الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦١٤
الحديث رقم ١٦١٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٦١٤ - ١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
طَوْفَةٍ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ) يَعْنِي فِي التَّكْبِيرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ الْخَالِيَةَ عَنِ التَّكْبِيرِ لَا تَقْدَحُ فِي زِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِمُتَابَعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَصَلَ طَرِيقَ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي طَوَافِ الْمَرِيضِ رَاكِبًا فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٣ - بَاب مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَ
١٦١٤، ١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ.
ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ. وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
[الحديث ١٦١٤ - طرفه في: ١٦٤١]
[الحديث ١٦١٥ - طرفاه في: ١٦٤٢، ١٧٩٦]
١٦١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا طَافَ حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَمَّا اسْتَلَمُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَطَافُوا وَسَعَوْا حَلُّوا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَرْدَفَهُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عُرْوَةَ مَسَحُوا الرُّكْنَ أَيْ رُكْنَ الْمَرْوَةِ أَيْ عِنْدَ خَتْمِ السَّعْيِ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: اعْتَمَرْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ، وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَسَحُوا الرُّكْنَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَمَسْحُهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَلَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ وَأَتَمُّوا طَوَافَهُمْ وَسَعْيَهُمْ وَحَلَقُوا حَلُّوا. وَحُذِفَتْ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتُ لِلْعِلْمِ بِهَا
لِظُهُورِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ تَمَامِ الطَّوَافِ.
ثُمَّ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ بَعْدَهُ ثُمَّ الْحَلْقِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ الْكِنَايَةُ عَنْ تَمَامِ الطَّوَافِ لَا سِيَّمَا وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ يَكُونُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، فَالْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ حَلُّوا، وَأَمَّا السَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِمَا كَمَا قَالَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ وَمَا يَتْبَعُهُ حَلُّوا. قُلْتُ: وَأَرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ هُنَا اسْتِلَامَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى إِلَّا تَقْدِيرُ وَسَعَوْا لِأَنَّ السَّعْيَ شَرْطٌ عِنْدَ عُرْوَةَ بِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ حَلَقُوا فَيُنْظَرُ فِي رَأْيِ عُرْوَةَ فَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ عِنْدَهُ نُسُكًا فَيُقَدَّرُ فِي كَلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ النَّوْفَلِيُّ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) حَذَفَ الْبُخَارِيُّ صُورَةَ السُّؤَالِ وَجَوَابَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ لَا يَحِلُّ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ فَسَأَلْتُهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، قَالَ فَتَصَدَّى لِيَ الرَّجُلُ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ أَيْ عُرْوَةَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، أَيْ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي؟ أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا. يَعْنِي وَهُمْ يَتَعَنَّتُونَ فِي الْمَسَائِلِ.
قَالَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ عَنَى بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ يَحِلُّ مِنْ حَجِّهِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حَجِّهِ لَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي: بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ. فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعَرِّفِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا حَلَّ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَذَكَرَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانٍ الْأَعْرَجَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذِهِ الْفُتْيَا أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ وَإِنْ رَغِمْتُمْ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَأْخُذَ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَيْ أَمَرَ بِهِ، وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ خَالَفَهُ فِيهِ الْجُمْهُورُ وَوَافَقَهُ فِيهِ نَاسٌ قَلِيلٌ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُرِفَ أَنَّ مَأْخَذَهُ فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِمْ، وَذَهَبَت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
القرآن في الطَّواف أفضل من الدُّعاء غير المأثور، وأنَّ المأثور أفضل منها، سلَّمنا ذلك، لكن لم يثبت عنه ﵊ -كما قال ابن المنذر فيما مرَّ-إلَّا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ … الآيةَ، وهو قرآنٌ، وإنَّما ثبت بين الرُّكنين، وحينئذٍ فيكون أفضل ما يُقال بين الرُّكنين، ويكون هو وغيره أفضل من الذِّكر والدُّعاء في باقي الطَّواف إلَّا التَّكبير عند استلام الحجر، فإنَّه أفضل تأسِّيًا به ﵊، والصَّحيح عند الحنابلة: أنَّه لا بأس بقراءة القرآن به، وجزم صاحب «الهداية» في «التَّجنيس» بأنَّ ذكر الله أفضلُ منها فيه، وكرهها المالكيَّة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع خالدًا الطَّحَّان ممَّا وصله المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٣] (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) الهرويُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) في التَّكبير، ونبَّه بهذه المتابعة على أنَّ روايةَ عبد الوهَّاب عن خالدٍ [خ¦١٦١٢] السَّابقة في الباب الذي قبل هذا الباب العاريةَ عن التَّكبير لا تقدح في زيادة (١) خالد بن عبد الله؛ لمتابعة إبراهيم، والله أعلم.
(٦٣) (بابُ مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ) محرمًا بالعمرة (قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) للسَّعي بينها وبين المروة.
١٦١٤ - ١٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو أبو (٢) الأسود النَّوفليُّ، يتيم عروة
قال: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام ما قِيل في حكم القادم إلى مكَّة، ممَّا ذكره مسلمٌ من هذا الوجه، وحذفه المؤلِّف مقتصرًا على المرفوع منه، ومُحصَّل ذلك ومعناه: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال لأبي الأسود: سل لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ -أي: دون أن يطوف بين الصَّفا والمروة- أم لا؟ قال أبو الأسود: فسألته، فقال: لا يحلُّ مَنْ أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، فتصدَّى -أي: فتعرَّض لي- الرَّجل فسألني، أي: عمَّا أجاب به عروة، فحدَّثته، فقال: قل له: فإنَّ رجلًا، أي: ابن عبَّاسٍ يخبر أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك؛ يعني: أَمَرَ به؛ حيث قال لمن لم يسق الهدي من أصحابه: اجعلوها عمرةً.
وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٣٩٦] من حديث ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا طاف بالبيت فقد حلَّ، فقلت لعطاءٍ: من أين أخذ هذا (١) ابن عبَّاسٍ؟ قال: من قول الله تعالى (٢): ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ومن أمرِ النَّبيُّ ﷺ أصحابَه أن يحلُّوا في حجَّة الوداع، قلت: إنَّما كان ذلك بعد المُعرَّف، قال: كان (٣) ابن عبَّاسٍ يراه قبلُ وبعدُ. انتهى. قال أبو الأسود: فجئته، أي: عروة، فذكرت له ذلك؛ يعني: ما قاله الرَّجل العراقيُّ من مذهب ابن عبَّاسٍ.
(قَالَ) أي: عروة: قد حجَّ رسول الله ﷺ (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) في موضع رفع خبر «أنَّ» من قولها: «أنَّ أوَّل شيءٍ بدأ به» (ثُمَّ طَافَ) بالبيت ولم يحلَّ من حجِّه (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) تلك الفعلة التي فعلها ﵊ حين قدم من الطَّواف وغيره (عُمْرَةً) فعُرِف من هذا أنَّ ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ مخالفٌ لفعله ﵊، وأنَّ أمره ﵊ أصحابه أن يفسخوا حجَّهم فيجعلوه عمرةً خاصٌّ بهم، وأنَّ من أهلَّ بالحجِّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
طَوْفَةٍ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ) يَعْنِي فِي التَّكْبِيرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ الْخَالِيَةَ عَنِ التَّكْبِيرِ لَا تَقْدَحُ فِي زِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِمُتَابَعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَصَلَ طَرِيقَ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي طَوَافِ الْمَرِيضِ رَاكِبًا فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٣ - بَاب مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَ
١٦١٤، ١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ.
ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ. وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
[الحديث ١٦١٤ - طرفه في: ١٦٤١]
[الحديث ١٦١٥ - طرفاه في: ١٦٤٢، ١٧٩٦]
١٦١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا طَافَ حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَمَّا اسْتَلَمُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَطَافُوا وَسَعَوْا حَلُّوا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَرْدَفَهُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عُرْوَةَ مَسَحُوا الرُّكْنَ أَيْ رُكْنَ الْمَرْوَةِ أَيْ عِنْدَ خَتْمِ السَّعْيِ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: اعْتَمَرْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ، وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَسَحُوا الرُّكْنَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَمَسْحُهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَلَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ وَأَتَمُّوا طَوَافَهُمْ وَسَعْيَهُمْ وَحَلَقُوا حَلُّوا. وَحُذِفَتْ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتُ لِلْعِلْمِ بِهَا
لِظُهُورِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ تَمَامِ الطَّوَافِ.
ثُمَّ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ بَعْدَهُ ثُمَّ الْحَلْقِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ الْكِنَايَةُ عَنْ تَمَامِ الطَّوَافِ لَا سِيَّمَا وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ يَكُونُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، فَالْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ حَلُّوا، وَأَمَّا السَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِمَا كَمَا قَالَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ وَمَا يَتْبَعُهُ حَلُّوا. قُلْتُ: وَأَرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ هُنَا اسْتِلَامَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى إِلَّا تَقْدِيرُ وَسَعَوْا لِأَنَّ السَّعْيَ شَرْطٌ عِنْدَ عُرْوَةَ بِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ حَلَقُوا فَيُنْظَرُ فِي رَأْيِ عُرْوَةَ فَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ عِنْدَهُ نُسُكًا فَيُقَدَّرُ فِي كَلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ النَّوْفَلِيُّ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) حَذَفَ الْبُخَارِيُّ صُورَةَ السُّؤَالِ وَجَوَابَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ لَا يَحِلُّ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ فَسَأَلْتُهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، قَالَ فَتَصَدَّى لِيَ الرَّجُلُ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ أَيْ عُرْوَةَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، أَيْ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي؟ أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا. يَعْنِي وَهُمْ يَتَعَنَّتُونَ فِي الْمَسَائِلِ.
قَالَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ عَنَى بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ يَحِلُّ مِنْ حَجِّهِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حَجِّهِ لَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي: بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ. فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعَرِّفِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا حَلَّ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَذَكَرَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانٍ الْأَعْرَجَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذِهِ الْفُتْيَا أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ وَإِنْ رَغِمْتُمْ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَأْخُذَ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَيْ أَمَرَ بِهِ، وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ خَالَفَهُ فِيهِ الْجُمْهُورُ وَوَافَقَهُ فِيهِ نَاسٌ قَلِيلٌ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُرِفَ أَنَّ مَأْخَذَهُ فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِمْ، وَذَهَبَت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
القرآن في الطَّواف أفضل من الدُّعاء غير المأثور، وأنَّ المأثور أفضل منها، سلَّمنا ذلك، لكن لم يثبت عنه ﵊ -كما قال ابن المنذر فيما مرَّ-إلَّا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ … الآيةَ، وهو قرآنٌ، وإنَّما ثبت بين الرُّكنين، وحينئذٍ فيكون أفضل ما يُقال بين الرُّكنين، ويكون هو وغيره أفضل من الذِّكر والدُّعاء في باقي الطَّواف إلَّا التَّكبير عند استلام الحجر، فإنَّه أفضل تأسِّيًا به ﵊، والصَّحيح عند الحنابلة: أنَّه لا بأس بقراءة القرآن به، وجزم صاحب «الهداية» في «التَّجنيس» بأنَّ ذكر الله أفضلُ منها فيه، وكرهها المالكيَّة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع خالدًا الطَّحَّان ممَّا وصله المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٣] (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) الهرويُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) في التَّكبير، ونبَّه بهذه المتابعة على أنَّ روايةَ عبد الوهَّاب عن خالدٍ [خ¦١٦١٢] السَّابقة في الباب الذي قبل هذا الباب العاريةَ عن التَّكبير لا تقدح في زيادة (١) خالد بن عبد الله؛ لمتابعة إبراهيم، والله أعلم.
(٦٣) (بابُ مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ) محرمًا بالعمرة (قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) للسَّعي بينها وبين المروة.
١٦١٤ - ١٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو أبو (٢) الأسود النَّوفليُّ، يتيم عروة
قال: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام ما قِيل في حكم القادم إلى مكَّة، ممَّا ذكره مسلمٌ من هذا الوجه، وحذفه المؤلِّف مقتصرًا على المرفوع منه، ومُحصَّل ذلك ومعناه: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال لأبي الأسود: سل لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ -أي: دون أن يطوف بين الصَّفا والمروة- أم لا؟ قال أبو الأسود: فسألته، فقال: لا يحلُّ مَنْ أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، فتصدَّى -أي: فتعرَّض لي- الرَّجل فسألني، أي: عمَّا أجاب به عروة، فحدَّثته، فقال: قل له: فإنَّ رجلًا، أي: ابن عبَّاسٍ يخبر أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك؛ يعني: أَمَرَ به؛ حيث قال لمن لم يسق الهدي من أصحابه: اجعلوها عمرةً.
وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٣٩٦] من حديث ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا طاف بالبيت فقد حلَّ، فقلت لعطاءٍ: من أين أخذ هذا (١) ابن عبَّاسٍ؟ قال: من قول الله تعالى (٢): ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ومن أمرِ النَّبيُّ ﷺ أصحابَه أن يحلُّوا في حجَّة الوداع، قلت: إنَّما كان ذلك بعد المُعرَّف، قال: كان (٣) ابن عبَّاسٍ يراه قبلُ وبعدُ. انتهى. قال أبو الأسود: فجئته، أي: عروة، فذكرت له ذلك؛ يعني: ما قاله الرَّجل العراقيُّ من مذهب ابن عبَّاسٍ.
(قَالَ) أي: عروة: قد حجَّ رسول الله ﷺ (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) في موضع رفع خبر «أنَّ» من قولها: «أنَّ أوَّل شيءٍ بدأ به» (ثُمَّ طَافَ) بالبيت ولم يحلَّ من حجِّه (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) تلك الفعلة التي فعلها ﵊ حين قدم من الطَّواف وغيره (عُمْرَةً) فعُرِف من هذا أنَّ ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ مخالفٌ لفعله ﵊، وأنَّ أمره ﵊ أصحابه أن يفسخوا حجَّهم فيجعلوه عمرةً خاصٌّ بهم، وأنَّ من أهلَّ بالحجِّ