«انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٢١

الحديث رقم ١٨٢١ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٢١ في صحيح البخاري

«انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبِيُّ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ

⦗١٢⦘

رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهَُِنَ، وَهُوَ قَايِلٌ السُّقْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ؟ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.»

بَابٌ: إِذَا رَأَى الْمُحْرِمُونَ صَيْدًا فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الْحَلَالُ

إسناد حديث رقم ١٨٢١ من صحيح البخاري

١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - باب إِذَا صَادَ الْحَلَالُ فَأَهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ

وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ في غَيْرُ الصَّيْدِ، نَحْوُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ، يُقَالُ ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ، ﴿قِيَامًا﴾ قِوَامًا. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ عَدْلًا.

١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ. وَحُدِّثَ النَّبِيُّ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهَنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.

[الحديث ١٨٢١ - أطرافه في: ١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا صَادَ الْحَلَالُ فَأُهْدِيَ لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدُ، أَكَلَهُ) كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ فَجَعَلُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ نَحْوَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ) الْمُرَادُ بِالذَّبْحِ مَا يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ خَصَّصَهُ بِمَا ذَكَرَ تَفَقُّهًا، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ حُكْمَ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ حَتَّى يَجُوزَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ جَزُورًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَمَّا أَثَرُ أَنَسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الصَّبَّاحِ الْبَجَلِيِّ سَأَلْتُ أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ عَنِ الْمُحْرِمِ يَذْبَحُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيِ: الْمَذْبُوحُ. . . إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَالَهُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الْخَيْلَ؛ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِنْ يُبِيحُ أَكْلَهَا.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: عَدْلُ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلُ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ) أَمَّا تَفْسِيرُ الْعَدْلِ بِالْفَتْحِ بِالْمِثْلِ وَالْكَسْرِ بِالزِّنَةِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ الْعَدْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ هُوَ قَدْرُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرِ قَدْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ إِلَى أَنَّ الْعَدْلَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدْلُ هُوَ الْقِسْطُ فِي الْحَقِّ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرِ الْمِثْلُ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الزَّكَاةِ.

قَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا﴾ قِوَامًا)، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُهُ الْوَاوُ فَحُوِّلَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ يَاءً كَمَا قَالُوا فِي الصَّوْمِ: صُمْتُ صِيَامًا، وَأَصْلُهُ صِوَامًا. قَالَ الشَّاعِرُ:

قِيَامُ دُنْيَا وَقِوَامُ دِينٍ.

فَرَدَّهُ إِلَى أَصْلِهِ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَالْمَعْنَى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ بِمَنْزِلَةِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ أَمْرُ أَتْبَاعِهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ قِيَامُ الْبَيْتِ وَقِوَامُهُ الَّذِي يُقِيمُ شَأْنَهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدْلًا) هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِهِ هُنَا ذِكْرُ لَفْظِ الْعَدْلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ: يَعْدِلُونَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَوْلُهُ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدْلًا أَيْ: مِثْلًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا

هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) فِي رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِمٍ:، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) هَكَذَا سَاقَهُ مُرْسَلًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، وَقَوْلُهُ: بِالْحُدَيْبِيَةِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ) الضَّمِيرُ لِأَبِي قَتَادَةَ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ أَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ: وَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ وَفِي هَذَا السِّيَاقِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَهِيَ بَعْدَ بَابَيْنِ بِلَفْظِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ، وَسَيَأْتِي الْجَمْعُ هُنَاكَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: خَرَجَ حَاجًّا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَبَيَّنَ الْمُطَّلِبُ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مَكَانَ صَرْفِهِمْ، وَلَفْظُهُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الرَّوْحَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَحُدِّثَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: بِغَيْقَةَ أَيْ: فِي غَيْقَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ هَاءٌ. قَالَ السُّكُونِيُّ: هُوَ مَاءٌ لِبَنِي غِفَارٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ قَلِيبٌ لِبَنِي ثَعْلَبَةَ يَصُبُّ فِيهِ مَاءُ رَضْوَى، وَيَصُبُّ هُوَ فِي الْبَحْرِ.

وَحَاصِلُ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا خَرَجَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَبَلَغَ الرَّوْحَاءَ - وَهِيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا - أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ عَدُوًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِوَادِي غَيْقَةَ يُخْشَى مِنْهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا غِرَّتَهُ، فَجَهَّزَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ إِلَى جِهَتِهِمْ لِيَأْمَنَ شَرَّهُمْ، فَلَمَّا أَمِنُوا ذَلِكَ لَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَصْحَابُهُ بِالنَّبِيِّ فَأَحْرَمُوا، إِلَّا هُوَ فَاسْتَمَرَّ هُوَ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ إِمَّا لَمْ يُجَاوِزِ الْمِيقَاتَ، وَإِمَّا لَمْ يَقْصِدِ الْعُمْرَةَ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُونَ: كَيْفَ جَازَ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ؟ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهُهُ. قَالَ: حَتَّى وَجَدْتُهُ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَحْرَمْنَا، فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَانِ كَذَا إِذَا نَحْنُ بِأَبِي قَتَادَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ بَعَثَهُ فِي وَجْهِ. الْحَدِيثَ. قَالَ: فَإِذَا أَبُو قَتَادَةَ إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ يُرِيدُ مَكَّةَ.

قُلْتُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا قَتَادَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِعُسْفَانَ فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ، وَيُحْتَمَلُ جَمْعُهُمَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا أَخَّرَ الْإِحْرَامَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَسَاغَ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ أَنْ يُؤَقِّتَ النَّبِيُّ الْمَوَاقِيتَ. وَأَمَّا قَوْلُ عِيَاضٍ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ مِنَ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا بَعَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى النَّبِيِّ يُعْلِمُونَهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ قَصَدُوا الْإِغَارَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الصَّحِيحَةِ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (فَبَيْنَا أَبِي مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ: فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ:

وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ فِي مُسْلِمٍ: فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَيَّ فَشُدِّدَتِ الْيَاءُ مِنْ إِلَيَّ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَلَيْهِ لَفْظَةُ بَعْضٍ ثُمَّ احْتَجَّ لِضَعْفِهَا بِأَنَّهُمْ لَوْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ لَكَانَتْ أَكْبَرَ إِشَارَةٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا. وَإِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ عَلَى الصَّيْدِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ. انْتَهَى.

وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِصِحَّتِهَا وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَلَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَلَالَةٌ وَلَا إِشَارَةٌ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الضَّحِكِ لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِنَّمَا ضَحِكُوا تَعَجُّبًا مِنْ عُرُوضِ الصَّيْدِ لَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ: فَإِنَّ مُجَرَّدَ الضَّحِكِ لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ، صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَا يَكْفِي فِي رَدِّ دَعْوَى الْقَاضِي، فَإِنَّ قَوْلَهُ: يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هُوَ مُجَرَّدُ ضَحِكٍ، وَقَوْلُهُ: يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَيَّ فِيهِ مَزِيدُ أَمْرٍ عَلَى مُجَرَّدِ الضَّحِكِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي رُؤْيَتِهِ فَاسْتَوَوْا فِي ضَحِكِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ رَآهُ فَيَكُونُ ضَحِكُ بَعْضِهِمْ إِلَيْهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ بَاعِثًا لَهُ عَلَى التَّفَطُّنِ إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ الْقَاضِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ بِلَفْظِ: إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي. فَقُلْتُ: هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ. فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأَيْتَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَجَاءَ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ حِلٌّ فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُحِدُّوا أَبْصَارَهُمْ لَهُ فَيَفْطِنَ فَيَرَاهُ اهـ. فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَ الْقَاضِي.

وَفِي قَوْلِ الشَّيْخِ: قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَحَذْفِهَا لَمْ يَقَعْ فِي طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ إِسْنَادٍ وَاحِدٍ مِمَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَكَانَ مَعَ مَنْ أَثْبَتَ لَفْظَ بَعْضٍ زِيَادَةُ عِلْمٍ سَالِمَةٌ مِنَ الْإِشْكَالِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ، وَبَيَّنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ أَنَّ قِصَّةَ صَيْدِهِ لِلْحِمَارِ كَانَتْ بَعْدَ أَنِ اجْتَمَعُوا بِالنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَنَزَلُوا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَلَفْظُهُ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ دُونَ أَبِي قَتَادَةَ بِقَوْلِهِ: فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ بِعُسْفَانَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بِالْقَاحَةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَغَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ الْحَدِيثَ. وَالْقَاحَةُ - بِقَافٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ - مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ السُّقْيَا كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَنَظَرْتُ) هَذَا فِيهِ الْتِفَاتٌ، فَإِنَّ السِّيَاقَ الْمَاضِي يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: فَنَظَرَ؛ لِقَوْلِهِ: فَبَيْنَا أَبِي مَعَ أَصْحَابِهِ فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ أَبِي: فَنَظَرْتُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رُؤْيَتَهَ لَهُ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ رُؤْيَةِ أَصْحَابِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ، وَلَفْظُهُ: فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ فَرَكِبَ.

قَوْلُهُ: (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَغَضِبْتُ، فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَتَنَاوَلَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ: وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي

سَوْطِي. فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ. فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فَاخْتَلَسَ مِنْ بَعْضِهِمْ سَوْطًا وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَقْوَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ رَأَى فِي سَوْطِ نَفْسِهِ تَقْصِيرًا فَأَخَذَ سَوْطَ غَيْرِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى اخْتِلَاسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ اخْتِيَارًا لَامْتَنَعَ.

قَوْلُهُ: (فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: جَعَلْتُهُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ لَا حَرَاكَ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ: فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ: حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا. فَقَالُوا: لَا نَمَسُّهُ، فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَوَقَعُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي.

وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ: فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَظَلِلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ مَا شِئْنَا طَبِيخًا وَشِوَاءً ثُمَّ تَزَوَّدْنَا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أَيْ: نَصِيرُ مَقْطُوعِينَ عَنِ النَّبِيِّ مُنْفَصِلِينَ عَنْهُ؛ لِكَوْنِهِ سَبَقَهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: وَخَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: وَخَشِينَا أَنْ يَقْتَطِعَنَا الْعَدُوُّ وَفِيهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: وَأَنَّهُمْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعَدُوُّ دُونَكَ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سَبَبَ إِسْرَاعِ أَبِي قَتَادَةَ لِإِدْرَاكِ النَّبِيِّ خَشْيَةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَنَالَهُمْ بَعْضُ أَعْدَائِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ الْآتِيَةِ فِي الصَّيْدِ: فَأَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْكُلَ، فَقُلْتُ: أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمُ النَّبِيَّ فَأَدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فَفِي هَذَا أَنَّ سَبَبَ إِدْرَاكِهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ عَنْ قِصَّةِ أَكْلِ الْحِمَارِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَرْفَعُ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، أَيْ: أُكَلِّفُهُ السَّيْرَ، وَشَأْوًا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، أَيْ: تَارَةً، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْكُضُهُ تَارَةً، وَيَسِيرُ بِسُهُولَةٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (تَرَكَتْهُ بِتِعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا) السُّقْيَا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَقْصُورَةٌ -: قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَتِعْهِنُ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَبِفَتْحِهَا بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ نُونٌ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بِالْكَسْرِ وَبِهِ قَيَّدَهَا الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ الْبِلَادِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِهِمَا، وَحَكَى أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ الْعَرَبِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ التَّاءَ وَيَفْتَحُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ الْهَاءَ، قِيلَ: وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرَاتِهِمْ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَأَغْرَبَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فَضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَبِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، وَقَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ التَّاءَ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُسَكِّنُونَ الْعَيْنَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: بِدِعْهِنَ، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الْمُثَنَّاةِ. وَقَوْلُهُ: قَائِلٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنَ الْقَيْلُولَةِ، أَيْ: تَرَكْتُهُ فِي اللَّيْلِ وبِتِعْهِنَ وَعَزْمُهُ أَنْ يَقِيلَ بِالسُّقْيَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَهُوَ قَائِلٌ أَيْ: سَيَقِيلُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَابِلٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفٌ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ تِعْهِنَ مَوْضِعٌ مُقَابِلٌ لِلسُّقْيَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ لِلنَّبِيِّ وَعَلَى الثَّانِي الضَّمِيرُ لِلْمَوْضِعِ وَهُوَ تِعْهِنُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَصْوَبُ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً.

وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: وَهُوَ قَائِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ مِنَ الْقَائِلَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالسُّقْيَا مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ بِتِعْهِنَ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: اقْصِدُوا السُّقْيَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ: وَهُوَ قَائِمٌ بِالسُّقْيَا فَأَبْدَلَ اللَّامَ فِي قَائِلٍ مِيمًا، وَزَادَ الْبَاءَ فِي السُّقْيَا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الصَّحِيحُ قَائِلٌ بِاللَّامِ. قُلْتُ: وَزِيَادَةُ الْبَاءِ تُوهِي الِاحْتِمَالَ الْأَخِيرَ الْمَذْكُورَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فإنَّه مخصوصٌ بمن يبيح أكلها (يُقَالُ: عَدْلُ) بفتح العين: (مِثْلُ) بكسر الميم، وبهذا فسَّره أبو عبيدة (١) في المجاز، ولأبي الوقت: «عدل ذلك: مثل» (فَإِذَا كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف، أي: العين؛ قلت: (عِدْلٌ) وفي بعض الأصول المعتمدة: «فإذا كَسرتَ» بفتح الكاف وتاء الخطاب «عَدلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة وفتح العين (فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ) أي: موازنه في القدر (قِيَامًا) في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧] أي: (قِوَامًا) بكسر القاف، أي: يقوم به أمر دينهم ودنياهم، أو: هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح (٢) فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحُجَّاج والعُمَّار (يَعْدِلُونَ) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] بالأنعام، أي: (يَجْعَلُونَ) له (عَدْلًا) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «أي: مثلًا» تعالى الله عن ذلك، ولغيره: «عِدلًا» بكسرها، وقال البيضاويُّ: والمعنى: أنَّ الكفَّار يعدلون بربِّهم الأوثان، أي: يسوُّونها به، ومناسبة ذكر هذا هنا كونه (٣) من مادة قوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٥] بالفتح، أي: مثله، وما ذكر (٤) جميعه مطابقٌ لترجمة الباب السَّابق، وليس مناسبًا للتَّرجمة الأخرى.

١٨٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة واللَّام الزُّهرانيُّ، قال:

(حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي) أبو قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريُّ (عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) في عمرتها، وهذا أصحُّ من رواية الواحديِّ (١) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن أبي قتادة: أنَّ ذلك كان في عمرة القضيَّة (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب أبي قتادة (وَلَمْ يُحْرِمْ) أبو قتادة لاحتمال أنَّه لم يقصد نسكًا؛ إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرامٍ لمن لم يرد حجًّا ولا عمرةً كما هو مذهب الشَّافعيَّة، وأمَّا على مذهب الأئمَّة الثَّلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجُّوا له: بأنَّ أبا قتادة إنَّما لم يحرم لأنَّه كان أرسله إلى جهةٍ أخرى ليكشف أمر عدوٍّ في طائفةٍ من الصَّحابة كما قال: (وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول: (أَنَّ عَدُوًّا) له من المشركين (يَغْزُوهُ) زاد في حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢]: «بِغَيْقَةَ فتوجَّهنا نحوَهم» أي: بأمره ، قلت: لكن يعكِّر على هذا أنَّ في حديث سعيد بن منصورٍ من طريق المطَّلب عن أبي قتادة: أنَّ خبر العدوِّ أتاهم حين بلوغهم الرَّوحاء، ومنها وجَّههم النَّبيُّ ، والرَّوحاء: على أربعةٍ وثلاثين ميلًا من ذي الحليفة ميقات إحرامهم، فهذا صريحٌ في أنَّ (٢) خبر العدوِّ أتاهم بعد مجاوزة الميقات، ويؤيِّده قوله في حديث الباب اللَّاحق: «فأحرم أصحابُه ولم أُحرِم (٣) فُأُنْبِئنا بعدوٍّ بِغَيْقة فتوجَّهنا» فعبَّر بالفاء المقتضية لتأخير الإنباء عن الإحرام، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على ما ذكر، وقال الأثرم: إنَّما جاز لأبي قتادة ذلك لأنَّه لم يخرج يريد مكَّة لأنِّي وجدت في روايةٍ من حديث أبي سعيدٍ فيها: خرجنا مع رسول فأحرمنا، فلمَّا كنَّا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النَّبيُّ بعثه في وجه … الحديث. انتهى. وفي «صحيح» ابن حبَّان والبزَّار والطَّحاويِّ من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيدٍ قال: بعث رسول الله أبا قتادة على الصَّدقة، وخرج رسول الله وأصحابه وهم محرمون حتَّى نزلوا بعُسْفَان، فإذا هم

بحمار وحشٍ، قال: وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ … الحديث، وهذا ظاهره يخالف ما في «البخاريِّ» على ما لا يخفى لأنَّ قوله: «بعث» يقتضي أنَّه لم يكن خرج (١) مع النَّبيِّ من المدينة، لكن يحتمل أنَّه ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطَّريق قبل الرَّوحاء، فلمَّا بلغوها وأتاهم خبر العدوِّ وجَّهه النَّبيُّ في جماعةٍ لكشف الخبر.

فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ) لمقصده الذي خرج له ولحق أبو قتادة وأصحابه به (٢) ، قال أبو قتادة: (فَبَيْنَمَا) بالميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فبينا» (أَنَا (٣) مَعَ أَصْحَابِي) والذي في الفرع وأصله (٤): «فبينا أبي مع أصحابه» (٥) فيكون من قول ابن (٦) أبي قتادة، حال كونهم (يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي: منتهيًا أو ناظرًا إليه، و «يضحكُ»: فعلٌ مضارعٌ؛ كذا لأبي الوقت، ولغيره: «فضحك» بالفاء بدل الياء والفعل ماضٍ، وفي الفرع: «تضَحَّك» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وفتح الضَّاد وتشديد الحاء من «التَّفعُّل»، وإنَّما كان ضحكهم تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم تعرُّضهم له، لا إشارةً منهم ولا (٧) دلالة لأبي قتادة على الصَّيد، وفي حديث أبي سعيدٍ (٨) السَّابق: وجاء أبو قتادة وهو حلٌّ فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدُّوا أبصارهم له فيفطن فيراه، وفي رواية حديث الباب التَّالي [خ¦١٨٢٢]: «فَبَصُرَ أصحابي بحمار وحشٍ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعضٍ» زاد في رواية أبي حازمٍ [خ¦٢٥٧٠]: «وأحبُّوا أنِّي لو أبصرته» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) بالإضافة، وفيه على رواية: «فبينا أبي» (٩) التفاتٌ؛ إذ كان مقتضاها أن يقول: فنظر، وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ [خ¦٢٥٧٠]: «فقمت إلى الفرس

فأسرجته فركبت، ونسيت السَّوط والرُّمح، فقلت لهم: ناولوني السَّوط والرُّمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه (١) بشيءٍ، فغضبت، فنزلت فأخذتهما، ثمَّ ركبت» (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على الحمار الوحشيِّ (فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) بالمُثلثَّة ثمَّ بالمُوحَّدة (٢) ثمَّ المُثنَّاة (٣) أي: جعلته ثابتًا في مكانه لا حَراك به (وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ) في حمله (فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) في رواية أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٢] «فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحملوا، قالوا (٤): لا نمسُّه، فحملته حتَّى جئتهم به» (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيلٍ عن أبي حازمٍ: «فأكلوا فندموا» [خ¦٢٨٥٤] وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ عن أبي حازمٍ (٥): «فوقعوا يأكلون منه، ثمَّ إنَّهم شكُّوا في أكلهم إيَّاه وهم حرمٌ، فرحنا (٦) وخبَّأت العضد معي» [خ¦٢٥٧٠] وفي رواية مالكٍ عن أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٠] فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي رواية عليِّ بن المبارك عن يحيى عند أبي عَوانة: وخشينا أن يقتطعنا (٧) العدوُّ؛ أي (٨): عن النَّبيِّ لكونه سبقهم وتأخَّروا هم للرَّاحة بالقاحة؛ الموضع الذي وقع به صيد الحمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٢٣] وفي رواية أبي النَّضر الآتية -إن شاء الله تعالى- في «الصَّيد» [خ¦٥٤٩٢] «فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النَّبيَّ ، فأدركته فحدَّثته الحديثَ» فمفهوم هذا أنَّ سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه أن يستفتيه عن قضيَّة (٩) أكل الحمار، ومفهوم حديث أبي عَوانة: أنَّه لخشيته على أصحابه إصابة (١٠) العدوِّ، قال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.

(فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ أُرَفِّعُ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء وكسر الفاء المُشدَّدة، وفي بعض الأصول: «أَرْفَع» بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الفاء (فَرَسِي) أي: أكلِّفه السَّير الشَّديد (شَأْوًا) بفتح الشِّين المعجمة وسكون الهمزة ثمَّ واوٍ؛ أي (١): تارةً (وَأَسِيرُ) بسهولةٍ (شَأْوًا) أي: أخرى (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بكسر الغين المعجمة، ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمه (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ) له: (أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ فعينٍ مهملةٍ ساكنةٍ فهاءٍ مكسورةٍ ثمَّ نونٍ لأبي ذرٍّ (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «بِتِعْهِن» بكسر الفوقيَّة والهاء، ولغيره: «بتَعْهَن» بفتحهما، وحكى أبو ذرٍّ الهرويُّ: أنَّه سمع أهل ذلك المكان يفتحون الهاء، وقال في «القاموس»: وتعهِن، مُثلَّثة الأوَّل مكسورة الهاء، وفي فرع «اليونينيَّة» وأصلها (٤): ضمَّةٌ فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة (٥)، وهي: عين ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقيا (وَهُوَ) أي: النَّبيُّ (قَايلٌ السُّقْيَا) بضمِّ السِّين المهملة وإسكان القاف ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ مقصورٌ؛ قريةٌ جامعةٌ بين مكَّة والمدينة، وهي من أعمال الفُرْع؛ بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء آخره عينٌ مهملةٌ و «قايلٌ»: بالمُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ (٦) كما في الفرع

وصُحِّح عليه، وفي غيره: بالهمزة، وقال النَّوويُّ: رُوِي بوجهين؛ أصحُّهما وأشهرهما: بهمزةٍ بين الألف واللَّام من القيلولة، أي: تركته بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسُّقيا، ومعنى «قايل» سيقيل، والوجه الثَّاني: قابلٌ بالمُوحَّدة، وهو ضعيفٌ وغريبٌ وتصحيفٌ، وإن صحَّ فمعناه: أنَّ تعهن موضعٌ مقابلُ السُّقيا. انتهى. وقال في «المفهم» وتبعه في التَّنقيح: وهو قائلٌ اسم فاعلٍ من القول، ومن القائلة أيضًا، والأوَّل: هو المراد هنا، والسُّقيا: مفعولٌ بفعلٍ مضمرٍ، كأنَّه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السُّقيا، قال في «المصابيح»: يصحُّ كلٌّ من الوجهين، أي: القول والقائلة، كأنَّه (١) أدركه في وقت قيلولته، وهو عازمٌ على المسير إلى السُّقيا؛ إمَّا بقرينةٍ حاليَّةٍ أو مقاليَّةٍ، ولا مانع من ذلك أصلًا. انتهى. فليتأمَّل قوله: «كأنَّه أدركه (٢) وقت قيلولته» فإنَّ لقيَّ أبي قتادة الغفاريَّ (٣) كان في جوف الليل، وقصَّة الحمار كانت بالقاحة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بعد باب [خ¦١٨٢٣] وهي على نحو ميلٍ من السُّقيا إلى جهة المدينة، فالظَّاهر أنَّ لقيَّ الغفاريِّ له إنَّما كان ليلًا لا نهارًا.

قال أبو قتادة: فسرت فأدركته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَكَ) أي: أصحابك؛ كما في رواية مسلمٍ وأحمد (يَقْرَؤُوْنَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا) بكسر همزة «إِنَّ»، وفي حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢] «وإنَّهم» بالواو، و «خَشُوا»: بفتح الخاء وضمِّ الشِّين المعجمتين (٤) (أَنْ يُقْتَطَعُوا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: يقتطعهم العدوُّ (دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ) بصيغة الأمر مِنَ الانتظار، أي: انتظر أصحابك، زاد في رواية الباب اللَّاحق: «فَفَعَلَ»

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ) قطعةٌ فضلت منه، فهي (فَاضِلَةٌ) بألفٍ بين (١) الفاء والضَّاد المعجمة، أي: باقيةٌ (فَقَالَ) (لِلْقَوْمِ: كُلُوا) أي: من الفضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ) والأمر بالأكل للإباحة، وفي قوله (٢) في رواية أبي حازم المُنبَّه عليها في هذا (٣) الباب إشارةٌ إلى أنَّ تمنِّي المحرم أن يقع من الحلال الصَّيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٢٢] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٧] و «المغازي» [خ¦٤١٤٩] و «الجهاد» [خ¦٢٨٥٤] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٠]، ومسلمٌ في الحجِّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وسياق عبد الله له هنا يقتضي كونه (٤) مرسلًا حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية (٥).

(٣) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا رَأَى المُحْرِمُونَ صَيْدًا) وفيهم رجلٌ حلالٌ (فَضَحِكُوا) تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم التَّعرُّض له مع قدرتهم على صيده (فَفَطَِنَ الحَلَالُ) بفتح الطَّاء وكسرها، أي: فَهِم، لا يكون ضحكهم إشارةً منهم إلى الحلال بالصَّيد، حتَّى إذا اصطاد ذلك الحلال الصَّيد؛ لا يلزم المحرمين (٧) الذين ضحكوا شيءٌ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - باب إِذَا صَادَ الْحَلَالُ فَأَهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ

وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ في غَيْرُ الصَّيْدِ، نَحْوُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ، يُقَالُ ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ، ﴿قِيَامًا﴾ قِوَامًا. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ عَدْلًا.

١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ. وَحُدِّثَ النَّبِيُّ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهَنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.

[الحديث ١٨٢١ - أطرافه في: ١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا صَادَ الْحَلَالُ فَأُهْدِيَ لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدُ، أَكَلَهُ) كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ فَجَعَلُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ نَحْوَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ) الْمُرَادُ بِالذَّبْحِ مَا يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ خَصَّصَهُ بِمَا ذَكَرَ تَفَقُّهًا، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ حُكْمَ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ حَتَّى يَجُوزَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ جَزُورًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَمَّا أَثَرُ أَنَسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الصَّبَّاحِ الْبَجَلِيِّ سَأَلْتُ أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ عَنِ الْمُحْرِمِ يَذْبَحُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيِ: الْمَذْبُوحُ. . . إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَالَهُ تَفَقُّهًا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الْخَيْلَ؛ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِنْ يُبِيحُ أَكْلَهَا.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: عَدْلُ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلُ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ) أَمَّا تَفْسِيرُ الْعَدْلِ بِالْفَتْحِ بِالْمِثْلِ وَالْكَسْرِ بِالزِّنَةِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ الْعَدْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ هُوَ قَدْرُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرِ قَدْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ إِلَى أَنَّ الْعَدْلَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدْلُ هُوَ الْقِسْطُ فِي الْحَقِّ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرِ الْمِثْلُ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الزَّكَاةِ.

قَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا﴾ قِوَامًا)، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُهُ الْوَاوُ فَحُوِّلَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ يَاءً كَمَا قَالُوا فِي الصَّوْمِ: صُمْتُ صِيَامًا، وَأَصْلُهُ صِوَامًا. قَالَ الشَّاعِرُ:

قِيَامُ دُنْيَا وَقِوَامُ دِينٍ.

فَرَدَّهُ إِلَى أَصْلِهِ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَالْمَعْنَى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ بِمَنْزِلَةِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ أَمْرُ أَتْبَاعِهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ قِيَامُ الْبَيْتِ وَقِوَامُهُ الَّذِي يُقِيمُ شَأْنَهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدْلًا) هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِهِ هُنَا ذِكْرُ لَفْظِ الْعَدْلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ: يَعْدِلُونَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَوْلُهُ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدْلًا أَيْ: مِثْلًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا

هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) فِي رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِمٍ:، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) هَكَذَا سَاقَهُ مُرْسَلًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، وَقَوْلُهُ: بِالْحُدَيْبِيَةِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ) الضَّمِيرُ لِأَبِي قَتَادَةَ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ أَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ: وَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ وَفِي هَذَا السِّيَاقِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَهِيَ بَعْدَ بَابَيْنِ بِلَفْظِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ، وَسَيَأْتِي الْجَمْعُ هُنَاكَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: خَرَجَ حَاجًّا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَبَيَّنَ الْمُطَّلِبُ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مَكَانَ صَرْفِهِمْ، وَلَفْظُهُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الرَّوْحَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَحُدِّثَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: بِغَيْقَةَ أَيْ: فِي غَيْقَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ هَاءٌ. قَالَ السُّكُونِيُّ: هُوَ مَاءٌ لِبَنِي غِفَارٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ قَلِيبٌ لِبَنِي ثَعْلَبَةَ يَصُبُّ فِيهِ مَاءُ رَضْوَى، وَيَصُبُّ هُوَ فِي الْبَحْرِ.

وَحَاصِلُ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا خَرَجَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَبَلَغَ الرَّوْحَاءَ - وَهِيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا - أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ عَدُوًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِوَادِي غَيْقَةَ يُخْشَى مِنْهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا غِرَّتَهُ، فَجَهَّزَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ إِلَى جِهَتِهِمْ لِيَأْمَنَ شَرَّهُمْ، فَلَمَّا أَمِنُوا ذَلِكَ لَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَصْحَابُهُ بِالنَّبِيِّ فَأَحْرَمُوا، إِلَّا هُوَ فَاسْتَمَرَّ هُوَ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ إِمَّا لَمْ يُجَاوِزِ الْمِيقَاتَ، وَإِمَّا لَمْ يَقْصِدِ الْعُمْرَةَ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُونَ: كَيْفَ جَازَ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ؟ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهُهُ. قَالَ: حَتَّى وَجَدْتُهُ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَحْرَمْنَا، فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَانِ كَذَا إِذَا نَحْنُ بِأَبِي قَتَادَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ بَعَثَهُ فِي وَجْهِ. الْحَدِيثَ. قَالَ: فَإِذَا أَبُو قَتَادَةَ إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ يُرِيدُ مَكَّةَ.

قُلْتُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا قَتَادَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِعُسْفَانَ فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ، وَيُحْتَمَلُ جَمْعُهُمَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا أَخَّرَ الْإِحْرَامَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَسَاغَ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ أَنْ يُؤَقِّتَ النَّبِيُّ الْمَوَاقِيتَ. وَأَمَّا قَوْلُ عِيَاضٍ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ مِنَ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا بَعَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى النَّبِيِّ يُعْلِمُونَهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ قَصَدُوا الْإِغَارَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الصَّحِيحَةِ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (فَبَيْنَا أَبِي مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ: فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ:

وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ فِي مُسْلِمٍ: فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَيَّ فَشُدِّدَتِ الْيَاءُ مِنْ إِلَيَّ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَلَيْهِ لَفْظَةُ بَعْضٍ ثُمَّ احْتَجَّ لِضَعْفِهَا بِأَنَّهُمْ لَوْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ لَكَانَتْ أَكْبَرَ إِشَارَةٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا. وَإِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ عَلَى الصَّيْدِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ. انْتَهَى.

وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِصِحَّتِهَا وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَلَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَلَالَةٌ وَلَا إِشَارَةٌ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الضَّحِكِ لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِنَّمَا ضَحِكُوا تَعَجُّبًا مِنْ عُرُوضِ الصَّيْدِ لَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ: فَإِنَّ مُجَرَّدَ الضَّحِكِ لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ، صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَا يَكْفِي فِي رَدِّ دَعْوَى الْقَاضِي، فَإِنَّ قَوْلَهُ: يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هُوَ مُجَرَّدُ ضَحِكٍ، وَقَوْلُهُ: يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَيَّ فِيهِ مَزِيدُ أَمْرٍ عَلَى مُجَرَّدِ الضَّحِكِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي رُؤْيَتِهِ فَاسْتَوَوْا فِي ضَحِكِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ رَآهُ فَيَكُونُ ضَحِكُ بَعْضِهِمْ إِلَيْهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ بَاعِثًا لَهُ عَلَى التَّفَطُّنِ إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ الْقَاضِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ بِلَفْظِ: إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي. فَقُلْتُ: هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ. فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأَيْتَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَجَاءَ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ حِلٌّ فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُحِدُّوا أَبْصَارَهُمْ لَهُ فَيَفْطِنَ فَيَرَاهُ اهـ. فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَ الْقَاضِي.

وَفِي قَوْلِ الشَّيْخِ: قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَحَذْفِهَا لَمْ يَقَعْ فِي طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ إِسْنَادٍ وَاحِدٍ مِمَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَكَانَ مَعَ مَنْ أَثْبَتَ لَفْظَ بَعْضٍ زِيَادَةُ عِلْمٍ سَالِمَةٌ مِنَ الْإِشْكَالِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ، وَبَيَّنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ أَنَّ قِصَّةَ صَيْدِهِ لِلْحِمَارِ كَانَتْ بَعْدَ أَنِ اجْتَمَعُوا بِالنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَنَزَلُوا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَلَفْظُهُ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ دُونَ أَبِي قَتَادَةَ بِقَوْلِهِ: فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ بِعُسْفَانَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بِالْقَاحَةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَغَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ الْحَدِيثَ. وَالْقَاحَةُ - بِقَافٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ - مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ السُّقْيَا كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَنَظَرْتُ) هَذَا فِيهِ الْتِفَاتٌ، فَإِنَّ السِّيَاقَ الْمَاضِي يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: فَنَظَرَ؛ لِقَوْلِهِ: فَبَيْنَا أَبِي مَعَ أَصْحَابِهِ فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ أَبِي: فَنَظَرْتُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رُؤْيَتَهَ لَهُ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ رُؤْيَةِ أَصْحَابِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ، وَلَفْظُهُ: فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ فَرَكِبَ.

قَوْلُهُ: (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَغَضِبْتُ، فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَتَنَاوَلَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ: وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي

سَوْطِي. فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ. فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فَاخْتَلَسَ مِنْ بَعْضِهِمْ سَوْطًا وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَقْوَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ رَأَى فِي سَوْطِ نَفْسِهِ تَقْصِيرًا فَأَخَذَ سَوْطَ غَيْرِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى اخْتِلَاسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ اخْتِيَارًا لَامْتَنَعَ.

قَوْلُهُ: (فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: جَعَلْتُهُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ لَا حَرَاكَ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ: فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ: حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا. فَقَالُوا: لَا نَمَسُّهُ، فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَوَقَعُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي.

وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ: فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَظَلِلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ مَا شِئْنَا طَبِيخًا وَشِوَاءً ثُمَّ تَزَوَّدْنَا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أَيْ: نَصِيرُ مَقْطُوعِينَ عَنِ النَّبِيِّ مُنْفَصِلِينَ عَنْهُ؛ لِكَوْنِهِ سَبَقَهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: وَخَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: وَخَشِينَا أَنْ يَقْتَطِعَنَا الْعَدُوُّ وَفِيهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: وَأَنَّهُمْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعَدُوُّ دُونَكَ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سَبَبَ إِسْرَاعِ أَبِي قَتَادَةَ لِإِدْرَاكِ النَّبِيِّ خَشْيَةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَنَالَهُمْ بَعْضُ أَعْدَائِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ الْآتِيَةِ فِي الصَّيْدِ: فَأَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْكُلَ، فَقُلْتُ: أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمُ النَّبِيَّ فَأَدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فَفِي هَذَا أَنَّ سَبَبَ إِدْرَاكِهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ عَنْ قِصَّةِ أَكْلِ الْحِمَارِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَرْفَعُ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، أَيْ: أُكَلِّفُهُ السَّيْرَ، وَشَأْوًا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، أَيْ: تَارَةً، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْكُضُهُ تَارَةً، وَيَسِيرُ بِسُهُولَةٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (تَرَكَتْهُ بِتِعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا) السُّقْيَا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَقْصُورَةٌ -: قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَتِعْهِنُ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَبِفَتْحِهَا بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ نُونٌ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بِالْكَسْرِ وَبِهِ قَيَّدَهَا الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ الْبِلَادِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِهِمَا، وَحَكَى أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ الْعَرَبِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ التَّاءَ وَيَفْتَحُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ الْهَاءَ، قِيلَ: وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرَاتِهِمْ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَأَغْرَبَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فَضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَبِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، وَقَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ التَّاءَ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُسَكِّنُونَ الْعَيْنَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: بِدِعْهِنَ، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الْمُثَنَّاةِ. وَقَوْلُهُ: قَائِلٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنَ الْقَيْلُولَةِ، أَيْ: تَرَكْتُهُ فِي اللَّيْلِ وبِتِعْهِنَ وَعَزْمُهُ أَنْ يَقِيلَ بِالسُّقْيَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَهُوَ قَائِلٌ أَيْ: سَيَقِيلُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَابِلٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفٌ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ تِعْهِنَ مَوْضِعٌ مُقَابِلٌ لِلسُّقْيَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ لِلنَّبِيِّ وَعَلَى الثَّانِي الضَّمِيرُ لِلْمَوْضِعِ وَهُوَ تِعْهِنُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَصْوَبُ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً.

وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: وَهُوَ قَائِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ مِنَ الْقَائِلَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالسُّقْيَا مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ بِتِعْهِنَ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: اقْصِدُوا السُّقْيَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ: وَهُوَ قَائِمٌ بِالسُّقْيَا فَأَبْدَلَ اللَّامَ فِي قَائِلٍ مِيمًا، وَزَادَ الْبَاءَ فِي السُّقْيَا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الصَّحِيحُ قَائِلٌ بِاللَّامِ. قُلْتُ: وَزِيَادَةُ الْبَاءِ تُوهِي الِاحْتِمَالَ الْأَخِيرَ الْمَذْكُورَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فإنَّه مخصوصٌ بمن يبيح أكلها (يُقَالُ: عَدْلُ) بفتح العين: (مِثْلُ) بكسر الميم، وبهذا فسَّره أبو عبيدة (١) في المجاز، ولأبي الوقت: «عدل ذلك: مثل» (فَإِذَا كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف، أي: العين؛ قلت: (عِدْلٌ) وفي بعض الأصول المعتمدة: «فإذا كَسرتَ» بفتح الكاف وتاء الخطاب «عَدلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة وفتح العين (فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ) أي: موازنه في القدر (قِيَامًا) في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧] أي: (قِوَامًا) بكسر القاف، أي: يقوم به أمر دينهم ودنياهم، أو: هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح (٢) فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحُجَّاج والعُمَّار (يَعْدِلُونَ) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] بالأنعام، أي: (يَجْعَلُونَ) له (عَدْلًا) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «أي: مثلًا» تعالى الله عن ذلك، ولغيره: «عِدلًا» بكسرها، وقال البيضاويُّ: والمعنى: أنَّ الكفَّار يعدلون بربِّهم الأوثان، أي: يسوُّونها به، ومناسبة ذكر هذا هنا كونه (٣) من مادة قوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٥] بالفتح، أي: مثله، وما ذكر (٤) جميعه مطابقٌ لترجمة الباب السَّابق، وليس مناسبًا للتَّرجمة الأخرى.

١٨٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة واللَّام الزُّهرانيُّ، قال:

(حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي) أبو قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريُّ (عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) في عمرتها، وهذا أصحُّ من رواية الواحديِّ (١) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن أبي قتادة: أنَّ ذلك كان في عمرة القضيَّة (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب أبي قتادة (وَلَمْ يُحْرِمْ) أبو قتادة لاحتمال أنَّه لم يقصد نسكًا؛ إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرامٍ لمن لم يرد حجًّا ولا عمرةً كما هو مذهب الشَّافعيَّة، وأمَّا على مذهب الأئمَّة الثَّلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجُّوا له: بأنَّ أبا قتادة إنَّما لم يحرم لأنَّه كان أرسله إلى جهةٍ أخرى ليكشف أمر عدوٍّ في طائفةٍ من الصَّحابة كما قال: (وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول: (أَنَّ عَدُوًّا) له من المشركين (يَغْزُوهُ) زاد في حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢]: «بِغَيْقَةَ فتوجَّهنا نحوَهم» أي: بأمره ، قلت: لكن يعكِّر على هذا أنَّ في حديث سعيد بن منصورٍ من طريق المطَّلب عن أبي قتادة: أنَّ خبر العدوِّ أتاهم حين بلوغهم الرَّوحاء، ومنها وجَّههم النَّبيُّ ، والرَّوحاء: على أربعةٍ وثلاثين ميلًا من ذي الحليفة ميقات إحرامهم، فهذا صريحٌ في أنَّ (٢) خبر العدوِّ أتاهم بعد مجاوزة الميقات، ويؤيِّده قوله في حديث الباب اللَّاحق: «فأحرم أصحابُه ولم أُحرِم (٣) فُأُنْبِئنا بعدوٍّ بِغَيْقة فتوجَّهنا» فعبَّر بالفاء المقتضية لتأخير الإنباء عن الإحرام، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على ما ذكر، وقال الأثرم: إنَّما جاز لأبي قتادة ذلك لأنَّه لم يخرج يريد مكَّة لأنِّي وجدت في روايةٍ من حديث أبي سعيدٍ فيها: خرجنا مع رسول فأحرمنا، فلمَّا كنَّا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النَّبيُّ بعثه في وجه … الحديث. انتهى. وفي «صحيح» ابن حبَّان والبزَّار والطَّحاويِّ من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيدٍ قال: بعث رسول الله أبا قتادة على الصَّدقة، وخرج رسول الله وأصحابه وهم محرمون حتَّى نزلوا بعُسْفَان، فإذا هم

بحمار وحشٍ، قال: وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ … الحديث، وهذا ظاهره يخالف ما في «البخاريِّ» على ما لا يخفى لأنَّ قوله: «بعث» يقتضي أنَّه لم يكن خرج (١) مع النَّبيِّ من المدينة، لكن يحتمل أنَّه ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطَّريق قبل الرَّوحاء، فلمَّا بلغوها وأتاهم خبر العدوِّ وجَّهه النَّبيُّ في جماعةٍ لكشف الخبر.

فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ) لمقصده الذي خرج له ولحق أبو قتادة وأصحابه به (٢) ، قال أبو قتادة: (فَبَيْنَمَا) بالميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فبينا» (أَنَا (٣) مَعَ أَصْحَابِي) والذي في الفرع وأصله (٤): «فبينا أبي مع أصحابه» (٥) فيكون من قول ابن (٦) أبي قتادة، حال كونهم (يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي: منتهيًا أو ناظرًا إليه، و «يضحكُ»: فعلٌ مضارعٌ؛ كذا لأبي الوقت، ولغيره: «فضحك» بالفاء بدل الياء والفعل ماضٍ، وفي الفرع: «تضَحَّك» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وفتح الضَّاد وتشديد الحاء من «التَّفعُّل»، وإنَّما كان ضحكهم تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم تعرُّضهم له، لا إشارةً منهم ولا (٧) دلالة لأبي قتادة على الصَّيد، وفي حديث أبي سعيدٍ (٨) السَّابق: وجاء أبو قتادة وهو حلٌّ فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدُّوا أبصارهم له فيفطن فيراه، وفي رواية حديث الباب التَّالي [خ¦١٨٢٢]: «فَبَصُرَ أصحابي بحمار وحشٍ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعضٍ» زاد في رواية أبي حازمٍ [خ¦٢٥٧٠]: «وأحبُّوا أنِّي لو أبصرته» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) بالإضافة، وفيه على رواية: «فبينا أبي» (٩) التفاتٌ؛ إذ كان مقتضاها أن يقول: فنظر، وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ [خ¦٢٥٧٠]: «فقمت إلى الفرس

فأسرجته فركبت، ونسيت السَّوط والرُّمح، فقلت لهم: ناولوني السَّوط والرُّمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه (١) بشيءٍ، فغضبت، فنزلت فأخذتهما، ثمَّ ركبت» (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على الحمار الوحشيِّ (فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) بالمُثلثَّة ثمَّ بالمُوحَّدة (٢) ثمَّ المُثنَّاة (٣) أي: جعلته ثابتًا في مكانه لا حَراك به (وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ) في حمله (فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) في رواية أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٢] «فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحملوا، قالوا (٤): لا نمسُّه، فحملته حتَّى جئتهم به» (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيلٍ عن أبي حازمٍ: «فأكلوا فندموا» [خ¦٢٨٥٤] وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ عن أبي حازمٍ (٥): «فوقعوا يأكلون منه، ثمَّ إنَّهم شكُّوا في أكلهم إيَّاه وهم حرمٌ، فرحنا (٦) وخبَّأت العضد معي» [خ¦٢٥٧٠] وفي رواية مالكٍ عن أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٠] فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي رواية عليِّ بن المبارك عن يحيى عند أبي عَوانة: وخشينا أن يقتطعنا (٧) العدوُّ؛ أي (٨): عن النَّبيِّ لكونه سبقهم وتأخَّروا هم للرَّاحة بالقاحة؛ الموضع الذي وقع به صيد الحمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٢٣] وفي رواية أبي النَّضر الآتية -إن شاء الله تعالى- في «الصَّيد» [خ¦٥٤٩٢] «فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النَّبيَّ ، فأدركته فحدَّثته الحديثَ» فمفهوم هذا أنَّ سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه أن يستفتيه عن قضيَّة (٩) أكل الحمار، ومفهوم حديث أبي عَوانة: أنَّه لخشيته على أصحابه إصابة (١٠) العدوِّ، قال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.

(فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ أُرَفِّعُ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء وكسر الفاء المُشدَّدة، وفي بعض الأصول: «أَرْفَع» بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الفاء (فَرَسِي) أي: أكلِّفه السَّير الشَّديد (شَأْوًا) بفتح الشِّين المعجمة وسكون الهمزة ثمَّ واوٍ؛ أي (١): تارةً (وَأَسِيرُ) بسهولةٍ (شَأْوًا) أي: أخرى (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بكسر الغين المعجمة، ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمه (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ) له: (أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ فعينٍ مهملةٍ ساكنةٍ فهاءٍ مكسورةٍ ثمَّ نونٍ لأبي ذرٍّ (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «بِتِعْهِن» بكسر الفوقيَّة والهاء، ولغيره: «بتَعْهَن» بفتحهما، وحكى أبو ذرٍّ الهرويُّ: أنَّه سمع أهل ذلك المكان يفتحون الهاء، وقال في «القاموس»: وتعهِن، مُثلَّثة الأوَّل مكسورة الهاء، وفي فرع «اليونينيَّة» وأصلها (٤): ضمَّةٌ فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة (٥)، وهي: عين ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقيا (وَهُوَ) أي: النَّبيُّ (قَايلٌ السُّقْيَا) بضمِّ السِّين المهملة وإسكان القاف ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ مقصورٌ؛ قريةٌ جامعةٌ بين مكَّة والمدينة، وهي من أعمال الفُرْع؛ بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء آخره عينٌ مهملةٌ و «قايلٌ»: بالمُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ (٦) كما في الفرع

وصُحِّح عليه، وفي غيره: بالهمزة، وقال النَّوويُّ: رُوِي بوجهين؛ أصحُّهما وأشهرهما: بهمزةٍ بين الألف واللَّام من القيلولة، أي: تركته بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسُّقيا، ومعنى «قايل» سيقيل، والوجه الثَّاني: قابلٌ بالمُوحَّدة، وهو ضعيفٌ وغريبٌ وتصحيفٌ، وإن صحَّ فمعناه: أنَّ تعهن موضعٌ مقابلُ السُّقيا. انتهى. وقال في «المفهم» وتبعه في التَّنقيح: وهو قائلٌ اسم فاعلٍ من القول، ومن القائلة أيضًا، والأوَّل: هو المراد هنا، والسُّقيا: مفعولٌ بفعلٍ مضمرٍ، كأنَّه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السُّقيا، قال في «المصابيح»: يصحُّ كلٌّ من الوجهين، أي: القول والقائلة، كأنَّه (١) أدركه في وقت قيلولته، وهو عازمٌ على المسير إلى السُّقيا؛ إمَّا بقرينةٍ حاليَّةٍ أو مقاليَّةٍ، ولا مانع من ذلك أصلًا. انتهى. فليتأمَّل قوله: «كأنَّه أدركه (٢) وقت قيلولته» فإنَّ لقيَّ أبي قتادة الغفاريَّ (٣) كان في جوف الليل، وقصَّة الحمار كانت بالقاحة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بعد باب [خ¦١٨٢٣] وهي على نحو ميلٍ من السُّقيا إلى جهة المدينة، فالظَّاهر أنَّ لقيَّ الغفاريِّ له إنَّما كان ليلًا لا نهارًا.

قال أبو قتادة: فسرت فأدركته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَكَ) أي: أصحابك؛ كما في رواية مسلمٍ وأحمد (يَقْرَؤُوْنَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا) بكسر همزة «إِنَّ»، وفي حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢] «وإنَّهم» بالواو، و «خَشُوا»: بفتح الخاء وضمِّ الشِّين المعجمتين (٤) (أَنْ يُقْتَطَعُوا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: يقتطعهم العدوُّ (دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ) بصيغة الأمر مِنَ الانتظار، أي: انتظر أصحابك، زاد في رواية الباب اللَّاحق: «فَفَعَلَ»

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ) قطعةٌ فضلت منه، فهي (فَاضِلَةٌ) بألفٍ بين (١) الفاء والضَّاد المعجمة، أي: باقيةٌ (فَقَالَ) (لِلْقَوْمِ: كُلُوا) أي: من الفضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ) والأمر بالأكل للإباحة، وفي قوله (٢) في رواية أبي حازم المُنبَّه عليها في هذا (٣) الباب إشارةٌ إلى أنَّ تمنِّي المحرم أن يقع من الحلال الصَّيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٢٢] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٧] و «المغازي» [خ¦٤١٤٩] و «الجهاد» [خ¦٢٨٥٤] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٠]، ومسلمٌ في الحجِّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وسياق عبد الله له هنا يقتضي كونه (٤) مرسلًا حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية (٥).

(٣) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا رَأَى المُحْرِمُونَ صَيْدًا) وفيهم رجلٌ حلالٌ (فَضَحِكُوا) تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم التَّعرُّض له مع قدرتهم على صيده (فَفَطَِنَ الحَلَالُ) بفتح الطَّاء وكسرها، أي: فَهِم، لا يكون ضحكهم إشارةً منهم إلى الحلال بالصَّيد، حتَّى إذا اصطاد ذلك الحلال الصَّيد؛ لا يلزم المحرمين (٧) الذين ضحكوا شيءٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل