«سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٥

الحديث رقم ١٦٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الأعقاب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦٥ في صحيح البخاري

«سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ، قَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».

بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ

إسناد حديث رقم ١٦٥ من صحيح البخاري

١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كِلْتَا رِجْلَيْهِ، وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ كُلُّ رِجْلِهِ، وَهِيَ تُفِيدُ تَعْمِيمَ كُلِّ رِجْلٍ بِالْغَسْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ رِجْلَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (لَا يُحَدِّثُ) تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَرِيبًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْلَاصَ، أَوْ تَرْكَ الْعُجْبِ بِأَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً خَشْيَةَ أَنْ يَتَغَيَّرَ فَيَتَكَبَّرَ فَيَهْلِكَ.

قَوْلُهُ: (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِغَيْرِهِ غُفِرَ لَهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الزِّيَادَةِ رَفْعَ صِفَةِ الْوُضُوءِ إِلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لِيُونُسَ قال: الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ لَا يَرَى تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٩ - بَاب غَسْلِ الْأَعْقَابِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ

١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ، قال: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ قال: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ عَنْهُ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ، وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاسِعًا بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ: (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَدَنِيُّ لَا الْإِلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) الْوَاوُ حَالِيَّةٌ مِنْ مَفْعُولِ سَمِعْتُ، وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَمُرُّ.

قَوْلُهُ: (الْمِطْهَرَةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ الْإِنَاءُ الْمُعَدُّ لِلتَّطَهُّرِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَسْبِغُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَكْمِلُوا، وَكَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ تَقْصِيرًا وَخَشِيَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمَ) فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَذِكْرُهُ بِوَصْفِ الرِّسَالَةِ أَحْسَنُ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْأَعْقَابِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِصُورَةِ السَّبَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي قَدْ يَحْصُلُ التَّسَاهُلُ فِي إِسْبَاغِهَا. وَفِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ ابْنِ سِيرِينَ فِي غَسْلِهِ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٠ - بَاب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ

١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قال: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قال: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، قال عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ

اللَّهِ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.

[الحديث ١٦٦ - أطرافه في: ٥٨٥١، ٢٨٦٥، ١٦٠٩، ١٥٥٢، ١٥١٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَوَضَّأُ فِيهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُضُوءِ هُوَ الْغَسْلُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى الْغَسْلِ، وَلَوْ أُرِيدَ الْمَسْحُ لَقَالَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ) أَيْ: لَا يُكْتَفَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْخُفَّيْنِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَسَحُوا عَلَى نِعَالِهِمْ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّوْا، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَكِنْ ضَعَّفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخُفَّيْنِ إِذَا تَخَرَّقَا حَتَّى تَبْدُوَ الْقَدَمَانِ أَنَّ الْمَسْحَ لَا يُجْزِئُ عَلَيْهِمَا، قال: فَكَذَلِكَ النَّعْلَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْقَدَمَيْنِ. انْتَهَى. وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مُنَازَعٌ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى مُلَخَّصٍ مِنْهَا: فَقَدْ تَمَسَّكَ مَنِ اكْتَفَى بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَرْجُلَكُمْ عَطْفًا عَلَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ وَالثَّابِتُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْوَاجِبُ الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَذْكُورَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ قُرِئَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ وَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ.

وَقِيلَ: الْمَسْحُ فِي الْآيَةِ مَحْمُولٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَحَمَلُوا قِرَاءَةَ الْجَرِّ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَقِرَاءَةَ النَّصْبِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ تَقْرِيرًا حَسَنًا، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تَعَارُضٌ ظَاهِرٌ، وَالْحُكْمُ فِيمَا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ، وَإِلَّا عَمِلَ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَلَا يَتَأَتَّى الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَكْرَارِ الْمَسْحِ لِأَنَّ الْغَسْلَ يَتَضَمَّنُ الْمَسْحَ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَبَقِيَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا فِي حَالَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَعَمَلًا بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا عُطِفَتْ عَلَى الرُّؤُوسِ الْمَمْسُوحَةِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَلِمَنْعِ الْإِسْرَافِ عُطِفَتْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُمْسَحُ حَقِيقَةً. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمُرَادِ قَوْلُهُ: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَيَّدُ بِالْغَايَةِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ، يُقَالُ: مَسَحَ أَطْرَافَهُ. لِمَنْ تَوَضَّأَ، ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ) هُوَ مَدَنِيٌّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ الْفَقِيهِ الْمَكِّيِّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ نَسَبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ جُرَيْجٍ فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا عَمُّهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدًا، وَسَعِيدًا تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعًا) أَيْ أَرْبَعَ خِصَالٍ.

قَوْلُهُ: (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) أَيْ: أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ انْفِرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِمَا ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ رَآهُمْ عُبَيْدٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يَصْنَعُهُنَّ غَيْرُكَ مُجْتَمِعَةً وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ بَعْضَهَا.

قَوْلُهُ: (الْأَرْكَانُ) أَيْ أَرْكَانُ الْكَعْبَةِ الْأَرْبَعَةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَآهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث في «الصَّحيحين» من أوجهٍ، وليس في شيءٍ منها زيادة: «وما تأخَّر»، وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكرٍ أحمد بن عليِّ بن سعيدٍ المروزيُّ شيخ النَّسائيِّ في «مُسنَد عثمان» له، وتابع ابن أبي شيبة جماعةٌ منهم: محمَّد بن سعيد بن يزيد التُّستَريُّ (١)، أخرجه عنه عبد الرَّزَّاق، وسقط لفظ «نفسه» لابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢).

(٢٩) (بابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ) جمع عَقِبٍ، بفتح العين وكسر القاف، أي: وما يلحق (٣) بها ممَّا في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التَّساهل في إسباغها، ومن ثمَّ ذكر موضع الخاتم لأنَّه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيِّقًا، فقال: (وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ التَّابعيُّ الجليل ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٤) بسندٍ صحيحٍ، والمؤلِّف في «تاريخه» (يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ) وذهب الشَّافعيُّ والحنفيَّة إلى أنَّه: إن كان الخاتم واسعًا بحيث يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريكه (٥)، وإن كان ضيِّقًا فليحرّك (٦).

١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسقط لابن عساكر لفظ «بن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيُّ الجمحيُّ المدنيُّ التَّابعيُّ الجليل (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

هُرَيْرَةَ) (وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا) جملة حاليَّةٌ من مفعول «سمعت»، وهو قول أبي هريرة، و «يمرُّ بنا»: جملةٌ في محلِّ نصب خبر كان (وَالنَّاسُ) مبتدأٌ، خبره: (يَتَوَضَّؤُونَ) والجملة حالٌ من فاعلِ كان (مِنَ المِطْهَرَةِ) بكسر الميم: الإناء المُعَدُّ للتَّطهير، وفتحها أجود، وصحَّ (١) في الحديث: «السِّواك مطهرةٌ للفم» (قَالَ) أي: سمعت أبا هريرة حال كونه قائلًا، وفي رواية الأربعة: «فقال» بالفاء التَّفسيريَّة؛ لأنَّه يفسِّر «قال» المحذوفة بعد قوله: «أبا هريرة» لأنَّ التَّقدير: سمعت أبا هريرة قال: «وكان يمرُّ بنا … » إلى آخره، فإنَّ الذَّات لا تسمع، فالمراد: سمعت (٢) قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا الوُضُوءَ) بفتح الهمزة مِنَ: الإسباغ وهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كلِّ عضوٍ حقَّه (فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ قَالَ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) و «الأعقاب»: جمع عَقِبٍ بكسر القاف، وهو العظم المرتفع عند مفصل السَّاق والقدم، ويجب إدخاله في غسل الرِّجلين لقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] قال المفسِّرون: أي: مع الكعبين، و «ال» في «الأعقاب» للعهد، ويلحق (٣) بها ما يشاركها في ذلك، وفي حديث عبد الله بن الحارث عند الحاكم: «ويلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النَّار»، والمعنى -كما قاله البغويُّ-: ويلٌ لأصحابها المقصِّرين في غسلها، ففيه:

حذف المُضاف، أوِ المعنى: أنَّ العقب يُخَصُّ (١) بالعقاب إذا قصَّر في غسله لأنَّ مواضع الوضوء لا تمسُّها (٢) النَّار كما في مواضع (٣) السُّجود، ولو لم يكن واجبًا لمَا توعَّد عليه بالنَّار، أعاذنا الله منها ومن سائر المكاره بمنِّه وكرمه.

وهذا الحديث من رباعيَّاته ، ورواته ما بين بصريٍّ وخراسانيٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه التَّحديث والسَّماع.

(٣٠) هذا (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ) لأنَّه لا يجزئ، وحديث مسحهما المرويُّ في «سنن أبي داود» ضعَّفه ابن مهديٍّ وغيره، وأمَّا تمسُّك من أجازه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأُجِيب بأنَّه قُرِئَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنَّصب عطفًا على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أو على محلِّ ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فقراءة الجرِّ محمولةٌ على مسح الخفَّين، وقراءة النَّصب على غسل الرِّجلين، وهو (٥) معنى قول الإمام الشَّافعيِّ: أراد بالنَّصب: آخرين، وبالجرِّ: آخرين، أو هو معطوفٌ على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لفظًا ومعنًى، ثمَّ نُسِخَ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكمٌ آخرُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كِلْتَا رِجْلَيْهِ، وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ كُلُّ رِجْلِهِ، وَهِيَ تُفِيدُ تَعْمِيمَ كُلِّ رِجْلٍ بِالْغَسْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ رِجْلَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (لَا يُحَدِّثُ) تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَرِيبًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْلَاصَ، أَوْ تَرْكَ الْعُجْبِ بِأَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً خَشْيَةَ أَنْ يَتَغَيَّرَ فَيَتَكَبَّرَ فَيَهْلِكَ.

قَوْلُهُ: (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِغَيْرِهِ غُفِرَ لَهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الزِّيَادَةِ رَفْعَ صِفَةِ الْوُضُوءِ إِلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لِيُونُسَ قال: الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ لَا يَرَى تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٩ - بَاب غَسْلِ الْأَعْقَابِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ

١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ، قال: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ قال: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ عَنْهُ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ، وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاسِعًا بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ: (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَدَنِيُّ لَا الْإِلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) الْوَاوُ حَالِيَّةٌ مِنْ مَفْعُولِ سَمِعْتُ، وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَمُرُّ.

قَوْلُهُ: (الْمِطْهَرَةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ الْإِنَاءُ الْمُعَدُّ لِلتَّطَهُّرِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَسْبِغُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَكْمِلُوا، وَكَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ تَقْصِيرًا وَخَشِيَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمَ) فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَذِكْرُهُ بِوَصْفِ الرِّسَالَةِ أَحْسَنُ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْأَعْقَابِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِصُورَةِ السَّبَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي قَدْ يَحْصُلُ التَّسَاهُلُ فِي إِسْبَاغِهَا. وَفِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ ابْنِ سِيرِينَ فِي غَسْلِهِ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٠ - بَاب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ

١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قال: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قال: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، قال عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ

اللَّهِ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.

[الحديث ١٦٦ - أطرافه في: ٥٨٥١، ٢٨٦٥، ١٦٠٩، ١٥٥٢، ١٥١٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَوَضَّأُ فِيهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُضُوءِ هُوَ الْغَسْلُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى الْغَسْلِ، وَلَوْ أُرِيدَ الْمَسْحُ لَقَالَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ) أَيْ: لَا يُكْتَفَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْخُفَّيْنِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَسَحُوا عَلَى نِعَالِهِمْ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّوْا، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَكِنْ ضَعَّفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخُفَّيْنِ إِذَا تَخَرَّقَا حَتَّى تَبْدُوَ الْقَدَمَانِ أَنَّ الْمَسْحَ لَا يُجْزِئُ عَلَيْهِمَا، قال: فَكَذَلِكَ النَّعْلَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْقَدَمَيْنِ. انْتَهَى. وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مُنَازَعٌ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى مُلَخَّصٍ مِنْهَا: فَقَدْ تَمَسَّكَ مَنِ اكْتَفَى بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَرْجُلَكُمْ عَطْفًا عَلَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ وَالثَّابِتُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْوَاجِبُ الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَذْكُورَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ قُرِئَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ وَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ.

وَقِيلَ: الْمَسْحُ فِي الْآيَةِ مَحْمُولٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَحَمَلُوا قِرَاءَةَ الْجَرِّ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَقِرَاءَةَ النَّصْبِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ تَقْرِيرًا حَسَنًا، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تَعَارُضٌ ظَاهِرٌ، وَالْحُكْمُ فِيمَا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ، وَإِلَّا عَمِلَ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَلَا يَتَأَتَّى الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَكْرَارِ الْمَسْحِ لِأَنَّ الْغَسْلَ يَتَضَمَّنُ الْمَسْحَ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَبَقِيَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا فِي حَالَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَعَمَلًا بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا عُطِفَتْ عَلَى الرُّؤُوسِ الْمَمْسُوحَةِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَلِمَنْعِ الْإِسْرَافِ عُطِفَتْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُمْسَحُ حَقِيقَةً. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمُرَادِ قَوْلُهُ: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَيَّدُ بِالْغَايَةِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ، يُقَالُ: مَسَحَ أَطْرَافَهُ. لِمَنْ تَوَضَّأَ، ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ) هُوَ مَدَنِيٌّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ الْفَقِيهِ الْمَكِّيِّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ نَسَبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ جُرَيْجٍ فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا عَمُّهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدًا، وَسَعِيدًا تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعًا) أَيْ أَرْبَعَ خِصَالٍ.

قَوْلُهُ: (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) أَيْ: أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ انْفِرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِمَا ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ رَآهُمْ عُبَيْدٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يَصْنَعُهُنَّ غَيْرُكَ مُجْتَمِعَةً وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ بَعْضَهَا.

قَوْلُهُ: (الْأَرْكَانُ) أَيْ أَرْكَانُ الْكَعْبَةِ الْأَرْبَعَةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَآهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث في «الصَّحيحين» من أوجهٍ، وليس في شيءٍ منها زيادة: «وما تأخَّر»، وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكرٍ أحمد بن عليِّ بن سعيدٍ المروزيُّ شيخ النَّسائيِّ في «مُسنَد عثمان» له، وتابع ابن أبي شيبة جماعةٌ منهم: محمَّد بن سعيد بن يزيد التُّستَريُّ (١)، أخرجه عنه عبد الرَّزَّاق، وسقط لفظ «نفسه» لابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢).

(٢٩) (بابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ) جمع عَقِبٍ، بفتح العين وكسر القاف، أي: وما يلحق (٣) بها ممَّا في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التَّساهل في إسباغها، ومن ثمَّ ذكر موضع الخاتم لأنَّه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيِّقًا، فقال: (وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ التَّابعيُّ الجليل ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٤) بسندٍ صحيحٍ، والمؤلِّف في «تاريخه» (يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ) وذهب الشَّافعيُّ والحنفيَّة إلى أنَّه: إن كان الخاتم واسعًا بحيث يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريكه (٥)، وإن كان ضيِّقًا فليحرّك (٦).

١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسقط لابن عساكر لفظ «بن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيُّ الجمحيُّ المدنيُّ التَّابعيُّ الجليل (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

هُرَيْرَةَ) (وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا) جملة حاليَّةٌ من مفعول «سمعت»، وهو قول أبي هريرة، و «يمرُّ بنا»: جملةٌ في محلِّ نصب خبر كان (وَالنَّاسُ) مبتدأٌ، خبره: (يَتَوَضَّؤُونَ) والجملة حالٌ من فاعلِ كان (مِنَ المِطْهَرَةِ) بكسر الميم: الإناء المُعَدُّ للتَّطهير، وفتحها أجود، وصحَّ (١) في الحديث: «السِّواك مطهرةٌ للفم» (قَالَ) أي: سمعت أبا هريرة حال كونه قائلًا، وفي رواية الأربعة: «فقال» بالفاء التَّفسيريَّة؛ لأنَّه يفسِّر «قال» المحذوفة بعد قوله: «أبا هريرة» لأنَّ التَّقدير: سمعت أبا هريرة قال: «وكان يمرُّ بنا … » إلى آخره، فإنَّ الذَّات لا تسمع، فالمراد: سمعت (٢) قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا الوُضُوءَ) بفتح الهمزة مِنَ: الإسباغ وهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كلِّ عضوٍ حقَّه (فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ قَالَ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) و «الأعقاب»: جمع عَقِبٍ بكسر القاف، وهو العظم المرتفع عند مفصل السَّاق والقدم، ويجب إدخاله في غسل الرِّجلين لقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] قال المفسِّرون: أي: مع الكعبين، و «ال» في «الأعقاب» للعهد، ويلحق (٣) بها ما يشاركها في ذلك، وفي حديث عبد الله بن الحارث عند الحاكم: «ويلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النَّار»، والمعنى -كما قاله البغويُّ-: ويلٌ لأصحابها المقصِّرين في غسلها، ففيه:

حذف المُضاف، أوِ المعنى: أنَّ العقب يُخَصُّ (١) بالعقاب إذا قصَّر في غسله لأنَّ مواضع الوضوء لا تمسُّها (٢) النَّار كما في مواضع (٣) السُّجود، ولو لم يكن واجبًا لمَا توعَّد عليه بالنَّار، أعاذنا الله منها ومن سائر المكاره بمنِّه وكرمه.

وهذا الحديث من رباعيَّاته ، ورواته ما بين بصريٍّ وخراسانيٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه التَّحديث والسَّماع.

(٣٠) هذا (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ) لأنَّه لا يجزئ، وحديث مسحهما المرويُّ في «سنن أبي داود» ضعَّفه ابن مهديٍّ وغيره، وأمَّا تمسُّك من أجازه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأُجِيب بأنَّه قُرِئَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنَّصب عطفًا على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أو على محلِّ ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فقراءة الجرِّ محمولةٌ على مسح الخفَّين، وقراءة النَّصب على غسل الرِّجلين، وهو (٥) معنى قول الإمام الشَّافعيِّ: أراد بالنَّصب: آخرين، وبالجرِّ: آخرين، أو هو معطوفٌ على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لفظًا ومعنًى، ثمَّ نُسِخَ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكمٌ آخرُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله