«إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٢

الحديث رقم ١٧٢ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا شرب الكلب من إناء أحدكم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٢ في صحيح البخاري

«إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا.»

إسناد حديث رقم ١٧٢ من صحيح البخاري

١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِ شَيْخِهِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بَلْ سَمِعَ مِنْ أَبِي عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَوْنٍ فَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَوْنٍ وَاحِدٌ، وَهُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثة أَنْفُسٍ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا حَلَقَ)؛ أَيْ: أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ مَجَازًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) يَعْنِي الْأَنْصَارِيَّ زَوْجَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ أَبَيْنَ مِمَّا سَاقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَدَفَعَ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ حَلَقَ الشِّقَّ الْآخَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّهُ قَسَمَ الْأَيْمَنَ فِيمَنْ يَلِيهِ، وَفِي لَفْظٍ فَوَزَّعَهُ بَيْنَ النَّاسِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، وَأَعْطَى الْأَيْسَرَ أُمَّ سُلَيْمٍ، وَفِي لَفْظٍ أَبَا طَلْحَةَ وَلَا تَنَاقُضَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، بَلْ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُا أَنَّهُ نَاوَلَ أَبَا طَلْحَةَ كُلًّا مِنَ الشِّقَّيْنِ فَأَمَّا الْأَيْمَنُ فَوَزَّعَهُ أَبُو طَلْحَةَ بِأَمْرِهِ وَأَمَّا الْأَيْسَرُ فَأَعْطَاهُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ زَوْجَتِهِ بِأَمْرِهِ أَيْضًا، زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ لِتَجْعَلَهُ فِي طِيبِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ يَقْسِمُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ يَعُودُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ؛ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ، قال: النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ طَهَارَةُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قال: الْجُمْهُورُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِشَعْرِهِ وَجَوَازُ اقْتِنَائِهِ، وَفِيهِ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْعَطِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ. أَقُولُ: وَفِيهِ أَنَّ الْمُوَاسَاةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُسَاوَاةَ.

وَفِيهِ تَنْفِيلُ مَنْ يَتَوَلَّى التَّفْرِقَةَ عَلَى غَيْرِهِ، قال: وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الْحَالِقِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ خِرَاشًا كَانَ الْحَالِقَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَعَ هُنَا - فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ - قَبْلَ إِيرَادِ حَدِيثِ مَالِكٍ بَابُ إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ.

١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قال: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا.

قَوْلُهُ (إِذَا شَرِبَ) كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ إِذَا وَلَغَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: وَلَغَ يَلَغُ - بِالْفَتْحِ فِيهِمَا - إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ، أَوْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِيهِ فَحَرَّكَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ أَنْ يُدْخِلَ لِسَانَهُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَائِعٍ فَيُحَرِّكَهُ، زَادَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: شَرِبَ أَوْ لَمْ يَشْرَبْ. وَقَالَ ابْنُ مَكِّيٍّ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَائِعٍ يُقَالُ لَعِقَهُ. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: فَإِنْ كَانَ فَارِغًا يُقَالُ لَحِسَهُ.

وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ لَفْظَ شَرِبَ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِكٌ، وَأَنَّ غَيْرَهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ وَلَغَ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إِذَا شَرِبَ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِلَفْظِ إِذَا وَلَغَ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ شَيْخُ مَالِكٍ بِلَفْظِ

إِذَا شَرِبَ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ، وَكَذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، نَعَمْ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ إِذَا وَلَغَ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، وَكَأَنَّ أَبَا الزِّنَادِ حَدَّثَ بِهِ بِاللَّفْظَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّ الشُّرْبَ كَمَا بَيَّنَّا أَخَصُّ مِنَ الْوُلُوغِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إِذَا وَلَغَ يَقْتَضِي قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلتَّنْجِيسِ يَتَعَدَّى الْحُكْمَ إِلَى مَا إِذَا لَحِسَ أَوْ لَعِقَ مَثَلًا، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْوُلُوغِ لِلْغَالِبِ، وَأَمَّا إِلْحَاقُ بَاقِي أَعْضَائِهِ كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَمَهُ أَشْرَفُهَا فَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَخَصَّهُ فِي الْقَدِيمِ بالْأَوَّلِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِنَّهُ وَجْهٌ شَاذٌّ. وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِنَّهُ الْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ، وَالْأَوْلَوِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ تُمْنَعُ لِكَوْنِ فَمِهِ مَحَلَّ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَاتِ.

قَوْلُهُ: (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الْآنِيَةِ، وَمَفْهُومُهُ يُخْرِجُ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ مَثَلًا، وَبِهِ قال: الْأَوْزَاعِيُّ مُطْلَقًا، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَالْإِضَافَةُ الَّتِي فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ يُلْغَى اعْتِبَارُهَا هُنَا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَلْيَغْسِلْهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَاسِلَ. وَزَادَ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلْيُرِقْهُ وَهُوَ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ، إِذِ الْمُرَاقُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاءً أَوْ طَعَامًا، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يُؤْمَرْ بِإِرَاقَتِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، لَكِنْ قال النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ عَلَى زِيَادَةِ فَلْيُرِقْهُ. وَقَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ: إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ، كَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَشُعْبَةَ. وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوِهِ إِلَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، لَكِنْ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَكَذَا ذَكَرَ الْإِرَاقَةَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَغْسِلْهُ) يَقْتَضِي الْفَوْرَ، لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ الْإِنَاءَ.

قَوْلُهُ: (سَبْعًا)؛ أَيْ: سَبْعَ مِرَارٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ التَّتْرِيبُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي رَافِعٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالِدِ السُّدِّيِّ عِنْدَ الْبَزَّارِ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي مَحَلِّ غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ، فَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْهُ أُولَاهُنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْهُ أُولَاهُنَّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ أَبَانُ عَنْ قَتَادَةَ السَّابِعَةُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أُولَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُنَّ (١). وَفِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْبَزَّارِ إِحْدَاهُنَّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُقَالَ إِحْدَاهُنَّ مُبْهَمَةٌ وَأُولَاهُنَّ وَالسَّابِعَةُ مُعَيَّنَةٌ وَأَوْ إِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَمُقْتَضَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى

الرِّوَايَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ وَذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَالسُّبْكِيُّ بَحْثًا، وَهُوَ مَنْصُوصٌ كَمَا ذَكَرْنَا.

وَإِنْ كَانَتْ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي فَرِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ وَلَمْ يَشُكَّ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَبْهَمَ أَوْ شَكَّ، فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ وَرِوَايَةِ السَّابِعَةِ، وَرِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّةُ وَالْأَحْفَظِيَّةُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَتْرِيبَ الْأَخِيرَةِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى غَسْلَةٍ أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي حَرْمَلَةَ عَلَى أَنَّ الْأُولَى أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَتَعَدَّى عَنْ مَحَلِّهَا إِلَى مَا يُجَاوِرُهَا بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَائِعًا، وَعَلَى تَنْجِيسِ الْمَائِعَاتِ إِذَا وَقَعَ فِي جُزْءٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ، وَعَلَى تَنْجِيسِ الْإِنَاءِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْمَائِعِ، وَعَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ وُلُوغَ الْكَلْبِ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ غَالِبًا، وَعَلَى أَنَّ وُرُودَ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ يُخَالِفُ وُرُودَهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ لَمَّا وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي إِرَاقَةِ جَمِيعِهِ وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ، وَحَقِيقَتُهُ تَتَأَدَّى بِمَا يُسَمَّى غَسْلًا وَلَوْ كَانَ مَا يُغْسَلُ بِهِ أَقَلَّ مِمَّا أُرِيقَ.

(فَائِدَةٌ): خَالَفَ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، فَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا مَعَ إِيجَابِهِمُ التَّسْبِيعَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ التَّتْرِيبَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، قال الْقَرَافِيُّ مِنْهُمْ: قَدْ صَحَّتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ، فَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ لَمْ يَقُولُوا بِهَا. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيعِ لِلنَّدْبِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لِلتَّعَبُّدِ لِكَوْنِ الْكَلْبِ طَاهِرًا عِنْدَهُمْ، وَأَبْدَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ لَهُ حِكْمَةً غَيْرَ التَّنْجِيسِ كَمَا سَيَأْتِي. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ نَجِسُ، لَكِنَّ قَاعِدَتَهُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، فَلَا يَجِبُ التَّسْبِيعُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِلتَّعَبُّدِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَهَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ نَاشِئٌ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمَّا قَامَ يطهر مَا يُطَهِّرُ الْحَدَثَ سُمِّيَ طَهُورًا. وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ يَمْنَعُ هَذَا الْإِيرَادَ مِنْ أَصْلِهِ (١).

وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّرْعِ إِذَا دَارَتْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ حُمِلَتْ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا إِذَا قَامَ دَلِيلٌ، وَدَعْوَى بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ الْكَلْبُ الْمَنْهِيُّ عَنِ اتِّخَاذِهِ دُونَ الْمَأْذُونِ فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ تَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخَاذِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ، وَإِلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ الْكَلْبُ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ أَوْ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ فَيَحْتَاجُ الْمُدَّعِي أَنَّهَا لِلْعَهْدِ إِلَى دَلِيلٍ، وَمِثْلُهُ تَفْرِقَةُ بَعْضِهِمْ بَيْنَ الْبَدَوِيِّ وَالْحَضَرِيِّ، وَدَعْوَى بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْكَلْبِ الْكَلِبِ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِهِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ السَّبْعَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ كَقَوْلِهِ صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، قَوْلُهُ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلْبَ الْكَلِبَ لَا يَقْرَبُ الْمَاءَ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ؟ وَأَجَابَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا يَقْرَبُ الْمَاءَ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ الْكَلْبِ مِنْهُ، أَمَّا فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَمْتَنِعُ.

وَهَذَا التَّعْلِيلُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّخْصِيصَ بِلَا دَلِيلٍ وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّنْجِيسِ أَقْوَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ رِجْسٌ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَهُ،

وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ إِنَاءِ الْمَاءِ فَيُرَاقُ وَيُغْسَلُ وَبَيْنَ إِنَاءِ الطَّعَامِ فَيُؤْكَلُ ثُمَّ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِرَاقَةِ عَامٌّ فَيُخَصُّ الطَّعَامُ مِنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَعُورِضَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْإِضَاعَةِ مَخْصُوصٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ، وَيَتَرَجَّحُ هَذَا الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إِرَاقَةِ مَا تَقَعُ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْ قَلِيلِ الْمَائِعَاتِ وَلَوْ عَظُمَ ثَمَنُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ الْإِضَاعَةِ مَخْصُوصٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَوْ لِنَجَاسَةٍ طَارِئَةٍ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ مَثَلًا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي مُشَارَكَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ كَالْهِرَّةِ مَثَلًا، وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لِعَيْنِهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَجَاسَةِ بَاقِيهِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَأَنْ يُقَالَ: لُعَابُهُ نَجِسٌ فَفَمُهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ مُتَحَلِّبٌ مِنْهُ وَاللُّعَابُ عَرَقُ فَمِهِ وَفَمُهُ أَطْيَبُ بَدَنِهِ، فَيَكُونُ عَرَقُهُ نَجِسًا وَإِذَا كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا كَانَ بَدَنُهُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْعَرَقَ مُتَحَلِّبٌ مِنَ الْبَدَنِ وَلَكِنْ هَلْ يَلْتَحِقُ بَاقِي أَعْضَائِهِ بِلِسَانِهِ فِي وُجُوبِ السَّبْعِ وَالتَّتْرِيبِ أَمْ لَا؟ تَقَدَّمَتِ

الْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُوبِ السَّبْعِ وَلَا التَّتْرِيبِ، وَاعْتَذَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ بِأُمُورٍ، مِنْهَا كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ أَفْتَى بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ السَّبْعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْتَى بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ نَدْبِيَّةَ السَّبْعِ لَا وُجُوبَهَا أَوْ كَانَ نَسِيَ مَا رَوَاهُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ، وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْغَسْلِ سَبْعًا وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُوَافِقَةً فُتْيَاهُ لِرِوَايَتِهِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُخَالَفَتُهَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ، أَمَّا النَّظَرُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْإِسْنَادُ فَالْمُوَافَقَةُ وَرَدَتْ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْقُوَّةِ بِكَثِيرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَذِرَةَ أَشَدُّ فِي النَّجَاسَةِ مِنْ سُؤْرِ الْكَلْبِ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالسَّبْعِ فَيَكُونُ الْوُلُوغُ كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا أَشَدَّ مِنْهُ فِي الِاسْتِقْذَارِ أَنْ لَا يَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا فِي تَغْلِيظِ الْحُكْمِ، وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.

وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَلَمَّا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا نُسِخَ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَالْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَأْمُرُ بِالْغَسْلِ وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ سَبْعٍ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ سِيَاقُ مُسْلِمٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَمِنْهَا إِلْزَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِإِيجَابِ ثَمَانِ غَسَلَاتٍ عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِالتُّرَابِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنْ يَتْرُكُوا هُمُ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ أَصْلًا وَرَأْسًا؛ لِأَنَّ اعْتِذَارَ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَلُومٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٢ - ١٧٣ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) وللأربعة: «أخبرنا مالكٌ» الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ) أي: إذا ولغ الكلب -ولو مأذونًا في اتِّخاذه- بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: «من» (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا) أي: سبع مرَّاتٍ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا شاذٌّ؛ فإنَّ ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ» وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم» مُلْغًى اعتبارها لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ (١) الأمر بالغسل للتَّنجيس (٢) يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى-، وفي رواية ابن عساكر -كما في الفرع كأصله قبل هذا الحديث (١) -: «باب: إذا شرب الكلب في (٢) إناء أحدكم فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف» وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا … » وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف: «باب إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج (٣)، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا قال: (سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ التَّابعيَّ، مولى ابن عمر (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (٤) الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى) أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة وبالرَّاء، مقصور (٥): التُّراب النَّديُّ، أي: يلعقه (مِنَ العَطَشِ) أي: بسببه (فَأَخَذَ

الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ) أي: جعله ريَّان (١)، وفي روايةٍ [خ¦٦٠٠٩]: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه (٢) الحرُّ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثمَّ خرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرَّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثمَّ أمسكه بفيه حتَّى (٣) رَقِيَ، فسقى الكلب» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أي: أثنى عليه، أو جازاه (فَأَدْخَلَهُ) الله (الجَنَّةَ) من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، أوِ «الفاء»: تفسيريَّةٌ على حدِّ قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على ما فُسِّر أنَّ القتل كان نفس توبتهم، وفي الرِّواية الأخرى: فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: «إنَّ في كلِّ كبدٍ رطبة أجْرًا» [خ¦٦٠٠٩] وقدِ استدلَّ بعض المالكيَّة للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلِّف هذا الحديث في هذه التَّرجمة؛ من كون الرَّجل سقى الكلب في خفِّه، واستباح لبسه في الصَّلاة دون غسله؛ إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأُجِيب باحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو لم يلبسه، ولئن سلَّمنا سقيَه فيه فلا يلزمنا (٤)؛ لأنَّه وإن كان شَرْعَ غيرِنا فهو منسوخٌ في شرعنا.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيَّان، وهما (٥):

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِ شَيْخِهِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بَلْ سَمِعَ مِنْ أَبِي عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَوْنٍ فَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَوْنٍ وَاحِدٌ، وَهُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثة أَنْفُسٍ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا حَلَقَ)؛ أَيْ: أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ مَجَازًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) يَعْنِي الْأَنْصَارِيَّ زَوْجَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ أَبَيْنَ مِمَّا سَاقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَدَفَعَ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ حَلَقَ الشِّقَّ الْآخَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّهُ قَسَمَ الْأَيْمَنَ فِيمَنْ يَلِيهِ، وَفِي لَفْظٍ فَوَزَّعَهُ بَيْنَ النَّاسِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، وَأَعْطَى الْأَيْسَرَ أُمَّ سُلَيْمٍ، وَفِي لَفْظٍ أَبَا طَلْحَةَ وَلَا تَنَاقُضَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، بَلْ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُا أَنَّهُ نَاوَلَ أَبَا طَلْحَةَ كُلًّا مِنَ الشِّقَّيْنِ فَأَمَّا الْأَيْمَنُ فَوَزَّعَهُ أَبُو طَلْحَةَ بِأَمْرِهِ وَأَمَّا الْأَيْسَرُ فَأَعْطَاهُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ زَوْجَتِهِ بِأَمْرِهِ أَيْضًا، زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ لِتَجْعَلَهُ فِي طِيبِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ يَقْسِمُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ يَعُودُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ؛ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ، قال: النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ طَهَارَةُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قال: الْجُمْهُورُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِشَعْرِهِ وَجَوَازُ اقْتِنَائِهِ، وَفِيهِ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْعَطِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ. أَقُولُ: وَفِيهِ أَنَّ الْمُوَاسَاةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُسَاوَاةَ.

وَفِيهِ تَنْفِيلُ مَنْ يَتَوَلَّى التَّفْرِقَةَ عَلَى غَيْرِهِ، قال: وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الْحَالِقِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ خِرَاشًا كَانَ الْحَالِقَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَعَ هُنَا - فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ - قَبْلَ إِيرَادِ حَدِيثِ مَالِكٍ بَابُ إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ.

١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قال: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا.

قَوْلُهُ (إِذَا شَرِبَ) كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ إِذَا وَلَغَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: وَلَغَ يَلَغُ - بِالْفَتْحِ فِيهِمَا - إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ، أَوْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِيهِ فَحَرَّكَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ أَنْ يُدْخِلَ لِسَانَهُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَائِعٍ فَيُحَرِّكَهُ، زَادَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: شَرِبَ أَوْ لَمْ يَشْرَبْ. وَقَالَ ابْنُ مَكِّيٍّ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَائِعٍ يُقَالُ لَعِقَهُ. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: فَإِنْ كَانَ فَارِغًا يُقَالُ لَحِسَهُ.

وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ لَفْظَ شَرِبَ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِكٌ، وَأَنَّ غَيْرَهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ وَلَغَ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إِذَا شَرِبَ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِلَفْظِ إِذَا وَلَغَ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ شَيْخُ مَالِكٍ بِلَفْظِ

إِذَا شَرِبَ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ، وَكَذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، نَعَمْ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ إِذَا وَلَغَ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، وَكَأَنَّ أَبَا الزِّنَادِ حَدَّثَ بِهِ بِاللَّفْظَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّ الشُّرْبَ كَمَا بَيَّنَّا أَخَصُّ مِنَ الْوُلُوغِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إِذَا وَلَغَ يَقْتَضِي قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلتَّنْجِيسِ يَتَعَدَّى الْحُكْمَ إِلَى مَا إِذَا لَحِسَ أَوْ لَعِقَ مَثَلًا، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْوُلُوغِ لِلْغَالِبِ، وَأَمَّا إِلْحَاقُ بَاقِي أَعْضَائِهِ كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَمَهُ أَشْرَفُهَا فَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَخَصَّهُ فِي الْقَدِيمِ بالْأَوَّلِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِنَّهُ وَجْهٌ شَاذٌّ. وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِنَّهُ الْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ، وَالْأَوْلَوِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ تُمْنَعُ لِكَوْنِ فَمِهِ مَحَلَّ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَاتِ.

قَوْلُهُ: (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الْآنِيَةِ، وَمَفْهُومُهُ يُخْرِجُ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ مَثَلًا، وَبِهِ قال: الْأَوْزَاعِيُّ مُطْلَقًا، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَالْإِضَافَةُ الَّتِي فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ يُلْغَى اعْتِبَارُهَا هُنَا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَلْيَغْسِلْهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَاسِلَ. وَزَادَ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلْيُرِقْهُ وَهُوَ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ، إِذِ الْمُرَاقُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاءً أَوْ طَعَامًا، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يُؤْمَرْ بِإِرَاقَتِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، لَكِنْ قال النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ عَلَى زِيَادَةِ فَلْيُرِقْهُ. وَقَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ: إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ، كَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَشُعْبَةَ. وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوِهِ إِلَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، لَكِنْ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَكَذَا ذَكَرَ الْإِرَاقَةَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَغْسِلْهُ) يَقْتَضِي الْفَوْرَ، لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ الْإِنَاءَ.

قَوْلُهُ: (سَبْعًا)؛ أَيْ: سَبْعَ مِرَارٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ التَّتْرِيبُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي رَافِعٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالِدِ السُّدِّيِّ عِنْدَ الْبَزَّارِ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي مَحَلِّ غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ، فَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْهُ أُولَاهُنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْهُ أُولَاهُنَّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ أَبَانُ عَنْ قَتَادَةَ السَّابِعَةُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أُولَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُنَّ (١). وَفِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْبَزَّارِ إِحْدَاهُنَّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُقَالَ إِحْدَاهُنَّ مُبْهَمَةٌ وَأُولَاهُنَّ وَالسَّابِعَةُ مُعَيَّنَةٌ وَأَوْ إِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَمُقْتَضَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى

الرِّوَايَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ وَذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَالسُّبْكِيُّ بَحْثًا، وَهُوَ مَنْصُوصٌ كَمَا ذَكَرْنَا.

وَإِنْ كَانَتْ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي فَرِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ وَلَمْ يَشُكَّ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَبْهَمَ أَوْ شَكَّ، فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ وَرِوَايَةِ السَّابِعَةِ، وَرِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّةُ وَالْأَحْفَظِيَّةُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَتْرِيبَ الْأَخِيرَةِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى غَسْلَةٍ أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي حَرْمَلَةَ عَلَى أَنَّ الْأُولَى أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَتَعَدَّى عَنْ مَحَلِّهَا إِلَى مَا يُجَاوِرُهَا بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَائِعًا، وَعَلَى تَنْجِيسِ الْمَائِعَاتِ إِذَا وَقَعَ فِي جُزْءٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ، وَعَلَى تَنْجِيسِ الْإِنَاءِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْمَائِعِ، وَعَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ وُلُوغَ الْكَلْبِ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ غَالِبًا، وَعَلَى أَنَّ وُرُودَ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ يُخَالِفُ وُرُودَهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ لَمَّا وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي إِرَاقَةِ جَمِيعِهِ وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ، وَحَقِيقَتُهُ تَتَأَدَّى بِمَا يُسَمَّى غَسْلًا وَلَوْ كَانَ مَا يُغْسَلُ بِهِ أَقَلَّ مِمَّا أُرِيقَ.

(فَائِدَةٌ): خَالَفَ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، فَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا مَعَ إِيجَابِهِمُ التَّسْبِيعَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ التَّتْرِيبَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، قال الْقَرَافِيُّ مِنْهُمْ: قَدْ صَحَّتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ، فَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ لَمْ يَقُولُوا بِهَا. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيعِ لِلنَّدْبِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لِلتَّعَبُّدِ لِكَوْنِ الْكَلْبِ طَاهِرًا عِنْدَهُمْ، وَأَبْدَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ لَهُ حِكْمَةً غَيْرَ التَّنْجِيسِ كَمَا سَيَأْتِي. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ نَجِسُ، لَكِنَّ قَاعِدَتَهُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، فَلَا يَجِبُ التَّسْبِيعُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِلتَّعَبُّدِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَهَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ نَاشِئٌ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمَّا قَامَ يطهر مَا يُطَهِّرُ الْحَدَثَ سُمِّيَ طَهُورًا. وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ يَمْنَعُ هَذَا الْإِيرَادَ مِنْ أَصْلِهِ (١).

وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّرْعِ إِذَا دَارَتْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ حُمِلَتْ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا إِذَا قَامَ دَلِيلٌ، وَدَعْوَى بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ الْكَلْبُ الْمَنْهِيُّ عَنِ اتِّخَاذِهِ دُونَ الْمَأْذُونِ فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ تَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخَاذِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ، وَإِلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ الْكَلْبُ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ أَوْ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ فَيَحْتَاجُ الْمُدَّعِي أَنَّهَا لِلْعَهْدِ إِلَى دَلِيلٍ، وَمِثْلُهُ تَفْرِقَةُ بَعْضِهِمْ بَيْنَ الْبَدَوِيِّ وَالْحَضَرِيِّ، وَدَعْوَى بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْكَلْبِ الْكَلِبِ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِهِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ السَّبْعَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ كَقَوْلِهِ صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، قَوْلُهُ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلْبَ الْكَلِبَ لَا يَقْرَبُ الْمَاءَ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ؟ وَأَجَابَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا يَقْرَبُ الْمَاءَ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ الْكَلْبِ مِنْهُ، أَمَّا فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَمْتَنِعُ.

وَهَذَا التَّعْلِيلُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّخْصِيصَ بِلَا دَلِيلٍ وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّنْجِيسِ أَقْوَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ رِجْسٌ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَهُ،

وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ إِنَاءِ الْمَاءِ فَيُرَاقُ وَيُغْسَلُ وَبَيْنَ إِنَاءِ الطَّعَامِ فَيُؤْكَلُ ثُمَّ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِرَاقَةِ عَامٌّ فَيُخَصُّ الطَّعَامُ مِنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَعُورِضَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْإِضَاعَةِ مَخْصُوصٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ، وَيَتَرَجَّحُ هَذَا الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إِرَاقَةِ مَا تَقَعُ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْ قَلِيلِ الْمَائِعَاتِ وَلَوْ عَظُمَ ثَمَنُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ الْإِضَاعَةِ مَخْصُوصٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَوْ لِنَجَاسَةٍ طَارِئَةٍ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ مَثَلًا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي مُشَارَكَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ كَالْهِرَّةِ مَثَلًا، وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لِعَيْنِهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَجَاسَةِ بَاقِيهِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَأَنْ يُقَالَ: لُعَابُهُ نَجِسٌ فَفَمُهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ مُتَحَلِّبٌ مِنْهُ وَاللُّعَابُ عَرَقُ فَمِهِ وَفَمُهُ أَطْيَبُ بَدَنِهِ، فَيَكُونُ عَرَقُهُ نَجِسًا وَإِذَا كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا كَانَ بَدَنُهُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْعَرَقَ مُتَحَلِّبٌ مِنَ الْبَدَنِ وَلَكِنْ هَلْ يَلْتَحِقُ بَاقِي أَعْضَائِهِ بِلِسَانِهِ فِي وُجُوبِ السَّبْعِ وَالتَّتْرِيبِ أَمْ لَا؟ تَقَدَّمَتِ

الْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُوبِ السَّبْعِ وَلَا التَّتْرِيبِ، وَاعْتَذَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ بِأُمُورٍ، مِنْهَا كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ أَفْتَى بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ السَّبْعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْتَى بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ نَدْبِيَّةَ السَّبْعِ لَا وُجُوبَهَا أَوْ كَانَ نَسِيَ مَا رَوَاهُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ، وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْغَسْلِ سَبْعًا وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُوَافِقَةً فُتْيَاهُ لِرِوَايَتِهِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُخَالَفَتُهَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ، أَمَّا النَّظَرُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْإِسْنَادُ فَالْمُوَافَقَةُ وَرَدَتْ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْقُوَّةِ بِكَثِيرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَذِرَةَ أَشَدُّ فِي النَّجَاسَةِ مِنْ سُؤْرِ الْكَلْبِ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالسَّبْعِ فَيَكُونُ الْوُلُوغُ كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا أَشَدَّ مِنْهُ فِي الِاسْتِقْذَارِ أَنْ لَا يَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا فِي تَغْلِيظِ الْحُكْمِ، وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.

وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَلَمَّا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا نُسِخَ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَالْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَأْمُرُ بِالْغَسْلِ وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ سَبْعٍ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ سِيَاقُ مُسْلِمٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَمِنْهَا إِلْزَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِإِيجَابِ ثَمَانِ غَسَلَاتٍ عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِالتُّرَابِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنْ يَتْرُكُوا هُمُ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ أَصْلًا وَرَأْسًا؛ لِأَنَّ اعْتِذَارَ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَلُومٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٢ - ١٧٣ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) وللأربعة: «أخبرنا مالكٌ» الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ) أي: إذا ولغ الكلب -ولو مأذونًا في اتِّخاذه- بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: «من» (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا) أي: سبع مرَّاتٍ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا شاذٌّ؛ فإنَّ ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ» وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم» مُلْغًى اعتبارها لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ (١) الأمر بالغسل للتَّنجيس (٢) يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى-، وفي رواية ابن عساكر -كما في الفرع كأصله قبل هذا الحديث (١) -: «باب: إذا شرب الكلب في (٢) إناء أحدكم فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف» وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا … » وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف: «باب إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج (٣)، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا قال: (سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ التَّابعيَّ، مولى ابن عمر (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (٤) الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى) أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة وبالرَّاء، مقصور (٥): التُّراب النَّديُّ، أي: يلعقه (مِنَ العَطَشِ) أي: بسببه (فَأَخَذَ

الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ) أي: جعله ريَّان (١)، وفي روايةٍ [خ¦٦٠٠٩]: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه (٢) الحرُّ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثمَّ خرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرَّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثمَّ أمسكه بفيه حتَّى (٣) رَقِيَ، فسقى الكلب» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أي: أثنى عليه، أو جازاه (فَأَدْخَلَهُ) الله (الجَنَّةَ) من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، أوِ «الفاء»: تفسيريَّةٌ على حدِّ قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على ما فُسِّر أنَّ القتل كان نفس توبتهم، وفي الرِّواية الأخرى: فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: «إنَّ في كلِّ كبدٍ رطبة أجْرًا» [خ¦٦٠٠٩] وقدِ استدلَّ بعض المالكيَّة للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلِّف هذا الحديث في هذه التَّرجمة؛ من كون الرَّجل سقى الكلب في خفِّه، واستباح لبسه في الصَّلاة دون غسله؛ إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأُجِيب باحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو لم يلبسه، ولئن سلَّمنا سقيَه فيه فلا يلزمنا (٤)؛ لأنَّه وإن كان شَرْعَ غيرِنا فهو منسوخٌ في شرعنا.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيَّان، وهما (٥):

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله