«قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا: اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٤٢

الحديث رقم ١٧٤٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخطبة أيام منى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٤٢ في صحيح البخاري

«قَالَ النَّبِيُّ بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : وَقَفَ النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، بِهَذَا، وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ.

بَابٌ: هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى

إسناد حديث رقم ١٧٤٢ من صحيح البخاري

١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٤٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"

١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ "قال النبي بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَفَ النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ بِهَذَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ فَطَفِقَ النَّبِيُّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ وَوَدَّعَ النَّاسَ فَقَالُوا هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ"

[الحديث ١٧٤٢ - أطرافه في: ٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٢٠٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخ طْبَةِ أَيَّامَ مِنًى) أَيْ مَشْرُوعِيَّتِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَا تُشْرَعُ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ التَّقْيِيدَ بِالْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ الْمُنِيرِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَأَيَّامُ مِنًى أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، كَحَدِيثِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَحْمَدَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِيهِ ذِكْرُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِمِنًى، فَهُوَ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَيَتَعَيَّنُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ، فَقَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، فَقَوْلُهُ: فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. وَفِي حَدِيثِ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ يَوْمَ الرُّءوسِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَمَّنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا خُطْبَةَ فِيهِ لِلْحَاجِّ، وَأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ الْوَصَايَا الْعَامَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمَّاهَا خُطْبَةً كَمَا سَمَّى الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَرَفَاتٍ خُطْبَةً، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ فَكَأَنَّهُ أَلْحَقَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَنَذْكُرُ نَقْلَ الِاخْتِلَافِ فِي

مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَفُضَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَغَزْوَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ) كَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى.

وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ نَحْوُهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: فَسَكَتَ إِلَخْ، بَلْ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ أَعْلَمُ: قَالَ: هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، فَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: لَعَلَّهُمَا وَاقِعَتَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ إِنَّمَا تُشْرَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنَّ بَعْضَهُمْ بَادَرَ بِالْجَوَابِ وَبَعْضَهُمْ سَكَتَ، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ إِنَّهُمْ فَوَّضُوا أَوَّلًا كُلُّهُمْ بِقَوْلِهِمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فَخَامَةٌ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ أَتَدْرُونَ سَكَتُوا عَنِ الْجَوَابِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ. وَقِيلَ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلَهُمْ: يَوْمٌ حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: بَلَى، وَسَكَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ ذِكْرِ جَوَابِهِمْ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بِاخْتِصَارٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي: (بَابِ قَوْلِهِ: رُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ).

قَوْلُهُ: (يَوْمٌ حَرَامٌ) أَيْ يَحْرُمُ فِيهِ الْقِتَالُ، وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ، وَكَذَلِكَ الْبَلَدُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مُسْتَوْعِبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَأَعَادَهَا مِرَارًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى عَدَدِهَا صَرِيحًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا كَعَادَتِهِ .

قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: إِلَى السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ) يُرِيدُ بِذَلِكَ الْكَلَامَ الْأَخِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ فُضَيْلٍ بِإِسْنَادِ الْبَابِ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ إِلَخْ، وَهُوَ يُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِلَى أُمَّتِهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ: إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ، وَالْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِمَا.

(تَنْبِيهٌ): لِسِتَّةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ أَسْمَاءُ: الثَّامِنُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَالتَّاسِعُ عَرَفَةَ، وَالْعَاشِرُ النَّحْرِ، وَالْحَادِيَ عَشَرَ الْقُرِّ، وَالثَّانِيَ عَشَرَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ النَّفْرِ الثَّانِي. وَذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ السَّابِعَ يُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ، وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

وَقَوْلُهُ: (يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي: بَابِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَبَعْدَهُ مُتَّصِلًا: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِبَابٍ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو) أَيْ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ تَابَعَ شُعْبَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْلُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ فَذَكَرَهُ، فَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَقُرَّةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْحِمْيَرِيُّ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْوِلَايَاتِ وَكَانَ حميدًا زَاهِدًا.

قَوْلُهُ: (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) بِنَصْبِ يَوْمٍ

عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ وَالتَّقْدِيرُ أَلَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَالتَّقْدِيرُ أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ هَذَا الْيَوْمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي قَوْلُهُ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ أَيْ أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ هَذَا الشَّهْرَ.

قَوْلُهُ: (بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ) كَذَا فِيهِ بِتَأْنِيثِ الْبَلَدِ وَتَذْكِيرِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْحَرَامِ اضْمَحَلَّ مِنْهُ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ وَصَارَ اسْمًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ إِنَّ الْبَلْدَةَ اسْمٌ خَاصٌّ بِمَكَّةَ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، وَقَالَ الطَّيِّبِيُّ: الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلِ، وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْخَيْرِ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِلْكَمَالِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ تُسَمَّى الْبَيْتَ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَصَرْتُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامٍ طَوِيلٍ لِلتُّورِبِشْتِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ) بِفَتْحِ يَوْمٍ وَكَسْرِهِ مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ، وَتَرْكُ التَّنْوِينِ مَعَ الْكَسْرِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَعَادَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنَّ يُبَلِّغَ، فَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّهُ أَدَّى مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ. وَالْمُبَلَّغُ بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ: رُبَّ شَخْصٍ بَلَغَهُ كَلَامِي فَكَانَ أَحْفَظَ لَهُ وَأَفْهَمَ لِمَعْنَاهُ مِنَ الَّذِي نَقَلَهُ لَهُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّهُ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ مَا لَيْسَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ رُبَّ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ. قُلْتُ: هِيَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِي التَّكْثِيرِ بِحَيْثُ غَلَبَتْ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ أَنَّ التَّقْلِيلَ هُنَا مُرَادٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقَدَّمَتْ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: عَسَى أَنْ يَبْلُغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ.

فِي الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ وَلَا فِقْهَهُ إِذَا ضَبَطَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، وَيَجُوزُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا وُجُوبُ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ، وَفِيهِ تَأْكِيدُ التَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظُهُ بِأَبْلَغِ مُمْكِنٍ مِنْ تَكْرَارٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَإِلْحَاقِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِعِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ حُرْمَةَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ بِحُرْمَةِ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَلَا يَرَوْنَ هَتْكَ حُرْمَتِهَا وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنْهَا تَذْكَارًا لِحُرْمَتِهَا وَتَقْرِيرًا لِمَا ثَبَتَ فِي نُفُوسِهِمْ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَرَادَ تَقْرِيرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَرِوَايَتُهُ عَنْ جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (أَفَتَدْرُونَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: أَوَتَدْرُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ زَايٌ خَفِيفَةٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَلَّى، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَعَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْجَمَرَاتِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ فِيهِ تَعْيِينُ الْبُقْعَةِ الَّتِي وَقَفَ فِيهَا، كَمَا أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَعْيِينَ الْمَكَانِ، كَمَا أَنَّ فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ تَعْيِينَ الْيَوْمِ، وَوَقَعَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ فِي رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ عُمَرَ، وَالْمُزَنِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ) هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) أَيْ: بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ أَصْلَ الْحَدِيثِ وَأَصْلَ مَعْنَاهُ، لَكِنَّ السِّيَاقَ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَفِي هَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ فِي أَجْوِبَتِهِمْ قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَجَابُوا أَوَّلًا بِالتَّفْوِيضِ فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابُوا بِالْمَطْلُوبِ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ بِهَذَا

أَيْ وَقَفَ مُتَلَبِّسًا بِهَذَا الْكَلَامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَطَفِقَ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَقَدْ وَقَعَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (فَوَدَّعَ النَّاسَ) وَقَعَ فِي طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَبَبُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: أُنْزِلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ، فَوَقَفَ بِالْعَقَبَةِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: خُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ، سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى. وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ ثَانِي النَّحْرِ: ثَالِثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّفْرِ، وَزَادَ خُطْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَقَالَ: إِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا لِيَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا وَصَايَا عَامَّةً، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ لِأَجْلِ الْحَجِّ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَبْلِيغِ مَا ذَكَرَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا، فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى تَعْلِيمِهِمْ أَسْبَابَ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إِيَّاهَا يَوْمَ عَرَفَةَ اهـ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَبَّهَ فِي الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعْظِيمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَعَلَى تَعْظِيمِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَةً، فَلَا يُلْتَفَتُ لِتَأْوِيلِ غَيْرِهِمْ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ إِمْكَانِ تَعْلِيمِ مَا ذُكِرَ يَوْمَ عَرَفَةَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الْخُطْبَةِ ثَانِيَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ، بَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَعْمَالٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ شُرِعَ تَجْدِيدُ التَّعْلِيمِ بِحَسَبِ تَجْدِيدِ الْأَسْبَابِ، وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ عَالِمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَنَّ الْخُطْبَةَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ نُقِلَتْ مِنْ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْأُمَرَاءِ، يَعْنِي مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَشُغِلَ الْأُمَرَاءُ فَأَخَّرُوهُ إِلَى الْغَدِ.

وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِمَا سَبَقَ، وَبَانَ بِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُطْبَةُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا ثَانِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ إِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَنْفِي وُقُوعَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَذَكَرَ فِيهِ السُّؤَالَ عَنْ تَقَدُّمِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ عَلَى بَعْضٍ، فَكَيْفَ سَاغَ لِلطَّحَاوِيِّ هَذَا النَّفْيُ الْمُطْلَقُ مَعَ رِوَايَتِهِ هُوَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَثَبَتَ أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. فَكَأَنَّهُ وَعَظَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَأَحَالَ فِي تَعْلِيمِهِمْ عَلَى تَلَقِّي ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِ. وَمِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى تَأْوِيلِ الطَّحَاوِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ بِعَرَفَاتٍ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ.

قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ أَحْرَمُ؟

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يناسب واحدٌ منها التَّقليل، ومن الثَّاني: قول أبي طالبٍ في النَّبيِّ :

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثِمَالُ اليتامى، عصمةٌ للأراملِ

انتهى.

لكنَّ الظَّاهر: أنَّ المراد بها هنا في حديث الباب: التَّقليل؛ بدليل قوله في الرِّواية السَّابقة في «العلم» [خ¦٦٧]: «عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه» (فَلَا) بالفاء، ولأبي الوقت: «ولا» (تَرْجِعُوا) أي: لا تصيروا (بَعْدِي كُفَّارًا) أي: كالكفَّار (يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب»، ويجوز جزمه كما مرَّ في الحديث السابق (١) [خ¦١٧٣٩].

وفي هذا (٢) الحديث: رواية ثلاثةٍ من التَّابعين؛ وهم: محمَّد بن سيرين، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وحُمَيد بن عبد الرَّحمن، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨].

١٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السَّلميُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّ محمَّد بن زيدٍ ( قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ) حال كونه (بِمِنًى) أي: فيها في خطبته التي خطبها يوم النَّحر: (أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»،

والجملة مقول القول (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ) حرَّم الله فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) : إنَّه (بَلَدٌ حَرَامٌ) بالتَّذكير، لا يجوز فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) : إنَّه (١) (شَهْرٌ حَرَامٌ) يحرم فيه القتل (قَالَ) : (فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة.

وفي هذا الحديث -كسابقه- من الفوائد: مشروعيَّة ضرب المثل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضح للسَّامع، وجواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، وجواز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٧] و «الأدب» [خ¦٦٠٤٣] و «الحدود» [خ¦٦٧٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦]، ومسلمٌ في «الإيمان».

(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ) بفتح الغين المعجمة وتخفيف الزَّاي من الغزو؛ بحذف الياء (٢) وإثباتها، ابن ربيعة الجُرَشيُّ؛ بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء وبالمعجمة (٣)، ممَّا وصله ابن ماجه ولفظه (٤): حدَّثنا المُؤمَّل بن الفضل (٥) عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال: حدَّثنا نافعٌ عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وقف يوم النَّحر في الحجَّة التي حجَّ فيها، فقال: «أيُّ يومٍ هذا؟» فقالوا: يوم النَّحر، فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» ورواه ابن ماجه وغيره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) قال: (وَقَفَ النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ) بفتح الجيم والميم، جمع جمرةٍ، وفيه: تعيين

موضع وقوفه كما أنَّ في الرِّواية السَّابقة تعيين الزَّمان كحديثي ابن عبَّاسٍ [خ¦١٧٣٩] [خ¦١٧٤٠] تعيين اليوم كتعيين الوقت منه في رواية رافع بن عمرٍو المزنيِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: رأيت النَّبيَّ (١) يخطب النَّاس بمنًى حين ارتفع الضُّحى (فِي الحَجَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في حجَّته» (الَّتِي حَجَّ) وللطَّبرانيِّ: في حجِّة الوداع (بِهَذَا) قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: أي (٢): وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور. واستغربه الحافظ ابن حجرٍ، وقال: بهذا، أي: بالحديث الذي تقدَّم من طريق محمَّد بن زيدٍ عن جدِّه، قال: وأراد المصنِّف بذلك أصل الحديث، وقيل (٣): معناه، لكنَّ السِّياق مختلفٌ؛ فإنَّ في طريق محمَّد بن زيدٍ أنَّهم أجابوا بالتَّفويض، وفي هذا عند ابن ماجه وغيره في أجوبتهم: قالوا: يوم النَّحر، قالوا: بلدٌ حرامٌ، قالوا: شهرٌ حرامٌ. انتهى. واعترضه العينيُّ بأنَّ في الطَّريقين اختلافًا؛ يعني: التَّفويض والجواب بيوم النَّحر، قال: وكأنَّ في طريق هشامٍ ورد الطَّريقان المذكوران: التَّفويض والجواب، وفي تعليق البخاريِّ عنه اللَّفظ: هو التَّفويض؛ فلذلك فسَّر الكِرمانيُّ لفظة: «بهذا» بقوله: وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور، وأراد بالكلام المذكور (٤) التَّفويض، قال: وهذا هو الوجه، فلا يُنسَب إلى الاستغراب لأنَّ الباء في: «بهذا» تتعلَّق بقوله: وقف النَّبيُّ ، ومن تأمَّل سرَّ التَّراكيب لم يَزِغ عن طريق الصَّواب. انتهى.

(وَقَالَ) : (هَذَا) أي: يوم النَّحر (يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ) واختُلِف في المراد بالحجِّ الأصغر؛ فالجمهور: على أنَّه العمرة، وصل ذلك عبد الرَّزَّاق من طريق عبد الله بن شدَّادٍ أحد كبار التَّابعين، ووصله الطَّبريُّ عن جماعةٍ؛ منهم عطاءٌ والشَّعبيُّ، وقِيل: يوم الحجِّ الأصغر:

يوم عرفة، ويوم الحجِّ الأكبر: يوم النَّحر لأنَّه فيه تتكمَّل بقيَّة المناسك، وعن مجاهدٍ: الأكبر: القِرَان، والأصغر: الإفراد، والذي تحصَّل من اختلافهم في يوم الحجِّ الأكبر خمسة أقوالٍ: أحدها: أنَّه يوم النَّحر، رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا وموقوفًا، ورواه أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا -كما مرَّ- وهو قول عليٍّ وعبد الله بن أبي أوفى والشَّعبيِّ، الثَّاني: أنَّه يوم عرفة، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية ابن جريحٍ: عن محمَّد بن قيسٍ عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله وهو بعرفاتٍ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: «أمَّا بعد؛ فإنَّ هذا اليوم الحجُّ الأكبر» وتُؤوِّل على معنى: أنَّ الوقوف هو المهمُّ من أفعاله لأنَّ الحجَّ يفوت بفواته، الثَّالث: أنَّه أيَّام الحجِّ كلِّها، قاله الثَّوريُّ، وقد يُعبَّر عن الزَّمان باليوم كقولهم: يوم بُعَاثٍ ويوم الجمل ويوم صِفِّين، الرَّابع: أنَّ الأكبر: القِران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهدٌ كما مرَّ، الخامس: حجُّ أبي بكرٍ بالنَّاس، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية الحسن عن سمرة بلفظ: قال رسول الله : «يوم الحجِّ الأكبر يوم حَجَّ أبو (١) بكرٍ الصِّدِّيق بالنَّاس»، وقد استنبط حميد بن عبد الرَّحمن من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر الصِّدِّيق يوم النَّحر: أنَّ يوم الحجِّ الأكبر هو يوم النَّحر.

(فَطَفِقَ) أي: جعل أو شرع (النَّبِيُّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ) جملةٌ وقعت خبرًا لطفق (وَوَدَّعَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فودَّع» (النَّاسَ) بفاء العطف بدل واوه لأنَّه علم أنَّه لا يتَّفق له بعد هذا وقفةٌ أخرى ولا اجتماعٌ آخر مثل ذلك، وسبب ذلك: أنَّه أُنزِلت عليه ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] في وسط أيَّام التَّشريق، وعرف أنَّه الوداع، فأمر براحلته القصواء (٢) فرُحِلت له، فركب عليها فوقف (٣) بالعقبة واجتمع النَّاس إليه … الحديثَ. ورواه البيهقيُّ بسندٍ فيه ضعفٌ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (هَذِهِ) الحجَّة (حَجَّةُ الوَدَاعِ) بفتح الواو، قال في «الصِّحاح»:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"

١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ "قال النبي بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَفَ النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ بِهَذَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ فَطَفِقَ النَّبِيُّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ وَوَدَّعَ النَّاسَ فَقَالُوا هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ"

[الحديث ١٧٤٢ - أطرافه في: ٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٢٠٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخ طْبَةِ أَيَّامَ مِنًى) أَيْ مَشْرُوعِيَّتِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَا تُشْرَعُ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ التَّقْيِيدَ بِالْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ الْمُنِيرِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَأَيَّامُ مِنًى أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، كَحَدِيثِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَحْمَدَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِيهِ ذِكْرُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِمِنًى، فَهُوَ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَيَتَعَيَّنُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ، فَقَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، فَقَوْلُهُ: فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. وَفِي حَدِيثِ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ يَوْمَ الرُّءوسِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَمَّنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا خُطْبَةَ فِيهِ لِلْحَاجِّ، وَأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ الْوَصَايَا الْعَامَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمَّاهَا خُطْبَةً كَمَا سَمَّى الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَرَفَاتٍ خُطْبَةً، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ فَكَأَنَّهُ أَلْحَقَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَنَذْكُرُ نَقْلَ الِاخْتِلَافِ فِي

مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَفُضَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَغَزْوَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ) كَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى.

وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ نَحْوُهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: فَسَكَتَ إِلَخْ، بَلْ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ أَعْلَمُ: قَالَ: هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، فَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: لَعَلَّهُمَا وَاقِعَتَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ إِنَّمَا تُشْرَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنَّ بَعْضَهُمْ بَادَرَ بِالْجَوَابِ وَبَعْضَهُمْ سَكَتَ، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ إِنَّهُمْ فَوَّضُوا أَوَّلًا كُلُّهُمْ بِقَوْلِهِمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فَخَامَةٌ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ أَتَدْرُونَ سَكَتُوا عَنِ الْجَوَابِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ. وَقِيلَ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلَهُمْ: يَوْمٌ حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: بَلَى، وَسَكَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ ذِكْرِ جَوَابِهِمْ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بِاخْتِصَارٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي: (بَابِ قَوْلِهِ: رُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ).

قَوْلُهُ: (يَوْمٌ حَرَامٌ) أَيْ يَحْرُمُ فِيهِ الْقِتَالُ، وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ، وَكَذَلِكَ الْبَلَدُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مُسْتَوْعِبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَأَعَادَهَا مِرَارًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى عَدَدِهَا صَرِيحًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا كَعَادَتِهِ .

قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: إِلَى السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ) يُرِيدُ بِذَلِكَ الْكَلَامَ الْأَخِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ فُضَيْلٍ بِإِسْنَادِ الْبَابِ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ إِلَخْ، وَهُوَ يُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِلَى أُمَّتِهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ: إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ، وَالْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِمَا.

(تَنْبِيهٌ): لِسِتَّةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ أَسْمَاءُ: الثَّامِنُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَالتَّاسِعُ عَرَفَةَ، وَالْعَاشِرُ النَّحْرِ، وَالْحَادِيَ عَشَرَ الْقُرِّ، وَالثَّانِيَ عَشَرَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ النَّفْرِ الثَّانِي. وَذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ السَّابِعَ يُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ، وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

وَقَوْلُهُ: (يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي: بَابِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَبَعْدَهُ مُتَّصِلًا: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِبَابٍ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو) أَيْ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ تَابَعَ شُعْبَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْلُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ فَذَكَرَهُ، فَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَقُرَّةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْحِمْيَرِيُّ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْوِلَايَاتِ وَكَانَ حميدًا زَاهِدًا.

قَوْلُهُ: (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) بِنَصْبِ يَوْمٍ

عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ وَالتَّقْدِيرُ أَلَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَالتَّقْدِيرُ أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ هَذَا الْيَوْمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي قَوْلُهُ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ أَيْ أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ هَذَا الشَّهْرَ.

قَوْلُهُ: (بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ) كَذَا فِيهِ بِتَأْنِيثِ الْبَلَدِ وَتَذْكِيرِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْحَرَامِ اضْمَحَلَّ مِنْهُ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ وَصَارَ اسْمًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ إِنَّ الْبَلْدَةَ اسْمٌ خَاصٌّ بِمَكَّةَ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، وَقَالَ الطَّيِّبِيُّ: الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلِ، وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْخَيْرِ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِلْكَمَالِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ تُسَمَّى الْبَيْتَ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَصَرْتُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامٍ طَوِيلٍ لِلتُّورِبِشْتِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ) بِفَتْحِ يَوْمٍ وَكَسْرِهِ مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ، وَتَرْكُ التَّنْوِينِ مَعَ الْكَسْرِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَعَادَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنَّ يُبَلِّغَ، فَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّهُ أَدَّى مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ. وَالْمُبَلَّغُ بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ: رُبَّ شَخْصٍ بَلَغَهُ كَلَامِي فَكَانَ أَحْفَظَ لَهُ وَأَفْهَمَ لِمَعْنَاهُ مِنَ الَّذِي نَقَلَهُ لَهُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّهُ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ مَا لَيْسَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ رُبَّ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ. قُلْتُ: هِيَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِي التَّكْثِيرِ بِحَيْثُ غَلَبَتْ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ أَنَّ التَّقْلِيلَ هُنَا مُرَادٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقَدَّمَتْ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: عَسَى أَنْ يَبْلُغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ.

فِي الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ وَلَا فِقْهَهُ إِذَا ضَبَطَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، وَيَجُوزُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا وُجُوبُ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ، وَفِيهِ تَأْكِيدُ التَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظُهُ بِأَبْلَغِ مُمْكِنٍ مِنْ تَكْرَارٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَإِلْحَاقِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِعِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ حُرْمَةَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ بِحُرْمَةِ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَلَا يَرَوْنَ هَتْكَ حُرْمَتِهَا وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنْهَا تَذْكَارًا لِحُرْمَتِهَا وَتَقْرِيرًا لِمَا ثَبَتَ فِي نُفُوسِهِمْ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَرَادَ تَقْرِيرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَرِوَايَتُهُ عَنْ جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (أَفَتَدْرُونَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: أَوَتَدْرُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ زَايٌ خَفِيفَةٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَلَّى، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَعَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْجَمَرَاتِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ فِيهِ تَعْيِينُ الْبُقْعَةِ الَّتِي وَقَفَ فِيهَا، كَمَا أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَعْيِينَ الْمَكَانِ، كَمَا أَنَّ فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ تَعْيِينَ الْيَوْمِ، وَوَقَعَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ فِي رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ عُمَرَ، وَالْمُزَنِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ) هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) أَيْ: بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ أَصْلَ الْحَدِيثِ وَأَصْلَ مَعْنَاهُ، لَكِنَّ السِّيَاقَ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَفِي هَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ فِي أَجْوِبَتِهِمْ قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَجَابُوا أَوَّلًا بِالتَّفْوِيضِ فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابُوا بِالْمَطْلُوبِ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ بِهَذَا

أَيْ وَقَفَ مُتَلَبِّسًا بِهَذَا الْكَلَامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَطَفِقَ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَقَدْ وَقَعَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (فَوَدَّعَ النَّاسَ) وَقَعَ فِي طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَبَبُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: أُنْزِلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ، فَوَقَفَ بِالْعَقَبَةِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: خُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ، سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى. وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ ثَانِي النَّحْرِ: ثَالِثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّفْرِ، وَزَادَ خُطْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَقَالَ: إِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا لِيَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا وَصَايَا عَامَّةً، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ لِأَجْلِ الْحَجِّ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَبْلِيغِ مَا ذَكَرَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا، فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى تَعْلِيمِهِمْ أَسْبَابَ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إِيَّاهَا يَوْمَ عَرَفَةَ اهـ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَبَّهَ فِي الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعْظِيمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَعَلَى تَعْظِيمِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَةً، فَلَا يُلْتَفَتُ لِتَأْوِيلِ غَيْرِهِمْ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ إِمْكَانِ تَعْلِيمِ مَا ذُكِرَ يَوْمَ عَرَفَةَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الْخُطْبَةِ ثَانِيَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ، بَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَعْمَالٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ شُرِعَ تَجْدِيدُ التَّعْلِيمِ بِحَسَبِ تَجْدِيدِ الْأَسْبَابِ، وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ عَالِمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَنَّ الْخُطْبَةَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ نُقِلَتْ مِنْ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْأُمَرَاءِ، يَعْنِي مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَشُغِلَ الْأُمَرَاءُ فَأَخَّرُوهُ إِلَى الْغَدِ.

وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِمَا سَبَقَ، وَبَانَ بِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُطْبَةُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا ثَانِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ إِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَنْفِي وُقُوعَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَذَكَرَ فِيهِ السُّؤَالَ عَنْ تَقَدُّمِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ عَلَى بَعْضٍ، فَكَيْفَ سَاغَ لِلطَّحَاوِيِّ هَذَا النَّفْيُ الْمُطْلَقُ مَعَ رِوَايَتِهِ هُوَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَثَبَتَ أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. فَكَأَنَّهُ وَعَظَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَأَحَالَ فِي تَعْلِيمِهِمْ عَلَى تَلَقِّي ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِ. وَمِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى تَأْوِيلِ الطَّحَاوِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ بِعَرَفَاتٍ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ.

قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ أَحْرَمُ؟

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يناسب واحدٌ منها التَّقليل، ومن الثَّاني: قول أبي طالبٍ في النَّبيِّ :

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثِمَالُ اليتامى، عصمةٌ للأراملِ

انتهى.

لكنَّ الظَّاهر: أنَّ المراد بها هنا في حديث الباب: التَّقليل؛ بدليل قوله في الرِّواية السَّابقة في «العلم» [خ¦٦٧]: «عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه» (فَلَا) بالفاء، ولأبي الوقت: «ولا» (تَرْجِعُوا) أي: لا تصيروا (بَعْدِي كُفَّارًا) أي: كالكفَّار (يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب»، ويجوز جزمه كما مرَّ في الحديث السابق (١) [خ¦١٧٣٩].

وفي هذا (٢) الحديث: رواية ثلاثةٍ من التَّابعين؛ وهم: محمَّد بن سيرين، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وحُمَيد بن عبد الرَّحمن، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨].

١٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السَّلميُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّ محمَّد بن زيدٍ ( قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ) حال كونه (بِمِنًى) أي: فيها في خطبته التي خطبها يوم النَّحر: (أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»،

والجملة مقول القول (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ) حرَّم الله فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) : إنَّه (بَلَدٌ حَرَامٌ) بالتَّذكير، لا يجوز فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) : إنَّه (١) (شَهْرٌ حَرَامٌ) يحرم فيه القتل (قَالَ) : (فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة.

وفي هذا الحديث -كسابقه- من الفوائد: مشروعيَّة ضرب المثل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضح للسَّامع، وجواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، وجواز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٧] و «الأدب» [خ¦٦٠٤٣] و «الحدود» [خ¦٦٧٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦]، ومسلمٌ في «الإيمان».

(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ) بفتح الغين المعجمة وتخفيف الزَّاي من الغزو؛ بحذف الياء (٢) وإثباتها، ابن ربيعة الجُرَشيُّ؛ بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء وبالمعجمة (٣)، ممَّا وصله ابن ماجه ولفظه (٤): حدَّثنا المُؤمَّل بن الفضل (٥) عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال: حدَّثنا نافعٌ عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وقف يوم النَّحر في الحجَّة التي حجَّ فيها، فقال: «أيُّ يومٍ هذا؟» فقالوا: يوم النَّحر، فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» ورواه ابن ماجه وغيره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) قال: (وَقَفَ النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ) بفتح الجيم والميم، جمع جمرةٍ، وفيه: تعيين

موضع وقوفه كما أنَّ في الرِّواية السَّابقة تعيين الزَّمان كحديثي ابن عبَّاسٍ [خ¦١٧٣٩] [خ¦١٧٤٠] تعيين اليوم كتعيين الوقت منه في رواية رافع بن عمرٍو المزنيِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: رأيت النَّبيَّ (١) يخطب النَّاس بمنًى حين ارتفع الضُّحى (فِي الحَجَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في حجَّته» (الَّتِي حَجَّ) وللطَّبرانيِّ: في حجِّة الوداع (بِهَذَا) قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: أي (٢): وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور. واستغربه الحافظ ابن حجرٍ، وقال: بهذا، أي: بالحديث الذي تقدَّم من طريق محمَّد بن زيدٍ عن جدِّه، قال: وأراد المصنِّف بذلك أصل الحديث، وقيل (٣): معناه، لكنَّ السِّياق مختلفٌ؛ فإنَّ في طريق محمَّد بن زيدٍ أنَّهم أجابوا بالتَّفويض، وفي هذا عند ابن ماجه وغيره في أجوبتهم: قالوا: يوم النَّحر، قالوا: بلدٌ حرامٌ، قالوا: شهرٌ حرامٌ. انتهى. واعترضه العينيُّ بأنَّ في الطَّريقين اختلافًا؛ يعني: التَّفويض والجواب بيوم النَّحر، قال: وكأنَّ في طريق هشامٍ ورد الطَّريقان المذكوران: التَّفويض والجواب، وفي تعليق البخاريِّ عنه اللَّفظ: هو التَّفويض؛ فلذلك فسَّر الكِرمانيُّ لفظة: «بهذا» بقوله: وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور، وأراد بالكلام المذكور (٤) التَّفويض، قال: وهذا هو الوجه، فلا يُنسَب إلى الاستغراب لأنَّ الباء في: «بهذا» تتعلَّق بقوله: وقف النَّبيُّ ، ومن تأمَّل سرَّ التَّراكيب لم يَزِغ عن طريق الصَّواب. انتهى.

(وَقَالَ) : (هَذَا) أي: يوم النَّحر (يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ) واختُلِف في المراد بالحجِّ الأصغر؛ فالجمهور: على أنَّه العمرة، وصل ذلك عبد الرَّزَّاق من طريق عبد الله بن شدَّادٍ أحد كبار التَّابعين، ووصله الطَّبريُّ عن جماعةٍ؛ منهم عطاءٌ والشَّعبيُّ، وقِيل: يوم الحجِّ الأصغر:

يوم عرفة، ويوم الحجِّ الأكبر: يوم النَّحر لأنَّه فيه تتكمَّل بقيَّة المناسك، وعن مجاهدٍ: الأكبر: القِرَان، والأصغر: الإفراد، والذي تحصَّل من اختلافهم في يوم الحجِّ الأكبر خمسة أقوالٍ: أحدها: أنَّه يوم النَّحر، رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا وموقوفًا، ورواه أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا -كما مرَّ- وهو قول عليٍّ وعبد الله بن أبي أوفى والشَّعبيِّ، الثَّاني: أنَّه يوم عرفة، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية ابن جريحٍ: عن محمَّد بن قيسٍ عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله وهو بعرفاتٍ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: «أمَّا بعد؛ فإنَّ هذا اليوم الحجُّ الأكبر» وتُؤوِّل على معنى: أنَّ الوقوف هو المهمُّ من أفعاله لأنَّ الحجَّ يفوت بفواته، الثَّالث: أنَّه أيَّام الحجِّ كلِّها، قاله الثَّوريُّ، وقد يُعبَّر عن الزَّمان باليوم كقولهم: يوم بُعَاثٍ ويوم الجمل ويوم صِفِّين، الرَّابع: أنَّ الأكبر: القِران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهدٌ كما مرَّ، الخامس: حجُّ أبي بكرٍ بالنَّاس، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية الحسن عن سمرة بلفظ: قال رسول الله : «يوم الحجِّ الأكبر يوم حَجَّ أبو (١) بكرٍ الصِّدِّيق بالنَّاس»، وقد استنبط حميد بن عبد الرَّحمن من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر الصِّدِّيق يوم النَّحر: أنَّ يوم الحجِّ الأكبر هو يوم النَّحر.

(فَطَفِقَ) أي: جعل أو شرع (النَّبِيُّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ) جملةٌ وقعت خبرًا لطفق (وَوَدَّعَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فودَّع» (النَّاسَ) بفاء العطف بدل واوه لأنَّه علم أنَّه لا يتَّفق له بعد هذا وقفةٌ أخرى ولا اجتماعٌ آخر مثل ذلك، وسبب ذلك: أنَّه أُنزِلت عليه ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] في وسط أيَّام التَّشريق، وعرف أنَّه الوداع، فأمر براحلته القصواء (٢) فرُحِلت له، فركب عليها فوقف (٣) بالعقبة واجتمع النَّاس إليه … الحديثَ. ورواه البيهقيُّ بسندٍ فيه ضعفٌ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (هَذِهِ) الحجَّة (حَجَّةُ الوَدَاعِ) بفتح الواو، قال في «الصِّحاح»:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله