«سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٤٦

الحديث رقم ١٧٤٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رمي الجمار.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألت ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا…

«سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ : مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا».

سند حديث: ١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ…

١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سألت ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ شَكٍّ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ وَغَيْرُهُمْ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَرْسَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِي وَصْلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ يَجْزِمُ بِوَصْلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَأَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَهَا عَزِيمَةٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَمْ يَحْصُلِ الْإِذْنُ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُنَّةُ، وَوُجُوبُ الدَّمِ بِتَرْكِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَلَا يَحْصُلُ الْمَبِيتُ إِلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِالسِّقَايَةِ وَبِالْعَبَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؟ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْعَبَّاسِ وَهُوَ جُمُودٌ، وَقِيلَ يَدْخُلُ مَعَهُ آلُهُ، وَقِيلَ: قَوْمُهُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَقِيلَ: كُلُّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى السِّقَايَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ أَيْضًا: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سِقَايَةٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يُرَخَّصْ لِصَاحِبِهَا فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِهَا، وَمِنْهُمْ مِنْ عَمَّمَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ إِعْدَادُ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ، وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ أَوْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ.

وَجَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ بِإِلْحَاقِ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ أَمْرٌ يَخَافُ فَوْتَهُ أَوْ مَرِيضٌ يَتَعَاهَدُهُ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ، كَمَا جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِإِلْحَاقِ الرِّعَاءِ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَعْنِي الِاخْتِصَاصَ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ لِإِبِلٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَحْمَدَ اخْتِصَاصُ الْعَبَّاسِ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ الدَّمُ فِي الْمَذْكُورَاتِ سِوَى الرِّعَاءِ، قَالُوا: وَمَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَقِيلَ عَنْهُ: التَّصَدُّقُ بِدِرْهَمٍ، وَعَنِ الثَّلَاثِ دَمٌ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا اسْتِئْذَانُ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فِيمَا يَطْرَأُ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْأَحْكَامِ وَبِدَارِ مَنِ اسْتُؤْمِرَ إِلَى الْإذْنِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ. وَالْمُرَادُ بِأَيَّامِ مِنًى لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَاللَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ مَبِيتَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِمِنًى، وَكَأَنَّهُ عَنَى لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ لِأَنَّهَا تَعْقُبُ يَوْمَ الْإِفَاضَةِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يُفِيضُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ فِي الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣٤ - بَاب رَمْيِ الْجِمَارِ

وَقَالَ جَابِرٌ: رَمَى النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ

١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ : مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ) أَيْ: وَقْتِ رَمْيِهَا، أَوْ حُكْمِ الرَّمْيِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَيُجْبَرُ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةُ أَنَّ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رُكْنٌ يَبْطُلُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهَا إِنَّمَا تُشْرَعُ حِفْظًا لِلتَّكْبِيرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَكَبَّرَ أَجْزَأَهُ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ رَمَى النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى) الْحَدِيثَ، وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحًى يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صحيحٍ على شرط مسلمٍ عن عائشة : أنَّه أرسل أمَّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت قبل الفجر، ثمَّ أفاضت. ويبقى وقت الرَّمي إلى آخر يوم النَّحر (وَرَمَى) (بَعْدَ ذَلِكَ) الجمار أيَّام التَّشريق (بَعْدَ الزَّوَالِ) ويمتدُّ وقته المختار إلى الغروب، ويُندَب تقديمه على صلاة الظُّهر كما في «المجموع» عن الأصحاب، ولا يجوز تقديمه على الزَّوال.

١٧٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بميمٍ مكسورةٍ فسينٍ ساكنةٍ فعينٍ مفتوحةٍ -مهملتين- فراءٍ ابن كِدَامٍ (عَنْ وَبَرَةَ) بالواو والمُوحَّدة والرَّاء المفتوحات، ابن عبد الرَّحمن المُسْلي؛ بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة بعدها لامٌ (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟) أيَّام التَّشريق غير يوم النَّحر (قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ) يعني: أمير الحاجِّ (فَارْمِهْ) بهاءٍ ساكنةٍ للسَّكت (١) والهمزة وصل، وزاد ابن عيينة عن مِسْعَرٍ بهذا الإسناد: فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي، أي: الرَّمي، أخرجه ابن أبي عمر في «مسنده» عنه ومن طريقه الإسماعيليُّ، قال وبرة: (فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ) أي: على ابن عمر (المَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ) بوزن «نتفعَّل» من الحين وهو الزَّمان، أي: نراقب الوقت (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) أي: الجمار الثَّلاث في أيَّام التَّشريق، وكأنَّ ابن عمر خاف على وبرة أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضررٌ، فلمَّا أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النَّبيِّ ، ويُشترَط أن يبدأ بالجمرة الأولى ثمَّ الوسطى ثمَّ جمرة العقبة للاتِّباع، رواه البخاريُّ [خ¦١٧٥١] [خ¦١٧٥٢] [خ¦١٧٥٣] كما سيأتي مع قوله : «خذوا عنِّي مناسككم»،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لأجل سقايته، وأرخص لرعاء الْإِبِل وأرخص لمن أَرَادَ التَّعْجِيل أَن ينفر فِي النَّفر الأول.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِيمَن بَات لَيْلَة منى بِمَكَّة من غير من رخص لَهُ، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ دم، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن بَات لَيْلَة أطْعم عَنْهَا مِسْكينا، وَإِن بَات ليَالِي منى كلهَا أَحْبَبْت أَن يهريق دَمًا، وَجعل أَبُو حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، وَأَصْحَابه لَا شَيْء عَلَيْهِ إِن كَانَ يَأْتِي منى، وَيَرْمِي الْجمار، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

تابَعَهُ أبُو أسَامَةَ وعُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ وأبُو ضَمْرَةَ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن نمير وَأَبُو أُسَامَة، قَالَا: حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَحدثنَا ابْن نمير، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا عبيد الله، قَالَ: حَدثنِي نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب اسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته، فَأذن لَهُ.

قَوْله: (وَعقبَة بن خَالِد) عطف على قَوْله: (أَبُو أُسَامَة) أَي: تَابع ابْن نمير أَيْضا عقبَة بن خَالِد أَبُو مَسْعُود الْكُوفِي. وَأخرج مُتَابَعَته عُثْمَان بن أبي شيبَة فِي مُسْنده عَنهُ.

قَوْله: (وَأَبُو ضَمرَة) عطف على مَا قبله أَي: تَابع ابْن نمير أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم، واسْمه أنس بن عِيَاض.

وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي: بَاب سِقَايَة الْحَاج عَن عبد الله بن أبي الْأسود عَن أبي ضَمرَة عَن عبيد الله عَن نَافِع الحَدِيث. وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذِه المتابعات هُنَا بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث من ثَلَاث طرق لأجل شكّ وَقع فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي وَصله، وَقد أخرجه أَحْمد عَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع، قَالَ: لَا أعلمهُ إلَاّ عَن ابْن عمر، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وصل هَذَا الحَدِيث بِلَا شكّ فِيهِ الدَّرَاورْدِي، وَعلي بن مسْهر وَأَبُو حَمْزَة وَعقبَة بن خَالِد وَمُحَمّد بن فليح ومُوسَى بن عقبَة عَن عبيد الله وأرسله ابْن الْمُبَارك عَن عبيد الله.

٤٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت رمي الْجمار، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يدل إلَاّ على بَيَان وَقت الْجمار.

وَقَالَ جابِرٌ رَمَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً ورمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهَذَا مُعَلّق وَصله مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَابْن إِدْرِيس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: رمى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد فَإِذا زَالَت الشَّمْس) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة يحيى بن سعيد، وَالتِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن خشرم: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْمِي يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد ذَلِك فَبعد زَوَال الشَّمْس) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن إِدْرِيس.

قَوْله: (ضحى) الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّنْوِينِ على أَنه مَصْرُوف، وَهُوَ مَذْهَب النُّحَاة من أهل الْبَصْرَة، سَوَاء قصد التَّعْرِيف أَو التنكير. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: لَقيته ضحى وضحى إِذا أردْت بِهِ ضحى يَوْمك لم تنونه، وَأما وَقت الضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقصر. فَقَالَ الْجَوْهَرِي: ضحوة النَّهَار بعد طُلُوع الشَّمْس، ثمَّ بعده الضُّحَى وَهُوَ حِين تشرق الشَّمْس مَقْصُور يؤنث وَيذكر، فَمن أنث ذهب إِلَى أَنَّهَا جمع: ضحوة، وَمن ذكر ذهب إِلَى أَنه إسم على فعل مثل صرد ونغر، وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل: سحر. قَالَ: ثمَّ بعده الضحاء مَمْدُود مُذَكّر، وَهُوَ عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى. قَوْله: (وَرمى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال) يَعْنِي رمي الْجمار أَيَّام التَّشْرِيق.

وَيُسْتَفَاد من الحَدِيث حكمان: الأول: أَن وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر ضحى اقْتِدَاء بِهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمُسْتَحبّ أَن يَرْمِي بعد طُلُوع الشَّمْس ثمَّ يَأْتِي بباقي الْأَعْمَال فَيَقَع الطّواف فِي ضحوة النَّهَار. انْتهى. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ مُخَالف للْحَدِيث على مُقْتَضى تَفْسِير أهل اللُّغَة أَن ضحوة النَّهَار مُتَقَدّمَة على الضُّحَى، وَهَذَا وَقت الِاخْتِيَار، وَأما أول وَقت الْجَوَاز فَهُوَ بعد طُلُوع الشَّمْس، وَهَذَا مَذْهَبنَا لما روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: أَي بني لَا ترموا

الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس. وَأما آخِره فَإلَى غرُوب الشَّمْس، وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز الرَّمْي بعد النّصْف الْأَخير من اللَّيْل، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) لشَيْخِنَا: وَأما آخر وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة فَاخْتلف فِيهِ كَلَام الرَّافِعِيّ، فَجزم فِي (الشَّرْح الصَّغِير) أَنه يَمْتَد إِلَى الزَّوَال، قَالَ: وَالْمَذْكُور فِي (النِّهَايَة) جزما امتداده إِلَى الْغُرُوب، وَحكى وَجْهَيْن فِي امتداده إِلَى الْفجْر: أصَحهمَا: أَنه لَا يَمْتَد. وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) وَفِي (التَّوْضِيح) : رمي جَمْرَة الْعقبَة من أَسبَاب التَّحَلُّل عندنَا، وَلَيْسَ بِرُكْن، خلافًا لعبد الْملك الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَ: من خرجت عَنهُ أَيَّام منى وَلم يرم جَمْرَة الْعقبَة بَطل حجه، فَإِن ذكر بعد غرُوب شمس يَوْم النَّحْر فَعَلَيهِ دم، وَإِن تذكر بعد فَعَلَيهِ بَدَنَة، وَقَالَ ابْن وهب: لَا شَيْء عَلَيْهِ مَا دَامَت أَيَّام منى. وَفِي (الْمُحِيط) أَوْقَات رمي جَمْرَة الْعقبَة ثَلَاثَة: مسنون بعد طُلُوع الشَّمْس، ومباح بعد زَوَالهَا إِلَى غُرُوبهَا، ومكروه وَهُوَ الرَّمْي بِاللَّيْلِ. وَلَو لم يرم حَتَّى دخل اللَّيْل فَعَلَيهِ أَن يرميها فِي اللَّيْل، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعَن أبي يُوسُف، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ: لَا يَرْمِي فِي اللَّيْل وَعَلِيهِ دم، وَلَو لم يرمِ فِي يَوْم النَّحْر حَتَّى أصبح من الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لَهما.

الحكم الثَّانِي: هُوَ أَن الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق مَحَله بعد زَوَال الشَّمْس، وَهُوَ كَذَلِك، وَقد اتّفق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة. وَخَالف أَبُو حنيفَة فِي الْيَوْم الثَّالِث مِنْهَا، فَقَالَ: يجوز الرَّمْي فِيهِ قبل الزَّوَال اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ: إِن رمى فِي الْيَوْم الأول أَو الثَّانِي قبل الزَّوَال أعَاد، وَفِي الثَّالِث يجْزِيه. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجوز فِي الثَّلَاثَة قبل الزَّوَال، وَاتفقَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر ذَلِك بِالدَّمِ.

٦٤٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْغَرٌ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَتَى أرْمِي الجِمَارَ قَالَ إذَا رَمَى إمَامُكَ فأرْمِهْ فأعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْألَةَ قَالَ كُنَّا نَتَحَيَّنُ فإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالراء ابْن كدام، مر فِي كتاب الْوضُوء، وبرة، بِالْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء المفتوحات على وزن شَجَرَة: ابْن عبد الرَّحْمَن الْمسلي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا لَام، وَكلهمْ كوفيون.

وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ عَن سُفْيَان ومسعر.

قَوْله: (مَتى أرمي الْجمار؟) ، يَعْنِي: فِي غير يَوْم الْأَضْحَى. قَوْله: (إِذا رمى إمامك) أَرَادَ بِهِ الْأَمِير الَّذِي على الْحَج، وَكَانَ ابْن عمر خَافَ عَلَيْهِ أَن يُخَالف الْأَمِير فَيحصل لَهُ مِنْهُ ضَرَر، فَلَمَّا أعَاد إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة لم يَسعهُ الكتمان، فَأعلمهُ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فارمه) ، بهاء سَاكِنة لِأَنَّهَا هَاء السكت، والْحَدِيث رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ فِيهِ: (فَقلت لَهُ: أَرَأَيْت إِن أخر إمامي؟) أَي: الرَّمْي، فَذكر لَهُ الحَدِيث، أخرجه ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَنهُ وَمن طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَلَفظه: (فَإِذا زاغت الشَّمْس) ، أَو زَالَت. قَوْله: (كُنَّا نتحيَّن) على وزن: نتفعل، من: الْحِين، وَهُوَ الزَّمَان أَي: نراقب الْوَقْت. قَوْله: (فَإِذا زَالَت الشَّمْس رمينَا) أَي: فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَعند الْجُمْهُور: لَا يجوز الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَهِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إلَاّ بعد الزَّوَال. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجْزِيه فِيهَا قبل الزَّوَال، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَاتَّفَقُوا أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر بِالدَّمِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِذا أخر رمي يَوْم إِلَى يَوْم بعده أَو أخر الرَّمْي كُله إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق ترك السّنة، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعند أبي حنيفَة: إِن ترك حَصَاة أَو حصاتين أَو ثَلَاثًا إِلَى الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ لكل حَصَاة نصف صَاع، وَإِن ترك أَرْبعا إِلَى الْغَد فَعَلَيهِ دم، وَالله أعلم.

٥٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رمي الْجمار من بطن الْوَادي، وَأَرَادَ بِهِ رمي جمار الْعقبَة يَوْم النَّحْر، وَهَذَا هُوَ صفة رمي جَمْرَة الْعقبَة وَهِي أَن يَرْمِي من بطن الْوَادي من أَسْفَل إِلَى أَعلَى. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعلوا إِذا رمى الْجَمْرَة؟ قلت: هَذَا فِي الْجَمْرَتَيْن الآخرتين، وَأما فِي جَمْرَة الْعقبَة فَمن بطن الْوَادي.

٧٤٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخْبرَنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزيدَ قَالَ رَمَى عَبْدُ الله منْ بَطْنِ الوَادِي فَقُلْتُ يابا عَبْدِ الرَّحْمانِ إنَّ نَاسا يَرْمُونَها مِنْ فَوْقِهَا فقَال والَّذِي لَا إل هـ غَيْرُهُ هاذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن خَاله لِأَن عبد الرَّحْمَن هُوَ خَال إِبْرَاهِيم. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وَهُوَ الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وَعبد الرَّحْمَن.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن منْجَاب بن الْحَارِث، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَبُنْدَار وَابْن الْمثنى، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن يحيى كِلَاهُمَا عَن أبي المحياة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يُوسُف بن عِيسَى، وهناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي وَمَالك بن الْخَلِيل وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى وَعَن هناد عَن أبي المحياة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رمى عبد الله) ، أَي ابْن مَسْعُود أَي: رمى جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: لما أَتَى عبد الله جَمْرَة الْعقبَة استبطن الْوَادي، أَي: وقف فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (يَا با عبد الرَّحْمَن) أَصله: يَا أَبَا، بِالْهَمْزَةِ وعادتهم تسهيل الْهمزَة فِي هَذَا، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره. .) إِلَى آخِره، حلف ابْن مَسْعُود من غير دَاع لذَلِك لأجل تَأْكِيد كَلَامه، وَذَلِكَ أَنه لما سمع من عبد الرَّحْمَن بن يزِيد مَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الَّذين يرْمونَ جَمْرَة الْعقبَة من فَوق الْوَادي على خلاف مَا يَفْعَله الشَّارِع صَعب عَلَيْهِ ذَلِك، وَكَرِهَهُ مِنْهُم، وَأنكر عَلَيْهِم غَايَة الْإِنْكَار حَتَّى أَلْجَأَهُ ذَلِك إِلَى الْيمن. ثمَّ الْحِكْمَة فِي ذكر ابْن مَسْعُود لسورة الْبَقَرَة دون غَيرهَا من السُّور، وَإِن كَانَ قد أنزل عَلَيْهِ كل السُّور، وَأَن مُعظم الْمَنَاسِك مَذْكُور فِي سُورَة الْبَقَرَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من هُنَا رمى من أنزل عَلَيْهِ أُمُور الْمَنَاسِك وَأخذ عَنهُ الشَّرْع فَهُوَ أولى وأحق بالاتباع مِمَّن رمى الْجَمْرَة من فَوْقهَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السّنة رمي جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا كره. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا جَازَ. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يرميها من فَوْقهَا ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا يرميها إلَاّ من أَسْفَلهَا وَقَالَ ابْن بطال رمى جَمْرَة الْعقبَة من حَيْثُ يَتَيَسَّر من الْعقبَة من أَو أَسْفَلهَا أَو أَعْلَاهَا أَو أوسطها، كل ذَلِك وَاسع، والموضع الَّذِي يخْتَار بهَا بطن الْوَادي من أجل حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَكَانَ جَابر بن عبد الله يرميها من بطن الْوَادي، وَبِه قَالَ عَطاء وَسَالم، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك، فرميها من أَسْفَلهَا أحب إِلَيّ. وَقد روى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جَاءَ والزحام عِنْد الْجَمْرَة، فَصَعدَ فَرَمَاهَا من فَوْقهَا. وَفِيه: أَنه لَا يكره قَول الرجل سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان، وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ مَا حكى عَن بعض التَّابِعين كَرَاهَة ذَلِك، وَأَنه يَنْبَغِي أَن يُقَال السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهِ كَذَا، وَالأَصَح قَول الْجُمْهُور لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ الْآيَتَيْنِ من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه) . وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المرفوعة.

وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ بِهاذَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ شَكٍّ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ وَغَيْرُهُمْ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَرْسَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِي وَصْلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ يَجْزِمُ بِوَصْلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَأَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَهَا عَزِيمَةٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَمْ يَحْصُلِ الْإِذْنُ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُنَّةُ، وَوُجُوبُ الدَّمِ بِتَرْكِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَلَا يَحْصُلُ الْمَبِيتُ إِلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِالسِّقَايَةِ وَبِالْعَبَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؟ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْعَبَّاسِ وَهُوَ جُمُودٌ، وَقِيلَ يَدْخُلُ مَعَهُ آلُهُ، وَقِيلَ: قَوْمُهُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَقِيلَ: كُلُّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى السِّقَايَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ أَيْضًا: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سِقَايَةٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يُرَخَّصْ لِصَاحِبِهَا فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِهَا، وَمِنْهُمْ مِنْ عَمَّمَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ إِعْدَادُ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ، وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ أَوْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ.

وَجَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ بِإِلْحَاقِ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ أَمْرٌ يَخَافُ فَوْتَهُ أَوْ مَرِيضٌ يَتَعَاهَدُهُ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ، كَمَا جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِإِلْحَاقِ الرِّعَاءِ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَعْنِي الِاخْتِصَاصَ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ لِإِبِلٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَحْمَدَ اخْتِصَاصُ الْعَبَّاسِ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ الدَّمُ فِي الْمَذْكُورَاتِ سِوَى الرِّعَاءِ، قَالُوا: وَمَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَقِيلَ عَنْهُ: التَّصَدُّقُ بِدِرْهَمٍ، وَعَنِ الثَّلَاثِ دَمٌ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا اسْتِئْذَانُ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فِيمَا يَطْرَأُ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْأَحْكَامِ وَبِدَارِ مَنِ اسْتُؤْمِرَ إِلَى الْإذْنِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ. وَالْمُرَادُ بِأَيَّامِ مِنًى لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَاللَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ مَبِيتَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِمِنًى، وَكَأَنَّهُ عَنَى لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ لِأَنَّهَا تَعْقُبُ يَوْمَ الْإِفَاضَةِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يُفِيضُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ فِي الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣٤ - بَاب رَمْيِ الْجِمَارِ

وَقَالَ جَابِرٌ: رَمَى النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ

١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ : مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ) أَيْ: وَقْتِ رَمْيِهَا، أَوْ حُكْمِ الرَّمْيِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَيُجْبَرُ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةُ أَنَّ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رُكْنٌ يَبْطُلُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهَا إِنَّمَا تُشْرَعُ حِفْظًا لِلتَّكْبِيرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَكَبَّرَ أَجْزَأَهُ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ رَمَى النَّبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى) الْحَدِيثَ، وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحًى يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صحيحٍ على شرط مسلمٍ عن عائشة : أنَّه أرسل أمَّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت قبل الفجر، ثمَّ أفاضت. ويبقى وقت الرَّمي إلى آخر يوم النَّحر (وَرَمَى) (بَعْدَ ذَلِكَ) الجمار أيَّام التَّشريق (بَعْدَ الزَّوَالِ) ويمتدُّ وقته المختار إلى الغروب، ويُندَب تقديمه على صلاة الظُّهر كما في «المجموع» عن الأصحاب، ولا يجوز تقديمه على الزَّوال.

١٧٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بميمٍ مكسورةٍ فسينٍ ساكنةٍ فعينٍ مفتوحةٍ -مهملتين- فراءٍ ابن كِدَامٍ (عَنْ وَبَرَةَ) بالواو والمُوحَّدة والرَّاء المفتوحات، ابن عبد الرَّحمن المُسْلي؛ بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة بعدها لامٌ (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟) أيَّام التَّشريق غير يوم النَّحر (قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ) يعني: أمير الحاجِّ (فَارْمِهْ) بهاءٍ ساكنةٍ للسَّكت (١) والهمزة وصل، وزاد ابن عيينة عن مِسْعَرٍ بهذا الإسناد: فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي، أي: الرَّمي، أخرجه ابن أبي عمر في «مسنده» عنه ومن طريقه الإسماعيليُّ، قال وبرة: (فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ) أي: على ابن عمر (المَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ) بوزن «نتفعَّل» من الحين وهو الزَّمان، أي: نراقب الوقت (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) أي: الجمار الثَّلاث في أيَّام التَّشريق، وكأنَّ ابن عمر خاف على وبرة أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضررٌ، فلمَّا أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النَّبيِّ ، ويُشترَط أن يبدأ بالجمرة الأولى ثمَّ الوسطى ثمَّ جمرة العقبة للاتِّباع، رواه البخاريُّ [خ¦١٧٥١] [خ¦١٧٥٢] [خ¦١٧٥٣] كما سيأتي مع قوله : «خذوا عنِّي مناسككم»،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لأجل سقايته، وأرخص لرعاء الْإِبِل وأرخص لمن أَرَادَ التَّعْجِيل أَن ينفر فِي النَّفر الأول.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِيمَن بَات لَيْلَة منى بِمَكَّة من غير من رخص لَهُ، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ دم، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن بَات لَيْلَة أطْعم عَنْهَا مِسْكينا، وَإِن بَات ليَالِي منى كلهَا أَحْبَبْت أَن يهريق دَمًا، وَجعل أَبُو حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، وَأَصْحَابه لَا شَيْء عَلَيْهِ إِن كَانَ يَأْتِي منى، وَيَرْمِي الْجمار، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

تابَعَهُ أبُو أسَامَةَ وعُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ وأبُو ضَمْرَةَ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن نمير وَأَبُو أُسَامَة، قَالَا: حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَحدثنَا ابْن نمير، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا عبيد الله، قَالَ: حَدثنِي نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب اسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته، فَأذن لَهُ.

قَوْله: (وَعقبَة بن خَالِد) عطف على قَوْله: (أَبُو أُسَامَة) أَي: تَابع ابْن نمير أَيْضا عقبَة بن خَالِد أَبُو مَسْعُود الْكُوفِي. وَأخرج مُتَابَعَته عُثْمَان بن أبي شيبَة فِي مُسْنده عَنهُ.

قَوْله: (وَأَبُو ضَمرَة) عطف على مَا قبله أَي: تَابع ابْن نمير أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم، واسْمه أنس بن عِيَاض.

وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي: بَاب سِقَايَة الْحَاج عَن عبد الله بن أبي الْأسود عَن أبي ضَمرَة عَن عبيد الله عَن نَافِع الحَدِيث. وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذِه المتابعات هُنَا بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث من ثَلَاث طرق لأجل شكّ وَقع فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي وَصله، وَقد أخرجه أَحْمد عَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع، قَالَ: لَا أعلمهُ إلَاّ عَن ابْن عمر، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وصل هَذَا الحَدِيث بِلَا شكّ فِيهِ الدَّرَاورْدِي، وَعلي بن مسْهر وَأَبُو حَمْزَة وَعقبَة بن خَالِد وَمُحَمّد بن فليح ومُوسَى بن عقبَة عَن عبيد الله وأرسله ابْن الْمُبَارك عَن عبيد الله.

٤٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت رمي الْجمار، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يدل إلَاّ على بَيَان وَقت الْجمار.

وَقَالَ جابِرٌ رَمَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً ورمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهَذَا مُعَلّق وَصله مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَابْن إِدْرِيس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: رمى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد فَإِذا زَالَت الشَّمْس) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة يحيى بن سعيد، وَالتِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن خشرم: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْمِي يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد ذَلِك فَبعد زَوَال الشَّمْس) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن إِدْرِيس.

قَوْله: (ضحى) الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّنْوِينِ على أَنه مَصْرُوف، وَهُوَ مَذْهَب النُّحَاة من أهل الْبَصْرَة، سَوَاء قصد التَّعْرِيف أَو التنكير. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: لَقيته ضحى وضحى إِذا أردْت بِهِ ضحى يَوْمك لم تنونه، وَأما وَقت الضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقصر. فَقَالَ الْجَوْهَرِي: ضحوة النَّهَار بعد طُلُوع الشَّمْس، ثمَّ بعده الضُّحَى وَهُوَ حِين تشرق الشَّمْس مَقْصُور يؤنث وَيذكر، فَمن أنث ذهب إِلَى أَنَّهَا جمع: ضحوة، وَمن ذكر ذهب إِلَى أَنه إسم على فعل مثل صرد ونغر، وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل: سحر. قَالَ: ثمَّ بعده الضحاء مَمْدُود مُذَكّر، وَهُوَ عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى. قَوْله: (وَرمى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال) يَعْنِي رمي الْجمار أَيَّام التَّشْرِيق.

وَيُسْتَفَاد من الحَدِيث حكمان: الأول: أَن وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر ضحى اقْتِدَاء بِهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمُسْتَحبّ أَن يَرْمِي بعد طُلُوع الشَّمْس ثمَّ يَأْتِي بباقي الْأَعْمَال فَيَقَع الطّواف فِي ضحوة النَّهَار. انْتهى. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ مُخَالف للْحَدِيث على مُقْتَضى تَفْسِير أهل اللُّغَة أَن ضحوة النَّهَار مُتَقَدّمَة على الضُّحَى، وَهَذَا وَقت الِاخْتِيَار، وَأما أول وَقت الْجَوَاز فَهُوَ بعد طُلُوع الشَّمْس، وَهَذَا مَذْهَبنَا لما روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: أَي بني لَا ترموا

الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس. وَأما آخِره فَإلَى غرُوب الشَّمْس، وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز الرَّمْي بعد النّصْف الْأَخير من اللَّيْل، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) لشَيْخِنَا: وَأما آخر وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة فَاخْتلف فِيهِ كَلَام الرَّافِعِيّ، فَجزم فِي (الشَّرْح الصَّغِير) أَنه يَمْتَد إِلَى الزَّوَال، قَالَ: وَالْمَذْكُور فِي (النِّهَايَة) جزما امتداده إِلَى الْغُرُوب، وَحكى وَجْهَيْن فِي امتداده إِلَى الْفجْر: أصَحهمَا: أَنه لَا يَمْتَد. وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) وَفِي (التَّوْضِيح) : رمي جَمْرَة الْعقبَة من أَسبَاب التَّحَلُّل عندنَا، وَلَيْسَ بِرُكْن، خلافًا لعبد الْملك الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَ: من خرجت عَنهُ أَيَّام منى وَلم يرم جَمْرَة الْعقبَة بَطل حجه، فَإِن ذكر بعد غرُوب شمس يَوْم النَّحْر فَعَلَيهِ دم، وَإِن تذكر بعد فَعَلَيهِ بَدَنَة، وَقَالَ ابْن وهب: لَا شَيْء عَلَيْهِ مَا دَامَت أَيَّام منى. وَفِي (الْمُحِيط) أَوْقَات رمي جَمْرَة الْعقبَة ثَلَاثَة: مسنون بعد طُلُوع الشَّمْس، ومباح بعد زَوَالهَا إِلَى غُرُوبهَا، ومكروه وَهُوَ الرَّمْي بِاللَّيْلِ. وَلَو لم يرم حَتَّى دخل اللَّيْل فَعَلَيهِ أَن يرميها فِي اللَّيْل، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعَن أبي يُوسُف، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ: لَا يَرْمِي فِي اللَّيْل وَعَلِيهِ دم، وَلَو لم يرمِ فِي يَوْم النَّحْر حَتَّى أصبح من الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لَهما.

الحكم الثَّانِي: هُوَ أَن الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق مَحَله بعد زَوَال الشَّمْس، وَهُوَ كَذَلِك، وَقد اتّفق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة. وَخَالف أَبُو حنيفَة فِي الْيَوْم الثَّالِث مِنْهَا، فَقَالَ: يجوز الرَّمْي فِيهِ قبل الزَّوَال اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ: إِن رمى فِي الْيَوْم الأول أَو الثَّانِي قبل الزَّوَال أعَاد، وَفِي الثَّالِث يجْزِيه. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجوز فِي الثَّلَاثَة قبل الزَّوَال، وَاتفقَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر ذَلِك بِالدَّمِ.

٦٤٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْغَرٌ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَتَى أرْمِي الجِمَارَ قَالَ إذَا رَمَى إمَامُكَ فأرْمِهْ فأعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْألَةَ قَالَ كُنَّا نَتَحَيَّنُ فإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالراء ابْن كدام، مر فِي كتاب الْوضُوء، وبرة، بِالْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء المفتوحات على وزن شَجَرَة: ابْن عبد الرَّحْمَن الْمسلي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا لَام، وَكلهمْ كوفيون.

وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ عَن سُفْيَان ومسعر.

قَوْله: (مَتى أرمي الْجمار؟) ، يَعْنِي: فِي غير يَوْم الْأَضْحَى. قَوْله: (إِذا رمى إمامك) أَرَادَ بِهِ الْأَمِير الَّذِي على الْحَج، وَكَانَ ابْن عمر خَافَ عَلَيْهِ أَن يُخَالف الْأَمِير فَيحصل لَهُ مِنْهُ ضَرَر، فَلَمَّا أعَاد إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة لم يَسعهُ الكتمان، فَأعلمهُ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فارمه) ، بهاء سَاكِنة لِأَنَّهَا هَاء السكت، والْحَدِيث رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ فِيهِ: (فَقلت لَهُ: أَرَأَيْت إِن أخر إمامي؟) أَي: الرَّمْي، فَذكر لَهُ الحَدِيث، أخرجه ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَنهُ وَمن طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَلَفظه: (فَإِذا زاغت الشَّمْس) ، أَو زَالَت. قَوْله: (كُنَّا نتحيَّن) على وزن: نتفعل، من: الْحِين، وَهُوَ الزَّمَان أَي: نراقب الْوَقْت. قَوْله: (فَإِذا زَالَت الشَّمْس رمينَا) أَي: فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَعند الْجُمْهُور: لَا يجوز الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَهِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إلَاّ بعد الزَّوَال. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجْزِيه فِيهَا قبل الزَّوَال، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَاتَّفَقُوا أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر بِالدَّمِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِذا أخر رمي يَوْم إِلَى يَوْم بعده أَو أخر الرَّمْي كُله إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق ترك السّنة، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعند أبي حنيفَة: إِن ترك حَصَاة أَو حصاتين أَو ثَلَاثًا إِلَى الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ لكل حَصَاة نصف صَاع، وَإِن ترك أَرْبعا إِلَى الْغَد فَعَلَيهِ دم، وَالله أعلم.

٥٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رمي الْجمار من بطن الْوَادي، وَأَرَادَ بِهِ رمي جمار الْعقبَة يَوْم النَّحْر، وَهَذَا هُوَ صفة رمي جَمْرَة الْعقبَة وَهِي أَن يَرْمِي من بطن الْوَادي من أَسْفَل إِلَى أَعلَى. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعلوا إِذا رمى الْجَمْرَة؟ قلت: هَذَا فِي الْجَمْرَتَيْن الآخرتين، وَأما فِي جَمْرَة الْعقبَة فَمن بطن الْوَادي.

٧٤٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخْبرَنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزيدَ قَالَ رَمَى عَبْدُ الله منْ بَطْنِ الوَادِي فَقُلْتُ يابا عَبْدِ الرَّحْمانِ إنَّ نَاسا يَرْمُونَها مِنْ فَوْقِهَا فقَال والَّذِي لَا إل هـ غَيْرُهُ هاذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن خَاله لِأَن عبد الرَّحْمَن هُوَ خَال إِبْرَاهِيم. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وَهُوَ الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وَعبد الرَّحْمَن.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن منْجَاب بن الْحَارِث، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَبُنْدَار وَابْن الْمثنى، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن يحيى كِلَاهُمَا عَن أبي المحياة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يُوسُف بن عِيسَى، وهناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي وَمَالك بن الْخَلِيل وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى وَعَن هناد عَن أبي المحياة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رمى عبد الله) ، أَي ابْن مَسْعُود أَي: رمى جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: لما أَتَى عبد الله جَمْرَة الْعقبَة استبطن الْوَادي، أَي: وقف فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (يَا با عبد الرَّحْمَن) أَصله: يَا أَبَا، بِالْهَمْزَةِ وعادتهم تسهيل الْهمزَة فِي هَذَا، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره. .) إِلَى آخِره، حلف ابْن مَسْعُود من غير دَاع لذَلِك لأجل تَأْكِيد كَلَامه، وَذَلِكَ أَنه لما سمع من عبد الرَّحْمَن بن يزِيد مَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الَّذين يرْمونَ جَمْرَة الْعقبَة من فَوق الْوَادي على خلاف مَا يَفْعَله الشَّارِع صَعب عَلَيْهِ ذَلِك، وَكَرِهَهُ مِنْهُم، وَأنكر عَلَيْهِم غَايَة الْإِنْكَار حَتَّى أَلْجَأَهُ ذَلِك إِلَى الْيمن. ثمَّ الْحِكْمَة فِي ذكر ابْن مَسْعُود لسورة الْبَقَرَة دون غَيرهَا من السُّور، وَإِن كَانَ قد أنزل عَلَيْهِ كل السُّور، وَأَن مُعظم الْمَنَاسِك مَذْكُور فِي سُورَة الْبَقَرَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من هُنَا رمى من أنزل عَلَيْهِ أُمُور الْمَنَاسِك وَأخذ عَنهُ الشَّرْع فَهُوَ أولى وأحق بالاتباع مِمَّن رمى الْجَمْرَة من فَوْقهَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السّنة رمي جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا كره. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا جَازَ. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يرميها من فَوْقهَا ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا يرميها إلَاّ من أَسْفَلهَا وَقَالَ ابْن بطال رمى جَمْرَة الْعقبَة من حَيْثُ يَتَيَسَّر من الْعقبَة من أَو أَسْفَلهَا أَو أَعْلَاهَا أَو أوسطها، كل ذَلِك وَاسع، والموضع الَّذِي يخْتَار بهَا بطن الْوَادي من أجل حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَكَانَ جَابر بن عبد الله يرميها من بطن الْوَادي، وَبِه قَالَ عَطاء وَسَالم، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك، فرميها من أَسْفَلهَا أحب إِلَيّ. وَقد روى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جَاءَ والزحام عِنْد الْجَمْرَة، فَصَعدَ فَرَمَاهَا من فَوْقهَا. وَفِيه: أَنه لَا يكره قَول الرجل سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان، وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ مَا حكى عَن بعض التَّابِعين كَرَاهَة ذَلِك، وَأَنه يَنْبَغِي أَن يُقَال السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهِ كَذَا، وَالأَصَح قَول الْجُمْهُور لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ الْآيَتَيْنِ من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه) . وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المرفوعة.

وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ بِهاذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده