«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٢

الحديث رقم ١٦٢ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستجمار وترا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦٢ في صحيح البخاري

«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».

بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ

إسناد حديث رقم ١٦٢ من صحيح البخاري

١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ

⦗٤٤⦘

بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ خِلَافَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَلْيُوتِرْ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ نَفَى وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٦ - بَاب الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا

١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا) اسْتَشْكَلَ إِدْخَالُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَثْنَاءِ أَبْوَابِ الْوُضُوءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِالِاسْتِشْكَالِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الِاسْتِطَابَةِ لَمْ تَتَمَيَّزْ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ لِتَلَازُمِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّنْ دَوَّنَ الْمُصَنَّفَ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا تَوَضَّأَ) أَيْ: إِذَا شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ مَاءً لِغَيْرِهِ. وَكَذَا اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي إِسْقَاطِهِ وَذِكْرِهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِوَزْنِ لِيَفْتَعِلْ، وَلِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لِيَنْثُرْ بِمُثَلَّثَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالرِّوَايَتَانِ لِأَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ أَيْضًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ نَثَرَ الرَّجُلُ وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ فِي الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ) هَكَذَا عَطَفَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاقْتَضَى سِيَاقُهُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ مُفَرَّقًا، وَكَذَا هُوَ فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فَرَّقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى جَوَازَ جَمْعِ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا اتَّحَدَ سَنَدُهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، كَمَا يَرَى جَوَازَ تَفْرِيقِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى حُكْمَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ نَوْمِهِ) أَخَذَ بِعُمُومِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ فَاسْتَحَبُّوهُ عَقِبَ كُلِّ نَوْمٍ، وَخَصَّهُ أَحْمَدُ بِنَوْمِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بَاتَتْ يَدُهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَبِيتِ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّيْلِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا أَيْضًا إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوُضُوءِ حِينَ يُصْبِحُ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَ نَوْمِ النَّهَارِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا خُصَّ نَوْمُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِلْغَلَبَةِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْكَرَاهَةُ فِي الْغَمْسِ لِمَنْ نَامَ لَيْلًا أَشَدُّ مِنْهَا لِمَنْ نَامَ نَهَارًا ; لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ أَقْرَبُ لِطُولِهِ عَادَةً، ثُمَّ الْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوُجُوبِ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةِ اسْتِحْبَابِهِ فِي نَوْمِ النَّهَارِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ لَمْ يَضُرَّ الْمَاءَ، وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَالطَّبَرِيُّ يَنْجُسُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْقَرِينَةُ

الصَّارِفَةُ لِلْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ التَّعْلِيلُ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ ; لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي هَذَا الْحُكْمِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ.

وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَوَانَةَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِوُضُوئِهِ مِنَ الشَّنِّ الْمُعَلَّقِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُكُمْ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِغَيْرِهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ حَالَ الْيَقَظَةِ، فَاسْتِحْبَابُهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَوْلَى، وَيَكُونُ تَرْكُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَاتٍ لِمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا فَلْيَغْسِلْهُمَا ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعَدَدِ فِي غَيْرِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي الْوَضُوءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَالنَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا إِنْ فَعَلَ اسْتُحِبَّ وَإِنْ تَرَكَ كُرِهَ وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِدُونِ الثَّلَاثِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.

وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا الْكَفُّ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ قَامَ مِنَ النَّوْمِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، أَمَّا الْمُسْتَيْقِظُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِعْلُ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَا يُكْرَهُ التَّرْكُ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَا يَرَى بِتَرْكِهِ بَأْسًا، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ نَحْوُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا)، وَلِمُسْلِمٍ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَهِيَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِدْخَالِ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِدْخَالِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَرَاهَةٌ كَمَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إِنَاءٍ وَاسِعٍ فَاغْتَرَفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَامِسَ يَدَهُ الْمَاءُ.

قَوْلُهُ: (فِي وَضُوئِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: الْإِنَاءِ الَّذِي أُعِدَّ لِلْوُضُوءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْإِنَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي إِنَائِهِ أَوْ وَضُوئِهِ عَلَى الشَّكِّ، وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِإِنَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ إِنَاءُ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ، وَكَذَا بَاقِي الْآنِيَةِ قِيَاسًا، لَكِنْ فِي الِاسْتِحْبَابِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهَا عَنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْإِنَاءِ الْبِرَكُ وَالْحِيَاضُ الَّتِي لَا تَفْسُدُ بِغَمْسِ الْيَدِ فِيهَا عَلَى تَقْدِيرِ نَجَاسَتِهَا فَلَا يَتَنَاوَلُهَا النَّهْيُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْأَمْرِ بِذَلِكَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا ذَكَرَ حُكْمًا وَعَقَّبَهُ بِعِلَّةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَجْلِهَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْمُحْرِمِ الَّذِي سَقَطَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا بَعْدَ نَهْيِهِمْ عَنْ تَطْيِيبِهِ، فَنَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ النَّهْيِ وَهِيَ كَوْنُهُ مُحْرِمًا.

قَوْلُهُ: (لَا يَدْرِي) فِيهِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ احْتِمَالُ هَلْ لَاقَتْ يَدُهُ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ أَوْ لَا، وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاقُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً مَثَلًا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا أَنْ لَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ غَسْلُهَا مُسْتَحَبًّا عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِلتَّعَبُّدِ - كَمَالِكٍ - لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَاكٍّ وَمُتَيَقِّنٍ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَعَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لَكِنَّ كَوْنَهَا تُؤَثِّرُ التَّنْجِيسَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّأْثِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ بِالْمُتَيَقَّنِ أَشَدَّ مِنَ الْكَرَاهَةِ بِالْمَظْنُونِ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) أَيْ مِنْ جَسَدِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ، فَرُبَّمَا عَرِقَ أَحَدُهُمْ إِذَا نَامَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى الْمَحَلِّ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ دَمِ حَيَوَانٍ أَوْ قَذَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِغَسْلِ ثَوْبِ النَّائِمِ لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَرَقُ فِي الْيَدِ دُونَ الْمَحَلِّ، أَوْ أَنَّ الْمُسْتَيْقِظَ لَا يُرِيدُ غَمْسَ ثَوْبِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يُؤْمَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّايِ وبالنُّون، واسمه: عبد الله بن ذكوان (١) (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ) أي: إذا أراد أن يتوضَّأ (أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) كذا في فرع (٢) «اليونينيَّة» كهي بحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وهو رواية الأكثرين، أي: فليجعل في أنفه ماءً، ولأبي ذَرٍّ إثباته كـ «مسلمٍ» من رواية سفيان عن أبي الزِّناد (ثُمَّ لِيَنْثُرْ) بمُثلَّثةٍ مضمومة بعد النُّون السَّاكنة من «باب الثُّلاثيِّ المُجرَّد»، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ثمَّ لينتثر» على وزن «لِيَفْتَعِل» من «باب الافتعال»، يُقال: نثر الرَّجل وانتثر (٣) إذا حرَّك النَّثْرة، وهي طرف الأنف في الطَّهارة (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) بالأحجار (فَلْيُوتِرْ) بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو غير ذلك، والواجب الثَّلاثة لحديث «مسلمٍ»: «لا يستنجي أحدكم بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ»، فأخذ بهذا الحديث الشَّافعيُّ وأحمدُ وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثَّلاثة، فإن حصل الإنقاء بها، وإلَّا وجبتِ الزِّيادة، واستُحِبَّ الإيتار (٤) إن حصل الإنقاء بشفعٍ للحديث الصَّحيح: «ومَنِ استجمر فليوتر»، وليس بواجبٍ لزيادةٍ لأبي داود بإسنادٍ حسنٍ قال: «ومَنْ لا فلا حرج»، والمدار عند المالكيَّة والحنفيَّة على أنَّ (٥) الإنقاء حيث وُجِدَ اقتُصِرَ

عليه (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطفٌ على قوله: «إذا توضَّأ» (فَلْيَغْسِلْ) ندبًا (يَدَهُ) بالإفراد، وفي «مسلمٍ»: «ثلاثًا» (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا) أي: قبل إدخالها (فِي) دون القلَّتين من (وَضُوئِهِ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوَضَّأ به، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كـ «مسلمٍ»: «قبل أن يدخلها (١) في الإناء» وهو ظرف الماء المُعَدُّ للوضوء لا يبلغ قلَّتين (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) من جسده، أي: هل لاقت مكانًا طاهرًا منه (٢) أو نجسًا؟ بثرةً أو جرحًا؟ أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد (٣) بلل المحلِّ، أو اليد بنحو عرقٍ، ومفهومه: أنَّ مَنْ دَرَى أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها أنَّه (٤) لا كراهة. نعم، يُستحَبُّ غسلهما قبل غمسهما في الماء القليل، فقد صحَّ عنه غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة (٥) اليقظة، فاستحبابه بعد النَّوم أَوْلى، ومن قال كمالكٍ: إنَّ الأمر للتَّعبُّد لا يفرِّق بين شاكٍّ ومتيقِّنٍ، والأمر في قوله: «فليغسل» للنَّدب عند الجمهور، فإنَّه (٦) علَّله بالشَّكِّ في قوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والأمر المُضمَّن بالشَّكِّ لا يكون واجبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطَّهارة، وحمله الإمام أحمد على الوجوب في نوم اللَّيل دون نوم النَّهار

لقوله في آخر الحديث: «أين (١) باتت يده» لأنَّ حقيقة المَبيت تكون في اللَّيل، ووقع التَّصريح به في رواية أبي داودَ بلفظ: «إذا قام أحدكم من اللَّيل» وكذا عند التِّرمذيِّ، وأُجِيب بأنَّ التَّعليل يقتضي إلحاق نوم النَّهار بنوم اللَّيل، وإنَّما خصَّ نوم اللَّيل بالذِّكر للغلبة، قال الرَّافعيُّ في «شرح المُسنَد»: يمكن أن يُقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدُّ منها لمن نام نهارًا لأنَّ الاحتمال في نوم اللَّيل أقرب لطوله عادةً، وليس الحكم مُختَصًّا بالنَّوم، بلِ المُعتَبَر الشَّكُّ في نجاسة اليد، واتَّفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضرَّ الماء خلافًا لإسحاقَ وداودَ وغيرهما، وحيث ثبتتِ الكراهة فلا تزول إلَّا بتثليث الغسل، كما نُصَّ عليه في «البويطيِّ»، وهي المطلوبة عند كلِّ وضوءٍ، قال الإمام: حتَّى لو كان يتوضَّأ من قُمْقُمَةٍ فيُستحَبُّ غسلهما احتياطًا لتوقُّع خبثٍ وإن بَعُدَ، لا للحدث، واحتُرِز بـ «الإناء» عن البرك والحياض، ويُستفَاد من الحديث: استحباب غسل النَّجاسات ثلاثًا لأنَّه إذا أُمِرَ به في المشكوك ففي المُحقَّق أَوْلى، والأخذ بالاحتياط في العبادات، وأنَّ الماء يَنْجُس بورود النَّجاسة عليه، وفي الإضافة إلى المُخاطَبين في قوله: «فإنَّ أحدكم» إشارةٌ إلى مُخالَفَة نومه لذلك (٢)، فإنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه.

وهذا الحديث أخرجه السِّتَّة، وههنا تنبيهٌ: وهو أنَّه ينبغي للسَّامع لأقواله أن يتلقَّاها بالقبول ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، فقد بلغنا أنَّ شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النَّوم ويده داخلَ دُبره محشوَّةً، فتاب عن ذلك وأقلع، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرَّديئة، والله المُوفِّق.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ خِلَافَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَلْيُوتِرْ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ نَفَى وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٦ - بَاب الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا

١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا) اسْتَشْكَلَ إِدْخَالُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَثْنَاءِ أَبْوَابِ الْوُضُوءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِالِاسْتِشْكَالِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الِاسْتِطَابَةِ لَمْ تَتَمَيَّزْ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ لِتَلَازُمِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّنْ دَوَّنَ الْمُصَنَّفَ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا تَوَضَّأَ) أَيْ: إِذَا شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ مَاءً لِغَيْرِهِ. وَكَذَا اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي إِسْقَاطِهِ وَذِكْرِهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِوَزْنِ لِيَفْتَعِلْ، وَلِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لِيَنْثُرْ بِمُثَلَّثَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالرِّوَايَتَانِ لِأَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ أَيْضًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ نَثَرَ الرَّجُلُ وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ فِي الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ) هَكَذَا عَطَفَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاقْتَضَى سِيَاقُهُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ مُفَرَّقًا، وَكَذَا هُوَ فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فَرَّقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى جَوَازَ جَمْعِ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا اتَّحَدَ سَنَدُهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، كَمَا يَرَى جَوَازَ تَفْرِيقِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى حُكْمَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ نَوْمِهِ) أَخَذَ بِعُمُومِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ فَاسْتَحَبُّوهُ عَقِبَ كُلِّ نَوْمٍ، وَخَصَّهُ أَحْمَدُ بِنَوْمِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بَاتَتْ يَدُهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَبِيتِ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّيْلِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا أَيْضًا إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوُضُوءِ حِينَ يُصْبِحُ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَ نَوْمِ النَّهَارِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا خُصَّ نَوْمُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِلْغَلَبَةِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْكَرَاهَةُ فِي الْغَمْسِ لِمَنْ نَامَ لَيْلًا أَشَدُّ مِنْهَا لِمَنْ نَامَ نَهَارًا ; لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ أَقْرَبُ لِطُولِهِ عَادَةً، ثُمَّ الْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوُجُوبِ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةِ اسْتِحْبَابِهِ فِي نَوْمِ النَّهَارِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ لَمْ يَضُرَّ الْمَاءَ، وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَالطَّبَرِيُّ يَنْجُسُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْقَرِينَةُ

الصَّارِفَةُ لِلْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ التَّعْلِيلُ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ ; لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي هَذَا الْحُكْمِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ.

وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَوَانَةَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِوُضُوئِهِ مِنَ الشَّنِّ الْمُعَلَّقِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُكُمْ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِغَيْرِهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ حَالَ الْيَقَظَةِ، فَاسْتِحْبَابُهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَوْلَى، وَيَكُونُ تَرْكُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَاتٍ لِمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا فَلْيَغْسِلْهُمَا ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعَدَدِ فِي غَيْرِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي الْوَضُوءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَالنَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا إِنْ فَعَلَ اسْتُحِبَّ وَإِنْ تَرَكَ كُرِهَ وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِدُونِ الثَّلَاثِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.

وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا الْكَفُّ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ قَامَ مِنَ النَّوْمِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، أَمَّا الْمُسْتَيْقِظُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِعْلُ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَا يُكْرَهُ التَّرْكُ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَا يَرَى بِتَرْكِهِ بَأْسًا، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ نَحْوُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا)، وَلِمُسْلِمٍ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَهِيَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِدْخَالِ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِدْخَالِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَرَاهَةٌ كَمَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إِنَاءٍ وَاسِعٍ فَاغْتَرَفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَامِسَ يَدَهُ الْمَاءُ.

قَوْلُهُ: (فِي وَضُوئِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: الْإِنَاءِ الَّذِي أُعِدَّ لِلْوُضُوءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْإِنَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي إِنَائِهِ أَوْ وَضُوئِهِ عَلَى الشَّكِّ، وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِإِنَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ إِنَاءُ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ، وَكَذَا بَاقِي الْآنِيَةِ قِيَاسًا، لَكِنْ فِي الِاسْتِحْبَابِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهَا عَنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْإِنَاءِ الْبِرَكُ وَالْحِيَاضُ الَّتِي لَا تَفْسُدُ بِغَمْسِ الْيَدِ فِيهَا عَلَى تَقْدِيرِ نَجَاسَتِهَا فَلَا يَتَنَاوَلُهَا النَّهْيُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْأَمْرِ بِذَلِكَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا ذَكَرَ حُكْمًا وَعَقَّبَهُ بِعِلَّةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَجْلِهَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْمُحْرِمِ الَّذِي سَقَطَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا بَعْدَ نَهْيِهِمْ عَنْ تَطْيِيبِهِ، فَنَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ النَّهْيِ وَهِيَ كَوْنُهُ مُحْرِمًا.

قَوْلُهُ: (لَا يَدْرِي) فِيهِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ احْتِمَالُ هَلْ لَاقَتْ يَدُهُ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ أَوْ لَا، وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاقُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً مَثَلًا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا أَنْ لَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ غَسْلُهَا مُسْتَحَبًّا عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِلتَّعَبُّدِ - كَمَالِكٍ - لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَاكٍّ وَمُتَيَقِّنٍ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَعَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لَكِنَّ كَوْنَهَا تُؤَثِّرُ التَّنْجِيسَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّأْثِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ بِالْمُتَيَقَّنِ أَشَدَّ مِنَ الْكَرَاهَةِ بِالْمَظْنُونِ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) أَيْ مِنْ جَسَدِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ، فَرُبَّمَا عَرِقَ أَحَدُهُمْ إِذَا نَامَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى الْمَحَلِّ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ دَمِ حَيَوَانٍ أَوْ قَذَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِغَسْلِ ثَوْبِ النَّائِمِ لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَرَقُ فِي الْيَدِ دُونَ الْمَحَلِّ، أَوْ أَنَّ الْمُسْتَيْقِظَ لَا يُرِيدُ غَمْسَ ثَوْبِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يُؤْمَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّايِ وبالنُّون، واسمه: عبد الله بن ذكوان (١) (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ) أي: إذا أراد أن يتوضَّأ (أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) كذا في فرع (٢) «اليونينيَّة» كهي بحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وهو رواية الأكثرين، أي: فليجعل في أنفه ماءً، ولأبي ذَرٍّ إثباته كـ «مسلمٍ» من رواية سفيان عن أبي الزِّناد (ثُمَّ لِيَنْثُرْ) بمُثلَّثةٍ مضمومة بعد النُّون السَّاكنة من «باب الثُّلاثيِّ المُجرَّد»، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ثمَّ لينتثر» على وزن «لِيَفْتَعِل» من «باب الافتعال»، يُقال: نثر الرَّجل وانتثر (٣) إذا حرَّك النَّثْرة، وهي طرف الأنف في الطَّهارة (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) بالأحجار (فَلْيُوتِرْ) بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو غير ذلك، والواجب الثَّلاثة لحديث «مسلمٍ»: «لا يستنجي أحدكم بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ»، فأخذ بهذا الحديث الشَّافعيُّ وأحمدُ وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثَّلاثة، فإن حصل الإنقاء بها، وإلَّا وجبتِ الزِّيادة، واستُحِبَّ الإيتار (٤) إن حصل الإنقاء بشفعٍ للحديث الصَّحيح: «ومَنِ استجمر فليوتر»، وليس بواجبٍ لزيادةٍ لأبي داود بإسنادٍ حسنٍ قال: «ومَنْ لا فلا حرج»، والمدار عند المالكيَّة والحنفيَّة على أنَّ (٥) الإنقاء حيث وُجِدَ اقتُصِرَ

عليه (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطفٌ على قوله: «إذا توضَّأ» (فَلْيَغْسِلْ) ندبًا (يَدَهُ) بالإفراد، وفي «مسلمٍ»: «ثلاثًا» (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا) أي: قبل إدخالها (فِي) دون القلَّتين من (وَضُوئِهِ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوَضَّأ به، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كـ «مسلمٍ»: «قبل أن يدخلها (١) في الإناء» وهو ظرف الماء المُعَدُّ للوضوء لا يبلغ قلَّتين (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) من جسده، أي: هل لاقت مكانًا طاهرًا منه (٢) أو نجسًا؟ بثرةً أو جرحًا؟ أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد (٣) بلل المحلِّ، أو اليد بنحو عرقٍ، ومفهومه: أنَّ مَنْ دَرَى أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها أنَّه (٤) لا كراهة. نعم، يُستحَبُّ غسلهما قبل غمسهما في الماء القليل، فقد صحَّ عنه غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة (٥) اليقظة، فاستحبابه بعد النَّوم أَوْلى، ومن قال كمالكٍ: إنَّ الأمر للتَّعبُّد لا يفرِّق بين شاكٍّ ومتيقِّنٍ، والأمر في قوله: «فليغسل» للنَّدب عند الجمهور، فإنَّه (٦) علَّله بالشَّكِّ في قوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والأمر المُضمَّن بالشَّكِّ لا يكون واجبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطَّهارة، وحمله الإمام أحمد على الوجوب في نوم اللَّيل دون نوم النَّهار

لقوله في آخر الحديث: «أين (١) باتت يده» لأنَّ حقيقة المَبيت تكون في اللَّيل، ووقع التَّصريح به في رواية أبي داودَ بلفظ: «إذا قام أحدكم من اللَّيل» وكذا عند التِّرمذيِّ، وأُجِيب بأنَّ التَّعليل يقتضي إلحاق نوم النَّهار بنوم اللَّيل، وإنَّما خصَّ نوم اللَّيل بالذِّكر للغلبة، قال الرَّافعيُّ في «شرح المُسنَد»: يمكن أن يُقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدُّ منها لمن نام نهارًا لأنَّ الاحتمال في نوم اللَّيل أقرب لطوله عادةً، وليس الحكم مُختَصًّا بالنَّوم، بلِ المُعتَبَر الشَّكُّ في نجاسة اليد، واتَّفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضرَّ الماء خلافًا لإسحاقَ وداودَ وغيرهما، وحيث ثبتتِ الكراهة فلا تزول إلَّا بتثليث الغسل، كما نُصَّ عليه في «البويطيِّ»، وهي المطلوبة عند كلِّ وضوءٍ، قال الإمام: حتَّى لو كان يتوضَّأ من قُمْقُمَةٍ فيُستحَبُّ غسلهما احتياطًا لتوقُّع خبثٍ وإن بَعُدَ، لا للحدث، واحتُرِز بـ «الإناء» عن البرك والحياض، ويُستفَاد من الحديث: استحباب غسل النَّجاسات ثلاثًا لأنَّه إذا أُمِرَ به في المشكوك ففي المُحقَّق أَوْلى، والأخذ بالاحتياط في العبادات، وأنَّ الماء يَنْجُس بورود النَّجاسة عليه، وفي الإضافة إلى المُخاطَبين في قوله: «فإنَّ أحدكم» إشارةٌ إلى مُخالَفَة نومه لذلك (٢)، فإنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه.

وهذا الحديث أخرجه السِّتَّة، وههنا تنبيهٌ: وهو أنَّه ينبغي للسَّامع لأقواله أن يتلقَّاها بالقبول ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، فقد بلغنا أنَّ شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النَّوم ويده داخلَ دُبره محشوَّةً، فتاب عن ذلك وأقلع، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرَّديئة، والله المُوفِّق.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله