«حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ».

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٢٦

الحديث رقم ١٧٢٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحلق والتقصير عند الإحلال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٢٦ في صحيح البخاري

«حَلَقَ رَسُولُ اللهِ فِي حَجَّتِهِ».

إسناد حديث رقم ١٧٢٦ من صحيح البخاري

١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ: قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ إِنْ شَاءَ قَصَّرَ اهـ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ، وَأَعْلَى مَا فِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ عَنْ عُمَرَ مَنْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ فَلْيَحْلِقْ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ حَفْصَةَ وَفِيهِ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْحَلْقِ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجِّهِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَرْدَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِحَدِيثِ حَفْصَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَقَدْ قُلْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي التَّرْجَمَةِ، بَلْ إِذَا وُجِدَتْ وَاحِدَةٌ كَفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.

١٢٧ - بَاب الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ

١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّتِهِ.

[الحديث ١٧٢٦ - طرفاه في: ٤٤١٠، ٤٤١١]

١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ"

١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "قال رسول الله : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ"

١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.

١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَفْهَمَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ لِقَوْلِهِ: عِنْدَ الْإِحْلَالِ، وَمَا يُصْنَعُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ التَّحَلُّلِ وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِدُعَائِهِ لِفَاعِلِهِ، وَالدُّعَاءُ يُشْعِرُ بِالثَّوَابِ، وَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْعِبَادَةِ لَا عَلَى الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُهُ الْحَلْقَ عَلَى التَّقْصِيرِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا تَتَفَاضَلُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا رِوَايَةً مُضَعَّفَةً عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ، وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِهَا لَكِنْ حُكِيَتْ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ لِابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ

أَحَادِيثَ، وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا وَلِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثًا، فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لِابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّتِهِ. وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوَّلُهُ: لَمَّا نَزَلَ الْحَجَّاجُ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ الْحَدِيثَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لِابْنِ عُمَرَ فِي الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ. وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ لِابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقَعْ لَهُ عَلَى شَرْطِهِ التَّصْرِيحُ بِمَحَلِّ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ، فَاسْتَنْبَطَ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَرَّحَ بِأَنَّ حِلَاقَهُ وَقَعَ فِي حَجَّتِهِ، وَالثَّالِثَ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ حَلَقَ وَبَعْضَهُمْ قَصَّرَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَّةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَنَذْكُرُ الْبَحْثَ فِيهِ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): أَفَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ مُتَّصِلًا بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي حَلَقَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ، وَبَيَّنَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ قَائِلَ وَزَعَمُوا ابْنُ جُرَيْجٍ الرَّاوِي لَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ - مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ وَالْمُقَصِّرِينَ، أَوْ قُلْ وَارْحَمِ الْمُقَصِّرِينَ، وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْفُ التَّلْقِينِيُّ، وَفِي قَوْلِهِ : وَالْمُقَصِّرِينَ إِعْطَاءُ الْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا السُّكُوتُ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ إِعَادَةُ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ، وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ دُونَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي: التَّقَصِّي وَأَغْفَلَهُ فِي: التَّمْهِيدِ بَلْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَاجَعْتُ أَصْلَ سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ فِي التَّقَصِّي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْعُمَرِيُّ، وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ بِلَفْظِ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ. فَذَكَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً، وَزَادَ: قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ. وَبَيَانُ أَنَّ كَوْنَهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صَرِيحًا، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ كَمَا ثَبَتَ، وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَعْدَ ثَالِثِ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ ذَلِكَ. وأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ - حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا - ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ. وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ شَكَّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ)

هُوَ الرَّقَّامُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ الْقَابِسِيُّ يَشُكُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِيهِ فَيُهْمِلُ ضَبْطَهُ، فَيَقُولُ: عَبَّاسٌ أَوْ عَيَّاشٌ. قُلْتُ: لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِلْعَبَّاسِ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ - ابْنَ الْوَلِيدِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ نَسَبَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا النَّرْسِيُّ، أَحَدُهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَالْآخَرُ فِي الْمَغَازِي، وَالثَّالِثُ فِي الْفِتَنِ، ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا قَالَ وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ، وَأَمَّا الَّذِي بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ فَأَكْثَرَ عَنْهُ وَفِي الْغَالِبِ لَا يَنْسُبُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَهَا ثَلَاثًا) أَيْ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاهِدَةٌ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ حَفِظَ الزِّيَادَةَ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ هَذِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ وَمِنْ أَفْرَادِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَتَابَعَ أَبَا زُرْعَةَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَرِوَايَةُ أَبِي زُرْعَةَ أَتَمُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ وَحَذْفٌ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ.

الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَاضِي وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لِذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ، وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ شَهِدَهَا وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ، وَلَمْ يَسُقِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ، وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَلَقُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا عُثْمَانَ، وَأَبَا قَتَادَةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْهُ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي سِيَاقِهِ: عَنْ حَبَشِيٍّ وَكَانَ

مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَوَهْمٌ فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي: الْأَوْسَطِ وَمِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، وَوَرَدَ تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ الثَّقَفِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ عُمَارَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ، فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَصَحُّ إِسْنَادًا، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ عَقِبَ أَحَادِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ

الْحُصَيْنِ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَجَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ الْمُتَعَّيَنُ لِتَظَاهُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ السَّبَبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ كَانَ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ مَنْ تَوَقَّفَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِحْلَالِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُزْنِ لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مَعَ اقْتِدَارِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ كَمَا سَتَأْتِي فِي مَكَانِهَا، فَلَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا، فَأَشَارَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يَحِلَّ هُوَ قَبْلَهُمْ، فَفَعَلَ، فَتَبِعُوهُ، فَحَلَقَ بَعْضُهُمْ وَقَصَّرَ بَعْضٌ، وَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْقِ أَسْرَعَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَذَا السَّبَبِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلُ، فَإِنَّ فِي آخِرِهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا. وَأَمَّا السَّبَبُ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ أَكْثَرُ مَنْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا وَيَحْلِقُوا رُءوسَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ فَفَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ، فَرَجَّحَ النَّبِيُّ فِعْلَ مَنْ حَلَقَ لِكَوْنِهِ أَبَيْنَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَإِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ أَنَّ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ إِذَا كَانَ مَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ مُتَقَارِبًا، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ كَذَلِكَ. وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ وَالتَّزَيُّنَ بِهِ، وَكَانَ الْحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلًا وَرُبَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ مِنَ الشُّهْرَةِ وَمِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، فَلِذَلِكَ كَرِهُوا الْحَلْقَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ عَنِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْحَلْقَ يَتَعَيَّنُ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الْحَسَنِ خِلَافُهُ. قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ، فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. نَعَمْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِذَا حَجَّ الرَّجُلُ أَوَّلَ حِجَّةٍ حَلَقَ، فَإِنْ حَجَّ أُخْرَى فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْلِقُوا فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ وَأَوَّلِ عُمْرَةٍ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلُّزُومِ. نَعَمْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَحِلَّ تَعْيِينِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُحْرِمُ لَبَّدَ شَعْرَهُ أَوْ ضَفَّرَهُ أَوْ عَقَصَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ: لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا إِنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ شَعْرُهُ خَفِيفًا لَا يُمْكِنُ تَقْصِيرُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ فَيُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَعَيُّنِ الْحَلْقِ لِمَنْ لَبَّدَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَالَّذِي يُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ، بِخِلَافِ الْحَالِقِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّجَرُّدِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ الصُّلَحَاءُ إِلْقَاءَ الشُّعُورِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُقَصِّرَ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ، بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْأَمْرِ بِالتَّقَشُّفِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ عَقِبَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ الْمُحَلِّقِينَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الصِّيغَةُ، وَقَالَ بِوُجُوبِ حَلْقِ جَمِيعِهِ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ،

وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيُجْزِئُ الْبَعْضُ عِنْدَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبُعُ، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فَقَالَ النِّصْفُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَفِي وَجْهٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ قَدْرِ الْأُنْمُلَةِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونَهَا أَجْزَأَ، هَذَا لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُرَتَّبٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عَلَى الْحَلْقِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، وَقَالَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا وَيُكْرَهُ، وَقَالَ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ، وَحُسَيْنٌ: لَا يَجُوزُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ، وَتَكْرَارُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الرَّاجِحَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ فِيهِمَا، وَالتَّنْبِيهُ بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَانِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْنَادُ سِوَى أَبِي عَاصِمٍ مَكِّيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.

وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْخَلِيفَةُ الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قَصَّرْتُ) أَيْ: أَخَذْتُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُسُكٍ، إِمَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي حَجَّتِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةٍ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَرْوَةِ، وَلَفْظُهُ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. أَوْ: رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ أَوِ الْجِعْرَانَةِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ طَاوُسٍ بِلَفْظِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ؟ فَقُلْتُ لَهُ لَا أَعْلَمُ هَذِهِ إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ، وَبَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، إِلَخْ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَذِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبْتُ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِقَوْلِهِ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكَ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ لَمَا كَانَ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ حُجَّةٌ.

وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِمِشْقَصٍ مَعِي وَهُوَ مُحْرِمٌ وَفِي كَوْنِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَكَيْفَ يُقَصِّرُ عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَةِ. وَقَدْ بَالَغَ النَّوَوِيُّ هُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ قَارِنًا وَثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ بِمِنًى وَفَرَّقَ أَبُو طَلْحَةَ شَعْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ تَقْصِيرِ مُعَاوِيَةَ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ سَبْعٍ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ مُسْلِمًا إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ، فَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ قِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ.

قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْخُ هُنَا مَا مَرَّ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَالَّذِي رَجَّحَهُ مِنْ كَوْنِ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ، لَكِنْ

يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ خُفْيَةً وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِظْهَارِهِ إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ تَرْجَمَةِ مُعَاوِيَةَ تَصْرِيحَ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَضِيَّةِ وَأَنَّهُ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ خَوْفًا مِنْ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ لَمَّا دَخَلَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ مَكَّةَ خَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا عَنْهَا حَتَّى لَا يَنْظُرُونَهُ وَأَصْحَابَهُ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِمَكَّةَ لِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ أَيْضًا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فَعَلْنَاهَا - يَعْنِي الْعُمْرَةَ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ بِضَمَّتَيْنِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ، يُشِيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا اسْتَصْحَبَهُ مِنْ حَالِهِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى إِسْلَامِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يُخْفِيهِ. وَيُعَكِّرُ عَلَى مَا جَوَّزُهُ أَنَّ تَقْصِيرَهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ أَنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْ أَحَدًا مَعَهُ إِلَّا بَعْضَ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَرَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، فَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ، فَخَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.

كَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَعُدْ مُعَاوِيَةُ فِيمَنْ صَحِبَهُ حِينَئِذٍ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حَتَّى يُقَالَ: لَعَلَّهُ وَجَدَهُ بِمَكَّةَ، بَلْ كَانَ مَعَ الْقَوْمِ وَأَعْطَاهُ مِثْلَمَا أَعْطَى أَبَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ مَعَ جُمْلَةِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ فِي آخِرِ قِصَّةِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَنَّ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَهُ فِي عُمْرَتِهِ الَّتِي اعْتَمَرَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ أَبُو هِنْدٍ عَبْدُ بَنِي بَيَاضَةَ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا، وَثَبَتَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ فَقَصَّرَ عَنْهُ بِالْمَرْوَةِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ قَصَّرَ عَنْهُ أَوَّلًا، وَكَانَ الْحَلَّاقُ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ثُمَّ حَضَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُكْمِلَ إِزَالَةَ الشَّعْرَ بِالْحَلْقِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ فَفَعَلَ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ فِيهَا جَاءَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِعَيْنِهِ وَحَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا، وَهَذَا مِمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِهِ فِي هَذَا الْفَتْحِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَبَدًا. قَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ، وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَنَسِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّتِهِ. انْتَهَى.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا إِلَّا رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمَةُ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِكَوْنِ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، إِلَّا أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَقَدْ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَقِبَهَا: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَأَظُنُّ قَيْسًا رَوَاهَا بِالْمَعْنَى، ثُمَّ حَدَّثَ بِهَا فَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ. حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قَصَّرْتُ أَنَا شَعْرِي عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ . انْتَهَى. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ. أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ قَصَّرَ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ بَقِيَّةَ شَعْرٍ لَمْ يَكُنِ الْحَلَّاقُ اسْتَوْفَاهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْهَدْيِ بِأَنَّ الْحَالِقَ لَا يُبْقِي شَعْرًا يُقَصَّرُ مِنْهُ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، وَأَيْضًا فَهُوَ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ، فَمَاذَا يَصْنَعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ فِي الْعَشْرِ.

قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الْعَشْرِ نَظَرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ كَوْنِهِ فِي الْجِعْرَانَةِ وَصَوَّبَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي الْجِعْرَانَةِ، وَاسْتِبْعَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (بِمِشْقَصٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ نَصْلٌ عَرِيضٌ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ. وَقَالَ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ: هُوَ الطَّوِيلُ مِنَ النِّصَالِ وَلَيْسَ بِعَرِيضٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الاستيعاب (١) كما هو قول مالكٍ، وهو الذي أدين الله (٢) به، والله أعلم.

١٧٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ) رأسه (فِي حَجَّتِهِ) أي: في (٣) حجَّة الوداع، وهذا (٤) طرفٌ من حديثٍ طويلٍ، رواه مسلمٌ من حديث نافعٍ: أنَّ ابن عمر أراد الحجَّ عام نزل (٥) الحجَّاج بابن الزُّبير … الحديث، وفيه: ولم يَحْلِلْ (٦) من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى كان يومُ النَّحر فنحر وحلق.

١٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ) في حجَّة الوداع، أو في الحديبية، أو في الموضعين جمعًا بين الأحاديث: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا) أي: الصَّحابة، قال الحافظ (٧) ابن حجرٍ: ولم أقف في شيءٍ من الطُّرق على الذي تولى (٨) السُّؤال في ذلك بعد البحث الشَّديد. انتهى. وفي رواية ابن سعدٍ في «الطَّبقات» في «غزوة الحديبية» كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا:

أنَّ عثمان وأبا قتادة هما اللذان قصَّرا ولم يحلقا في عام الحديبية، قال شيخ الإسلام الجلال بن البلقينيِّ: فيحتمل أن يكونا هما اللذان قالا: (وَالمُقَصِّرِينَ) أي: قل: وارحم المقصِّرين (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) : (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا): قل: (وَ) ارحم (المُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَ) ارحم (١) (المُقَصِّرِينَ) بالنَّصب (٢)، فالعطف (٣) على محذوفٍ، ومثله يُسمَّى بالعطف التَّلقينيِّ كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] قال الزَّمخشريُّ في «كشَّافه»: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ على الكاف، كأنَّه قال: وجاعلٌ بعض ذرِّيَّتي كما يُقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يصحُّ العطف على الكاف لأنَّها مجرورةٌ، فالعطف عليها لا يكون إلَّا بإعادة الجارِّ، ولم يُعِدْ، ولأنَّ «مِن» لا يمكن تقدير الجارِّ مضافًا إليها لأنَّها حرفٌ، فتقديرها بأنَّها مرادفةٌ لـ «بعض» حتَّى يقدِّر «جاعل» مضافًا إليها لا يصحُّ، ولا يصحُّ أن يكون تقدير العطف من باب العطف على موضع الكاف لأنَّه نُصِب، فيُجعَل (٤) «مِن» (٥) في موضع نصبٍ لأنَّ هذا ليس ممَّا يُعطَف فيه على الموضع على -مذهب سيبويه- لفوات المجوِّز، وليس نظير: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ لأنَّ الكاف هنا في موضع نصبٍ، والذي يقتضيه المعنى أن يكون ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ متعلِّقًا بمحذوفٍ، التَّقدير: واجعل من ذرِّيَّتي إمامًا لأنَّ إبراهيم فَهِمَ من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذرِّيَّته إمامًا. انتهى.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله مسلمٌ: (رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ -مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ-) شكَّ اللَّيث؛ إذ الأكثرون على وفاق ما رواه مالكٌ، لأنَّ في معظم الرِّوايات عنه إعادة الدُّعاء للمحلِّقين مرَّتين، وعطف «المقصِّرين» عليه في الثَّالثة، وانفرد يحيى ابن بُكَيرٍ دون رواة «المُوطَّأ» بإعادة ذلك ثلاثًا كما نبَّه عليه أبو عمر في «التَّقصِّي» ولم ينبِّه عليه في «التَّمهيد» (قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وهو العمريُّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ إِنْ شَاءَ قَصَّرَ اهـ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ، وَأَعْلَى مَا فِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ عَنْ عُمَرَ مَنْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ فَلْيَحْلِقْ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ حَفْصَةَ وَفِيهِ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْحَلْقِ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجِّهِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَرْدَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِحَدِيثِ حَفْصَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَقَدْ قُلْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي التَّرْجَمَةِ، بَلْ إِذَا وُجِدَتْ وَاحِدَةٌ كَفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.

١٢٧ - بَاب الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ

١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّتِهِ.

[الحديث ١٧٢٦ - طرفاه في: ٤٤١٠، ٤٤١١]

١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ"

١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "قال رسول الله : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ"

١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.

١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَفْهَمَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ لِقَوْلِهِ: عِنْدَ الْإِحْلَالِ، وَمَا يُصْنَعُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ التَّحَلُّلِ وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِدُعَائِهِ لِفَاعِلِهِ، وَالدُّعَاءُ يُشْعِرُ بِالثَّوَابِ، وَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْعِبَادَةِ لَا عَلَى الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُهُ الْحَلْقَ عَلَى التَّقْصِيرِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا تَتَفَاضَلُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا رِوَايَةً مُضَعَّفَةً عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ، وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِهَا لَكِنْ حُكِيَتْ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ لِابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ

أَحَادِيثَ، وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا وَلِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثًا، فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لِابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّتِهِ. وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوَّلُهُ: لَمَّا نَزَلَ الْحَجَّاجُ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ الْحَدِيثَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لِابْنِ عُمَرَ فِي الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ. وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ لِابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقَعْ لَهُ عَلَى شَرْطِهِ التَّصْرِيحُ بِمَحَلِّ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ، فَاسْتَنْبَطَ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَرَّحَ بِأَنَّ حِلَاقَهُ وَقَعَ فِي حَجَّتِهِ، وَالثَّالِثَ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ حَلَقَ وَبَعْضَهُمْ قَصَّرَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَّةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَنَذْكُرُ الْبَحْثَ فِيهِ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): أَفَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ مُتَّصِلًا بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي حَلَقَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ، وَبَيَّنَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ قَائِلَ وَزَعَمُوا ابْنُ جُرَيْجٍ الرَّاوِي لَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ - مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ وَالْمُقَصِّرِينَ، أَوْ قُلْ وَارْحَمِ الْمُقَصِّرِينَ، وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْفُ التَّلْقِينِيُّ، وَفِي قَوْلِهِ : وَالْمُقَصِّرِينَ إِعْطَاءُ الْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا السُّكُوتُ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ إِعَادَةُ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ، وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ دُونَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي: التَّقَصِّي وَأَغْفَلَهُ فِي: التَّمْهِيدِ بَلْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَاجَعْتُ أَصْلَ سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ فِي التَّقَصِّي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْعُمَرِيُّ، وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ بِلَفْظِ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ. فَذَكَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً، وَزَادَ: قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ. وَبَيَانُ أَنَّ كَوْنَهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صَرِيحًا، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ كَمَا ثَبَتَ، وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَعْدَ ثَالِثِ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ ذَلِكَ. وأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ - حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا - ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ. وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ شَكَّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ)

هُوَ الرَّقَّامُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ الْقَابِسِيُّ يَشُكُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِيهِ فَيُهْمِلُ ضَبْطَهُ، فَيَقُولُ: عَبَّاسٌ أَوْ عَيَّاشٌ. قُلْتُ: لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِلْعَبَّاسِ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ - ابْنَ الْوَلِيدِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ نَسَبَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا النَّرْسِيُّ، أَحَدُهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَالْآخَرُ فِي الْمَغَازِي، وَالثَّالِثُ فِي الْفِتَنِ، ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا قَالَ وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ، وَأَمَّا الَّذِي بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ فَأَكْثَرَ عَنْهُ وَفِي الْغَالِبِ لَا يَنْسُبُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَهَا ثَلَاثًا) أَيْ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاهِدَةٌ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ حَفِظَ الزِّيَادَةَ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ هَذِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ وَمِنْ أَفْرَادِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَتَابَعَ أَبَا زُرْعَةَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَرِوَايَةُ أَبِي زُرْعَةَ أَتَمُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ وَحَذْفٌ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ.

الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَاضِي وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لِذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ، وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ شَهِدَهَا وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ، وَلَمْ يَسُقِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ، وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَلَقُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا عُثْمَانَ، وَأَبَا قَتَادَةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْهُ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي سِيَاقِهِ: عَنْ حَبَشِيٍّ وَكَانَ

مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَوَهْمٌ فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي: الْأَوْسَطِ وَمِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، وَوَرَدَ تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ الثَّقَفِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ عُمَارَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ، فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَصَحُّ إِسْنَادًا، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ عَقِبَ أَحَادِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ

الْحُصَيْنِ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَجَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ الْمُتَعَّيَنُ لِتَظَاهُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ السَّبَبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ كَانَ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ مَنْ تَوَقَّفَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِحْلَالِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُزْنِ لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مَعَ اقْتِدَارِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ كَمَا سَتَأْتِي فِي مَكَانِهَا، فَلَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا، فَأَشَارَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يَحِلَّ هُوَ قَبْلَهُمْ، فَفَعَلَ، فَتَبِعُوهُ، فَحَلَقَ بَعْضُهُمْ وَقَصَّرَ بَعْضٌ، وَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْقِ أَسْرَعَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَذَا السَّبَبِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلُ، فَإِنَّ فِي آخِرِهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا. وَأَمَّا السَّبَبُ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ أَكْثَرُ مَنْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا وَيَحْلِقُوا رُءوسَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ فَفَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ، فَرَجَّحَ النَّبِيُّ فِعْلَ مَنْ حَلَقَ لِكَوْنِهِ أَبَيْنَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَإِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ أَنَّ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ إِذَا كَانَ مَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ مُتَقَارِبًا، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ كَذَلِكَ. وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ وَالتَّزَيُّنَ بِهِ، وَكَانَ الْحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلًا وَرُبَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ مِنَ الشُّهْرَةِ وَمِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، فَلِذَلِكَ كَرِهُوا الْحَلْقَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِيرِ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ عَنِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْحَلْقَ يَتَعَيَّنُ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الْحَسَنِ خِلَافُهُ. قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ، فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. نَعَمْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِذَا حَجَّ الرَّجُلُ أَوَّلَ حِجَّةٍ حَلَقَ، فَإِنْ حَجَّ أُخْرَى فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْلِقُوا فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ وَأَوَّلِ عُمْرَةٍ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلُّزُومِ. نَعَمْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَحِلَّ تَعْيِينِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُحْرِمُ لَبَّدَ شَعْرَهُ أَوْ ضَفَّرَهُ أَوْ عَقَصَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ: لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا إِنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ شَعْرُهُ خَفِيفًا لَا يُمْكِنُ تَقْصِيرُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ فَيُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَعَيُّنِ الْحَلْقِ لِمَنْ لَبَّدَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَالَّذِي يُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ، بِخِلَافِ الْحَالِقِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّجَرُّدِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ الصُّلَحَاءُ إِلْقَاءَ الشُّعُورِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُقَصِّرَ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ، بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْأَمْرِ بِالتَّقَشُّفِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ عَقِبَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ الْمُحَلِّقِينَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الصِّيغَةُ، وَقَالَ بِوُجُوبِ حَلْقِ جَمِيعِهِ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ،

وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيُجْزِئُ الْبَعْضُ عِنْدَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبُعُ، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فَقَالَ النِّصْفُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَفِي وَجْهٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ قَدْرِ الْأُنْمُلَةِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونَهَا أَجْزَأَ، هَذَا لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُرَتَّبٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عَلَى الْحَلْقِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، وَقَالَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا وَيُكْرَهُ، وَقَالَ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ، وَحُسَيْنٌ: لَا يَجُوزُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ، وَتَكْرَارُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الرَّاجِحَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ فِيهِمَا، وَالتَّنْبِيهُ بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَانِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْنَادُ سِوَى أَبِي عَاصِمٍ مَكِّيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.

وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْخَلِيفَةُ الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قَصَّرْتُ) أَيْ: أَخَذْتُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُسُكٍ، إِمَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي حَجَّتِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةٍ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَرْوَةِ، وَلَفْظُهُ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. أَوْ: رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ أَوِ الْجِعْرَانَةِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ طَاوُسٍ بِلَفْظِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ؟ فَقُلْتُ لَهُ لَا أَعْلَمُ هَذِهِ إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ، وَبَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، إِلَخْ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَذِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبْتُ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِقَوْلِهِ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكَ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ لَمَا كَانَ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ حُجَّةٌ.

وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِمِشْقَصٍ مَعِي وَهُوَ مُحْرِمٌ وَفِي كَوْنِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَكَيْفَ يُقَصِّرُ عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَةِ. وَقَدْ بَالَغَ النَّوَوِيُّ هُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ قَارِنًا وَثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ بِمِنًى وَفَرَّقَ أَبُو طَلْحَةَ شَعْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ تَقْصِيرِ مُعَاوِيَةَ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ سَبْعٍ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ مُسْلِمًا إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ، فَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ قِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ.

قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْخُ هُنَا مَا مَرَّ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَالَّذِي رَجَّحَهُ مِنْ كَوْنِ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ، لَكِنْ

يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ خُفْيَةً وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِظْهَارِهِ إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ تَرْجَمَةِ مُعَاوِيَةَ تَصْرِيحَ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَضِيَّةِ وَأَنَّهُ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ خَوْفًا مِنْ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ لَمَّا دَخَلَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ مَكَّةَ خَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا عَنْهَا حَتَّى لَا يَنْظُرُونَهُ وَأَصْحَابَهُ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِمَكَّةَ لِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ أَيْضًا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فَعَلْنَاهَا - يَعْنِي الْعُمْرَةَ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ بِضَمَّتَيْنِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ، يُشِيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا اسْتَصْحَبَهُ مِنْ حَالِهِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى إِسْلَامِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يُخْفِيهِ. وَيُعَكِّرُ عَلَى مَا جَوَّزُهُ أَنَّ تَقْصِيرَهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ أَنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْ أَحَدًا مَعَهُ إِلَّا بَعْضَ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَرَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، فَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ، فَخَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.

كَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَعُدْ مُعَاوِيَةُ فِيمَنْ صَحِبَهُ حِينَئِذٍ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حَتَّى يُقَالَ: لَعَلَّهُ وَجَدَهُ بِمَكَّةَ، بَلْ كَانَ مَعَ الْقَوْمِ وَأَعْطَاهُ مِثْلَمَا أَعْطَى أَبَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ مَعَ جُمْلَةِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ فِي آخِرِ قِصَّةِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَنَّ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَهُ فِي عُمْرَتِهِ الَّتِي اعْتَمَرَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ أَبُو هِنْدٍ عَبْدُ بَنِي بَيَاضَةَ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا، وَثَبَتَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ فَقَصَّرَ عَنْهُ بِالْمَرْوَةِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ قَصَّرَ عَنْهُ أَوَّلًا، وَكَانَ الْحَلَّاقُ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ثُمَّ حَضَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُكْمِلَ إِزَالَةَ الشَّعْرَ بِالْحَلْقِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ فَفَعَلَ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ فِيهَا جَاءَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِعَيْنِهِ وَحَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا، وَهَذَا مِمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِهِ فِي هَذَا الْفَتْحِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَبَدًا. قَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ، وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَنَسِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّتِهِ. انْتَهَى.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا إِلَّا رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمَةُ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِكَوْنِ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، إِلَّا أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَقَدْ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَقِبَهَا: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَأَظُنُّ قَيْسًا رَوَاهَا بِالْمَعْنَى، ثُمَّ حَدَّثَ بِهَا فَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمِشْقَصٍ. حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قَصَّرْتُ أَنَا شَعْرِي عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ . انْتَهَى. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ. أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ قَصَّرَ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ بَقِيَّةَ شَعْرٍ لَمْ يَكُنِ الْحَلَّاقُ اسْتَوْفَاهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْهَدْيِ بِأَنَّ الْحَالِقَ لَا يُبْقِي شَعْرًا يُقَصَّرُ مِنْهُ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، وَأَيْضًا فَهُوَ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ، فَمَاذَا يَصْنَعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ فِي الْعَشْرِ.

قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الْعَشْرِ نَظَرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ كَوْنِهِ فِي الْجِعْرَانَةِ وَصَوَّبَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي الْجِعْرَانَةِ، وَاسْتِبْعَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (بِمِشْقَصٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ نَصْلٌ عَرِيضٌ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ. وَقَالَ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ: هُوَ الطَّوِيلُ مِنَ النِّصَالِ وَلَيْسَ بِعَرِيضٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الاستيعاب (١) كما هو قول مالكٍ، وهو الذي أدين الله (٢) به، والله أعلم.

١٧٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ) رأسه (فِي حَجَّتِهِ) أي: في (٣) حجَّة الوداع، وهذا (٤) طرفٌ من حديثٍ طويلٍ، رواه مسلمٌ من حديث نافعٍ: أنَّ ابن عمر أراد الحجَّ عام نزل (٥) الحجَّاج بابن الزُّبير … الحديث، وفيه: ولم يَحْلِلْ (٦) من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى كان يومُ النَّحر فنحر وحلق.

١٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ) في حجَّة الوداع، أو في الحديبية، أو في الموضعين جمعًا بين الأحاديث: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا) أي: الصَّحابة، قال الحافظ (٧) ابن حجرٍ: ولم أقف في شيءٍ من الطُّرق على الذي تولى (٨) السُّؤال في ذلك بعد البحث الشَّديد. انتهى. وفي رواية ابن سعدٍ في «الطَّبقات» في «غزوة الحديبية» كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا:

أنَّ عثمان وأبا قتادة هما اللذان قصَّرا ولم يحلقا في عام الحديبية، قال شيخ الإسلام الجلال بن البلقينيِّ: فيحتمل أن يكونا هما اللذان قالا: (وَالمُقَصِّرِينَ) أي: قل: وارحم المقصِّرين (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) : (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا): قل: (وَ) ارحم (المُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَ) ارحم (١) (المُقَصِّرِينَ) بالنَّصب (٢)، فالعطف (٣) على محذوفٍ، ومثله يُسمَّى بالعطف التَّلقينيِّ كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] قال الزَّمخشريُّ في «كشَّافه»: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ على الكاف، كأنَّه قال: وجاعلٌ بعض ذرِّيَّتي كما يُقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يصحُّ العطف على الكاف لأنَّها مجرورةٌ، فالعطف عليها لا يكون إلَّا بإعادة الجارِّ، ولم يُعِدْ، ولأنَّ «مِن» لا يمكن تقدير الجارِّ مضافًا إليها لأنَّها حرفٌ، فتقديرها بأنَّها مرادفةٌ لـ «بعض» حتَّى يقدِّر «جاعل» مضافًا إليها لا يصحُّ، ولا يصحُّ أن يكون تقدير العطف من باب العطف على موضع الكاف لأنَّه نُصِب، فيُجعَل (٤) «مِن» (٥) في موضع نصبٍ لأنَّ هذا ليس ممَّا يُعطَف فيه على الموضع على -مذهب سيبويه- لفوات المجوِّز، وليس نظير: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ لأنَّ الكاف هنا في موضع نصبٍ، والذي يقتضيه المعنى أن يكون ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ متعلِّقًا بمحذوفٍ، التَّقدير: واجعل من ذرِّيَّتي إمامًا لأنَّ إبراهيم فَهِمَ من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذرِّيَّته إمامًا. انتهى.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله مسلمٌ: (رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ -مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ-) شكَّ اللَّيث؛ إذ الأكثرون على وفاق ما رواه مالكٌ، لأنَّ في معظم الرِّوايات عنه إعادة الدُّعاء للمحلِّقين مرَّتين، وعطف «المقصِّرين» عليه في الثَّالثة، وانفرد يحيى ابن بُكَيرٍ دون رواة «المُوطَّأ» بإعادة ذلك ثلاثًا كما نبَّه عليه أبو عمر في «التَّقصِّي» ولم ينبِّه عليه في «التَّمهيد» (قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وهو العمريُّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده