«أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْ عَرَفَةَ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٨٦

الحديث رقم ١٦٨٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أسامة بن زيد ﵄ كان ردف النبي ﷺ، من عرفة…

«أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ، مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا

⦗١٦٧⦘

قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ».

سند حديث: ١٦٨٦ - ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ…

١٦٨٦ - ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن أسامة بن زيد ﵄ كان ردف النبي ﷺ، من عرفة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٨٦ - ١٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ النَّسائيُّ؛ بالنُّون والسِّين المهملة، قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) الحِبَّ ( كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» ( مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ) (الفَضْلَ) بن عبَّاسٍ (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى -قَالَ-) عبد الله بن عبَّاسٍ: (فَكِلَاهُمَا) أي: الفضل وأسامة (قَالَا) وللأربعة: «قال»: (لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُلَبِّي) أي: في أوقات حجَّته (١) (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) غداة النَّحر؛ أي (٢): عند رمي أوَّل حصاةٍ من حصيَّات جمرة العقبة، وهذا مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة، ونقل البرماويُّ والحافظ ابن حجرٍ أنَّ مذهب الإمام أحمد لا يقطعها حتَّى يرميها، فيكون الحديث مستندًا له، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» -وعليه الفتوى عند الحنابلة- ما نصُّه: ويقطع التَّلبية مع رمي أوَّل حصاةٍ منها. فلعلَّ ما نقله البرماويُّ وصاحب «الفتح» قولٌ له أيضًا، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، واستدلُّوا له: بحديث ابن عبَّاسٍ عن الفضل عند ابن خزيمة قال: «أفضت مع النَّبيِّ من عرفاتٍ، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ» ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاةٍ، قال ابن خزيمة: هذا حديثٌ صحيحٌ مفسِّرٌ لما أُبهِم من الرِّوايات الأخرى، وإنَّ المراد بقوله: «حتَّى رمى جمرة العقبة» أي: حتَّى (٣) أتمَّ رميها. انتهى. وذهب الإمام مالكٍ: إلى أنَّه إذا راح إلى مصلَّى عرفة،

قال ابن القاسم: وذلك بعد الزَّوال، وراح يريد الصَّلاة، وليس في حديثي (١) الباب ذكر التَّكبير المترجم له، نعم روى البيهقيُّ عن عبد الله بن سَخْبرة قال: غدوت مع عبد الله بن مسعودٍ من منًى إلى عرفة، وكان رجلًا آدم له ضفيرتان، عليه مسحةُ أهل البادية، وكان يلبِّي، فاجتمع عليه الغَوْغاءُ، فقالوا: يا أعرابيُّ إنَّ هذا ليس يوم تلبيةٍ، إنَّما هو التَّكبير، فالتفت إليَّ فقال: جهل النَّاس أم نسوا، والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ لقد خرجت معه من منًى إلى عرفة، فما ترك التَّلبية حتَّى رمى الجمرة (٢) إلَّا أن يخلطها بتكبيرٍ أو تهليلٍ. فيحتمل أنَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة لهذا تشحيذًا لذهن الطَّالب وحثًّا له على البحث.

تنبيهٌ: وقع في هذا الحديث عند مسلمٍ من رواية إبراهيم بن عقبة عن كُرَيبٍ: أنَّ أسامة بن زيدٍ انطلق من المزدلفة في سُبَّاق (٣) قريشٍ على رجليه (٤)، ومقتضاه: أن يكون قوله هنا: «لم يزل النَّبيُّ يلبِّي» مرسلًا لأنَّه لم يحضر ذلك، لكن أُجيب باحتمال أن يكون رجع إلى (٥) النَّبيِّ وصَحِبَهُ إلى الجمرة، والله أعلم.

وفي سند هذا الحديث تابعيٌّ عن تابعيٍّ وثلاثةٌ من الصَّحابة.

(١٠٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾) قال البيضاويُّ: أي (٦): فمن استمتع وانتفع بالتَّقرُّب إلى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقرُّبه بالحجِّ في أشهره (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الإغارة أَي: كَيْمَا ندفع ونفيض للنحر وَغَيره، وَذَلِكَ من قَوْلهم: أغار الْفرس إغارة الثَّعْلَب، وَذَلِكَ إِذا دفع وأسرع فِي دَفعه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء فِي ثبير ونغير لإِرَادَة السجع. قلت: لِأَنَّهُ من محسنات الْكَلَام. قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يحْتَمل أَن يكون فَاعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَجهه أَن يكون: ثمَّ أَفَاضَ عطفا على قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَفِيه بعد، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَن فَاعله هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (خالفهم) وَيُؤَيّد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (فَأَفَاضَ) ، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (فخالفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ: (كَانَ الْمُشْركُونَ لَا ينفرون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كره ذَلِك فنفر قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَله من رِوَايَة إِسْرَائِيل: فَدفع بِقدر صَلَاة الْقَوْم المسفرين لصَلَاة الْغَدَاة، وَأظْهر من ذَلِك وَأقوى للدلالة على أَنه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَدَعَا الله وَكبره وَهَلله وَوَحدهُ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة، وَقد ذكرنَا أَنه إِذا ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِيه: الْإِفَاضَة قبل طُلُوع الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، وَاخْتلفُوا فِي الْوَقْت الْأَفْضَل للإفاضة، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ بعد كَمَال الْإِسْفَار، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور لحَدِيث جَابر الطَّوِيل. وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْإِفَاضَة من الْمزْدَلِفَة قبل الْأَسْفَار) ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وروى ابْن خُزَيْمَة والطبري من طَرِيق عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس فَكَانَت على رُؤُوس الْجبَال كَأَنَّهَا العمائم على رُؤُوس الرِّجَال دفعُوا فَدفع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أَسْفر كل شَيْء قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة نَحوه.

١٠١ - (بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير غَدَاة يَوْم النَّحْر حى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة) . قَوْله: (والارتداف) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله أَي: وَفِي بَيَان الإرتداف، وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب فِي السّير من مُزْدَلِفَة إِلَى منى، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء: التَّلْبِيَة: وَهِي أَن يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ ... إِلَى آخِره، وَالتَّكْبِير: وَهُوَ أَن يكبر الله تَعَالَى، والارتداف: وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر التَّكْبِير، فَكيف دلَالَته عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِهِ الذّكر الَّذِي فِي خلال التَّلْبِيَة، وَهُوَ مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر التَّكْبِير، أَو غَرَضه أَن يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن التَّكْبِير غير مَشْرُوع، إِذْ لفظ: (لم يزل) دَلِيل على إدامة التَّلْبِيَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أَو غَرَضه ... إِلَى آخِره، فِيهِ بعد وَهُوَ عبارَة خشنة، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِيهِ: أَنه قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر تَرْجَمَة ذَات أَجزَاء وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب، ذكر هَذِه الْأَجْزَاء كلهَا، وَلَكِن كَانَ حَدِيث آخر ذكر فِيهِ ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لم يذكرهُ أَنه يُشِير إِلَيْهِ بِذكرِهِ فِي التَّرْجَمَة لينتهض الطَّالِب ويبحث عَنهُ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حميد الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن مُجَاهِد (عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: لبّى عبد الله وَهُوَ يتَوَجَّه فَقَالَ أنَاس: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ فَالْتَفت إِلَيّ عبد الله فَقَالَ: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ وَالله مَا زَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة إلَاّ أَن يخلط ذَلِك بتهليل أَو تَكْبِير) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن عِيسَى: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: غَدَوْت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من منى إِلَى عَرَفَة، وَكَانَ رجلا آدم لَهُ ضفيرتان، عَلَيْهِ سحنة أهل الْبَادِيَة، وَكَانَ يُلَبِّي فَاجْتمع عَلَيْهِ الغوغاء، فَقَالُوا: يَا أَعْرَابِي، إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم تَلْبِيَة إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِير

فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ: جهل النَّاس أم نسوا؟ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لقد خرجت مَعَه من منى إِلَى عَرَفَة فَمَا ترك التَّلْبِيَة حَتَّى رمى الْجَمْرَة إلَاّ أَن يخلطها بتكبير أَو تهليل.

٥٨٦١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدَفَ الْفَضلُ فأخْبرَ الفَضلُ أنَّهُ لَمْ يَزلْ يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الجزءين مِنْهَا، وهما: الإرداف والتلبية، وَأما ذكر التَّكْبِير فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب النُّزُول بَين عَرَفَة وَجمع. قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. قَوْله: (فَأخْبر الْفضل) أَي: أخبر الْفضل ابْن عَبَّاس أَنه أَي: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن عَطاء: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مَضَت هُنَاكَ مستقصاة.

٧٨٦١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفةَ إِلَى المُزْدَلِفةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إِلَى مِنىً قَالَ فكِلاهُما قالَا لَمْ يَزلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الإرداف والتلبية إِلَى رمي جَمْرَة الْعقبَة، وَهَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس السَّابِق أخرجه عَن زُهَيْر، مصغر الزهر: ابْن حَرْب ضد الصُّلْح النَّسَائِيّ، بالنُّون وبالسين الْمُهْملَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، ووهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو الْعَبَّاس، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِالْفَتْح: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.

وَفِي هَذَا السَّنَد رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي أحدهم وَهُوَ ابْن عَبَّاس عَن الآخرين وهما أُسَامَة بن زيد وَالْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ معنى قَوْله: (قَالَ فكلاهما قَالَا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فكلاهما، أَي: أُسَامَة وَالْفضل، قَالَا: لم يزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي فِي أَوْقَات حجه حَتَّى رمى أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر. فَإِن قلت: ذكر أُسَامَة فِي هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عقبَة قَالَ: (أَخْبرنِي كريب أَنه سَأَلَ أُسَامَة بن زيد: كَيفَ صَنَعْتُم حِين ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة؟) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (حَتَّى جِئْنَا الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلم يحلوا حَتَّى أَقَامَ الْعشَاء الْآخِرَة فصلى ثمَّ حلوا، قلت: وَكَيف فَعلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُم؟ قَالَ: ردفه الْفضل بن الْعَبَّاس وَانْطَلَقت أَنا فِي سباق قُرَيْش على رحلي) . فَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أُسَامَة قد سبق إِلَى رمي الْجَمْرَة، فَيكون إخْبَاره بِمثل مَا أخبر بِهِ الْفضل من التَّلْبِيَة مُرْسلا قلت: لَا مَانع من رُجُوعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإتيانه مَعَه إِلَى الْجَمْرَة، أَو أَقَامَ بالجمرة حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أم الْحصين، قَالَت: (فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً فِي حجَّة الْوَدَاع، وَأَحَدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) . وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم على اسْتِمْرَار التَّلْبِيَة إِلَى حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن عَبَّاس، قَالَ: حججْت مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِحْدَى عشرَة حجَّة، فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِي الْجَمْرَة. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن الْإِجْمَاع وَقع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن التَّلْبِيَة لَا تقع إلَاّ مَعَ رمي جَمْرَة الْعقبَة، أما مَعَ أول حَصَاة، أَو بعد تَمامهَا على اخْتِلَاف فِيهِ. وَدَلِيل الْإِجْمَاع أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يُلَبِّي غَدَاة الْمزْدَلِفَة بِحُضُور مَلأ من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بذلك،

وَكَذَلِكَ فعل عبد الله بن الزبير، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِمَّن كَانُوا هُنَاكَ من أهل الْآفَاق من الشَّام وَالْعراق واليمن ومصر وَغَيرهَا، فَصَارَ ذَلِك إِجْمَاعًا لَا يُخَالف فِيهِ.

(بابٌ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامَ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذالِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الْبَقَرَة: ٦٩١)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج ... } (الْبَقَرَة: ٦٩١) . إِلَى آخر الْآيَة، هَكَذَا وَقع قَوْله: {فَمن تمتّع} إِلَى {حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَوَقع فِي طَرِيق كَرِيمَة مَا بَين قَوْله: {الْهَدْي} وَقَوله: {حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ بَعضهم: وغرض البُخَارِيّ بذلك تَفْسِير الْهَدْي، وَذَلِكَ أَنه لما انْتهى فِي صفة الْحَج إِلَى الْوُصُول إِلَى منى أَرَادَ أَن يذكر أَحْكَام الْهَدْي والنحر، لِأَن ذَلِك يكون غَالِبا بمنى انْتهى. قلت: حصره على هَذَا الْغَرَض وَحده لَا وَجه لَهُ، بل إِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لاشتمالها على مسَائِل. مِنْهَا: حكم الْهَدْي والمتعة، وَذكر فِي الْبَاب حكمهَا فَقَط اكْتِفَاء بِمَا ذكر غَيرهَا من الْأَحْكَام فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة.

أما الْمسَائِل الَّتِي تشْتَمل هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَيْهَا. فأولها: حكم التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، فقد ذكر فِي: بَاب التَّمَتُّع

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٨٦ - ١٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ النَّسائيُّ؛ بالنُّون والسِّين المهملة، قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) الحِبَّ ( كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» ( مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ) (الفَضْلَ) بن عبَّاسٍ (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى -قَالَ-) عبد الله بن عبَّاسٍ: (فَكِلَاهُمَا) أي: الفضل وأسامة (قَالَا) وللأربعة: «قال»: (لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُلَبِّي) أي: في أوقات حجَّته (١) (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) غداة النَّحر؛ أي (٢): عند رمي أوَّل حصاةٍ من حصيَّات جمرة العقبة، وهذا مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة، ونقل البرماويُّ والحافظ ابن حجرٍ أنَّ مذهب الإمام أحمد لا يقطعها حتَّى يرميها، فيكون الحديث مستندًا له، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» -وعليه الفتوى عند الحنابلة- ما نصُّه: ويقطع التَّلبية مع رمي أوَّل حصاةٍ منها. فلعلَّ ما نقله البرماويُّ وصاحب «الفتح» قولٌ له أيضًا، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، واستدلُّوا له: بحديث ابن عبَّاسٍ عن الفضل عند ابن خزيمة قال: «أفضت مع النَّبيِّ من عرفاتٍ، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ» ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاةٍ، قال ابن خزيمة: هذا حديثٌ صحيحٌ مفسِّرٌ لما أُبهِم من الرِّوايات الأخرى، وإنَّ المراد بقوله: «حتَّى رمى جمرة العقبة» أي: حتَّى (٣) أتمَّ رميها. انتهى. وذهب الإمام مالكٍ: إلى أنَّه إذا راح إلى مصلَّى عرفة،

قال ابن القاسم: وذلك بعد الزَّوال، وراح يريد الصَّلاة، وليس في حديثي (١) الباب ذكر التَّكبير المترجم له، نعم روى البيهقيُّ عن عبد الله بن سَخْبرة قال: غدوت مع عبد الله بن مسعودٍ من منًى إلى عرفة، وكان رجلًا آدم له ضفيرتان، عليه مسحةُ أهل البادية، وكان يلبِّي، فاجتمع عليه الغَوْغاءُ، فقالوا: يا أعرابيُّ إنَّ هذا ليس يوم تلبيةٍ، إنَّما هو التَّكبير، فالتفت إليَّ فقال: جهل النَّاس أم نسوا، والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ لقد خرجت معه من منًى إلى عرفة، فما ترك التَّلبية حتَّى رمى الجمرة (٢) إلَّا أن يخلطها بتكبيرٍ أو تهليلٍ. فيحتمل أنَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة لهذا تشحيذًا لذهن الطَّالب وحثًّا له على البحث.

تنبيهٌ: وقع في هذا الحديث عند مسلمٍ من رواية إبراهيم بن عقبة عن كُرَيبٍ: أنَّ أسامة بن زيدٍ انطلق من المزدلفة في سُبَّاق (٣) قريشٍ على رجليه (٤)، ومقتضاه: أن يكون قوله هنا: «لم يزل النَّبيُّ يلبِّي» مرسلًا لأنَّه لم يحضر ذلك، لكن أُجيب باحتمال أن يكون رجع إلى (٥) النَّبيِّ وصَحِبَهُ إلى الجمرة، والله أعلم.

وفي سند هذا الحديث تابعيٌّ عن تابعيٍّ وثلاثةٌ من الصَّحابة.

(١٠٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾) قال البيضاويُّ: أي (٦): فمن استمتع وانتفع بالتَّقرُّب إلى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقرُّبه بالحجِّ في أشهره (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الإغارة أَي: كَيْمَا ندفع ونفيض للنحر وَغَيره، وَذَلِكَ من قَوْلهم: أغار الْفرس إغارة الثَّعْلَب، وَذَلِكَ إِذا دفع وأسرع فِي دَفعه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء فِي ثبير ونغير لإِرَادَة السجع. قلت: لِأَنَّهُ من محسنات الْكَلَام. قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يحْتَمل أَن يكون فَاعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَجهه أَن يكون: ثمَّ أَفَاضَ عطفا على قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَفِيه بعد، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَن فَاعله هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (خالفهم) وَيُؤَيّد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (فَأَفَاضَ) ، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (فخالفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ: (كَانَ الْمُشْركُونَ لَا ينفرون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كره ذَلِك فنفر قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَله من رِوَايَة إِسْرَائِيل: فَدفع بِقدر صَلَاة الْقَوْم المسفرين لصَلَاة الْغَدَاة، وَأظْهر من ذَلِك وَأقوى للدلالة على أَنه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَدَعَا الله وَكبره وَهَلله وَوَحدهُ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة، وَقد ذكرنَا أَنه إِذا ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِيه: الْإِفَاضَة قبل طُلُوع الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، وَاخْتلفُوا فِي الْوَقْت الْأَفْضَل للإفاضة، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ بعد كَمَال الْإِسْفَار، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور لحَدِيث جَابر الطَّوِيل. وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْإِفَاضَة من الْمزْدَلِفَة قبل الْأَسْفَار) ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وروى ابْن خُزَيْمَة والطبري من طَرِيق عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس فَكَانَت على رُؤُوس الْجبَال كَأَنَّهَا العمائم على رُؤُوس الرِّجَال دفعُوا فَدفع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أَسْفر كل شَيْء قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة نَحوه.

١٠١ - (بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير غَدَاة يَوْم النَّحْر حى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة) . قَوْله: (والارتداف) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله أَي: وَفِي بَيَان الإرتداف، وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب فِي السّير من مُزْدَلِفَة إِلَى منى، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء: التَّلْبِيَة: وَهِي أَن يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ ... إِلَى آخِره، وَالتَّكْبِير: وَهُوَ أَن يكبر الله تَعَالَى، والارتداف: وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر التَّكْبِير، فَكيف دلَالَته عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِهِ الذّكر الَّذِي فِي خلال التَّلْبِيَة، وَهُوَ مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر التَّكْبِير، أَو غَرَضه أَن يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن التَّكْبِير غير مَشْرُوع، إِذْ لفظ: (لم يزل) دَلِيل على إدامة التَّلْبِيَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أَو غَرَضه ... إِلَى آخِره، فِيهِ بعد وَهُوَ عبارَة خشنة، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِيهِ: أَنه قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر تَرْجَمَة ذَات أَجزَاء وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب، ذكر هَذِه الْأَجْزَاء كلهَا، وَلَكِن كَانَ حَدِيث آخر ذكر فِيهِ ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لم يذكرهُ أَنه يُشِير إِلَيْهِ بِذكرِهِ فِي التَّرْجَمَة لينتهض الطَّالِب ويبحث عَنهُ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حميد الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن مُجَاهِد (عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: لبّى عبد الله وَهُوَ يتَوَجَّه فَقَالَ أنَاس: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ فَالْتَفت إِلَيّ عبد الله فَقَالَ: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ وَالله مَا زَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة إلَاّ أَن يخلط ذَلِك بتهليل أَو تَكْبِير) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن عِيسَى: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: غَدَوْت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من منى إِلَى عَرَفَة، وَكَانَ رجلا آدم لَهُ ضفيرتان، عَلَيْهِ سحنة أهل الْبَادِيَة، وَكَانَ يُلَبِّي فَاجْتمع عَلَيْهِ الغوغاء، فَقَالُوا: يَا أَعْرَابِي، إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم تَلْبِيَة إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِير

فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ: جهل النَّاس أم نسوا؟ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لقد خرجت مَعَه من منى إِلَى عَرَفَة فَمَا ترك التَّلْبِيَة حَتَّى رمى الْجَمْرَة إلَاّ أَن يخلطها بتكبير أَو تهليل.

٥٨٦١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدَفَ الْفَضلُ فأخْبرَ الفَضلُ أنَّهُ لَمْ يَزلْ يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الجزءين مِنْهَا، وهما: الإرداف والتلبية، وَأما ذكر التَّكْبِير فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب النُّزُول بَين عَرَفَة وَجمع. قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. قَوْله: (فَأخْبر الْفضل) أَي: أخبر الْفضل ابْن عَبَّاس أَنه أَي: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن عَطاء: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مَضَت هُنَاكَ مستقصاة.

٧٨٦١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفةَ إِلَى المُزْدَلِفةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إِلَى مِنىً قَالَ فكِلاهُما قالَا لَمْ يَزلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الإرداف والتلبية إِلَى رمي جَمْرَة الْعقبَة، وَهَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس السَّابِق أخرجه عَن زُهَيْر، مصغر الزهر: ابْن حَرْب ضد الصُّلْح النَّسَائِيّ، بالنُّون وبالسين الْمُهْملَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، ووهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو الْعَبَّاس، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِالْفَتْح: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.

وَفِي هَذَا السَّنَد رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي أحدهم وَهُوَ ابْن عَبَّاس عَن الآخرين وهما أُسَامَة بن زيد وَالْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ معنى قَوْله: (قَالَ فكلاهما قَالَا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فكلاهما، أَي: أُسَامَة وَالْفضل، قَالَا: لم يزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي فِي أَوْقَات حجه حَتَّى رمى أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر. فَإِن قلت: ذكر أُسَامَة فِي هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عقبَة قَالَ: (أَخْبرنِي كريب أَنه سَأَلَ أُسَامَة بن زيد: كَيفَ صَنَعْتُم حِين ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة؟) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (حَتَّى جِئْنَا الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلم يحلوا حَتَّى أَقَامَ الْعشَاء الْآخِرَة فصلى ثمَّ حلوا، قلت: وَكَيف فَعلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُم؟ قَالَ: ردفه الْفضل بن الْعَبَّاس وَانْطَلَقت أَنا فِي سباق قُرَيْش على رحلي) . فَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أُسَامَة قد سبق إِلَى رمي الْجَمْرَة، فَيكون إخْبَاره بِمثل مَا أخبر بِهِ الْفضل من التَّلْبِيَة مُرْسلا قلت: لَا مَانع من رُجُوعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإتيانه مَعَه إِلَى الْجَمْرَة، أَو أَقَامَ بالجمرة حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أم الْحصين، قَالَت: (فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً فِي حجَّة الْوَدَاع، وَأَحَدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) . وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم على اسْتِمْرَار التَّلْبِيَة إِلَى حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن عَبَّاس، قَالَ: حججْت مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِحْدَى عشرَة حجَّة، فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِي الْجَمْرَة. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن الْإِجْمَاع وَقع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن التَّلْبِيَة لَا تقع إلَاّ مَعَ رمي جَمْرَة الْعقبَة، أما مَعَ أول حَصَاة، أَو بعد تَمامهَا على اخْتِلَاف فِيهِ. وَدَلِيل الْإِجْمَاع أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يُلَبِّي غَدَاة الْمزْدَلِفَة بِحُضُور مَلأ من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بذلك،

وَكَذَلِكَ فعل عبد الله بن الزبير، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِمَّن كَانُوا هُنَاكَ من أهل الْآفَاق من الشَّام وَالْعراق واليمن ومصر وَغَيرهَا، فَصَارَ ذَلِك إِجْمَاعًا لَا يُخَالف فِيهِ.

(بابٌ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامَ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذالِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الْبَقَرَة: ٦٩١)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج ... } (الْبَقَرَة: ٦٩١) . إِلَى آخر الْآيَة، هَكَذَا وَقع قَوْله: {فَمن تمتّع} إِلَى {حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَوَقع فِي طَرِيق كَرِيمَة مَا بَين قَوْله: {الْهَدْي} وَقَوله: {حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ بَعضهم: وغرض البُخَارِيّ بذلك تَفْسِير الْهَدْي، وَذَلِكَ أَنه لما انْتهى فِي صفة الْحَج إِلَى الْوُصُول إِلَى منى أَرَادَ أَن يذكر أَحْكَام الْهَدْي والنحر، لِأَن ذَلِك يكون غَالِبا بمنى انْتهى. قلت: حصره على هَذَا الْغَرَض وَحده لَا وَجه لَهُ، بل إِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لاشتمالها على مسَائِل. مِنْهَا: حكم الْهَدْي والمتعة، وَذكر فِي الْبَاب حكمهَا فَقَط اكْتِفَاء بِمَا ذكر غَيرهَا من الْأَحْكَام فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة.

أما الْمسَائِل الَّتِي تشْتَمل هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَيْهَا. فأولها: حكم التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، فقد ذكر فِي: بَاب التَّمَتُّع

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده