التلبية) هي مصدر لبى؛ أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرا.
قَوْلُهُ: (لَبَّيْكَ) هُوَ لَفْظٌ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ يُونُسُ: هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ لَبًّا لَكَ، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ أَيِ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةً لَازِمَةً. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ، أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَكَ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ. وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حُبٌّ لَبَابٌ؛ أَيْ خَالِصٌ. وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ. وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ، وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فَقَدِ اسْتَجَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، انْتَهَى.
وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَفِيهِ: فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ ﷾.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) الْمَشْهُورُ فِيهِ النَّصْبُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلُّهَا لِلَّهِ؛ لأنه صَاحِبِ الْمُلْكِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ؛ وَتَقْدِيرُهُ: وَالْمُلْكُ
كَذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْدَهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ.
اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ. وَبِزِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَذَكَرَهُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ: حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . إِلَخْ. قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ ﷺ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ، قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ - أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَغَلِطُوا، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ، ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً.
وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرْفُوعِ أَحَبُّ، وَلَا ضِيقَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ زَادَ فَحَسَنٌ. وَحَكَى فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارِ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَهَذَا أَعْدَلُ الْوُجُوهِ، فَيُفْرِدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْلَ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
استهلَّ، وبه سُمِّي الهلال لأنَّ النَّاس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، واستبعد ابن المُنيِّر هذا الأخير من وجهين:
أحدهما: أنَّ العرب ما كانت تعتني بالأهلَّة لأنَّها لا تؤرِّخ بها، والهلال مُسمًّى (١) بذلك قبل العناية بالتَّاريخ.
الثَّاني: أنَّ جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أَوْلى لقاعدةٍ تصريفيَّةٍ؛ وهي: أنَّه إذا تعارض الأمر في اللَّفظين أيُّهما أُخِذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذَّوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلال ذاتٌ فهو الأصل، والإهلال معنًى يتعلَّق به فهو الفرع، ذكره في «المصابيح».
١٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة ثمَّ المهملة- الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ) أي: النَّاوين للقِران (٢) (يَصْرُخُونَ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) أو الضَّمير في «سمعتهم» راجعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ومن معه من أصحابه.
وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهور في استحباب رفع الصَّوت بالتَّلبية للرَّجل بحيث لا يضرُّ بنفسه، نعم لا يُستحَبُّ رفع الصَّوت بها في ابتداء الإحرام، بل يُسمِع نفسَه فقط كما في «المجموع»، وخرج بالرَّجل: المرأةُ والخنثى فلا يرفعان صوتهما، بل يُسمِعان أنفسَهما فقط كما في قراءة الصَّلاة، فإن رفعا كُرِه، وقد روى أحمد في «مُسنَده» من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال، وقال: إنَّه من شعائر الحجِّ»، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التَّلبية، وقد اختُلِف في ذلك، ومذهب الشَّافعيِّ
وأحمد: أنَّها سنَّةٌ، وفي وجهٍ حكاه الماورديُّ عن ابن خيران وابن وهبٍ وابن أبي هريرة: أنَّها واجبةٌ يجب بتركها دمٌ، وقال الحنفيَّة: إذا اقتصر على النِّيَّة ولم يلبِّ لا ينعقد إحرامه لأنَّ الحجَّ تضمَّن أشياءَ مختلفةً فعلًا وتركًا، فأشبه الصَّلاة، فلا يحصل إلَّا بالذِّكر في أوَّله، وقال المالكيَّة: ولا ينعقد إلَّا بنيَّةٍ مقرونةٍ بقولٍ أو فعلٍ متعلِّقين به كالتَّلبية والتَّوجُّه إلى الطَّريق، فلا ينعقد بمُجرَّد النِّيَّة، وقِيلَ: ينعقد، قاله سندٌ، وهو مرويٌّ (١) عن مالكٍ.
(٢٦) (بَابُ التَّلْبِيَةِ) مصدر «لبَّى» كزَكَّى تزكيةً، أي: قال: لبَّيك، وهو عند سيبويه والأكثرين: مُثنًّى لقلب ألفه ياءً مع المُظهَر، وليست تثنيته حقيقيَّةً بل هو من المُثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكثير والمبالغة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، عند من أوَّل «اليد» بالنِّعمة، ونعمه تعالى لا تُحصَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّاتٍ كثيرة، وقال يونس بن حبيبٍ: إنَّما هو اسمٌ مُفرَدٌ، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كـ «لديَّ» و «عليَّ». انتهى. والأصل: لبَّبك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءاتٍ (٢)، فأبدلوا من الثَّالثة (٣) ياءً كما قالوا من (٤) الظَّنِّ: تظنيَّت، وأصله: تظنَّنتُ، وهو منصوبٌ على المصدر