الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٥
الحديث رقم ١٨٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مسح الرأس كله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قال: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ -، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ)؛ أَيْ: مِنَ الْغَشْيِ (إِلَّا مِنَ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ) فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ. وَالْمُثْقِلُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنَ الْغَشْيِ مُطْلَقًا، وَالتَّقْدِيرُ: بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنَ الْغَشْيِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُثْقِلًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ أَيْضًا، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ أَيْضًا، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ هِشَامٍ وَامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ.
قَوْلُهُ: (فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ) كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ بِالنُّونِ، وَلِكَرِيمَةَ أَيْ نَعَمْ، وَهِيَ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ كَانَتْ بِرَأْسِهَا.
قَوْلُهُ: (تَجَلَّانِي)؛ أَيْ: غَطَّانِي، قال ابْنُ بَطَّالٍ: الْغَشْيُ مَرَضٌ يَعْرِضُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَالْوُقُوفِ (١)، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِغْمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ، وَإِنَّمَا صَبَّتْ أَسْمَاءُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا مُدَافَعَةً لَهُ، وَلَوْ كَانَ شَدِيدًا لَكَانَ كَالْإِغْمَاءِ، وَهُوَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِالْإِجْمَاعِ، انْتَهَى.
وَكَوْنُهَا كَانَتْ تَتَوَلَّى صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَاسَّهَا كَانَتْ مُدْرِكَةً، وَذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَرَى الَّذِي خَلْفَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٨ - بَاب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
[الحديث ١٨٥ - أطرافه في: ١٩٩، ١٩٧، ١٩٢، ١٩١، ١٨٦]
قَوْلُهُ (بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ) كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ، وَسَقَطَ لَفْظُ كُلِّهِ لِلْمُسْتَمْلِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ)؛ أَيْ: سَعِيدٌ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمَسْحِ سَوَاءٌ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قال: يَكْفِي الْمَرْأَةَ مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا.
قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ مَالِكٌ) السَّائِلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، بَيَّنَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ فِي وُضُوئِهِ أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وُضُوئِهِ مِنْ نَاصِيَتِهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَصْرَحُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنَ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلُ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ مُجْمَلٌ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْهَا مَسْحُ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ، أَوْ مَسْحُ الْبَعْضِ عَلَى أَنَّهَا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَتَبَيَّنَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْمِيمَ لَيْسَ بِفَرْضٍ (١)، فَعَلَى هَذَا فَالْإِجْمَالُ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ)؛ أَيْ: أَبِي عُثْمَانَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَيِ: ابْنِ أَبِي حَسَنٍ وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، وَلِجَدِّهِ أَبِي حَسَنٍ صُحْبَةٌ، وَكَذَا لِعُمَارَةَ فِيمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فِيهِ نَظَرٌ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ وَقَدْ دَخَلَهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ كَمَا سَمَّاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدُ هَذَا مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِيهِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ عَمُّ أَبِيهِ، وَسَمَّاهُ جَدًّا لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَتِهِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَدًّا لِعَمْرِو بْنِ يَحْيَى لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْكَمَالِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ ابْنُ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَغَلَطٌ تَوَهَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى هِيَ حَمِيدَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بِنْتُ أَبِي حَيَّةَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّائِلِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُمْ فَأَبْهَمَهُ، قال مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى: إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَسَنٍ - وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى -، قال: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ أَبَا حَسَنٍ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ. وَكَذَا سَاقَهُ سَحْنُونُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ إِنَّهُ، قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ، قال: قُلْتُ. . وَالَّذِي يَجْمَعُ هَذَا الِاخْتِلَافَ أَنْ يُقَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو حَسَنٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُهُ عَمْرٌو وَابْنُ ابْنِهِ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ، فَسَأَلُوهُ عَنْ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَوَلَّى السُّؤَالَ مِنْهُمْ لَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ، فَحَيْثُ نُسِبَ إِلَيْهِ السُّؤَالُ كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، قال: كَانَ عَمِّي يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ يُكْثِرُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبِرْنِي. فَذَكَرَهُ. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ إِلَى أَبِي حَسَنٍ فَعَلَى الْمَجَازِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَكْبَرَ وَكَانَ حَاضِرًا. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ لِيَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ فَعَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ نَاقِلَ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَضَرَ السُّؤَالَ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ،
عَنْ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قال: قِيلَ لَهُ تَوَضَّأْ لَنَا فَذَكَرَهُ مُبْهَمًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ قُلْنَا لَهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ كَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا عَلَى سُؤَالِهِ، لَكِنَّ مُتَوَلِّيَ السُّؤَالِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا رِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَسَنٍ، قال: كُنْتُ كَثِيرَ الْوُضُوءِ، فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَتَسْتَطِيعُ) فِيهِ مُلَاطَفَةُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّعْلِيمِ، وَسَبَبُ الِاسْتِفْهَامِ مَا قَامَ عِنْدَهُ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ نَسِيَ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا بِمَاءٍ) وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ. وَالتَّوْرُ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ، قال الدَّاوُدِيُّ: قَدَحٌ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَاءٌ يُشْرَبُ مِنْهُ. وَقِيلَ هُوَ الطَّسْتُ، وَقِيلَ يُشْبِهُ الطَّسْتَ، وَقِيلَ هُوَ مِثْلُ الْقِدْرِ يَكُونُ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمِخْضَبِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ وَالصُّفْرُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ صِنْفٌ مِنْ حَدِيدِ النُّحَاسِ، قِيلَ: إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الذَّهَبَ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الشَّبَهَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ. وَالتَّوْرُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ إِذْ سُئِلَ عَنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي حِكَايَةِ صُورَةِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِهَا.
قَوْلُهُ: (فَأَفْرَغَ) وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى، عَنْ وُهَيْبٍ فَأَكْفَأَ بِهَمْزَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً، عَنْ وُهَيْبٍ فَكَفَأَ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى يُقَالُ كَفَأَ الْإِنَاءَ وَأَكْفَأَ إِذَا أَمَالَهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ كَبَبْتُهُ وَأَكْفَأْتُهُ أَمَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِفْرَاغُ الْمَاءِ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى الْيَدِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِفْرَادِ يَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا لِلدَّرَاوَرْدِيِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ، فَيُحْمَلُ الْإِفْرَادُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَلَى الْجِنْسِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ مَرَّتَيْنِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ ثَلَاثًا، وَكَذَا لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظٌ وَقَدِ اجْتَمَعُوا فَزِيَادَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَافِظِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ، عَنْ وُهَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى إِمْلَاءً، فَتَأَكَّدَ تَرْجِيحُ رِوَايَتِهِ، وَلَا يُقَالُ يُحْمَلُ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.
وَفِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَالِاسْتِنْثَارُ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِنْشَاقَ بِلَا عَكْسٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الثَّلَاثَةِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآتِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ كُلَّ مَرَّةٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ فَإِنَّهُ تَطَرَّقَهَا احْتِمَالُ التَّوْزِيعِ بِلَا تَسْوِيَةٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى الْجَمْعِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنِ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ فَتُقَدَّمُ الزِّيَادَةُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ، فَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لِكَوْنِهِ عَطْف بِالْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ وَفِيهِ بَحْثٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى
وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لِلْإِتْيَانِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحُكْمَيْنِ مُجْمَلٌ فِي الْآيَةِ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، وَفِيهِ: وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُضُوءٌ آخَرُ لِكَوْنِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرَ مُتَّحِدٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَدْخُلُ الْمِرْفَقَانِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْمُعْظَمُ: نَعَمْ، وَخَالَفَ زُفَرُ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ وَهِيَ كَوْنُ مَا بَعْدَ إِلَى مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: الْيَدُ يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ إِلَى الْإِبْطِ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ تَيَمَّمَ إِلَى الْإِبْطِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بَقِيَ الْمِرْفَقُ مَغْسُولًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ بِحَقِّ الِاسْمِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فَإِلَى هُنَا حَدٌّ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَا لِلْمَغْسُولِ، وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفْظُ إِلَى يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ دَلِيلُ عَدَمِ دُخُولِ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ كَوْنُ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، قال: فَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَوَقَفَ زُفَرُ مَعَ الْمُتَيَقَّنِ، انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِدُخُولِهِمَا بِفِعْلِهِ ﷺ، فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ (١). وَفِي الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمِرْفَقَ وَفِي الطَّحَاوِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. قال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إِلَى فِي الْآيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ، فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ، انْتَهَى.
وَقَدْ قال الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إِيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، فَعَلَى هَذَا فَزُفَرُ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَكَذَا مَنْ قال بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ صَرِيحًا وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَبُ كَلَامًا مُحْتَمِلًا. وَالْمِرْفَقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي آخِرِ الذِّرَاعِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهِ فِي الِاتِّكَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زَادَ ابْنُ الطَّبَّاعِ كُلَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِرَأْسِهِ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ. قال الْقُرْطُبِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ يَجُوزُ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا، كَقَوْلِكَ مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَمَسَحْتُ بِرَأْسِهِ. وَقِيلَ: دَخَلَتِ الْبَاءُ لِتُفِيدَ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْغُسْلَ لُغَةً يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ، وَالْمَسْحُ لُغَةً لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ، فَلَوْ قال: وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ بِغَيْرِ مَاءٍ، فَكَأَنَّهُ قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمُ الْمَاءَ فَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: احْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جَمِيعَ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضَهُ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ يُجْزِئُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ فِي اتَّيَمُّمِ أَنَّ
الْمَسْحَ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ الْغَسْلِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَافْتَرَقَا، وَلَا يَرِدُ كَوْنُ مَسْحِ الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهِ ثَبَتَتْ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ لِعُذْرٍ - لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَظِنَّةُ الْعُذْرِ، وَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بَعْدَ مَسْحِ النَّاصِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -، قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَسْحُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ عَلَى الْعِمَامَةِ وَلَا تَعَرُّضٍ لِسَفَرٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لَكِنَّهُ اعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو مَعْقِلٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، فَقَدِ اعْتَضَدَ كُلٌّ مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمَوْصُولِ بِالْآخَرِ، وَحَصَلَتِ الْقُوَّةُ مِنَ الصُّورَةِ الْمَجْمُوعَةِ، وَهَذَا مِثَالٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ يَعْتَضِدُ بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ مُسْنَدٍ، وَظَهَرَ بِهَذَا جَوَابُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الْحُجَّةَ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ فَيَقَعُ الْمُرْسَلُ لَغْوًا، وَقَدْ قَرَّرْتُ جَوَابَ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ.
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ، قال: وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الِاكْتِفَاءُ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْمُرْسَلُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قال: السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَلَا مَا أَدْبَرَ عَنْهُ، وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ، فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبَدَاءَةَ بِالْمُقَدَّمِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ؛ أَيْ: بَدَأَ بِقِبَلِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكُ. وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ اسْتِيعَابُ جِهَتَيِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ، وَالْمَشْهُورُ عَمَّنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ، وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ التَّعْمِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الْآتِيَةِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَالْبَحْثِ فِي قَوْلِهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَعْبَ هُوَ الْعَظْمُ النَّاشِزُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الصَّحِيحُ فِي صِفَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ قَطْعِ الْمُحْرِمِ الْخُفَّيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْإِفْرَاغُ عَلَى الْيَدَيْنِ مَعًا فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ بَعْضُهُ بِمَرَّةٍ وَبَعْضُهُ بِمَرَّتَيْنِ وَبَعْضُهُ بِثَلَاثٍ، وَفِيهِ مَجِيءُ الْإِمَامِ إِلَى بَيْتِ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ وَابْتِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّ لَهُ بِهِ حَاجَةً، وَجَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَالتَّعْلِيمُ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِلتَّطَهُّرِ لَا يُصَيِّرُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ وَغَيْرِهِ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ. . . إِلَخْ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُهَا وَلَا مَا يَنْفِيهَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ، وَقَدْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِلِاغْتِرَافِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَهُوَ وَقْتُ غَسْلِهَا، وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والوقت والأَصيليِّ: «رأسه» (فَاحْتَجَّ) (١) أي: مالكٌ على أنَّه لا يجزي (بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) هذا الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٥].
١٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة، بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (المَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦١٨٦] (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (وَهُوَ) أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي) أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟) كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل ليكون أبلغ في التَّعليم (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك (فَأَفْرَغَ) أي: صبَّ من الماء (عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: «على يده» بالإفراد على إرادة الجنس (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ) وفي رواية الأربعة: «فغسل يده (٣) مرَّتين» كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: «ثلاثًا» فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد لأنَّ في
رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا (١)، ثمَّ الأخرى ثلاثًا» فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ لكون (٢) مخرج الحديثين غير متَّحدٍ (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) أي: بثلاث غرفاتٍ كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «واستنشق ثلاثًا»، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض بأنَّ ابن (٣) الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦١٦٤] (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى) أي: معَ (المَرْفِقَيْنِ) بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ بكسر الميم وفتح الفاء (٤)، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «إلى المرفق» بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: «إلى المرفقين» بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو (٥) على إرادة الجنس، وهو مفصل
الذِّراع والعضد، وسُمِّي به لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين خلافًا لزُفَرَ لأنَّ ﴿إِلَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) بمعنى: «مع» كالحديث (٢) كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك لم يبقَ معنًى للتَّحديد (٣)، ولا لذكره مزيد فائدةٍ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا لم تكن (٤) غاية كقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية وجب دخولها احتياطًا. انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَقَّن، وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يحتمل أن تكون (٥) بمعنى الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه» كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ «مسلمٍ»: «مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصُدْغَيْه» (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم» بأن وضع يديه عليه، وألصق مُسبِّحته بالأخرى وإبهاميه على صُدْغَيْه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب
جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦١٩٩] فلم يكن في ظاهره حجَّةً لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ به قبل الرَّأس (١)، وإِلَّا فلا حاجة إلى الرَّدِّ، فلو ردَّ لم يُحسَب (٢) ثانيةً لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية حُسِب ثالثةً (٣) بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر (٤)، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة (٥) وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في «باب من مضمض (٦) واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ»:
«ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر» [خ¦١٩١] كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها فقِيلَ: زائدةٌ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن بَرهانٍ (١): من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض فقد جاء عن (٢) أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ (٣) وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]. انتهى. وقال بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط لأنَّ «الباء» للإلصاق، باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي (٤)، فيتناول مسح الحائط (٥) كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ
توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه»، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده (١) أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة (٢) المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ من أنَّ المُرسَل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل. انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث (٣) المغيرة بن شعبة: «أنَّه ﷺ توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة (٤)»، فلو وجب الكلُّ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه ﵊ بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس، فأُجِيب عنه بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر لأنَّه ظنِّيٌّ (ثُمَّ غَسَلَ) ﵊ (رِجْلَيْهِ) أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه (٥) بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦١٩١]، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قال: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ -، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ)؛ أَيْ: مِنَ الْغَشْيِ (إِلَّا مِنَ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ) فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ. وَالْمُثْقِلُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنَ الْغَشْيِ مُطْلَقًا، وَالتَّقْدِيرُ: بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنَ الْغَشْيِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُثْقِلًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ أَيْضًا، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ أَيْضًا، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ هِشَامٍ وَامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ.
قَوْلُهُ: (فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ) كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ بِالنُّونِ، وَلِكَرِيمَةَ أَيْ نَعَمْ، وَهِيَ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ كَانَتْ بِرَأْسِهَا.
قَوْلُهُ: (تَجَلَّانِي)؛ أَيْ: غَطَّانِي، قال ابْنُ بَطَّالٍ: الْغَشْيُ مَرَضٌ يَعْرِضُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَالْوُقُوفِ (١)، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِغْمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ، وَإِنَّمَا صَبَّتْ أَسْمَاءُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا مُدَافَعَةً لَهُ، وَلَوْ كَانَ شَدِيدًا لَكَانَ كَالْإِغْمَاءِ، وَهُوَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِالْإِجْمَاعِ، انْتَهَى.
وَكَوْنُهَا كَانَتْ تَتَوَلَّى صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَاسَّهَا كَانَتْ مُدْرِكَةً، وَذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَرَى الَّذِي خَلْفَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٨ - بَاب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
[الحديث ١٨٥ - أطرافه في: ١٩٩، ١٩٧، ١٩٢، ١٩١، ١٨٦]
قَوْلُهُ (بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ) كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ، وَسَقَطَ لَفْظُ كُلِّهِ لِلْمُسْتَمْلِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ)؛ أَيْ: سَعِيدٌ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمَسْحِ سَوَاءٌ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قال: يَكْفِي الْمَرْأَةَ مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا.
قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ مَالِكٌ) السَّائِلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، بَيَّنَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ فِي وُضُوئِهِ أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وُضُوئِهِ مِنْ نَاصِيَتِهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَصْرَحُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنَ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلُ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ مُجْمَلٌ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْهَا مَسْحُ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ، أَوْ مَسْحُ الْبَعْضِ عَلَى أَنَّهَا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَتَبَيَّنَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْمِيمَ لَيْسَ بِفَرْضٍ (١)، فَعَلَى هَذَا فَالْإِجْمَالُ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ)؛ أَيْ: أَبِي عُثْمَانَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَيِ: ابْنِ أَبِي حَسَنٍ وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، وَلِجَدِّهِ أَبِي حَسَنٍ صُحْبَةٌ، وَكَذَا لِعُمَارَةَ فِيمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فِيهِ نَظَرٌ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ وَقَدْ دَخَلَهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ كَمَا سَمَّاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدُ هَذَا مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِيهِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ عَمُّ أَبِيهِ، وَسَمَّاهُ جَدًّا لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَتِهِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَدًّا لِعَمْرِو بْنِ يَحْيَى لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْكَمَالِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ ابْنُ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَغَلَطٌ تَوَهَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى هِيَ حَمِيدَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بِنْتُ أَبِي حَيَّةَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّائِلِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُمْ فَأَبْهَمَهُ، قال مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى: إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَسَنٍ - وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى -، قال: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ أَبَا حَسَنٍ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ. وَكَذَا سَاقَهُ سَحْنُونُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ إِنَّهُ، قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ، قال: قُلْتُ. . وَالَّذِي يَجْمَعُ هَذَا الِاخْتِلَافَ أَنْ يُقَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو حَسَنٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُهُ عَمْرٌو وَابْنُ ابْنِهِ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ، فَسَأَلُوهُ عَنْ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَوَلَّى السُّؤَالَ مِنْهُمْ لَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ، فَحَيْثُ نُسِبَ إِلَيْهِ السُّؤَالُ كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، قال: كَانَ عَمِّي يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ يُكْثِرُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبِرْنِي. فَذَكَرَهُ. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ إِلَى أَبِي حَسَنٍ فَعَلَى الْمَجَازِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَكْبَرَ وَكَانَ حَاضِرًا. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ لِيَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ فَعَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ نَاقِلَ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَضَرَ السُّؤَالَ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ،
عَنْ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قال: قِيلَ لَهُ تَوَضَّأْ لَنَا فَذَكَرَهُ مُبْهَمًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ قُلْنَا لَهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ كَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا عَلَى سُؤَالِهِ، لَكِنَّ مُتَوَلِّيَ السُّؤَالِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا رِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَسَنٍ، قال: كُنْتُ كَثِيرَ الْوُضُوءِ، فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَتَسْتَطِيعُ) فِيهِ مُلَاطَفَةُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّعْلِيمِ، وَسَبَبُ الِاسْتِفْهَامِ مَا قَامَ عِنْدَهُ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ نَسِيَ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا بِمَاءٍ) وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ. وَالتَّوْرُ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ، قال الدَّاوُدِيُّ: قَدَحٌ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَاءٌ يُشْرَبُ مِنْهُ. وَقِيلَ هُوَ الطَّسْتُ، وَقِيلَ يُشْبِهُ الطَّسْتَ، وَقِيلَ هُوَ مِثْلُ الْقِدْرِ يَكُونُ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمِخْضَبِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ وَالصُّفْرُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ صِنْفٌ مِنْ حَدِيدِ النُّحَاسِ، قِيلَ: إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الذَّهَبَ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الشَّبَهَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ. وَالتَّوْرُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ إِذْ سُئِلَ عَنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي حِكَايَةِ صُورَةِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِهَا.
قَوْلُهُ: (فَأَفْرَغَ) وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى، عَنْ وُهَيْبٍ فَأَكْفَأَ بِهَمْزَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً، عَنْ وُهَيْبٍ فَكَفَأَ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى يُقَالُ كَفَأَ الْإِنَاءَ وَأَكْفَأَ إِذَا أَمَالَهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ كَبَبْتُهُ وَأَكْفَأْتُهُ أَمَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِفْرَاغُ الْمَاءِ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى الْيَدِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِفْرَادِ يَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا لِلدَّرَاوَرْدِيِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ، فَيُحْمَلُ الْإِفْرَادُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَلَى الْجِنْسِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ مَرَّتَيْنِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ ثَلَاثًا، وَكَذَا لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظٌ وَقَدِ اجْتَمَعُوا فَزِيَادَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَافِظِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ، عَنْ وُهَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى إِمْلَاءً، فَتَأَكَّدَ تَرْجِيحُ رِوَايَتِهِ، وَلَا يُقَالُ يُحْمَلُ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.
وَفِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَالِاسْتِنْثَارُ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِنْشَاقَ بِلَا عَكْسٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الثَّلَاثَةِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآتِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ كُلَّ مَرَّةٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ فَإِنَّهُ تَطَرَّقَهَا احْتِمَالُ التَّوْزِيعِ بِلَا تَسْوِيَةٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى الْجَمْعِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنِ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ فَتُقَدَّمُ الزِّيَادَةُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ، فَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لِكَوْنِهِ عَطْف بِالْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ وَفِيهِ بَحْثٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى
وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لِلْإِتْيَانِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحُكْمَيْنِ مُجْمَلٌ فِي الْآيَةِ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، وَفِيهِ: وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُضُوءٌ آخَرُ لِكَوْنِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرَ مُتَّحِدٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَدْخُلُ الْمِرْفَقَانِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْمُعْظَمُ: نَعَمْ، وَخَالَفَ زُفَرُ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ وَهِيَ كَوْنُ مَا بَعْدَ إِلَى مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: الْيَدُ يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ إِلَى الْإِبْطِ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ تَيَمَّمَ إِلَى الْإِبْطِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بَقِيَ الْمِرْفَقُ مَغْسُولًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ بِحَقِّ الِاسْمِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فَإِلَى هُنَا حَدٌّ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَا لِلْمَغْسُولِ، وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفْظُ إِلَى يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ دَلِيلُ عَدَمِ دُخُولِ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ كَوْنُ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، قال: فَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَوَقَفَ زُفَرُ مَعَ الْمُتَيَقَّنِ، انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِدُخُولِهِمَا بِفِعْلِهِ ﷺ، فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ (١). وَفِي الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمِرْفَقَ وَفِي الطَّحَاوِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. قال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إِلَى فِي الْآيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ، فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ، انْتَهَى.
وَقَدْ قال الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إِيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، فَعَلَى هَذَا فَزُفَرُ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَكَذَا مَنْ قال بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ صَرِيحًا وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَبُ كَلَامًا مُحْتَمِلًا. وَالْمِرْفَقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي آخِرِ الذِّرَاعِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهِ فِي الِاتِّكَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زَادَ ابْنُ الطَّبَّاعِ كُلَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِرَأْسِهِ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ. قال الْقُرْطُبِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ يَجُوزُ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا، كَقَوْلِكَ مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَمَسَحْتُ بِرَأْسِهِ. وَقِيلَ: دَخَلَتِ الْبَاءُ لِتُفِيدَ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْغُسْلَ لُغَةً يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ، وَالْمَسْحُ لُغَةً لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ، فَلَوْ قال: وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ بِغَيْرِ مَاءٍ، فَكَأَنَّهُ قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمُ الْمَاءَ فَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: احْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جَمِيعَ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضَهُ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ يُجْزِئُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ فِي اتَّيَمُّمِ أَنَّ
الْمَسْحَ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ الْغَسْلِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَافْتَرَقَا، وَلَا يَرِدُ كَوْنُ مَسْحِ الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهِ ثَبَتَتْ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ لِعُذْرٍ - لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَظِنَّةُ الْعُذْرِ، وَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بَعْدَ مَسْحِ النَّاصِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -، قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَسْحُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ عَلَى الْعِمَامَةِ وَلَا تَعَرُّضٍ لِسَفَرٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لَكِنَّهُ اعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو مَعْقِلٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، فَقَدِ اعْتَضَدَ كُلٌّ مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمَوْصُولِ بِالْآخَرِ، وَحَصَلَتِ الْقُوَّةُ مِنَ الصُّورَةِ الْمَجْمُوعَةِ، وَهَذَا مِثَالٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ يَعْتَضِدُ بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ مُسْنَدٍ، وَظَهَرَ بِهَذَا جَوَابُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الْحُجَّةَ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ فَيَقَعُ الْمُرْسَلُ لَغْوًا، وَقَدْ قَرَّرْتُ جَوَابَ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ.
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ، قال: وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الِاكْتِفَاءُ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْمُرْسَلُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قال: السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَلَا مَا أَدْبَرَ عَنْهُ، وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ، فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبَدَاءَةَ بِالْمُقَدَّمِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ؛ أَيْ: بَدَأَ بِقِبَلِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكُ. وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ اسْتِيعَابُ جِهَتَيِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ، وَالْمَشْهُورُ عَمَّنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ، وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ التَّعْمِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الْآتِيَةِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَالْبَحْثِ فِي قَوْلِهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَعْبَ هُوَ الْعَظْمُ النَّاشِزُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الصَّحِيحُ فِي صِفَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ قَطْعِ الْمُحْرِمِ الْخُفَّيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْإِفْرَاغُ عَلَى الْيَدَيْنِ مَعًا فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ بَعْضُهُ بِمَرَّةٍ وَبَعْضُهُ بِمَرَّتَيْنِ وَبَعْضُهُ بِثَلَاثٍ، وَفِيهِ مَجِيءُ الْإِمَامِ إِلَى بَيْتِ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ وَابْتِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّ لَهُ بِهِ حَاجَةً، وَجَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَالتَّعْلِيمُ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِلتَّطَهُّرِ لَا يُصَيِّرُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ وَغَيْرِهِ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ. . . إِلَخْ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُهَا وَلَا مَا يَنْفِيهَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ، وَقَدْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِلِاغْتِرَافِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَهُوَ وَقْتُ غَسْلِهَا، وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والوقت والأَصيليِّ: «رأسه» (فَاحْتَجَّ) (١) أي: مالكٌ على أنَّه لا يجزي (بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) هذا الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٥].
١٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة، بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (المَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦١٨٦] (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (وَهُوَ) أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي) أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟) كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل ليكون أبلغ في التَّعليم (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك (فَأَفْرَغَ) أي: صبَّ من الماء (عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: «على يده» بالإفراد على إرادة الجنس (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ) وفي رواية الأربعة: «فغسل يده (٣) مرَّتين» كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: «ثلاثًا» فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد لأنَّ في
رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا (١)، ثمَّ الأخرى ثلاثًا» فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ لكون (٢) مخرج الحديثين غير متَّحدٍ (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) أي: بثلاث غرفاتٍ كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «واستنشق ثلاثًا»، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض بأنَّ ابن (٣) الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦١٦٤] (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى) أي: معَ (المَرْفِقَيْنِ) بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ بكسر الميم وفتح الفاء (٤)، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «إلى المرفق» بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: «إلى المرفقين» بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو (٥) على إرادة الجنس، وهو مفصل
الذِّراع والعضد، وسُمِّي به لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين خلافًا لزُفَرَ لأنَّ ﴿إِلَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) بمعنى: «مع» كالحديث (٢) كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك لم يبقَ معنًى للتَّحديد (٣)، ولا لذكره مزيد فائدةٍ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا لم تكن (٤) غاية كقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية وجب دخولها احتياطًا. انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَقَّن، وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يحتمل أن تكون (٥) بمعنى الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه» كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ «مسلمٍ»: «مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصُدْغَيْه» (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم» بأن وضع يديه عليه، وألصق مُسبِّحته بالأخرى وإبهاميه على صُدْغَيْه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب
جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦١٩٩] فلم يكن في ظاهره حجَّةً لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ به قبل الرَّأس (١)، وإِلَّا فلا حاجة إلى الرَّدِّ، فلو ردَّ لم يُحسَب (٢) ثانيةً لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية حُسِب ثالثةً (٣) بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر (٤)، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة (٥) وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في «باب من مضمض (٦) واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ»:
«ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر» [خ¦١٩١] كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها فقِيلَ: زائدةٌ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن بَرهانٍ (١): من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض فقد جاء عن (٢) أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ (٣) وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]. انتهى. وقال بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط لأنَّ «الباء» للإلصاق، باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي (٤)، فيتناول مسح الحائط (٥) كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ
توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه»، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده (١) أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة (٢) المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ من أنَّ المُرسَل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل. انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث (٣) المغيرة بن شعبة: «أنَّه ﷺ توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة (٤)»، فلو وجب الكلُّ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه ﵊ بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس، فأُجِيب عنه بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر لأنَّه ظنِّيٌّ (ثُمَّ غَسَلَ) ﵊ (رِجْلَيْهِ) أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه (٥) بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦١٩١]، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.