الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٥١
الحديث رقم ١٥٥١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ
١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِمَّا يَلِيقُ قَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ بِالْمَرْفُوعِ. وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَالثَّنَاءِ مَا شَاءَ؛ أَيْ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ التَّلْبِيَةِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَرْبَعَةٌ يُمْكِنُ تَوْصِيلُهَا إِلَى عَشْرَةٍ؛ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. ثَانِيهَا: وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ وَجَدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ قَالَ: التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمْ يَجِبْ. وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهُمْ بِتَرْكِ تَكْرَارِهَا دَمٌ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ. ثَالِثُهَا: وَاجِبَةٌ، لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَبِهَذَا صَدَّرَ ابْنَ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لَهُ، وَحَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلَهُ، لَكِنْ زَادَ الْقَوْلَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مِنَ الذِّكْرِ كَمَا فِي مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ.
رَابِعُهَا أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا؛ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالزُّبَيْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا: هِيَ نَظِيرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَحْثِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، قَالَ: التَّلْبِيَةُ فَرْضُ الْحَجِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كَوْنِهَا رُكْنًا.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) هُوَ مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي اسْمِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَائِشَةَ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُدِيمُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحَ بِالْمُدَاوَمَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ)؛ يَعْنِي تَابَعَ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ -، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعْبَةُ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ سُفْيَانَ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: ثُمَّ سَمِعْتُهَا تُلَبِّي، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُهُ: لَا شَرِيكَ لَكَ. وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ شَيْخُ شُعْبَةَ فِيهِ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ: إِنَّهَا وَهَمٌ، وَخَيْثَمَةُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ بَيَانَ سَمَاعِ أَبِي عَطِيَّةَ لَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٧ - بَاب التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِهْلَالِ
عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ - الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ. قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عبد الرَّحمن (١) الجعفيَّ الكوفيَّ (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) مالكٍ المذكور قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂) ولفظه كلفظ سفيان، لكنَّه زاد فيها: «ثمَّ سمعتها تلبِّي» وليس فيه قوله: «لا شريك لك»، ورجَّح أبو حاتمٍ في «العلل» رواية الثَّوريِّ ومن تبعه على رواية شعبة، وقال: إنَّها وهمٌ، وأفادت هذه الطَّريق بيان سماع أبي عطيَّة له من عائشة، قاله في «الفتح».
(٢٧) (بابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الإِهْلَالِ) أي: قبل التَّلبية (عِنْدَ الرُّكُوبِ) أي: بعد الاستواء (عَلَى الدَّابَّةِ) لا حالة وضع رجله مثلًا في الرِّكاب، وقول الزَّركشيِّ وغيره: إِنَّه قصد به الرَّدَّ على أبي حنيفة في قوله: إنَّ من سبَّح أو كبَّر أجزأه عن إهلاله، فأثبت البخاريُّ أنَّ التَّسبيح والتَّحميد من النَّبيِّ ﷺ إنَّما كان قبل الإهلال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ مذهب أبي حنيفة الذي استقرَّ عليه أنَّه لا ينقص شيئًا من ألفاظ تلبية النَّبيِّ ﷺ، وإِنْ زَادَ عليها فمُستَحبٌّ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وسقط لفظ «التَّحميد» من رواية المُستملي.
١٥٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير هو ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ) حين أراد حجَّة الوداع (الظُّهْرَ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعاتٍ، والواو في قوله: «ونحن» للحال (وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا (ثُمَّ بَاتَ بِهَا) أي: بذي الحليفة (حَتَّى أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، أي: وصلَّى الظُّهر، ثمَّ دعا بناقته فأشعرها
كما عند مسلمٍ (ثُمَّ رَكِبَ) أي: راحلته (حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ) أي: حال كونها متلبِّسةً (١) به كما مرَّ (عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة مع المدِّ: الشَّرَف المقابل لذي الحليفة (حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) قارنًا بينهما (وَأَهَلَّ النَّاسُ) الذين كانوا معه (بِهِمَا) اقتداءً به ﵊، وفي «الصَّحيحين» عن جابرٍ: «أهلَّ رسول الله (٢) ﷺ هو وأصحابه بالحجِّ» [خ¦١٦٥١] وفيهما عن ابن عمر: «أنَّه ﵊ لبَّى بالحجِّ وحده»، ولـ «مسلمٍ» في لفظ: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا»، وعند الشَّيخين عن ابن عمر: «أنَّه (٣) كان متمتِّعًا» [خ¦١٦٩١] وفيهما أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، وتمتَّع النَّاس معه [خ¦١٦٩٢] قال النَّوويُّ في «المجموع»: والصَّواب الذي نعتقده أنَّه ﵊ أحرم أوَّلًا بالحجِّ مُفْرِدًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، فمن روى: أنَّه كان مفردًا -وهم الأكثرون (٤) - اعتمدوا أوَّل الإحرام، ومن روى: أنَّه كان قارنًا اعتمد آخره، ومن روى: متمتِّعًا أراد التَّمتُّع اللُّغويَّ؛ وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النُّسكين فعلٌ واحدٌ، ولم يَحْتَجْ إلى إفراد كلِّ واحدٍ بعملٍ. انتهى.
وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٢] بعد ستَّة أبوابٍ.
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أ َمَرَ) ﵊ (النَّاسَ) الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي (فَحَلُّوا) من إحرامهم، وإنَّما أمرهم بالفسخ وهم قارنون لأنَّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ مُنكَرةً كما هو رسم الجاهليَّة، فأمرهم بالتَّحلُّل من حجِّهم، والانفساخ إلى العمرة تحقيقًا لمخالفتهم وتصريحًا بجواز الاعتمار (٥) في تلك الأشهر، وهذا خاصٌّ بتلك السَّنة عند الجمهور خلافًا لأحمد (حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ لا تحتاج إلى خبرٍ، ويوم التَّروية هو ثامن ذي الحجَّة، سُمِّي به لأنَّهم كانوا يروون دوابَّهم بالماء فيه، ويحملونه إلى عرفاتٍ (أَهَلُّوا بِالحَجِّ) من مكَّة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِمَّا يَلِيقُ قَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ بِالْمَرْفُوعِ. وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَالثَّنَاءِ مَا شَاءَ؛ أَيْ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ التَّلْبِيَةِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَرْبَعَةٌ يُمْكِنُ تَوْصِيلُهَا إِلَى عَشْرَةٍ؛ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. ثَانِيهَا: وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ وَجَدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ قَالَ: التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمْ يَجِبْ. وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهُمْ بِتَرْكِ تَكْرَارِهَا دَمٌ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ. ثَالِثُهَا: وَاجِبَةٌ، لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَبِهَذَا صَدَّرَ ابْنَ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لَهُ، وَحَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلَهُ، لَكِنْ زَادَ الْقَوْلَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مِنَ الذِّكْرِ كَمَا فِي مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ.
رَابِعُهَا أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا؛ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالزُّبَيْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا: هِيَ نَظِيرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَحْثِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، قَالَ: التَّلْبِيَةُ فَرْضُ الْحَجِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كَوْنِهَا رُكْنًا.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) هُوَ مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي اسْمِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَائِشَةَ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُدِيمُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحَ بِالْمُدَاوَمَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ)؛ يَعْنِي تَابَعَ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ -، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعْبَةُ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ سُفْيَانَ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: ثُمَّ سَمِعْتُهَا تُلَبِّي، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُهُ: لَا شَرِيكَ لَكَ. وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ شَيْخُ شُعْبَةَ فِيهِ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ: إِنَّهَا وَهَمٌ، وَخَيْثَمَةُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ بَيَانَ سَمَاعِ أَبِي عَطِيَّةَ لَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٧ - بَاب التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِهْلَالِ
عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ - الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ. قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عبد الرَّحمن (١) الجعفيَّ الكوفيَّ (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) مالكٍ المذكور قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂) ولفظه كلفظ سفيان، لكنَّه زاد فيها: «ثمَّ سمعتها تلبِّي» وليس فيه قوله: «لا شريك لك»، ورجَّح أبو حاتمٍ في «العلل» رواية الثَّوريِّ ومن تبعه على رواية شعبة، وقال: إنَّها وهمٌ، وأفادت هذه الطَّريق بيان سماع أبي عطيَّة له من عائشة، قاله في «الفتح».
(٢٧) (بابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الإِهْلَالِ) أي: قبل التَّلبية (عِنْدَ الرُّكُوبِ) أي: بعد الاستواء (عَلَى الدَّابَّةِ) لا حالة وضع رجله مثلًا في الرِّكاب، وقول الزَّركشيِّ وغيره: إِنَّه قصد به الرَّدَّ على أبي حنيفة في قوله: إنَّ من سبَّح أو كبَّر أجزأه عن إهلاله، فأثبت البخاريُّ أنَّ التَّسبيح والتَّحميد من النَّبيِّ ﷺ إنَّما كان قبل الإهلال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ مذهب أبي حنيفة الذي استقرَّ عليه أنَّه لا ينقص شيئًا من ألفاظ تلبية النَّبيِّ ﷺ، وإِنْ زَادَ عليها فمُستَحبٌّ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وسقط لفظ «التَّحميد» من رواية المُستملي.
١٥٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير هو ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ) حين أراد حجَّة الوداع (الظُّهْرَ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعاتٍ، والواو في قوله: «ونحن» للحال (وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا (ثُمَّ بَاتَ بِهَا) أي: بذي الحليفة (حَتَّى أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، أي: وصلَّى الظُّهر، ثمَّ دعا بناقته فأشعرها
كما عند مسلمٍ (ثُمَّ رَكِبَ) أي: راحلته (حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ) أي: حال كونها متلبِّسةً (١) به كما مرَّ (عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة مع المدِّ: الشَّرَف المقابل لذي الحليفة (حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) قارنًا بينهما (وَأَهَلَّ النَّاسُ) الذين كانوا معه (بِهِمَا) اقتداءً به ﵊، وفي «الصَّحيحين» عن جابرٍ: «أهلَّ رسول الله (٢) ﷺ هو وأصحابه بالحجِّ» [خ¦١٦٥١] وفيهما عن ابن عمر: «أنَّه ﵊ لبَّى بالحجِّ وحده»، ولـ «مسلمٍ» في لفظ: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا»، وعند الشَّيخين عن ابن عمر: «أنَّه (٣) كان متمتِّعًا» [خ¦١٦٩١] وفيهما أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، وتمتَّع النَّاس معه [خ¦١٦٩٢] قال النَّوويُّ في «المجموع»: والصَّواب الذي نعتقده أنَّه ﵊ أحرم أوَّلًا بالحجِّ مُفْرِدًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، فمن روى: أنَّه كان مفردًا -وهم الأكثرون (٤) - اعتمدوا أوَّل الإحرام، ومن روى: أنَّه كان قارنًا اعتمد آخره، ومن روى: متمتِّعًا أراد التَّمتُّع اللُّغويَّ؛ وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النُّسكين فعلٌ واحدٌ، ولم يَحْتَجْ إلى إفراد كلِّ واحدٍ بعملٍ. انتهى.
وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٢] بعد ستَّة أبوابٍ.
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أ َمَرَ) ﵊ (النَّاسَ) الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي (فَحَلُّوا) من إحرامهم، وإنَّما أمرهم بالفسخ وهم قارنون لأنَّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ مُنكَرةً كما هو رسم الجاهليَّة، فأمرهم بالتَّحلُّل من حجِّهم، والانفساخ إلى العمرة تحقيقًا لمخالفتهم وتصريحًا بجواز الاعتمار (٥) في تلك الأشهر، وهذا خاصٌّ بتلك السَّنة عند الجمهور خلافًا لأحمد (حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ لا تحتاج إلى خبرٍ، ويوم التَّروية هو ثامن ذي الحجَّة، سُمِّي به لأنَّهم كانوا يروون دوابَّهم بالماء فيه، ويحملونه إلى عرفاتٍ (أَهَلُّوا بِالحَجِّ) من مكَّة.