الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٩٧
الحديث رقم ١٥٩٧ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ذكر في الحجر الأسود.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ
١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَغَزْوِ أَهْلِ الشَّامِ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِهَا وَقْعَةُ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَافِ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَقَلَعُوا الْحَجَر الْأَسْوَدَ، فَحَوَّلُوهُ إِلَى بِلَادِهِمْ ثُمَّ أَعَادُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ غُزِيَ مِرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ
[الحديث ١٥٩٧ - طرفاه في: ١٦٠٥، ١٦١٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهَمَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَجَاءٌ أَبُو يَحْيَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقْفُهُ أَشْبَهُ، وَالَّذِي رَفَعَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّة وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَهُوَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ، وَجَرِيرٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَيَقْوَى بِهَا، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَحَمَّادٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، أَنَّ لِهَذَا الْحَجَرِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقٍّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) فِي رِوَايَةِ أَسْلَمَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ.
قَوْلُهُ: (لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أَيْ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخَذَ الْمَوَاثِيقَ عَلَى وَلَدِ آدَمَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ، وَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عُمَرَ رَفَعَ قَوْلَهُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا قَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا بالمشاهدة (١)، والإيمان الموجب للثَّواب هو الإيمان بالغيب.
١٥٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ) بالعين المهملة وبعد الألف مُوحَّدةٌ مكسورةٌ وآخره سينٌ مُهمَلةٌ و «رَبيعة» -بفتح الرَّاء- النَّخعيِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (﵁: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ) بأن وضع فمه عليه من غير صوتٍ (فَقَالَ) ليدفع توهُّم قريب عهدٍ بإسلامٍ (٢) ما كان يعتقد في حجارة أصنام الجاهليَّة من الضُّرِّ والنَّفع: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أي: بذاتك، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع في الثَّواب، لكن لا قدرة له عليه لأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه المتأخِّرون في الأقطار، لكن زاد الحاكم في هذا الحديث: فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: بل -يا أمير المؤمنين- يضرُّ وينفع، ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله تعالى لعلمت أنَّه كما أقول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلمَّا أقرُّوا أنَّه الرَّبُّ ﷿ وأنَّهم العبيد كتب ميثاقهم في رقٍّ وألقمه في هذا الحجر، وأنَّه يُبعَث يوم القيامة، وله عينان ولسانٌ وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرضٍ لست بها (٣) يا أبا الحسن، وقال: ليس هذا على شرط الشَّيخين؛ فإنَّهما لم يحتجَّا بأبي هارون العبديِّ. ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر «مسند أبي بكرٍ ﵁» عن رجلٍ رأى النَّبيَّ ﷺ وقف عند الحجر، فقال: «إنِّي لأعلم (٤) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع» ثمَّ قبَّله، ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ ﵁، فوقف عند الحجر، فقال: إنِّي لأعلم (٥) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ
ولا تنفع، ولولا (١) أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك، فليُراجَع إسناده، فإن صحَّ يُحكَم (٢) ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب من (٣) عليٍّ؛ أعني قوله: بل يضرُّ وينفع، بعدما قال النَّبيُّ ﷺ: لا تضرُّ ولا تنفع لأنَّه صورة معارضة، لا جرم أنَّ الذَّهبيَّ قال في «مختصره» عن العبديِّ: إنَّه ساقطٌ.
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) تنبيهٌ على أنَّه لولا الاقتداء ما قبَّله، وقال الطِّيبيُّ: اعلم أنَّهم ينزِّلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنسٍ آخر باعتبار اتِّصافه بصفةٍ مختصَّةٍ به لأنَّ تغاير الصِّفات بمنزلة التَّغاير في الذَّوات، فقوله: «إنَّك حجرٌ» شهادةٌ له بأنَّه من هذا الجنس، وقوله: «لا تضرُّ ولا تنفع» تقريرٌ وتأكيدٌ بأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار (٤)، وقوله: «ولولا أنِّي رأيت .... » إلى آخره إخراجٌ له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله ﷺ. انتهى.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٥١) (بابُ إِغْلَاقِ) باب (البَيْتِ) بالغين المعجمة (وَيُصَلِّي) الدَّاخل (فِي أَيِّ) ناحيةٍ من (نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) فإن كان الباب مفتوحًا فصلاته باطلةٌ لأنَّه لم يستقبل منها شيئًا، فإن كان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ صحَّت.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَغَزْوِ أَهْلِ الشَّامِ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِهَا وَقْعَةُ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَافِ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَقَلَعُوا الْحَجَر الْأَسْوَدَ، فَحَوَّلُوهُ إِلَى بِلَادِهِمْ ثُمَّ أَعَادُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ غُزِيَ مِرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ
[الحديث ١٥٩٧ - طرفاه في: ١٦٠٥، ١٦١٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهَمَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَجَاءٌ أَبُو يَحْيَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقْفُهُ أَشْبَهُ، وَالَّذِي رَفَعَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّة وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَهُوَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ، وَجَرِيرٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَيَقْوَى بِهَا، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَحَمَّادٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، أَنَّ لِهَذَا الْحَجَرِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقٍّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) فِي رِوَايَةِ أَسْلَمَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ.
قَوْلُهُ: (لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أَيْ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخَذَ الْمَوَاثِيقَ عَلَى وَلَدِ آدَمَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ، وَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عُمَرَ رَفَعَ قَوْلَهُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا قَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا بالمشاهدة (١)، والإيمان الموجب للثَّواب هو الإيمان بالغيب.
١٥٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ) بالعين المهملة وبعد الألف مُوحَّدةٌ مكسورةٌ وآخره سينٌ مُهمَلةٌ و «رَبيعة» -بفتح الرَّاء- النَّخعيِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (﵁: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ) بأن وضع فمه عليه من غير صوتٍ (فَقَالَ) ليدفع توهُّم قريب عهدٍ بإسلامٍ (٢) ما كان يعتقد في حجارة أصنام الجاهليَّة من الضُّرِّ والنَّفع: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أي: بذاتك، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع في الثَّواب، لكن لا قدرة له عليه لأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه المتأخِّرون في الأقطار، لكن زاد الحاكم في هذا الحديث: فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: بل -يا أمير المؤمنين- يضرُّ وينفع، ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله تعالى لعلمت أنَّه كما أقول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلمَّا أقرُّوا أنَّه الرَّبُّ ﷿ وأنَّهم العبيد كتب ميثاقهم في رقٍّ وألقمه في هذا الحجر، وأنَّه يُبعَث يوم القيامة، وله عينان ولسانٌ وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرضٍ لست بها (٣) يا أبا الحسن، وقال: ليس هذا على شرط الشَّيخين؛ فإنَّهما لم يحتجَّا بأبي هارون العبديِّ. ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر «مسند أبي بكرٍ ﵁» عن رجلٍ رأى النَّبيَّ ﷺ وقف عند الحجر، فقال: «إنِّي لأعلم (٤) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع» ثمَّ قبَّله، ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ ﵁، فوقف عند الحجر، فقال: إنِّي لأعلم (٥) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ
ولا تنفع، ولولا (١) أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك، فليُراجَع إسناده، فإن صحَّ يُحكَم (٢) ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب من (٣) عليٍّ؛ أعني قوله: بل يضرُّ وينفع، بعدما قال النَّبيُّ ﷺ: لا تضرُّ ولا تنفع لأنَّه صورة معارضة، لا جرم أنَّ الذَّهبيَّ قال في «مختصره» عن العبديِّ: إنَّه ساقطٌ.
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) تنبيهٌ على أنَّه لولا الاقتداء ما قبَّله، وقال الطِّيبيُّ: اعلم أنَّهم ينزِّلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنسٍ آخر باعتبار اتِّصافه بصفةٍ مختصَّةٍ به لأنَّ تغاير الصِّفات بمنزلة التَّغاير في الذَّوات، فقوله: «إنَّك حجرٌ» شهادةٌ له بأنَّه من هذا الجنس، وقوله: «لا تضرُّ ولا تنفع» تقريرٌ وتأكيدٌ بأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار (٤)، وقوله: «ولولا أنِّي رأيت .... » إلى آخره إخراجٌ له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله ﷺ. انتهى.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٥١) (بابُ إِغْلَاقِ) باب (البَيْتِ) بالغين المعجمة (وَيُصَلِّي) الدَّاخل (فِي أَيِّ) ناحيةٍ من (نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) فإن كان الباب مفتوحًا فصلاته باطلةٌ لأنَّه لم يستقبل منها شيئًا، فإن كان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ صحَّت.