«أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٨٨

الحديث رقم ١٥٨٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه قال: يا رسول الله، أين تنزل في دارك…

«أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ. وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا، لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ.»

⦗١٤٨⦘

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.

سند حديث: ١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ…

١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه قال: يا رسول الله، أين تنزل في دارك…

تحدث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمن أسر سريرة باطلة في وقت الوحي لا يخفى أمره على النبي صلى الله عليه وسلم بما ينزل من الوحي؛ لأن أناسًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا منافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر، ولكن الله تعالى كان يفضحهم بما ينزل من الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن لما انقطع الوحي صار الناس لا يعلمون من المنافق؛ لأن النفاق في القلب، فيقول رضي الله عنه: وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا فمن أظهر لنا خيرًا؛ عاملناه بخيره الذي أبداه لنا وإن أسر سريرة سيئة، ومن أبدى شرًّا؛ عاملناه بشره الذي أبداه لنا، وليس لنا من نيته مسؤولية، النية موكولة إلى رب العالمين عز وجل، الذي يعلم ما توسوس به نفس الإنسان.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إجراء الأحكام الإسلامية على ظواهر الناس وما يصدر منهم من أعمال.
  • الحساب يوم الجزاء يكون على ما أخفى العبد من سريرته، فإن كانت حسنة فحسن، وإن كانت شرا فجزاؤه من جنس عمله.
  • لا تُسوِّغ النية الحسنة فعل المعصية، ولا تسقط إقامة الحدود والقصاص
  • إخبار عمر رضي الله عنه عن أحوال الناس في فترة النبوة وما بعدها
  • ينبغي على الراعي العدل بين الرعية، وإنفاذ الأحكام الشرعية على الشريف والوضيع سواء

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه قال: يا رسول الله، أين تنزل في دارك…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

التَّفْسِيرِ: إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ مُرَّ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ رَدًّا عَلَيْهِ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ. أَيْ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ فِي بَلَدٍ أَمِينٍ وَهُمْ مِنْهُ فِي أَمَانٍ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَمْنًا لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا وَتَابَعُوا الْحَقَّ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ. أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَابِ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

٤٤ - بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا

وَأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الْبَادِي: الطَّارِئ. ﴿مَعْكُوفًا﴾ مَحْبُوسًا

١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.

[الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ٣٠٥، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَوْرِيثُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَشِرَائِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ الْآيَةَ. أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَإِرْسَالٌ، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ ابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ نَهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ لِأَنَّهَا يَنْزِلُ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَكَّةُ مُبَاحٌ، لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا إِجَارَةُ بُيُوتِهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلَا إِجَارَتُهَا. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ أَبُو يُوسُفَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا سَيُجْمَعُ بِهِ مَا اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأَضَافَ الْمِلْكُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنِ ابْتَاعَهَا مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ عَامَ الْفَتْحِ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ. فَأَضَافَ الدَّارَ إِلَيْهِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فَنَسَبَ اللَّهُ الدِّيَارَ إِلَيْهِمْ كَمَا نَسَبَ الْأَمْوَالَ إِلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَتِ الدِّيَارُ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لَهُمْ لَمَّا

كَانُوا مَظْلُومِينَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ دُورٍ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لَهُمْ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الدُّورُ الَّتِي بَاعَهَا عَقِيلٌ لَا تُمَلَّكُ لَكَانَ جَعْفَرُ، وَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهَا إِذْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ دُونَهُ. وَسَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَثَرُ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ. وَلَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ فِي زَمَنِ الْحَاجِّ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا، لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِكَرَاهة الْكِرَاءِ رِفْقًا بِالْوُفُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ وَآخَرُونَ. وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النُّسُكُ وَالصَّلَاةُ لَا سَائِرَ دُورِ مَكَّةَ.

وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مُنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي بَيْعِ دُورِهَا وَالْكِرَاءُ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً أَنَّ النَّبِيَّ مَنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا فَخَالَفَتْ حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ نَاشِئًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ هُنَا: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، هَلْ هُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ أَوْ مَكَانُ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: سَوَاءً فِي الْأَمْنِ وَالِاحْتِرَامِ أَوْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جَمِيعَ الْحَرَمِ، وَأَنَّ اسْمَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ لَمَا جَازَ حَفْرُ بِئْرٍ وَلَا قَبْرٍ وَلَا التَّغَوُّطُ وَلَا الْبَوْلُ وَلَا إِلْقَاءُ الْجِيَفِ وَالنَّتْنِ. قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ عَالِمًا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا كَرِهَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ دُخُولَ الْحَرَمِ وَلَا الْجِمَاعَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ الِاعْتِكَافُ فِي دُورِ مَكَّةَ وَحَوَانِيتِهَا، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ، وَالْأَسَانِيدُ بِذَلِكَ كُلُّهَا إِلَيْهِمْ ضَعِيفَةٌ، وَسَنَذْكُرُ فِي بَابِ فَتْحِ مَكَّةَ مِنَ الْمَغَازِي الرَّاجِحَ مِنَ الْخِلَافِ فِي فَتْحِهَا صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (الْبَادِي: الطَّارِئُ) هُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْبَادِي الَّذِي يَكُونُ فِي الْبَدْوِ، وَكَذَا مَنْ كَانَ ظَاهِرَ الْبَلَدِ فَهُوَ بَادٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْمُقِيمَ وَالطَّارِئَ سِيَّانِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قَالَ: سَوَاءً فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ.

قَوْلُهُ: (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي آيَةِ الْفَتْحِ، وَلَكِنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِهَا هُنَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْعَاكِفُ، وَالتَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَاكِفِ: الْمُقِيمُ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَنْتَ عَاكِفٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكِ) حَذَفَ أَدَاةَ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ قَوْلِهِ: فِي دَارِكَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالطَّحَاوِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَصْبَغَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فَكَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ أَوَّلًا عَنْ مَكَانِ نُزُولِهِ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي دَارِهِ فَاسْتَفْهَمَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا رِوَايَةُ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فِيهِ (١)﴾ أي: المقيم به (٢) ﴿وَالْبَادِ﴾ في وجوب تعظيمه عليهم ولزوم احترامهم له وإقامة مناسكه، قاله الحسن ومجاهدٌ وغيرهما، وذهب ابن عبَّاسٍ وابن جبيرٍ وقتادة وغيرهم: إلى أنَّ التَّسوية بين البادي والعاكف في منازل مكَّة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال به محمَّد بن الحسن، فليس المقيم بها أحقَّ بالمنزل من القادم عليها، واحتجَّ لذلك بحديث علقمة بن نضلة عند ابن ماجه، قال: تُوفِّي رسول الله وأبو بكرٍ وعمر وما تُدعَى رِباع مكَّة إلَّا السَّوائب، مَنِ احتاج سكن، زاد البيهقيُّ: ومن استغنى أسكن، وزاد الطَّحاويُّ بعد قوله: على عهد (٣) النَّبيِّ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان ما تُباع ولا تُكرى، لكنَّه منقطعٌ لأنَّ علقمة ليس بصحابيٍّ، وقال عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ: إنَّ عمر قال: يا أهل مكَّة، لا تتَّخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء، وأُجيب بأنَّ المراد كراهة الكراء؛ رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشِّراء.

١٥٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين» (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان أمير المؤمنين ، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم (٤) (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله ( أَنَّهُ

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ) زاد في «المغازي»: «غدًا» [خ¦٤٢٨٢] (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال في «الفتح»: حُذِفت أداة الاستفهام من قوله: «في دارك» بدليل رواية ابن خزيمة والطَّحاويِّ عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهبٍ؛ بلفظ: أتنزل في دارك؟ قال: فكأنَّه استفهمه أوَّلًا عن مكان نزوله، ثمَّ ظنَّ أنَّه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «أين» كلمة استفهامٍ فلم يبق وجهٌ لتقدير حرف الاستفهام، قال: وما وجه قوله: حُذِفت أداة الاستفهام، من قوله: «في دارك» والاستفهام عن (١) النُّزول في الدَّار لا عن نفس الدار؟ انتهى. والذي قاله في «الفتح» هو الأظهر، فليُتأمَّل. (فَقَالَ) : (وَهَلْ تَرَكَ) زاد مسلمٌ -كالبخاريِّ في «المغازي» - هنا (٢): «لنا» [خ¦٤٢٨٢] (عَقِيلٌ) (٣) بفتح العين وكسر القاف (مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الرَّاء جمع رَبْعٍ، المحلَّة أو المنزل المشتمل على أبياتٍ أو الدَّار (٤)، وحينئذٍ فيكون قوله: (أَوْ دُورٍ؟) تأكيدًا أو شكًّا من الرَّاوي، وجمع النَّكرة -وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاريِّ تفيد (٥) العموم- للإشعار بأنَّه لم يُترَك من الرِّباع المتعدِّدة شيءٌ، و «من» للتَّبعيض، قاله الكِرمانيُّ، وقِيلَ: إنَّ هذه الدَّار كانت لهاشم بن عبد منافٍ، ثمَّ صارت لابنه عبد المطَّلب فقسمها بين ولده، فمن ثمَّ صار للنَّبيِّ حقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلِدَ النَّبيُّ (٦) ، قاله الفاكهيُّ، وظاهر قوله: «وهل ترك لنا عَقِيلٌ من رِبَاعٍ؟» أنَّها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أنَّ عَقِيلًا تصرَّف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسَّر الرَّاوي -ولعلَّه أسامة- المرادَ بما أدرجه هنا حيث قال: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ) أباه (أَبَا طَالِبٍ) اسمه: عبد منافٍ (هُوَ وَ) أخوه (طَالِبٌ) المُكنَّى به عبد منافٍ أبوه (٧) (وَلَمْ يَرِثْهُ) أي: ولم يرث أبا طالبٍ ابناه (جَعْفَرٌ)

الطَّيَّار ذو الجناحين (وَلَا عَلِيٌّ) أبو ترابٍ ( شَيْئًا لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ) ولو كانا وارثين لنزل في دورهما (١)، وكانت كأنَّها ملكه؛ لعلمه بإيثارهما إيَّاه على أنفسهما، وكان قد استولى طالبٌ وعَقِيلٌ على الدَّار كلِّها باعتبار ما ورثاه عن (٢) أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، و (٣) باعتبار ترك النَّبيِّ لحقِّه منها بالهجرة، وفقد طالبٍ ببدرٍ، فباع عَقِيلٌ الدَّار كلها، وحكى الفاكهيُّ: أنَّ الدَّار لم تزل بيد أولاد عَقِيلٍ إلى أن باعوها لمحمَّد بن يوسف أخي الحجَّاج بمئة ألف دينارٍ، وقال الدَّاوديُّ وغيره: كان (٤) من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، فأمضى النَّبيُّ تصرُّفات الجاهليَّة تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.

(وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ) ممَّا هو موقوفٌ عليه: (لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ) وقد أخرجه المؤلِّف مرفوعًا في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣] (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (وَكَانُوا) أي: السَّلف (يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: يفسِّرون الولاية في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: صدَّقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمَّدٍ والقرآن (﴿وَهَاجَرُواْ﴾) من مكَّة إلى المدينة (﴿وَجَاهَدُواْ﴾) العدوَّ (﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾) فصرفوها في الكراع والسِّلاح وأنفقوها على المحاويج (﴿وَأَنفُسِهِمْ﴾) بمباشرة القتال (﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) في طاعته وما فيه رضاه (﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾) هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم (﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ … الآيَةَ [الأنفال: ٧٢]) بالنَّصب؛ يعني: بتمامها، أو بتقدير:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٤ - (بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها، وَإِنَّمَا لم يبين الحكم بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَمَا ترعى رباع مَكَّة إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه، قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة؟ وَالْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر. وروى هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُنْقَطع، لِأَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة لَيْسَ بصحابي، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ، عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: كَانَت الدّور على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا ترعى إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة الْكِنَانِي، قَالَ: كَانَت بيُوت مَكَّة ترعى السوائب، لم يبع رباعها فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا أبي بكر وَلَا عمر، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. قَوْله: السوائب، جمع سائبة، وَأَصلهَا من تسييب الدَّوَابّ، وَهُوَ: إرسالها تذْهب وتجيء كَيفَ شَاءَت، وَأَرَادَ بهَا: أَنَّهَا كَانَت سائبة لكل أحد من شَاءَ كَانَ يسكنهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا أسكن غَيره فَلَا بيع وَلَا إجَازَة، والرباع جمع رَبع، وَهُوَ الْمنزل، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت، وَجَمعهَا: رباع وَأَرْبع وربوع وأرباع وَالرّبع: الْمحلة، أَيْضا وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو، أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار فَقَالُوا: لَا يجوز بيع أَرض مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالثَّوْري. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ، عَطاء بن أبي رَبَاح ومجاهدا ومالكا وَإِسْحَاق وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِبيع أرْضهَا وإجارتها، وجعلوها فِي ذَلِك كَسَائِر الْبلدَانِ، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ بالآخرين طاووسا وَعَمْرو بن دِينَار وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَابْن الْمُنْذر مَعَهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث الْبَاب، على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَإِن النَّاس) ، عطف على قَوْله: (فِي دور مَكَّة) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان أَن النَّاس فِي مَسْجِد الْحرم سَوَاء أَي: متساوون. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي نفس الْمَسْجِد، لَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع من مَكَّة. قلت: هَذَا ميل مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح مذْهبه، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام: الْحرم كُله، ورد ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد. أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَغَيرهم عَنْهُم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: أَن الْحرم كُله مَسْجِد ويروى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، بِالْألف وَاللَّام فِي الْمَسْجِد قَوْله: (خَاصَّة) قيد لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد قُلْنَا إِن الْمَسْجِد الْحَرَام كُله حرم.

لِقَوْلِهِ تَعَالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عنْ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيِهِ والْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ} (الْحَج: ٥٢) .

هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: (وَإِن النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سَوَاء) . قَوْله: {إِن الَّذين كفرُوا} يَعْنِي: أهل مَكَّة. قَوْله: {ويصدون عَن سَبِيل الله} أَي: ويصرفون النَّاس عَن دين الْإِسْلَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصدود مِنْهُم مُسْتَمر دَائِم للنَّاس، أَي للَّذين يَقع عَلَيْهِم اسْم النَّاس من غير فرق بَين حَاضر وباد وناى وظارىء مكي وآفقي وَقد اسْتشْهد بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة قائلين بِأَن المُرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام مَكَّة على امْتنَاع بيع دور مَكَّة وإجارتها. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خرج من الْمَدِينَة مَنعهم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ وصف الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ: {اللَّذين جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء} للْمُؤْمِنين جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: {العاكف فِيهِ والبادي} يَعْنِي: سَوَاء الْمُقِيم فِي الْحرم، وَمن دخل مَكَّة من غير أَهلهَا، وَيُقَال: الْمُقِيم والغريب سَوَاء. وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص: {سَوَاء} بِالنّصب يَعْنِي: جَعَلْنَاهُ سَوَاء، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ سواءُ، على معنى الِابْتِدَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجه النصب أَنه ثَانِي مفعولي: جَعَلْنَاهُ، أَي: جَعَلْنَاهُ مستويا العاكف فِيهِ والبادي، وَفِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع الْجُمْلَة مفعول ثَان. قَوْله: {وَمن يرد فِيهِ بإلحاد} الْبَاء فِيهِ صلَة، وَأَصله: وَمن يرد فِيهِ إلحادا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تنْبت بالدهن} (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٢) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ومفعول: يرد، مَتْرُوك ليتناول كل متناول كَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يرد فِيهِ مرَادا مَا عادلاً عَن الْقَصْد ظَالِما، وقرىء: يرد، بِفَتْح الْيَاء من الْوُرُود، وَمَعْنَاهُ: من أَتَى فِيهِ بإلحاد ظَالِما

الْإِلْحَاد الْعُدُول عَن الْقَصْد، وَقيل: الْإِلْحَاد فِي الْحرم منع النَّاس عَن عِمَارَته، وَعَن سعيد بن جُبَير: الاحتكار، وَقيل: الظُّلم، وَقَالَ مقَاتل: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أنيس بن خطل الْقرشِي، وَذَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلَيْنِ أَحدهمَا مُهَاجِرِي وَالْآخر أَنْصَارِي، فافتخرا فِي الْأَنْسَاب. فنضب عبد الله بن أنيس فَقتل الْأنْصَارِيّ، ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وهرب إِلَى مَكَّة، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة بقتْله فَقتل. قَوْله: {بإلحاد بظُلْم} حالان مُتَرَادِفَانِ، وَعَن الْحسن: وَمن يرد إلحاده بظُلْم، أَرَادَ إلحادا فِيهِ، فأضافه على الاتساع فِي الظّرْف، كمكر اللَّيْل وَمَعْنَاهُ: من يرد أَن يلحذ فِيهِ ظَالِما، وَخبر: أَن، مَحْذُوف لدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أَن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام يذيقهم من عَذَاب أَلِيم وكل من ارْتكب فِيهِ ذَنبا فَهُوَ كَذَلِك.

البادِ الطَّارى مَعْكُوفا مَحْبُوسا

هَذَا تَفْسِير من البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى، وَمعنى الطاري الْمُسَافِر، كَمَا أَن معنى العاكف الْمُقِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: معكوفا، إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله} (الْحَج: ٥٢) . قلت: لَيست هَذِه الْكَلِمَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، فَلَا مُنَاسبَة لذكرها هُنَا، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر المعكوف لكَون العاكف مَذْكُورا هَهُنَا، وَفِيه مَا فِيهِ.

٨٨٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن عنْ عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فقالَ وهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرثْهُ جَعْفَرٌ ولَا عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا شَيْئا لأِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ مطَالب كافِرَيْنِ فَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولائكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الْأَنْفَال: ٢٧) . الْآيَة..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهل ترك عقيل من رباع أَو دور وَكَانَ عقيل ورث أَبَا طَالب) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَشْهُور بزين العابدين. السَّادِس: عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَمِير الْمُؤمنِينَ. السَّابِع: أُسَامَة ابْن زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومولاه.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن وهب مصريان وَأَن يُونُس أيلي والبقية مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مهْرَان وَابْن أبي عمر وَعبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيْن تنزل فِي دَارك؟) قَالَ بَعضهم: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام

من قَوْله: فِي دَارك. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم الْعَرَبيَّة وَلَا استنباط الْمعَانِي من الْأَلْفَاظ، وَقَوله: أَيْن، كلمة اسْتِفْهَام، فَلم يبْق وَجه لتقدير حرف الِاسْتِفْهَام، فَمَا وَجه قَوْله: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام من قَوْله: فِي دَارك؟ والاستفهام عَن النُّزُول فِي الدَّار لَا عَن نفس الدَّار؟ فَافْهَم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي فِي الْمَغَازِي: أَيْن تنزل غَدا. قَوْله: (وَهل ترك عقيل؟) وَفِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، (وَهل ترك لنا؟) قَوْله: (من رباع؟) ، جمع ربع، وقذ ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (أَو دور؟) للتَّأْكِيد إِذا فسر الرّبع بِالدَّار أَو وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، قَوْله: (وَكَانَ عقيل) ، إدراج من بعض الروَاة، وَلَعَلَّه من أُسَامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَعقيل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (هُوَ) أَي: عقيل. قَوْله: (وطالب) أَي: ورث طَالب مَعَ عقيل أباهما أَبَا طَالب، وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، وكنى بِابْنِهِ طَالب، قَوْله: (وَلم يَرِثهُ جَعْفَر) ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالطيار ذِي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وَهُوَ من جَعْفَر وَهُوَ من عَليّ، والتفاوت بَين كل وَاحِد وَالْآخر عشر سِنِين، وَهُوَ من النَّوَادِر. قَوْله: (كَافِرين) نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: وَكَانَ كِلَاهُمَا كَافِرين عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا، وَلِأَن عقيلاً أسلم بعد ذَلِك عِنْد الْحُدَيْبِيَة قيل: لما كَانَ أَبُو طَالب أكبر ولد عبد الْمطلب احتوى على أملاكه وحازها وَحده على عَادَة الْجَاهِلِيَّة من تَقْدِيم الأسن، فتسلط عقيل أَيْضا بعد هِجْرَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: بَاعَ عقيل مَا كَانَ للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلمن هَاجر من بني عبد الْمطلب، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بدور من هَاجر من الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أمضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصَرُّفَات عقيل كرما وجودا، وَإِمَّا استمالة لعقيل، وَإِمَّا تَصْحِيحا بتصرفات الْجَاهِلِيَّة، كَمَا أَنه يصحح أنكحة الْكفَّار، وَقَالُوا: فقد طَالب ببدر فَبَاعَ عقيل الدَّار كلهَا، وَقيل: وَلم تزل الدَّار بيد أَوْلَاد عقيل إِلَى أَن باعوها لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج بن يُوسُف بِمِائَة ألف دِينَار، وَكَانَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: من أجل ذَلِك بتركنا نصيبنا من الشّعب، أَي: حِصَّة جدهم عَليّ من أَبِيه أبي طَالب. قَوْله: (فَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: لَا يَرث الْمُؤمن الْكَافِر) هَذَا مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ثَبت مَرْفُوعا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُفردا فِي الْفَرَائِض من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمن أجل ذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول ... قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانُوا يتأولون) أَي: السّلف كَانُوا يفسرون الْولَايَة فِي هَذِه الْآيَة بِولَايَة الْمِيرَاث. قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين آمنُوا} (الْأَنْفَال: ٢٧) . أَي: صدقُوا بتوحيد الله تَعَالَى، وَبِمُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقُرْآن {وَهَاجرُوا} من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة {وَجَاهدُوا} الْعَدو {بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله} أَي: فِي طَاعَة الله، وَفِيمَا فِيهِ رضى الله تَعَالَى، ثمَّ ذكر الْأَنْصَار فَقَالَ: {وَالَّذين آووا} يَعْنِي أووا الْمُهَاجِرين: يَعْنِي: أنزلوهم وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ {ونصروا} رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّيْفِ {أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمِيرَاث وَفِي الْولَايَة. قَوْله: (الْآيَة) ، يَعْنِي الْآيَة بِتَمَامِهَا، أَو: إقرأ الْآيَة، وتمامها: {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إلَاّ على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} (الْأَنْفَال: ٢٧) . قَوْله: {وَلم يهاجروا} يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَة {مَا لكم من ولايتهم من شَيْء} فِي الْمِيرَاث {حَتَّى يهاجروا} إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هَل نعينهم إِذا استعانوا بِنَا؟ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا؟ فَنزل: {وَإِن استنصروكم فِي الدّين} يَعْنِي: إِن اسْتَغَاثُوا بكم على الْمُشْركين فانصروهم {فَعَلَيْكُم النَّصْر} على من قَاتلهم {إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} أَي: عهد يَعْنِي إلَاّ أَن يقاتلوا قوما بَيْنكُم وَبينهمْ عهد وميثاق فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم وَأَصْلحُوا بَينهم {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فِي العون والنصرة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يتوارثون بِالْهِجْرَةِ وبالمؤاخاة الَّتِي وآخى بَينهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا يتوارثون بِالْإِسْلَامِ وبالهجرة، وَكَانَ الرجل يسلم وَلَا يُهَاجر فَلَا يَرث أَخَاهُ، فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) [/ ح.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي على جَوَاز بيع دور مَكَّة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجَاز بيع عقيل الدّور الَّتِي ورثهَا، وَكَانَ عقيل وطالب ورثا أباهما لِأَنَّهُمَا إِذْ ذَاك كَانَا كَافِرين فورثا، ثمَّ أسلم عقيل وباعها. قَالَ الْخطابِيّ: وَعِنْدِي أَن تِلْكَ الدّور، وَإِن كَانَت قَائِمَة على ملك عقيل، لم ينزلها رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهَا دور هجروها لله تَعَالَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذِه الْإِضَافَة أَنَّهَا كَانَت ملكه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إِلَى نَفسه، وظاهرها الْملك، فَيحْتَمل أَن عقيلاً أَخذهَا وَتصرف فِيهَا كَمَا فعل أَبُو سُفْيَان بدور الْمُهَاجِرين. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حديثُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (مَكَّة مناخ لَا تبَاع رباعها وَلَا يُؤَاجر بيوتها) . قلت: الأَصْل فِي بَاب الْمُعَارضَة التَّسَاوِي، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَا يُقَاوم حَدِيث أُسَامَة، لِأَن فِي سَنَد حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ، وَعَن يحيى مرّة: لَا شَيْء، فَحِينَئِذٍ يسْقط حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَلَئِن سلمنَا الْمُسَاوَاة فَلَا يَكْتَفِي بهَا، بل يكْشف وَجه ذَلِك من طَرِيق النّظر، فَوَجَدنَا أَن مَا يقْضِي بِهِ حَدِيث أُسَامَة أولى وأصوب من حَدِيث عبد الله، بَيَان ذَلِك أَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد وَجَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تدخل فِي ملك أحد لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، أَو يحتجر موضعا مِنْهَا، ألَا ترى أَن مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، وَكَذَلِكَ منى لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا دَارا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَلا تتَّخذ لَك بمنى بَيْتا تستظل فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِنَّهَا مناخ لمن سبق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والطَّحَاوِي، وَوجدنَا مَكَّة على خلاف ذَلِك، لِأَنَّهُ قد أُجِيز فِيهَا الْبناء، وَقد قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم دخل مَكَّة: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، فَهَذَا يذل على أَن مَكَّة مِمَّا يبْنى فِيهَا الدّور، وَمِمَّا يغلق عَلَيْهَا الْأَبْوَاب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون صفتهَا صفة الْمَوَاضِع الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاك، وَتَقَع فِيهَا الْمَوَارِيث، فَحِينَئِذٍ يجوز بيع الدّور الَّتِي فِيهَا، وَيجوز إِجَارَتهَا، وَقَالَ ابْن قادمة: أضَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّار إِلَى أبي سُفْيَان إِضَافَة ملك، يَقُول: من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن، وَلِأَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت لَهُم دور بِمَكَّة: دَار لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللزبير وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم مِمَّا يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيعَ وبعضٌ فِي يَد أَعْقَابهم إِلَى الْيَوْم، وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اشْترى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَاشْترى مُعَاوِيَة من حَكِيم بن حزَام دارين بِمَكَّة: إِحْدَاهمَا بستين ألف دِرْهَم، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَهَذِه قصَص اشتهرت فَلم تنكر، فَصَارَت إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرض حَيَّة لم ترد عَلَيْهَا صَدَقَة مُحرمَة، فَجَاز بيعهَا كَسَائِر الْأَرَاضِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَإِن احْتج مُحْتَج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} (الْحَج: ٥٢) . قيل لَهُ: قد رُوِيَ فِي تَأْوِيل هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين مَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: {سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} قَالَ: خلق الله فِيهِ سَوَاء، فَثَبت بذلك أَنه إِنَّمَا قصد بذلك إِلَى الْبَيْت أَو إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَا إِلَى سَائِر مَكَّة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتساوى النَّاس فِي غير الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن بَعضهم يكونُونَ ملاكا وَبَعْضهمْ يكونُونَ سكانا، فالمالك يجوز لَهُ بيع ملكه وإجارته وَنَحْوهمَا، ويخدش هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ الْحرم كُله مَسْجِدا سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي، وروى الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أهل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حَيْثُ شَاءَ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر نهى أهل مَكَّة أَن يغلقوا أَبْوَاب دُورهمْ دون الْحَاج، وروى ابْن أبي نجيح عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: من أكل كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارا فِي بَطْنه.

وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن فِيهِ: دَلِيلا على بَقَاء دور مَكَّة لأربابها، وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُسلم لَا يَرث الْكَافِر، وفقهاء الْأَمْصَار على ذَلِك إلَاّ مَا حُكيَ عَن مُعَاوِيَة ومعاذ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِسْحَاق: أَن الْمُسلم يَرث الْكَافِر، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَافِر لَا يَرث الْمُسلم.

٥٤ - (بابُ نُزُولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَمرَاده بَيَان مَوضِع نُزُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٩٨٥١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدا إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منزلنا غَدا) إِلَى آخِره.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى

بن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.

قَوْله: (حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة) ، يَعْنِي: حِين رُجُوعه من منى وتوجهه إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (منزلنا) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. (وَغدا) نصب على الظّرْف. و (إِن شَاءَ الله) كَلَام معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، ذكره للتبرك والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا. .} (الْكَهْف: ٣٢) . الْآيَة. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) أَي: فِي خيف، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ مَا انحدر من الْجَبَل وارتفع عَن المسيل، و: كنَانَة، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون الأولى. قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا) أَي: تحالفوا على الْكفْر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى تقاسمهم على الْكفْر تحالفهم على إِخْرَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبني هَاشم وَالْمطلب من مَكَّة إِلَى هَذَا الشّعب، وَهُوَ خيف بني كنَانَة، وَكَتَبُوا بَينهم الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة فِيهَا أَنْوَاع من الْبَاطِل، فَأرْسل الله عَلَيْهَا الأرضة فَأكلت مَا فِيهَا من الْكفْر وَتركت مَا فِيهَا من ذكر الله تَعَالَى، فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَأخْبر بِهِ عَمه أَبَا طَالب، فَأخْبرهُم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فوجدوه كَمَا قَالَه، والقصة مَشْهُورَة، نوضحها بِأَكْثَرَ من ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

التَّفْسِيرِ: إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ مُرَّ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ رَدًّا عَلَيْهِ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ. أَيْ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ فِي بَلَدٍ أَمِينٍ وَهُمْ مِنْهُ فِي أَمَانٍ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَمْنًا لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا وَتَابَعُوا الْحَقَّ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ. أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَابِ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

٤٤ - بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا

وَأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الْبَادِي: الطَّارِئ. ﴿مَعْكُوفًا﴾ مَحْبُوسًا

١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.

[الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ٣٠٥، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَوْرِيثُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَشِرَائِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ الْآيَةَ. أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَإِرْسَالٌ، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ ابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ نَهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ لِأَنَّهَا يَنْزِلُ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَكَّةُ مُبَاحٌ، لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا إِجَارَةُ بُيُوتِهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلَا إِجَارَتُهَا. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ أَبُو يُوسُفَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا سَيُجْمَعُ بِهِ مَا اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأَضَافَ الْمِلْكُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنِ ابْتَاعَهَا مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ عَامَ الْفَتْحِ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ. فَأَضَافَ الدَّارَ إِلَيْهِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فَنَسَبَ اللَّهُ الدِّيَارَ إِلَيْهِمْ كَمَا نَسَبَ الْأَمْوَالَ إِلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَتِ الدِّيَارُ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لَهُمْ لَمَّا

كَانُوا مَظْلُومِينَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ دُورٍ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لَهُمْ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الدُّورُ الَّتِي بَاعَهَا عَقِيلٌ لَا تُمَلَّكُ لَكَانَ جَعْفَرُ، وَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهَا إِذْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ دُونَهُ. وَسَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَثَرُ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ. وَلَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ فِي زَمَنِ الْحَاجِّ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا، لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِكَرَاهة الْكِرَاءِ رِفْقًا بِالْوُفُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ وَآخَرُونَ. وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النُّسُكُ وَالصَّلَاةُ لَا سَائِرَ دُورِ مَكَّةَ.

وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مُنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي بَيْعِ دُورِهَا وَالْكِرَاءُ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً أَنَّ النَّبِيَّ مَنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا فَخَالَفَتْ حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ نَاشِئًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ هُنَا: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، هَلْ هُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ أَوْ مَكَانُ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: سَوَاءً فِي الْأَمْنِ وَالِاحْتِرَامِ أَوْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جَمِيعَ الْحَرَمِ، وَأَنَّ اسْمَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ لَمَا جَازَ حَفْرُ بِئْرٍ وَلَا قَبْرٍ وَلَا التَّغَوُّطُ وَلَا الْبَوْلُ وَلَا إِلْقَاءُ الْجِيَفِ وَالنَّتْنِ. قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ عَالِمًا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا كَرِهَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ دُخُولَ الْحَرَمِ وَلَا الْجِمَاعَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ الِاعْتِكَافُ فِي دُورِ مَكَّةَ وَحَوَانِيتِهَا، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ، وَالْأَسَانِيدُ بِذَلِكَ كُلُّهَا إِلَيْهِمْ ضَعِيفَةٌ، وَسَنَذْكُرُ فِي بَابِ فَتْحِ مَكَّةَ مِنَ الْمَغَازِي الرَّاجِحَ مِنَ الْخِلَافِ فِي فَتْحِهَا صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (الْبَادِي: الطَّارِئُ) هُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْبَادِي الَّذِي يَكُونُ فِي الْبَدْوِ، وَكَذَا مَنْ كَانَ ظَاهِرَ الْبَلَدِ فَهُوَ بَادٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْمُقِيمَ وَالطَّارِئَ سِيَّانِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قَالَ: سَوَاءً فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ.

قَوْلُهُ: (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي آيَةِ الْفَتْحِ، وَلَكِنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِهَا هُنَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْعَاكِفُ، وَالتَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَاكِفِ: الْمُقِيمُ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَنْتَ عَاكِفٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكِ) حَذَفَ أَدَاةَ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ قَوْلِهِ: فِي دَارِكَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالطَّحَاوِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَصْبَغَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فَكَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ أَوَّلًا عَنْ مَكَانِ نُزُولِهِ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي دَارِهِ فَاسْتَفْهَمَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا رِوَايَةُ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فِيهِ (١)﴾ أي: المقيم به (٢) ﴿وَالْبَادِ﴾ في وجوب تعظيمه عليهم ولزوم احترامهم له وإقامة مناسكه، قاله الحسن ومجاهدٌ وغيرهما، وذهب ابن عبَّاسٍ وابن جبيرٍ وقتادة وغيرهم: إلى أنَّ التَّسوية بين البادي والعاكف في منازل مكَّة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال به محمَّد بن الحسن، فليس المقيم بها أحقَّ بالمنزل من القادم عليها، واحتجَّ لذلك بحديث علقمة بن نضلة عند ابن ماجه، قال: تُوفِّي رسول الله وأبو بكرٍ وعمر وما تُدعَى رِباع مكَّة إلَّا السَّوائب، مَنِ احتاج سكن، زاد البيهقيُّ: ومن استغنى أسكن، وزاد الطَّحاويُّ بعد قوله: على عهد (٣) النَّبيِّ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان ما تُباع ولا تُكرى، لكنَّه منقطعٌ لأنَّ علقمة ليس بصحابيٍّ، وقال عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ: إنَّ عمر قال: يا أهل مكَّة، لا تتَّخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء، وأُجيب بأنَّ المراد كراهة الكراء؛ رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشِّراء.

١٥٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين» (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان أمير المؤمنين ، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم (٤) (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله ( أَنَّهُ

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ) زاد في «المغازي»: «غدًا» [خ¦٤٢٨٢] (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال في «الفتح»: حُذِفت أداة الاستفهام من قوله: «في دارك» بدليل رواية ابن خزيمة والطَّحاويِّ عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهبٍ؛ بلفظ: أتنزل في دارك؟ قال: فكأنَّه استفهمه أوَّلًا عن مكان نزوله، ثمَّ ظنَّ أنَّه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «أين» كلمة استفهامٍ فلم يبق وجهٌ لتقدير حرف الاستفهام، قال: وما وجه قوله: حُذِفت أداة الاستفهام، من قوله: «في دارك» والاستفهام عن (١) النُّزول في الدَّار لا عن نفس الدار؟ انتهى. والذي قاله في «الفتح» هو الأظهر، فليُتأمَّل. (فَقَالَ) : (وَهَلْ تَرَكَ) زاد مسلمٌ -كالبخاريِّ في «المغازي» - هنا (٢): «لنا» [خ¦٤٢٨٢] (عَقِيلٌ) (٣) بفتح العين وكسر القاف (مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الرَّاء جمع رَبْعٍ، المحلَّة أو المنزل المشتمل على أبياتٍ أو الدَّار (٤)، وحينئذٍ فيكون قوله: (أَوْ دُورٍ؟) تأكيدًا أو شكًّا من الرَّاوي، وجمع النَّكرة -وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاريِّ تفيد (٥) العموم- للإشعار بأنَّه لم يُترَك من الرِّباع المتعدِّدة شيءٌ، و «من» للتَّبعيض، قاله الكِرمانيُّ، وقِيلَ: إنَّ هذه الدَّار كانت لهاشم بن عبد منافٍ، ثمَّ صارت لابنه عبد المطَّلب فقسمها بين ولده، فمن ثمَّ صار للنَّبيِّ حقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلِدَ النَّبيُّ (٦) ، قاله الفاكهيُّ، وظاهر قوله: «وهل ترك لنا عَقِيلٌ من رِبَاعٍ؟» أنَّها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أنَّ عَقِيلًا تصرَّف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسَّر الرَّاوي -ولعلَّه أسامة- المرادَ بما أدرجه هنا حيث قال: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ) أباه (أَبَا طَالِبٍ) اسمه: عبد منافٍ (هُوَ وَ) أخوه (طَالِبٌ) المُكنَّى به عبد منافٍ أبوه (٧) (وَلَمْ يَرِثْهُ) أي: ولم يرث أبا طالبٍ ابناه (جَعْفَرٌ)

الطَّيَّار ذو الجناحين (وَلَا عَلِيٌّ) أبو ترابٍ ( شَيْئًا لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ) ولو كانا وارثين لنزل في دورهما (١)، وكانت كأنَّها ملكه؛ لعلمه بإيثارهما إيَّاه على أنفسهما، وكان قد استولى طالبٌ وعَقِيلٌ على الدَّار كلِّها باعتبار ما ورثاه عن (٢) أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، و (٣) باعتبار ترك النَّبيِّ لحقِّه منها بالهجرة، وفقد طالبٍ ببدرٍ، فباع عَقِيلٌ الدَّار كلها، وحكى الفاكهيُّ: أنَّ الدَّار لم تزل بيد أولاد عَقِيلٍ إلى أن باعوها لمحمَّد بن يوسف أخي الحجَّاج بمئة ألف دينارٍ، وقال الدَّاوديُّ وغيره: كان (٤) من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، فأمضى النَّبيُّ تصرُّفات الجاهليَّة تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.

(وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ) ممَّا هو موقوفٌ عليه: (لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ) وقد أخرجه المؤلِّف مرفوعًا في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣] (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (وَكَانُوا) أي: السَّلف (يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: يفسِّرون الولاية في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: صدَّقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمَّدٍ والقرآن (﴿وَهَاجَرُواْ﴾) من مكَّة إلى المدينة (﴿وَجَاهَدُواْ﴾) العدوَّ (﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾) فصرفوها في الكراع والسِّلاح وأنفقوها على المحاويج (﴿وَأَنفُسِهِمْ﴾) بمباشرة القتال (﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) في طاعته وما فيه رضاه (﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾) هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم (﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ … الآيَةَ [الأنفال: ٧٢]) بالنَّصب؛ يعني: بتمامها، أو بتقدير:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٤ - (بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها، وَإِنَّمَا لم يبين الحكم بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَمَا ترعى رباع مَكَّة إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه، قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة؟ وَالْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر. وروى هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُنْقَطع، لِأَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة لَيْسَ بصحابي، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ، عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: كَانَت الدّور على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا ترعى إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة الْكِنَانِي، قَالَ: كَانَت بيُوت مَكَّة ترعى السوائب، لم يبع رباعها فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا أبي بكر وَلَا عمر، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. قَوْله: السوائب، جمع سائبة، وَأَصلهَا من تسييب الدَّوَابّ، وَهُوَ: إرسالها تذْهب وتجيء كَيفَ شَاءَت، وَأَرَادَ بهَا: أَنَّهَا كَانَت سائبة لكل أحد من شَاءَ كَانَ يسكنهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا أسكن غَيره فَلَا بيع وَلَا إجَازَة، والرباع جمع رَبع، وَهُوَ الْمنزل، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت، وَجَمعهَا: رباع وَأَرْبع وربوع وأرباع وَالرّبع: الْمحلة، أَيْضا وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو، أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار فَقَالُوا: لَا يجوز بيع أَرض مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالثَّوْري. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ، عَطاء بن أبي رَبَاح ومجاهدا ومالكا وَإِسْحَاق وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِبيع أرْضهَا وإجارتها، وجعلوها فِي ذَلِك كَسَائِر الْبلدَانِ، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ بالآخرين طاووسا وَعَمْرو بن دِينَار وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَابْن الْمُنْذر مَعَهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث الْبَاب، على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَإِن النَّاس) ، عطف على قَوْله: (فِي دور مَكَّة) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان أَن النَّاس فِي مَسْجِد الْحرم سَوَاء أَي: متساوون. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي نفس الْمَسْجِد، لَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع من مَكَّة. قلت: هَذَا ميل مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح مذْهبه، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام: الْحرم كُله، ورد ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد. أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَغَيرهم عَنْهُم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: أَن الْحرم كُله مَسْجِد ويروى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، بِالْألف وَاللَّام فِي الْمَسْجِد قَوْله: (خَاصَّة) قيد لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد قُلْنَا إِن الْمَسْجِد الْحَرَام كُله حرم.

لِقَوْلِهِ تَعَالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عنْ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيِهِ والْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ} (الْحَج: ٥٢) .

هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: (وَإِن النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سَوَاء) . قَوْله: {إِن الَّذين كفرُوا} يَعْنِي: أهل مَكَّة. قَوْله: {ويصدون عَن سَبِيل الله} أَي: ويصرفون النَّاس عَن دين الْإِسْلَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصدود مِنْهُم مُسْتَمر دَائِم للنَّاس، أَي للَّذين يَقع عَلَيْهِم اسْم النَّاس من غير فرق بَين حَاضر وباد وناى وظارىء مكي وآفقي وَقد اسْتشْهد بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة قائلين بِأَن المُرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام مَكَّة على امْتنَاع بيع دور مَكَّة وإجارتها. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خرج من الْمَدِينَة مَنعهم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ وصف الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ: {اللَّذين جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء} للْمُؤْمِنين جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: {العاكف فِيهِ والبادي} يَعْنِي: سَوَاء الْمُقِيم فِي الْحرم، وَمن دخل مَكَّة من غير أَهلهَا، وَيُقَال: الْمُقِيم والغريب سَوَاء. وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص: {سَوَاء} بِالنّصب يَعْنِي: جَعَلْنَاهُ سَوَاء، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ سواءُ، على معنى الِابْتِدَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجه النصب أَنه ثَانِي مفعولي: جَعَلْنَاهُ، أَي: جَعَلْنَاهُ مستويا العاكف فِيهِ والبادي، وَفِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع الْجُمْلَة مفعول ثَان. قَوْله: {وَمن يرد فِيهِ بإلحاد} الْبَاء فِيهِ صلَة، وَأَصله: وَمن يرد فِيهِ إلحادا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تنْبت بالدهن} (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٢) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ومفعول: يرد، مَتْرُوك ليتناول كل متناول كَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يرد فِيهِ مرَادا مَا عادلاً عَن الْقَصْد ظَالِما، وقرىء: يرد، بِفَتْح الْيَاء من الْوُرُود، وَمَعْنَاهُ: من أَتَى فِيهِ بإلحاد ظَالِما

الْإِلْحَاد الْعُدُول عَن الْقَصْد، وَقيل: الْإِلْحَاد فِي الْحرم منع النَّاس عَن عِمَارَته، وَعَن سعيد بن جُبَير: الاحتكار، وَقيل: الظُّلم، وَقَالَ مقَاتل: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أنيس بن خطل الْقرشِي، وَذَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلَيْنِ أَحدهمَا مُهَاجِرِي وَالْآخر أَنْصَارِي، فافتخرا فِي الْأَنْسَاب. فنضب عبد الله بن أنيس فَقتل الْأنْصَارِيّ، ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وهرب إِلَى مَكَّة، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة بقتْله فَقتل. قَوْله: {بإلحاد بظُلْم} حالان مُتَرَادِفَانِ، وَعَن الْحسن: وَمن يرد إلحاده بظُلْم، أَرَادَ إلحادا فِيهِ، فأضافه على الاتساع فِي الظّرْف، كمكر اللَّيْل وَمَعْنَاهُ: من يرد أَن يلحذ فِيهِ ظَالِما، وَخبر: أَن، مَحْذُوف لدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أَن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام يذيقهم من عَذَاب أَلِيم وكل من ارْتكب فِيهِ ذَنبا فَهُوَ كَذَلِك.

البادِ الطَّارى مَعْكُوفا مَحْبُوسا

هَذَا تَفْسِير من البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى، وَمعنى الطاري الْمُسَافِر، كَمَا أَن معنى العاكف الْمُقِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: معكوفا، إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله} (الْحَج: ٥٢) . قلت: لَيست هَذِه الْكَلِمَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، فَلَا مُنَاسبَة لذكرها هُنَا، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر المعكوف لكَون العاكف مَذْكُورا هَهُنَا، وَفِيه مَا فِيهِ.

٨٨٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن عنْ عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فقالَ وهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرثْهُ جَعْفَرٌ ولَا عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا شَيْئا لأِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ مطَالب كافِرَيْنِ فَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولائكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الْأَنْفَال: ٢٧) . الْآيَة..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهل ترك عقيل من رباع أَو دور وَكَانَ عقيل ورث أَبَا طَالب) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَشْهُور بزين العابدين. السَّادِس: عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَمِير الْمُؤمنِينَ. السَّابِع: أُسَامَة ابْن زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومولاه.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن وهب مصريان وَأَن يُونُس أيلي والبقية مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مهْرَان وَابْن أبي عمر وَعبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيْن تنزل فِي دَارك؟) قَالَ بَعضهم: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام

من قَوْله: فِي دَارك. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم الْعَرَبيَّة وَلَا استنباط الْمعَانِي من الْأَلْفَاظ، وَقَوله: أَيْن، كلمة اسْتِفْهَام، فَلم يبْق وَجه لتقدير حرف الِاسْتِفْهَام، فَمَا وَجه قَوْله: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام من قَوْله: فِي دَارك؟ والاستفهام عَن النُّزُول فِي الدَّار لَا عَن نفس الدَّار؟ فَافْهَم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي فِي الْمَغَازِي: أَيْن تنزل غَدا. قَوْله: (وَهل ترك عقيل؟) وَفِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، (وَهل ترك لنا؟) قَوْله: (من رباع؟) ، جمع ربع، وقذ ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (أَو دور؟) للتَّأْكِيد إِذا فسر الرّبع بِالدَّار أَو وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، قَوْله: (وَكَانَ عقيل) ، إدراج من بعض الروَاة، وَلَعَلَّه من أُسَامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَعقيل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (هُوَ) أَي: عقيل. قَوْله: (وطالب) أَي: ورث طَالب مَعَ عقيل أباهما أَبَا طَالب، وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، وكنى بِابْنِهِ طَالب، قَوْله: (وَلم يَرِثهُ جَعْفَر) ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالطيار ذِي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وَهُوَ من جَعْفَر وَهُوَ من عَليّ، والتفاوت بَين كل وَاحِد وَالْآخر عشر سِنِين، وَهُوَ من النَّوَادِر. قَوْله: (كَافِرين) نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: وَكَانَ كِلَاهُمَا كَافِرين عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا، وَلِأَن عقيلاً أسلم بعد ذَلِك عِنْد الْحُدَيْبِيَة قيل: لما كَانَ أَبُو طَالب أكبر ولد عبد الْمطلب احتوى على أملاكه وحازها وَحده على عَادَة الْجَاهِلِيَّة من تَقْدِيم الأسن، فتسلط عقيل أَيْضا بعد هِجْرَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: بَاعَ عقيل مَا كَانَ للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلمن هَاجر من بني عبد الْمطلب، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بدور من هَاجر من الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أمضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصَرُّفَات عقيل كرما وجودا، وَإِمَّا استمالة لعقيل، وَإِمَّا تَصْحِيحا بتصرفات الْجَاهِلِيَّة، كَمَا أَنه يصحح أنكحة الْكفَّار، وَقَالُوا: فقد طَالب ببدر فَبَاعَ عقيل الدَّار كلهَا، وَقيل: وَلم تزل الدَّار بيد أَوْلَاد عقيل إِلَى أَن باعوها لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج بن يُوسُف بِمِائَة ألف دِينَار، وَكَانَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: من أجل ذَلِك بتركنا نصيبنا من الشّعب، أَي: حِصَّة جدهم عَليّ من أَبِيه أبي طَالب. قَوْله: (فَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: لَا يَرث الْمُؤمن الْكَافِر) هَذَا مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ثَبت مَرْفُوعا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُفردا فِي الْفَرَائِض من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمن أجل ذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول ... قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانُوا يتأولون) أَي: السّلف كَانُوا يفسرون الْولَايَة فِي هَذِه الْآيَة بِولَايَة الْمِيرَاث. قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين آمنُوا} (الْأَنْفَال: ٢٧) . أَي: صدقُوا بتوحيد الله تَعَالَى، وَبِمُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقُرْآن {وَهَاجرُوا} من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة {وَجَاهدُوا} الْعَدو {بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله} أَي: فِي طَاعَة الله، وَفِيمَا فِيهِ رضى الله تَعَالَى، ثمَّ ذكر الْأَنْصَار فَقَالَ: {وَالَّذين آووا} يَعْنِي أووا الْمُهَاجِرين: يَعْنِي: أنزلوهم وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ {ونصروا} رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّيْفِ {أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمِيرَاث وَفِي الْولَايَة. قَوْله: (الْآيَة) ، يَعْنِي الْآيَة بِتَمَامِهَا، أَو: إقرأ الْآيَة، وتمامها: {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إلَاّ على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} (الْأَنْفَال: ٢٧) . قَوْله: {وَلم يهاجروا} يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَة {مَا لكم من ولايتهم من شَيْء} فِي الْمِيرَاث {حَتَّى يهاجروا} إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هَل نعينهم إِذا استعانوا بِنَا؟ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا؟ فَنزل: {وَإِن استنصروكم فِي الدّين} يَعْنِي: إِن اسْتَغَاثُوا بكم على الْمُشْركين فانصروهم {فَعَلَيْكُم النَّصْر} على من قَاتلهم {إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} أَي: عهد يَعْنِي إلَاّ أَن يقاتلوا قوما بَيْنكُم وَبينهمْ عهد وميثاق فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم وَأَصْلحُوا بَينهم {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فِي العون والنصرة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يتوارثون بِالْهِجْرَةِ وبالمؤاخاة الَّتِي وآخى بَينهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا يتوارثون بِالْإِسْلَامِ وبالهجرة، وَكَانَ الرجل يسلم وَلَا يُهَاجر فَلَا يَرث أَخَاهُ، فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) [/ ح.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي على جَوَاز بيع دور مَكَّة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجَاز بيع عقيل الدّور الَّتِي ورثهَا، وَكَانَ عقيل وطالب ورثا أباهما لِأَنَّهُمَا إِذْ ذَاك كَانَا كَافِرين فورثا، ثمَّ أسلم عقيل وباعها. قَالَ الْخطابِيّ: وَعِنْدِي أَن تِلْكَ الدّور، وَإِن كَانَت قَائِمَة على ملك عقيل، لم ينزلها رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهَا دور هجروها لله تَعَالَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذِه الْإِضَافَة أَنَّهَا كَانَت ملكه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إِلَى نَفسه، وظاهرها الْملك، فَيحْتَمل أَن عقيلاً أَخذهَا وَتصرف فِيهَا كَمَا فعل أَبُو سُفْيَان بدور الْمُهَاجِرين. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حديثُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (مَكَّة مناخ لَا تبَاع رباعها وَلَا يُؤَاجر بيوتها) . قلت: الأَصْل فِي بَاب الْمُعَارضَة التَّسَاوِي، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَا يُقَاوم حَدِيث أُسَامَة، لِأَن فِي سَنَد حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ، وَعَن يحيى مرّة: لَا شَيْء، فَحِينَئِذٍ يسْقط حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَلَئِن سلمنَا الْمُسَاوَاة فَلَا يَكْتَفِي بهَا، بل يكْشف وَجه ذَلِك من طَرِيق النّظر، فَوَجَدنَا أَن مَا يقْضِي بِهِ حَدِيث أُسَامَة أولى وأصوب من حَدِيث عبد الله، بَيَان ذَلِك أَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد وَجَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تدخل فِي ملك أحد لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، أَو يحتجر موضعا مِنْهَا، ألَا ترى أَن مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، وَكَذَلِكَ منى لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا دَارا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَلا تتَّخذ لَك بمنى بَيْتا تستظل فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِنَّهَا مناخ لمن سبق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والطَّحَاوِي، وَوجدنَا مَكَّة على خلاف ذَلِك، لِأَنَّهُ قد أُجِيز فِيهَا الْبناء، وَقد قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم دخل مَكَّة: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، فَهَذَا يذل على أَن مَكَّة مِمَّا يبْنى فِيهَا الدّور، وَمِمَّا يغلق عَلَيْهَا الْأَبْوَاب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون صفتهَا صفة الْمَوَاضِع الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاك، وَتَقَع فِيهَا الْمَوَارِيث، فَحِينَئِذٍ يجوز بيع الدّور الَّتِي فِيهَا، وَيجوز إِجَارَتهَا، وَقَالَ ابْن قادمة: أضَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّار إِلَى أبي سُفْيَان إِضَافَة ملك، يَقُول: من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن، وَلِأَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت لَهُم دور بِمَكَّة: دَار لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللزبير وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم مِمَّا يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيعَ وبعضٌ فِي يَد أَعْقَابهم إِلَى الْيَوْم، وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اشْترى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَاشْترى مُعَاوِيَة من حَكِيم بن حزَام دارين بِمَكَّة: إِحْدَاهمَا بستين ألف دِرْهَم، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَهَذِه قصَص اشتهرت فَلم تنكر، فَصَارَت إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرض حَيَّة لم ترد عَلَيْهَا صَدَقَة مُحرمَة، فَجَاز بيعهَا كَسَائِر الْأَرَاضِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَإِن احْتج مُحْتَج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} (الْحَج: ٥٢) . قيل لَهُ: قد رُوِيَ فِي تَأْوِيل هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين مَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: {سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} قَالَ: خلق الله فِيهِ سَوَاء، فَثَبت بذلك أَنه إِنَّمَا قصد بذلك إِلَى الْبَيْت أَو إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَا إِلَى سَائِر مَكَّة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتساوى النَّاس فِي غير الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن بَعضهم يكونُونَ ملاكا وَبَعْضهمْ يكونُونَ سكانا، فالمالك يجوز لَهُ بيع ملكه وإجارته وَنَحْوهمَا، ويخدش هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ الْحرم كُله مَسْجِدا سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي، وروى الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أهل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حَيْثُ شَاءَ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر نهى أهل مَكَّة أَن يغلقوا أَبْوَاب دُورهمْ دون الْحَاج، وروى ابْن أبي نجيح عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: من أكل كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارا فِي بَطْنه.

وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن فِيهِ: دَلِيلا على بَقَاء دور مَكَّة لأربابها، وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُسلم لَا يَرث الْكَافِر، وفقهاء الْأَمْصَار على ذَلِك إلَاّ مَا حُكيَ عَن مُعَاوِيَة ومعاذ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِسْحَاق: أَن الْمُسلم يَرث الْكَافِر، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَافِر لَا يَرث الْمُسلم.

٥٤ - (بابُ نُزُولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَمرَاده بَيَان مَوضِع نُزُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٩٨٥١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدا إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منزلنا غَدا) إِلَى آخِره.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى

بن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.

قَوْله: (حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة) ، يَعْنِي: حِين رُجُوعه من منى وتوجهه إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (منزلنا) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. (وَغدا) نصب على الظّرْف. و (إِن شَاءَ الله) كَلَام معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، ذكره للتبرك والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا. .} (الْكَهْف: ٣٢) . الْآيَة. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) أَي: فِي خيف، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ مَا انحدر من الْجَبَل وارتفع عَن المسيل، و: كنَانَة، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون الأولى. قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا) أَي: تحالفوا على الْكفْر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى تقاسمهم على الْكفْر تحالفهم على إِخْرَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبني هَاشم وَالْمطلب من مَكَّة إِلَى هَذَا الشّعب، وَهُوَ خيف بني كنَانَة، وَكَتَبُوا بَينهم الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة فِيهَا أَنْوَاع من الْبَاطِل، فَأرْسل الله عَلَيْهَا الأرضة فَأكلت مَا فِيهَا من الْكفْر وَتركت مَا فِيهَا من ذكر الله تَعَالَى، فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَأخْبر بِهِ عَمه أَبَا طَالب، فَأخْبرهُم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فوجدوه كَمَا قَالَه، والقصة مَشْهُورَة، نوضحها بِأَكْثَرَ من ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده