«نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٨١

الحديث رقم ١٦٨١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦٨١ في صحيح البخاري

«نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ،

⦗١٦٦⦘

وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ».

بَابُ مَنْ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِجَمْعٍ

إسناد حديث رقم ١٦٨١ من صحيح البخاري

١٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلَانْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ نِسَاءٍ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بِلَيْلٍ) أَيْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِجَمْعٍ.

قَوْلُهُ: (فَيَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ) ضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِّ قَالَ: وَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا وَبِفَتْحِ الدَّالِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. وَقَوْلُهُ إِذَا غَابَ الْقَمَرُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ بِلَيْلٍ وَمَغِيبُ الْقَمَرِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَقَعُ عِنْدَ أَوَائِلِ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالنِّصْفِ الثَّانِي. قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ بِلَيْلٍ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث ابن عمر:

قَوْلُهُ: (قَالَ سَالِمٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (الْمَشْعَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ كَسْرَ الْمِيمِ وَقِيلَ إِنَّهُ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ وَقَالَ ابْنُ قَرْقُولٍ: كَسْرُ الْمِيمِ لُغَةٌ لَا رِوَايَةٌ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يُقْرَأْ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ وَقِيلَ بَلْ قُرِئَ حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ. وَسُمِّيَ الْمَشْعَرَ لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالْحَرَامُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَرَمِ أَوْ لِحُرْمَتِهِ. وَقَوْلُهُ مَا بَدَا لَهُمْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ لَهُمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَرْجِعُونَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ يَدْفَعُونَ وَهُوَ أَوْضَحُ وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الْوُقُوفِ إِلَى الدَّفْعِ ثُمَّ يَقْدَمُونَ مِنًى عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ: لِصَلَاةِ الْفَجْرِ أَيْ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ فِيهِ أَرْخَصَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ رَخَّصَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنَ التَّرْخِيصِ لَا مِنَ الرَّخْصِ. وَاحْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى غَيْرِ الضَّعَفَةِ لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ لَيْسَ كَحُكْمِ مَنْ رُخِّصَ لَهُ قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ الْمَبِيتَ عَلَى مِنًى لِسَائِرِ النَّاسِ لِكَوْنِهِ أَرَخَصَ لِأَصْحَابِ السِّقَايَةِ وَلِلرِّعَاءِ أَنْ لَا يَبِيتُوا بِمِنًى قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَا تَعْدُوا بِالرُّخَصِ مَوَاضِعَهَا فَلْيُسْتَعْمَلْ ذَلِكَ هُنَا، وَلَا يَأْذَنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْ جَمْعٍ إِلَّا لِمَنْ رَخَّصَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ . انْتَهَى.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ: مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاقُ: عَلَيْهِ دَمٌ. قَالُوا: وَمَنْ بَاتَ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ النِّصْفِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَرَّ بِهَا فَلَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنَّ نَزَلَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مَتَى دَفَعَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ إنَّ مَنْ يَقْدَمُ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِذَا قَدِمَ رَمَى الْجَمْرَةَ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ صَنِيعِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفَائِدَتُهُ تَعْيِينُ مَنْ أَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ مَنْ أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْثُ الْمَذْكُورُ خَاصًّا لَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعَثَنِي قَدْ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ وَفِي الثَّانِي أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ، وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِي فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي: بَابِ حَجِّ الصِّبْيَانِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ: فِي الثَّقَلِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي الضَّعَفَةِ وَلِسُفْيَانَ

فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقُ عَطَاءٍ هَذِهِ مُطَوَّلَةَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الصَّفِيرِ عَنْ عَطَاءٍ (قَالَ أَخْبَرَنِي) ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلْعَبَّاسِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: اذْهَبْ بِضُعَفَائِنَا وَنِسَائِنَا فَلْيُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَلْيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَفْعَةُ النَّاسِ. قَالَ فَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ بَعْدَمَا كَبِرَ وَضَعُفَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ. وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَدِّمُ الْعِيَالَ وَالضَعَفَةَ إِلَى مِنًى مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ الْمَدَنِيُّ يُكْنَى أَبَا عُمَرَ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِتَحْدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ لَهُ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ هَذِهِ عَنْ يَحْيَى وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ بُنْدَارٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ الْعَطَّارِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، والطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ أَسْمَاءَ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ أَخْبَرَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَدِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ ثُمَّ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ فَأَخَذَهُ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى أَسْمَاءَ شَيْخُ عَطَاءٍ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ فَارْتَحِلُوا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَتِ ارْتَحِلْ بِي.

قَوْلُهُ: (فَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَمَضَيْنَا بِهَا.

قَوْلُهُ: (يَا هَنَتَاهُ) أَيْ يَا هَذِهِ وَقَدْ سَبَقَ ضَبْطُهُ فِي: بَابُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.

قَوْلُهُ: (مَا أُرَانَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْجَزْمِ فَقُلْتُ لَهَا لَقَدْ غَلَّسْنَا وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ وَفِي رِوَايَةِ دَاوُدَ الْعَطَّارِ لَقَدِ ارْتَحَلْنَا بِلَيْلٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَقُلْتُ إِنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ وَغَلَّسْنَا أَيْ جِئْنَا بِغَلَسٍ.

قَوْلُهُ: (إِذَنَ لِلظُّعُنِ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ظَعِينَةٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَقَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ تَعْنِي النَّبِيَّ .

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيلَ بِالضَعَفَةِ وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَزَادَ إِسْحَاقُ وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرَأَى جَوَازَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي قَبْلَ هَذَا، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِغِلْمَانِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، والطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والطَّحَاوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَإِذَا كَانَ مَنْ رُخِّصَ لَهُ مُنِعَ أَنْ

يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ هَذَا.

وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى النَّدْبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ مَعَ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَى حِينَئِذٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى إِسْقَاطِ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ عَنِ الضَّعَفَةِ وَلَا دِلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَسْمَاءَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُقُوفِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي قَبْلَهَا.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَةَ فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ الْمُسْلِمِينَ.

وَذَهَبَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ وَأَشَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَيُجْعَلْ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ وَإِنَّمَا قَالَ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَالْمَوْطِنُ الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا. قَالَ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - رَفَعَهُ قَالَ مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. انْتَهَى.

وَحَدِيثُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجْمَعٍ - قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ. وَلِأَبِي يَعْلَى وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ.

وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ، وَقَدِ ارْتَكَبَ ابْنُ حَزْمٍ الشَّطَطَ فَزَعَمَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ الْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ ابْنُ قُدَامَةَ مُخَالَفَتَهُ هَذِهِ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ بِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِهَا دَمٌ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ عِنْدَهُمُ الزِّحَامُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ) أَيْ بِنْتُ زَمْعَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ: (ثَقِيلَةً) أَيْ مِنْ عِظَمِ جِسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (ثَبِطَةً) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ بَطِيئَةَ الْحَرَكَةِ كَأَنَّهَا تَثْبِطُ بِالْأَرْضِ أَيْ تَشَبَّثُ بِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ مَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ فِيهِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِطَرِيقِ أَفْلَحَ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلَانْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ نِسَاءٍ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بِلَيْلٍ) أَيْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِجَمْعٍ.

قَوْلُهُ: (فَيَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ) ضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِّ قَالَ: وَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا وَبِفَتْحِ الدَّالِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. وَقَوْلُهُ إِذَا غَابَ الْقَمَرُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ بِلَيْلٍ وَمَغِيبُ الْقَمَرِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَقَعُ عِنْدَ أَوَائِلِ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالنِّصْفِ الثَّانِي. قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ بِلَيْلٍ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث ابن عمر:

قَوْلُهُ: (قَالَ سَالِمٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (الْمَشْعَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ كَسْرَ الْمِيمِ وَقِيلَ إِنَّهُ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ وَقَالَ ابْنُ قَرْقُولٍ: كَسْرُ الْمِيمِ لُغَةٌ لَا رِوَايَةٌ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يُقْرَأْ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ وَقِيلَ بَلْ قُرِئَ حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ. وَسُمِّيَ الْمَشْعَرَ لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالْحَرَامُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَرَمِ أَوْ لِحُرْمَتِهِ. وَقَوْلُهُ مَا بَدَا لَهُمْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ لَهُمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَرْجِعُونَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ يَدْفَعُونَ وَهُوَ أَوْضَحُ وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الْوُقُوفِ إِلَى الدَّفْعِ ثُمَّ يَقْدَمُونَ مِنًى عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ: لِصَلَاةِ الْفَجْرِ أَيْ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ فِيهِ أَرْخَصَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ رَخَّصَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنَ التَّرْخِيصِ لَا مِنَ الرَّخْصِ. وَاحْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى غَيْرِ الضَّعَفَةِ لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ لَيْسَ كَحُكْمِ مَنْ رُخِّصَ لَهُ قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ الْمَبِيتَ عَلَى مِنًى لِسَائِرِ النَّاسِ لِكَوْنِهِ أَرَخَصَ لِأَصْحَابِ السِّقَايَةِ وَلِلرِّعَاءِ أَنْ لَا يَبِيتُوا بِمِنًى قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَا تَعْدُوا بِالرُّخَصِ مَوَاضِعَهَا فَلْيُسْتَعْمَلْ ذَلِكَ هُنَا، وَلَا يَأْذَنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْ جَمْعٍ إِلَّا لِمَنْ رَخَّصَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ . انْتَهَى.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ: مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاقُ: عَلَيْهِ دَمٌ. قَالُوا: وَمَنْ بَاتَ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ النِّصْفِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَرَّ بِهَا فَلَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنَّ نَزَلَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مَتَى دَفَعَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ إنَّ مَنْ يَقْدَمُ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِذَا قَدِمَ رَمَى الْجَمْرَةَ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ صَنِيعِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفَائِدَتُهُ تَعْيِينُ مَنْ أَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ مَنْ أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْثُ الْمَذْكُورُ خَاصًّا لَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعَثَنِي قَدْ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ وَفِي الثَّانِي أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ، وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِي فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي: بَابِ حَجِّ الصِّبْيَانِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ: فِي الثَّقَلِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي الضَّعَفَةِ وَلِسُفْيَانَ

فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقُ عَطَاءٍ هَذِهِ مُطَوَّلَةَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الصَّفِيرِ عَنْ عَطَاءٍ (قَالَ أَخْبَرَنِي) ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلْعَبَّاسِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: اذْهَبْ بِضُعَفَائِنَا وَنِسَائِنَا فَلْيُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَلْيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَفْعَةُ النَّاسِ. قَالَ فَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ بَعْدَمَا كَبِرَ وَضَعُفَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ. وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَدِّمُ الْعِيَالَ وَالضَعَفَةَ إِلَى مِنًى مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ الْمَدَنِيُّ يُكْنَى أَبَا عُمَرَ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِتَحْدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ لَهُ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ هَذِهِ عَنْ يَحْيَى وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ بُنْدَارٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ الْعَطَّارِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، والطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ أَسْمَاءَ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ أَخْبَرَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَدِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ ثُمَّ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ فَأَخَذَهُ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى أَسْمَاءَ شَيْخُ عَطَاءٍ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ فَارْتَحِلُوا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَتِ ارْتَحِلْ بِي.

قَوْلُهُ: (فَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَمَضَيْنَا بِهَا.

قَوْلُهُ: (يَا هَنَتَاهُ) أَيْ يَا هَذِهِ وَقَدْ سَبَقَ ضَبْطُهُ فِي: بَابُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.

قَوْلُهُ: (مَا أُرَانَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْجَزْمِ فَقُلْتُ لَهَا لَقَدْ غَلَّسْنَا وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ وَفِي رِوَايَةِ دَاوُدَ الْعَطَّارِ لَقَدِ ارْتَحَلْنَا بِلَيْلٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَقُلْتُ إِنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ وَغَلَّسْنَا أَيْ جِئْنَا بِغَلَسٍ.

قَوْلُهُ: (إِذَنَ لِلظُّعُنِ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ظَعِينَةٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَقَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ تَعْنِي النَّبِيَّ .

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيلَ بِالضَعَفَةِ وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَزَادَ إِسْحَاقُ وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرَأَى جَوَازَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي قَبْلَ هَذَا، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِغِلْمَانِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، والطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والطَّحَاوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَإِذَا كَانَ مَنْ رُخِّصَ لَهُ مُنِعَ أَنْ

يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ هَذَا.

وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى النَّدْبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ مَعَ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَى حِينَئِذٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى إِسْقَاطِ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ عَنِ الضَّعَفَةِ وَلَا دِلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَسْمَاءَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُقُوفِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي قَبْلَهَا.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَةَ فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ الْمُسْلِمِينَ.

وَذَهَبَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ وَأَشَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَيُجْعَلْ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ وَإِنَّمَا قَالَ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَالْمَوْطِنُ الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا. قَالَ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - رَفَعَهُ قَالَ مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. انْتَهَى.

وَحَدِيثُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجْمَعٍ - قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ. وَلِأَبِي يَعْلَى وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ.

وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ، وَقَدِ ارْتَكَبَ ابْنُ حَزْمٍ الشَّطَطَ فَزَعَمَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ الْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ ابْنُ قُدَامَةَ مُخَالَفَتَهُ هَذِهِ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ بِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِهَا دَمٌ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ عِنْدَهُمُ الزِّحَامُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ) أَيْ بِنْتُ زَمْعَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ: (ثَقِيلَةً) أَيْ مِنْ عِظَمِ جِسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (ثَبِطَةً) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ بَطِيئَةَ الْحَرَكَةِ كَأَنَّهَا تَثْبِطُ بِالْأَرْضِ أَيْ تَشَبَّثُ بِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ مَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ فِيهِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِطَرِيقِ أَفْلَحَ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله