الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٠٥
الحديث رقم ١٨٠٥ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المسافر إذا جد به السير يعجل إلى أهله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
بَابُ الْمُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ
بَابٌ: إِذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَدْ أُمِرَ بِتَعْذِيبِهِ - وَالسَّفَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ - وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
(لَطِيفَةٌ): سُئِلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حِينَ جَلَسَ مَوْضِعَ أَبِيهِ: لِمَ كَانَ السَّفَرُ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ؟ فَأَجَابَ عَلَى الْفَوْرِ: لِأَنَّ فِيهِ فِرَاقَ الْأَحْبَابِ.
٢٠ - بَاب الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا - ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ مَاذَا يَصْنَعُ؟ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قِصَّةَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ شِدَّةَ الْوَجَعِ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي أَبْوَابِ الْجِهَادِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْعُمْرَةِ وَمَا فِي آخِرِهَا مِنْ آدَابِ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاعْتِمَارِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِيهِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِ اثْنَيْنِ. وَفِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ خَمْسَةُ آثَارٍ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ فِي ضِمْنِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
تنبيه واعتذار
بسم الله والصلاة السلام على رسول الله.
أما بعد فلقد يسر الله وله الحمد والمنة إكمال مقابلة المجلد الأول والثانى من هذا الكتاب على قطعة من نسخة خطية في مكتبة شيخنا الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀، وعلى النسخة المطبوعة في بولاق من هذا الكتاب وهى المشهورة بالأميرية كما سبق التنبيه على ذلك في المجلد الأول، وكتبنا على المجلدين المذكورين ما تيسر من التعليقات والتنبيهات المفيدة، وصححنا ما أمكن تصحيحه من الأخطاء، ثم شرعنا في المجلد الثالث من هذا الكتاب مقابلة وتصحيحا وتعليقا كما تقدم حتى انتهينا إلى آخر الجنائز، فانتهت القطعة الخطية المشار اليها وهى التى يشار اليها في الطبعة الجديدة بمخطوطة الرياض، ثم استمر التصحيح والمقابلة على طبعة بولاق، وعلى نسخه خطية استحصلنا عليها من أخينا أحمد بن محمد القاصر من مكتبته المحفوظة في ضمد من قرى جيزان، حتى انتهينا إلى كتاب الحج. ثم رأينا بعد ذلك أن الاستمرار في التصحيح والمقابلة والتعليق على الطريقة المتقدمة يشق علينا كثيرا، ويحول بيننا وبين أعمال هامة، تتعلق بالمصالح العامة، ولاسيما بعد إسناد أمر رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة إلينا بالنيابة عن سماحة شيخنا العلامة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ، وقيامنا بالتدريس في المسجد النبوى على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم،، وظهر لنا أنا إن استمررنا على ما نقدم من التصحيح والمقابلة والتعليق وعينا لذلك أوقاتا واسعة تليق بعظمة الكتاب وطوله تعطل علينا مصالح كثيرة، وإن عينا له أوقاتا لا تكفى تأخر الكتاب وطالت مدة طبعه، والقراء والمساهمون في حاجة الى إنجاز طبعه، فلذلك رأينا الإمساك عن المقابلة والتصحيح والتعليق، وأن يكمل طبع المجلد الثالث وما بعده من الأجزاء على طبعة بولاق لكونها أصبح الطبعات وأقلها أخطاء، وأوصينا القائم بطبع الكتاب وهو أخونا ومحبوبنا في الله الشيخ العلامة محب الدين الخطيب يجتهد في إنجاز الكتاب وتصحيح ما أمكن تصحيحه وتعليق ما تيسر له تعليقه من الفوائد والتنبيهات، لأنه وفقه الله ممن له اليد الطولى فى هذا الشأن، وكتبه وتعليقاته المفيدة معلومة للقراء، وأسأل الله أن يعينه على إكماله على ما يرام وأن يضاعف لنا وله ولكل من ساعد فى تصحيح هذا الكتاب وإبرازه للقراء الأجر، وأن ينفع به المسلمين، إنه جواد كريم. وإن من أعظم ميزات هذه الطبعة ما يسر الله لها من التصحيح والتعليق والتنبيه على مواضع الأحاديث المكررة، فالحمد لله على ذلك كله أولا وأخرا. وانى لأشكر شكراً كثيرا جميع الاخوان الذين ساعدوني في مقابلة وتصحيح ما مضى من هذا الكتاب، وأسأل الله أن يجزيهم عن ذلك خيرا، وأن يمنحهم العلم النافع والعمل الصالح والمزيد من كل خير. وإنى لأعتذر إلى القراء والمساهمين عما حصل من الإمساك المقابلة والتصحيح والتعليق على بقية المجلد الثالث وما بعده بالأعذار التي أسلفت ذكرها، وأرجو أن يعذرونى، وأسأل الله لى ولهم صلاح النية والعمل، والتوفيق لكل خير، انه سميع قريب، والحمد لله على كل حال، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
حرر في ١٧/ ٧ / ١٣٨١ هـ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢٧ - كِتَاب الْمُحْصَرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْجَمِيعِ، وَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ أَبْوَابًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلِلْبَاقِينَ بَابٌ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أَيْ: وَتَفْسِيرُ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ فَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى تَفْسِيرِ عَطَاءٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِتَعْمِيمِ الْإِحْصَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ حَبَسَ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا لُدِغَ بِأَنَّهُ مُحْصَرٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ الْكَسْرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَأَثَرِ عَطَاءٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ. وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْرِيِّ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: فإنْ أُحْصِرْتُمْ، قَالَ: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أَوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حَصْرَ إِلَّا بِالْعَدُوِّ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِالْمَرَضِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ - وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالنَّاسُ - فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ فِي أَنْ أُحِلَّ، فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ وَسَمَّى الرَّجُلَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ إِتْمَامَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَجَعَلَ التَّحَلُّلَ لِلْمُحْصَرِ رُخْصَةً، وَكَانَتِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ مَنْعِ الْعَدُوِّ فَلَمْ نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعَهَا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا حَصْرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ. أَخْرَجَهُ فِي بَابِ مَا يَفْعَلُ مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُ الْمُحْرِمَ يُحِلُّ بِشَيْءٍ دُونَ الْبَيْتِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ: لَا إِحْصَارَ الْيَوْمَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٨٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجُمَحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ مولى عمر، المدنيُّ، كان يرسل (عَنْ أَبِيهِ) أسلم، وهو مخضرمٌ، مات سنة ثمانين وهو ابن أربع (١) عشرة ومئة سنةٍ (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ) زوجته (صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) الثَّقفيِّ والد المختار الكذَّاب الخارجيِّ، وكان يزعم أنَّ جبريل ﵇ يأتيه بالوحي (شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ) فيه: تعدِّي «أسرع» إلى المفعول (٢) بنفسه، فيردُّ على من اعترض على المؤلِّف في قوله السَّابق: «باب من أسرع ناقته» بأنَّه إنَّما يتعدَّى بحرف الجرِّ (حَتَّى) إذا (٣) (كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ) عن دابَّته (فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ) إلى وقت العشاء (وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) جمع تأخيرٍ، والجملة حاليَّةٌ أو استئنافيَّةٌ، والله أعلم (٤).
((٢٧)) (بابُ) بيان أحكام (المُحْصَرِ) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المهملتين آخره راءٌ، ولأبي ذرٍّ: «أبواب» بالجمع، و «المُحصَر»: الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطَّواف بالبيت؛ كالمعتمر الممنوع منه (وَ) أحكام (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الذي يتعرَّض إليه المحرم (وَقَوْلُِهُ تَعَالَى) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجرِّ عطفًا على «المُحصَر» أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾) مُنِعتم، يُقال: حصره العدوُّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضيِّ؛ مثل: صدَّه وأصدَّه (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) أي: فعليكم ما استيسر، أو: فأهدوا ما استيسر، والمعنى: إن مُنِعتم عن المضيِّ إلى البيت وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم (١) التَّحلُّل أن تتحلَّلوا بذبح هديٍ يُسِّر عليكم؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِرتم عند الأكثر (﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]) حيث يحلُّ ذبحه حلًّا (٢) كان أو حرامًا، أو: لا تحلُّوا (٣) حتَّى تعلموا أنَّ الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محلَّه، أي: مكانه الذي يجب أن يُنحَر فيه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا تَحْلِقُواْ﴾ … إلى آخره».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ)
والذي في «اليونينيَّة»: «يَحْبِسه» بفتح التَّحتيَّة وسكون المهملة وكسر المُوحَّدة بعدها سينٌ مهملةٌ، فلا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، بل هو (١) عامٌ في كلِّ حابسٍ من عدوٍّ ومرضٍ وغيرهما، وبه قال الحنفيَّة ككثيرٍ من الصَّحابة وغيرهم، حتَّى أفتى ابن مسعودٍ رجلًا لُدِغ بأنَّه محصرٌ، أخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ والطَّحاويُّ، ولفظه: عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو محرمٌ بعمرةٍ، فذكرناه لابن مسعودٍ، فقال: يبعث بهديٍ ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نَحَرَ عنه حلَّ، قالوا: وإذا قامت الدَّلالة على أنَّ شرعيَّته للحابس مطلقًا استُفيد جوازه لمن سُرِقت نفقته ولا يقدر على المشي، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: لا إحصار إلَّا بالعدوِّ لأنَّ الآية وردت لبيان حكم انحصاره ﵊ وأصحابه وكان بالعدوِّ، وقال في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فعُلِم أنَّ شرعيَّة الإحلال في العدوِّ كان (٢) لتحصيل الأمن منه، وبالإحلال لا ينجو من المرض، فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه، فلا يكون النَّصُّ الوارد في العدوِّ واردًا في المرض، فلا يلحق به دلالةً ولا قياسًا لأنَّ شرعيَّة التَّحلُّل قبل أداء الأفعال بعد الشُّروع في الإحرام على خلاف القياس، فلا يُقاس عليه، وفي «المُوطَّأ»: عن سالمٍ عن أبيه قال: من حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنَّه لا يحلُّ حتَّى يطوف بالبيت، واحتجَّ الحنفيَّة بأنَّ الإحصار هو المنع، والاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وبأنَّ إجماع أهل اللُّغة على أنَّ مدلول لفظ: «الإحصار بالعمرة» المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللَّفظ، وبحث فيه المحقِّق الكمال بن الهمام: بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ (٣) الإحصار خاصٌّ بالمرض، والحصر خاصٌّ بالعدوِّ، ويحتمل أن يُراد كون المنع بالمرض مِنْ مَاصدقات الإحصار، فإن أراد الأوَّل ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرَّسول ﷺ وأصحابه ﵃، واحتاج إلى جواب صاحب «الأسرار»، وحاصله: أنَّ كون النَّصِّ الوارد لبيان حكم حادثةٍ قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَدْ أُمِرَ بِتَعْذِيبِهِ - وَالسَّفَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ - وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
(لَطِيفَةٌ): سُئِلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حِينَ جَلَسَ مَوْضِعَ أَبِيهِ: لِمَ كَانَ السَّفَرُ قِطْعَةً مِنَ الْعَذَابِ؟ فَأَجَابَ عَلَى الْفَوْرِ: لِأَنَّ فِيهِ فِرَاقَ الْأَحْبَابِ.
٢٠ - بَاب الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا - ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ مَاذَا يَصْنَعُ؟ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قِصَّةَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ شِدَّةَ الْوَجَعِ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي أَبْوَابِ الْجِهَادِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْعُمْرَةِ وَمَا فِي آخِرِهَا مِنْ آدَابِ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاعْتِمَارِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِيهِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِ اثْنَيْنِ. وَفِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ خَمْسَةُ آثَارٍ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ فِي ضِمْنِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
تنبيه واعتذار
بسم الله والصلاة السلام على رسول الله.
أما بعد فلقد يسر الله وله الحمد والمنة إكمال مقابلة المجلد الأول والثانى من هذا الكتاب على قطعة من نسخة خطية في مكتبة شيخنا الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀، وعلى النسخة المطبوعة في بولاق من هذا الكتاب وهى المشهورة بالأميرية كما سبق التنبيه على ذلك في المجلد الأول، وكتبنا على المجلدين المذكورين ما تيسر من التعليقات والتنبيهات المفيدة، وصححنا ما أمكن تصحيحه من الأخطاء، ثم شرعنا في المجلد الثالث من هذا الكتاب مقابلة وتصحيحا وتعليقا كما تقدم حتى انتهينا إلى آخر الجنائز، فانتهت القطعة الخطية المشار اليها وهى التى يشار اليها في الطبعة الجديدة بمخطوطة الرياض، ثم استمر التصحيح والمقابلة على طبعة بولاق، وعلى نسخه خطية استحصلنا عليها من أخينا أحمد بن محمد القاصر من مكتبته المحفوظة في ضمد من قرى جيزان، حتى انتهينا إلى كتاب الحج. ثم رأينا بعد ذلك أن الاستمرار في التصحيح والمقابلة والتعليق على الطريقة المتقدمة يشق علينا كثيرا، ويحول بيننا وبين أعمال هامة، تتعلق بالمصالح العامة، ولاسيما بعد إسناد أمر رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة إلينا بالنيابة عن سماحة شيخنا العلامة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ، وقيامنا بالتدريس في المسجد النبوى على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم،، وظهر لنا أنا إن استمررنا على ما نقدم من التصحيح والمقابلة والتعليق وعينا لذلك أوقاتا واسعة تليق بعظمة الكتاب وطوله تعطل علينا مصالح كثيرة، وإن عينا له أوقاتا لا تكفى تأخر الكتاب وطالت مدة طبعه، والقراء والمساهمون في حاجة الى إنجاز طبعه، فلذلك رأينا الإمساك عن المقابلة والتصحيح والتعليق، وأن يكمل طبع المجلد الثالث وما بعده من الأجزاء على طبعة بولاق لكونها أصبح الطبعات وأقلها أخطاء، وأوصينا القائم بطبع الكتاب وهو أخونا ومحبوبنا في الله الشيخ العلامة محب الدين الخطيب يجتهد في إنجاز الكتاب وتصحيح ما أمكن تصحيحه وتعليق ما تيسر له تعليقه من الفوائد والتنبيهات، لأنه وفقه الله ممن له اليد الطولى فى هذا الشأن، وكتبه وتعليقاته المفيدة معلومة للقراء، وأسأل الله أن يعينه على إكماله على ما يرام وأن يضاعف لنا وله ولكل من ساعد فى تصحيح هذا الكتاب وإبرازه للقراء الأجر، وأن ينفع به المسلمين، إنه جواد كريم. وإن من أعظم ميزات هذه الطبعة ما يسر الله لها من التصحيح والتعليق والتنبيه على مواضع الأحاديث المكررة، فالحمد لله على ذلك كله أولا وأخرا. وانى لأشكر شكراً كثيرا جميع الاخوان الذين ساعدوني في مقابلة وتصحيح ما مضى من هذا الكتاب، وأسأل الله أن يجزيهم عن ذلك خيرا، وأن يمنحهم العلم النافع والعمل الصالح والمزيد من كل خير. وإنى لأعتذر إلى القراء والمساهمين عما حصل من الإمساك المقابلة والتصحيح والتعليق على بقية المجلد الثالث وما بعده بالأعذار التي أسلفت ذكرها، وأرجو أن يعذرونى، وأسأل الله لى ولهم صلاح النية والعمل، والتوفيق لكل خير، انه سميع قريب، والحمد لله على كل حال، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
حرر في ١٧/ ٧ / ١٣٨١ هـ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢٧ - كِتَاب الْمُحْصَرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْجَمِيعِ، وَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ أَبْوَابًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلِلْبَاقِينَ بَابٌ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أَيْ: وَتَفْسِيرُ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ فَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى تَفْسِيرِ عَطَاءٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِتَعْمِيمِ الْإِحْصَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ حَبَسَ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا لُدِغَ بِأَنَّهُ مُحْصَرٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ الْكَسْرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَأَثَرِ عَطَاءٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ. وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْرِيِّ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: فإنْ أُحْصِرْتُمْ، قَالَ: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أَوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حَصْرَ إِلَّا بِالْعَدُوِّ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِالْمَرَضِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ - وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالنَّاسُ - فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ فِي أَنْ أُحِلَّ، فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ وَسَمَّى الرَّجُلَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ إِتْمَامَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَجَعَلَ التَّحَلُّلَ لِلْمُحْصَرِ رُخْصَةً، وَكَانَتِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ مَنْعِ الْعَدُوِّ فَلَمْ نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعَهَا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا حَصْرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ. أَخْرَجَهُ فِي بَابِ مَا يَفْعَلُ مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُ الْمُحْرِمَ يُحِلُّ بِشَيْءٍ دُونَ الْبَيْتِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ: لَا إِحْصَارَ الْيَوْمَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٨٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجُمَحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ مولى عمر، المدنيُّ، كان يرسل (عَنْ أَبِيهِ) أسلم، وهو مخضرمٌ، مات سنة ثمانين وهو ابن أربع (١) عشرة ومئة سنةٍ (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ) زوجته (صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) الثَّقفيِّ والد المختار الكذَّاب الخارجيِّ، وكان يزعم أنَّ جبريل ﵇ يأتيه بالوحي (شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ) فيه: تعدِّي «أسرع» إلى المفعول (٢) بنفسه، فيردُّ على من اعترض على المؤلِّف في قوله السَّابق: «باب من أسرع ناقته» بأنَّه إنَّما يتعدَّى بحرف الجرِّ (حَتَّى) إذا (٣) (كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ) عن دابَّته (فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ) إلى وقت العشاء (وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) جمع تأخيرٍ، والجملة حاليَّةٌ أو استئنافيَّةٌ، والله أعلم (٤).
((٢٧)) (بابُ) بيان أحكام (المُحْصَرِ) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المهملتين آخره راءٌ، ولأبي ذرٍّ: «أبواب» بالجمع، و «المُحصَر»: الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطَّواف بالبيت؛ كالمعتمر الممنوع منه (وَ) أحكام (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الذي يتعرَّض إليه المحرم (وَقَوْلُِهُ تَعَالَى) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجرِّ عطفًا على «المُحصَر» أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾) مُنِعتم، يُقال: حصره العدوُّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضيِّ؛ مثل: صدَّه وأصدَّه (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) أي: فعليكم ما استيسر، أو: فأهدوا ما استيسر، والمعنى: إن مُنِعتم عن المضيِّ إلى البيت وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم (١) التَّحلُّل أن تتحلَّلوا بذبح هديٍ يُسِّر عليكم؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِرتم عند الأكثر (﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]) حيث يحلُّ ذبحه حلًّا (٢) كان أو حرامًا، أو: لا تحلُّوا (٣) حتَّى تعلموا أنَّ الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محلَّه، أي: مكانه الذي يجب أن يُنحَر فيه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا تَحْلِقُواْ﴾ … إلى آخره».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ)
والذي في «اليونينيَّة»: «يَحْبِسه» بفتح التَّحتيَّة وسكون المهملة وكسر المُوحَّدة بعدها سينٌ مهملةٌ، فلا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، بل هو (١) عامٌ في كلِّ حابسٍ من عدوٍّ ومرضٍ وغيرهما، وبه قال الحنفيَّة ككثيرٍ من الصَّحابة وغيرهم، حتَّى أفتى ابن مسعودٍ رجلًا لُدِغ بأنَّه محصرٌ، أخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ والطَّحاويُّ، ولفظه: عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو محرمٌ بعمرةٍ، فذكرناه لابن مسعودٍ، فقال: يبعث بهديٍ ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نَحَرَ عنه حلَّ، قالوا: وإذا قامت الدَّلالة على أنَّ شرعيَّته للحابس مطلقًا استُفيد جوازه لمن سُرِقت نفقته ولا يقدر على المشي، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: لا إحصار إلَّا بالعدوِّ لأنَّ الآية وردت لبيان حكم انحصاره ﵊ وأصحابه وكان بالعدوِّ، وقال في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فعُلِم أنَّ شرعيَّة الإحلال في العدوِّ كان (٢) لتحصيل الأمن منه، وبالإحلال لا ينجو من المرض، فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه، فلا يكون النَّصُّ الوارد في العدوِّ واردًا في المرض، فلا يلحق به دلالةً ولا قياسًا لأنَّ شرعيَّة التَّحلُّل قبل أداء الأفعال بعد الشُّروع في الإحرام على خلاف القياس، فلا يُقاس عليه، وفي «المُوطَّأ»: عن سالمٍ عن أبيه قال: من حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنَّه لا يحلُّ حتَّى يطوف بالبيت، واحتجَّ الحنفيَّة بأنَّ الإحصار هو المنع، والاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وبأنَّ إجماع أهل اللُّغة على أنَّ مدلول لفظ: «الإحصار بالعمرة» المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللَّفظ، وبحث فيه المحقِّق الكمال بن الهمام: بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ (٣) الإحصار خاصٌّ بالمرض، والحصر خاصٌّ بالعدوِّ، ويحتمل أن يُراد كون المنع بالمرض مِنْ مَاصدقات الإحصار، فإن أراد الأوَّل ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرَّسول ﷺ وأصحابه ﵃، واحتاج إلى جواب صاحب «الأسرار»، وحاصله: أنَّ كون النَّصِّ الوارد لبيان حكم حادثةٍ قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم