«خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٩٤

الحديث رقم ١٦٩٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرج النبي ﷺ من المدينة في بضع عشرة مائة من…

«خَرَجَ النَّبِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى

⦗١٦٩⦘

إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيُّ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ».

سند حديث: ١٦٩٤ - ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ…

١٦٩٤ - ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا:

رواة الحديث

شرح حديث: «خرج النبي ﷺ من المدينة في بضع عشرة مائة من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ إِذْ سَوْقُهُ مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ مَا أُدْخِلَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ لِأَنَّ قَدِيدًا مِنَ الْحِلِّ. قُلْتُ: لَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ أَعَمُّ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَكَيْفَ تَكُونُ بَيَانًا لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي لَا آمَنُهَا) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ بِلَفْظِ لَا آمَنُ وَالْهَاءُ هُنَا ضَمِيرُ الْفِتْنَةِ أَيْ لَا آمَنُ الْفِتْنَةَ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي صَدِّكَ عَنِ الْبَيْتِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي: بَابِ الْمُحْصَرِ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ هُنَا لَا أَيْمَنُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَشَرْحُهُ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُصَدَّ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ أَنْ سَتُصَدَّ.

قَوْلُهُ: (فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الدَّارِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِحْرَامِ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ: فَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ دُونَهُ، وَقِيلَ مِثْلُهُ، وَقِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ فَهُوَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَمِنْ دَارِهِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَرْجَحِيَّةِ الْمِيقَاتِ عَنِ الدَّارِ اخْتِلَافٌ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ مَنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ أَرْجَحَ فِي حَقِّهِ وَإِلَّا فَمِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ فِي: بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ حَتَّى أَحَلَّ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَالْحَاءُ مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ لُغَةٌ شَهِيرَةٌ يُقَالُ: حَلَّ وَأَحَلَّ.

١٠٦ - بَاب مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ

وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَهْدَى مِنْ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ

يَطْعُنُ فِي شِقِّ سَنَامِهِ الْأَيْمَنِ بِالشَّفْرَةِ وَوَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً

١٦٩٤، ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.

[الحديث ١٤٩٤ - أطرافه في: ١٨١١، ٢٧١٢، ٢٧٣١، ٤١٥٨، ٤١٧٨، ٤١٨١]

[الحديث ١٦٩٥ - أطرافه في: ٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠]

١٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ.

[الحديث ١٦٩٦ - أطرافه في: ١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢، ١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٢٣١٧، ٥٥٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُشْعِرَ الْمُحْرِمُ وَلَا يُقَلِّدَ إِلَّا فِي مِيقَاتِ بَلَدِهِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى رَدِّ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَا يُشْعِرُ حَتَّى يُحْرِمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ مَنْ أَشْعَرَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ لِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ قَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ. فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْبُدَاءَةُ بِالتَّقْلِيدِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهُ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وكيعٍ، فقال له رجلٌ: رُوِي عن إبراهيم النَّخعيِّ أنَّه قال: الإشعار مثلةٌ، فقال له وكيعٌ: أقول لك: أشعر رسول الله ، وتقول: قال إبراهيم، ما أحقَّك أن تُحبَس! انتهى. وهذا فيه ردٌّ على ابن حزمٍ؛ حيث زعم أنَّه ليس لأبي حنيفة سلفٌ في ذلك، وقد أجاب الطَّحاويُّ منتصرًا لأبي حنيفة فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، بل ما يُفعَل منه (١) على وجهٍ يخاف منه (٢) هلاك البدن كسراية الجرح -لا سيَّما- مع الطَّعن بالشَّفرة، فأراد سدَّ الباب عن العامَّة لأنَّهم (٣) لا يراعون الحدَّ في ذلك، وأمَّا من كان عارفًا بالسُّنَّة في ذلك فلا، وقد ثبت عن عائشة وابن عبَّاسٍ التَّخيير في الإشعار وتركه، فدلَّ على أنَّه ليس بنسكٍ. انتهى.

١٦٩٤ - ١٦٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو فيما قاله الدَّارقطنيُّ: ابن شَبُّويه، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو المروزيُّ المعروف بـ «مردويه»، ورجَّح المزِّيُّ هذا الثَّاني قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو (بْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين وسكون (٤) الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، أمُّه عاتكة (٥) أخت عبد الرَّحمن ابن عوفٍ القرشيِّ الزُّهريِّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة بعد الفتح سنة ثمانٍ (٦)، ابن ستِّ سنين، قال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ أحاديث، وحديثه عنه في خطبة عليٍّ بنتَ أبي جهلٍ في «الصَّحيحين» [خ¦٣٧٢٩] وغيرهما، ووقع في بعض طرقه عند مسلمٍ: سمعت النَّبيَّ ، وأنا محتلمٌ، وهذا يدلُّ على أنَّه وُلِد قبل الهجرة، لكنَّهم أطبقوا على أنَّه

وُلِد بعدها، وقد تأوَّل (١) بعضهم: أنَّ قوله: «محتلمٌ» من الحِلم -بالكسر- لا من الحُلُم -بالضَّمِّ- يريد: أنَّه كان عاقلًا ضابطًا لما يتحمَّله، وتُوفِّي في حصار ابن الزُّبير الأوَّل، أصابه حجرٌ من حجارة المنجنيق، وهو يصلِّي فأقام خمسة أيَّامٍ، ومات يوم أُتِي بنعي يزيد بن معاوية سنة أربعٍ وستِّين، لا في سنة ثلاثٍ وسبعين لأنَّ ذلك الحصار كان من الحَجَّاج، وفيه قُتِل ابن الزُّبير، ولم يبق المِسْور إلى هذا الزَّمان (وَمَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص القرشيِّ الأمويِّ، ابن عمِّ عثمان وكاتبه في خلافته، وُلِد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربعٍ، وقال ابن أبي داود: كان في الفتح مميِّزًا وفي حجَّة الوداع، لكن لا أدري أَسَمِعَ من النَّبيِّ شيئًا أم لا؟ قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ومن بعد الفتح أُخرِج أبوه إلى الطَّائف وهو معه، فلم يثبت له أزيد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ ، وقرنه البخاريُّ بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزُّهريِّ عنهما في قصَّة الحديبية، وفي بعض طرقه عنده: أنَّهما رويا ذلك عن بعض الصَّحابة، وفي أكثرها أرسلا (٢) الحديث، وولي مروان الخلافة سنة أربعٍ وستِّين، ومات في رمضان سنة خمسٍ، وله ثلاثٌ أو إحدى وستُّون سنةً، قال في «التَّقريب»: ولا (٣) تثبت (٤) له صحبةٌ (قَالَا) أي: المسور ومروان: (خَرَجَ النَّبِيُّ مِنَ المَدِينَةِ) زاد أبوا الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «زمن الحديبية» (فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مئةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة المشهور (قَلَّدَ النَّبِيُّ الهَدْيَ وَأَشْعَرَ) (٥) وعند الدَّارقطنيِّ: أنه ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبع مئة رجل (وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ) ويؤخذ منه: أنَّ السُّنَّة لمريد (٦) النُّسك أن يشعر ويقلِّد بدنه عند الإحرام من الميقات، وهل الأفضل تقديم الإشعار أو التَّقليد؟ قال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة.

٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع.

الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام.

النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا.

النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي.

النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة

وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا.

النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ.

النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا.

النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة.

وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح

بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال.

٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.

. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ إِذْ سَوْقُهُ مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ مَا أُدْخِلَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ لِأَنَّ قَدِيدًا مِنَ الْحِلِّ. قُلْتُ: لَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ أَعَمُّ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَكَيْفَ تَكُونُ بَيَانًا لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي لَا آمَنُهَا) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ بِلَفْظِ لَا آمَنُ وَالْهَاءُ هُنَا ضَمِيرُ الْفِتْنَةِ أَيْ لَا آمَنُ الْفِتْنَةَ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي صَدِّكَ عَنِ الْبَيْتِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي: بَابِ الْمُحْصَرِ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ هُنَا لَا أَيْمَنُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَشَرْحُهُ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُصَدَّ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ أَنْ سَتُصَدَّ.

قَوْلُهُ: (فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الدَّارِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِحْرَامِ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ: فَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ دُونَهُ، وَقِيلَ مِثْلُهُ، وَقِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ فَهُوَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَمِنْ دَارِهِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَرْجَحِيَّةِ الْمِيقَاتِ عَنِ الدَّارِ اخْتِلَافٌ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ مَنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ أَرْجَحَ فِي حَقِّهِ وَإِلَّا فَمِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ فِي: بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ حَتَّى أَحَلَّ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَالْحَاءُ مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ لُغَةٌ شَهِيرَةٌ يُقَالُ: حَلَّ وَأَحَلَّ.

١٠٦ - بَاب مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ

وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَهْدَى مِنْ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ

يَطْعُنُ فِي شِقِّ سَنَامِهِ الْأَيْمَنِ بِالشَّفْرَةِ وَوَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً

١٦٩٤، ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.

[الحديث ١٤٩٤ - أطرافه في: ١٨١١، ٢٧١٢، ٢٧٣١، ٤١٥٨، ٤١٧٨، ٤١٨١]

[الحديث ١٦٩٥ - أطرافه في: ٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠]

١٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ.

[الحديث ١٦٩٦ - أطرافه في: ١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢، ١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٢٣١٧، ٥٥٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُشْعِرَ الْمُحْرِمُ وَلَا يُقَلِّدَ إِلَّا فِي مِيقَاتِ بَلَدِهِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى رَدِّ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَا يُشْعِرُ حَتَّى يُحْرِمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ مَنْ أَشْعَرَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ لِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ قَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ. فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْبُدَاءَةُ بِالتَّقْلِيدِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهُ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وكيعٍ، فقال له رجلٌ: رُوِي عن إبراهيم النَّخعيِّ أنَّه قال: الإشعار مثلةٌ، فقال له وكيعٌ: أقول لك: أشعر رسول الله ، وتقول: قال إبراهيم، ما أحقَّك أن تُحبَس! انتهى. وهذا فيه ردٌّ على ابن حزمٍ؛ حيث زعم أنَّه ليس لأبي حنيفة سلفٌ في ذلك، وقد أجاب الطَّحاويُّ منتصرًا لأبي حنيفة فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، بل ما يُفعَل منه (١) على وجهٍ يخاف منه (٢) هلاك البدن كسراية الجرح -لا سيَّما- مع الطَّعن بالشَّفرة، فأراد سدَّ الباب عن العامَّة لأنَّهم (٣) لا يراعون الحدَّ في ذلك، وأمَّا من كان عارفًا بالسُّنَّة في ذلك فلا، وقد ثبت عن عائشة وابن عبَّاسٍ التَّخيير في الإشعار وتركه، فدلَّ على أنَّه ليس بنسكٍ. انتهى.

١٦٩٤ - ١٦٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو فيما قاله الدَّارقطنيُّ: ابن شَبُّويه، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو المروزيُّ المعروف بـ «مردويه»، ورجَّح المزِّيُّ هذا الثَّاني قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو (بْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين وسكون (٤) الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، أمُّه عاتكة (٥) أخت عبد الرَّحمن ابن عوفٍ القرشيِّ الزُّهريِّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة بعد الفتح سنة ثمانٍ (٦)، ابن ستِّ سنين، قال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ أحاديث، وحديثه عنه في خطبة عليٍّ بنتَ أبي جهلٍ في «الصَّحيحين» [خ¦٣٧٢٩] وغيرهما، ووقع في بعض طرقه عند مسلمٍ: سمعت النَّبيَّ ، وأنا محتلمٌ، وهذا يدلُّ على أنَّه وُلِد قبل الهجرة، لكنَّهم أطبقوا على أنَّه

وُلِد بعدها، وقد تأوَّل (١) بعضهم: أنَّ قوله: «محتلمٌ» من الحِلم -بالكسر- لا من الحُلُم -بالضَّمِّ- يريد: أنَّه كان عاقلًا ضابطًا لما يتحمَّله، وتُوفِّي في حصار ابن الزُّبير الأوَّل، أصابه حجرٌ من حجارة المنجنيق، وهو يصلِّي فأقام خمسة أيَّامٍ، ومات يوم أُتِي بنعي يزيد بن معاوية سنة أربعٍ وستِّين، لا في سنة ثلاثٍ وسبعين لأنَّ ذلك الحصار كان من الحَجَّاج، وفيه قُتِل ابن الزُّبير، ولم يبق المِسْور إلى هذا الزَّمان (وَمَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص القرشيِّ الأمويِّ، ابن عمِّ عثمان وكاتبه في خلافته، وُلِد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربعٍ، وقال ابن أبي داود: كان في الفتح مميِّزًا وفي حجَّة الوداع، لكن لا أدري أَسَمِعَ من النَّبيِّ شيئًا أم لا؟ قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ومن بعد الفتح أُخرِج أبوه إلى الطَّائف وهو معه، فلم يثبت له أزيد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ ، وقرنه البخاريُّ بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزُّهريِّ عنهما في قصَّة الحديبية، وفي بعض طرقه عنده: أنَّهما رويا ذلك عن بعض الصَّحابة، وفي أكثرها أرسلا (٢) الحديث، وولي مروان الخلافة سنة أربعٍ وستِّين، ومات في رمضان سنة خمسٍ، وله ثلاثٌ أو إحدى وستُّون سنةً، قال في «التَّقريب»: ولا (٣) تثبت (٤) له صحبةٌ (قَالَا) أي: المسور ومروان: (خَرَجَ النَّبِيُّ مِنَ المَدِينَةِ) زاد أبوا الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «زمن الحديبية» (فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مئةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة المشهور (قَلَّدَ النَّبِيُّ الهَدْيَ وَأَشْعَرَ) (٥) وعند الدَّارقطنيِّ: أنه ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبع مئة رجل (وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ) ويؤخذ منه: أنَّ السُّنَّة لمريد (٦) النُّسك أن يشعر ويقلِّد بدنه عند الإحرام من الميقات، وهل الأفضل تقديم الإشعار أو التَّقليد؟ قال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة.

٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع.

الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام.

النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا.

النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي.

النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة

وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا.

النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ.

النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا.

النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة.

وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح

بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال.

٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.

. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله